القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

حكومة الوحدة الوطنية: لمزيد إفراغ الفراغ..أم لتجديد الحلم الديمقراطي ؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2016-07-11 12:22:04 | 226 مشاهدة

مقدّمة :

في مناخ فتور سياسي عام وارتخاء شبيه بهدنة شاملة (سبقت الصيف بأشهر) بين فرقاء السياسة من ناحية ، والقوى الاجتماعية والدولة من ناحية أخرى ، و في ظلّ انصراف شعبي وإعلامي لمتابعة سيل جارف من المسلسلات التلفزية، يجري حوار "وطني" حول مبادرة رئاسية تم إطلاقها منذ أكثر من شهر(02 جوان)  لتشكيل حكومة وحدة وطنية تتولّى إكمال المسار المتبقي. وهي مبادرة رئاسية "مفاجئة" سياسيا بسبب انبنائها على إقرار رسمي من قبل الجهة المبادرة بفشل نهائي للحكومة الحالية، بما يستدعي تغييرها فوريّا، وهو أمر ليس محلّ إجماع، وعلى مجازفة غير محسوبة بتحميل أحزاب مفككة وتائهة باستثناء بعضها , مسؤولية الاتفاق على بديل أفضل ممّا هو قائم في ظرف زمني قياسي (أريد للمبادرة أن تكتمل قبل نهاية رمضان، في عجلة لم تبح بأسرارها بعد). المبادرة الرئاسية  تمّ طرحها في ظرف دقيق من تاريخ البلاد وبطريقة "غامضة" بما يجعلها مغامرة غير محسوبة العواقب والانعكاسات على مسار انتقالي متعثّر وباهت .  "غموض" حقيقي يمنع كل متابع من تحديد هويّة ومسؤولية الجهات التي تتحمّس لتغيير توازنات الحكم بهذا الإصرار والعجلة القريبين  من "الخفّة"، وهي تعلم هشاشة المشهد السياسي وضرورة تثمين وترسيخ مكسب الاستقرار الأمني والسياسي في محيط إقليمي ودولي متفجّر.أم أن احتداد تناقضات خفية داخل الحزب الحاكم(نظريا) والبلاد كان يقتضي خطوة استباقية بهذا الحجم لمنع انفجار أكبر؟ أم أن تونس تحتاج حقا مجازفة من هذا النوع ولو كان الثمن أن تكابد ألم مخاض الحيرة، لدرء ألم الفوضى ، وهو حتما أخطر وأشدّ؟

 حكومة وحدة وطنية،  وخطرملء الفراغ ب..الفراغ:

باندلاع أزمة حزب نداء تونس  بسبب الاختلاف داخل طواقمه  القيادية حول الصيغة المثلى لتقسيم المناصب و المسؤوليات. فالصراعات في الحزب كانت معلنة وعارية إلى حد أحرج كل السياسيين من خارج الحزب وبما ألحق من ضرر لصورة السياسي والسياسة في تونس .وهي الصورة المشوهة أصلا)بعد فوز انتخابي كبير قلب المشهد الحزبي وبشّر بتوازن سياسي مع حزب النهضة الفائز القديم والمتراجع بأقدار لم تفقده مكانته في منظومة الحكم، توازن كانت البلاد في أمس الحاجة إليه مهما قيل حول طبيعة حزب النداء الذي نشأ وفاز وتحمل مسؤولية الحكم دون أن يعقد مؤتمرا واحدا تتّضح على ضوء لوائحه هويّتُه بعد ذهاب رئيسه الباجي قائد السبسي الذي كان اسمه هوية مكتملة الدلالة ( بقطع النظر عن الموقف من هذه الهوية)،باندلاع أزمة النداء إذن، وانكفاء النهضة على نفسها استعدادا لمؤتمر كان محلّ رهان ومتابعة محليا وإقليميا ودوليا ، دخلت البلاد أزمة حكم عميقة.

ملامح الأزمة يمكن اختزال عناوينها في :

- عزلة الحكومة وافتقادها لسند حزبي سياسي قويّ ، حيث عجزت تنسيقية أحزاب الإئتلاف الحاكم عن الإجتماع على امتداد أشهر عديدة بسبب أزمة النداء وتعطّل مؤسساتها القيادية، قبل أن يعلّق حزب الاتحاد الوطني الحر عضويته فيها احتجاجا على التحاق عدد من نوابه بحزب النداء الشريك . هذه العزلة سمحت بتكوّن مراكز نفوذ داخل الحكومة نفسها وغياب التنسيق بين الوزارات وبروز مطامح شخصية لعدد من الوزراء على ضوء نتائج "البارومتر السياسي" الذي يصدر كل شهر عن مؤسسة"خاصة" مختصة في "تصنيع" الرموز والمواقف والتوجهات والأرصدة السياسية.

- قطيعة شبه كلية بين مؤسسات الحكم الثلاث ، الرئاسة والحكومة والبرلمان رغم ظاهر الانسجام بين رموزها القيادية : السبسي والصيد ومحمد الناصر. وهي قطيعة تعود باختصار إلى انعدام كفاءة الطاقم الاستشاري في الرئاسة الواقع تحت تأثير إرث إيديولوجي ثقيل يقر به أصحابه منذ سنة ولا يستنكفون عن إبدائه. وهو إرث يتناقض مع فلسفة الرئيس التوافقية الراسخة.

هذه القطيعة تعود كذلك إلى انحلال عملي لمؤسسة البرلمان (بلغت نسب الغياب درجة تنم عن استهتار بعض النواب بمصير البلاد) رغم محاولات كثير من النواب المخلصين لمسؤولياتهم تأمين الحد الأدنى من شروط اشتغال أعلى مؤسسة حكم في البلاد والضامنة لاستمرار تجربة الانتقال الديمقراطي.

- هذا الفراغ السياسي سمح للوبيات الفساد بالتمدّد والانتشار والتمترس في مواقع التأثير (المال والإعلام والأعمال) بما جعل الهيئات المكلفة بمقاومة الفساد ، ورغم تخصيص وزارة كاملة لإنجاز هذه المهمة، تتحدّث عن خطر قيام "دولة مافيوزية" وعن احتمال انهيار أركان الدولة برمّتها.

هكذا تجد البلاد نفسها أسيرة جدلية مدمّرة: فراغ سياسي يوفر أرضية خصبة لتمدّد الفساد. وفساد يتهيكل باستمرار ويمتلك أدوات التحكم في عملية سياسية تديرها نخبة عديمة الكفاءة(في مجملها) أو هي في أحسن الحالات لا تمتلك أدوات مقاومة طاعون الفساد. سيما وأن مؤسسة القضاء المنوط بها الدور الأساسي في مقاومة الفساد تقرّ بعجزها التام عن القيام بهذه المهمة( أنظر تصريح القاضي احمد صواب يوم 09 جويلية 2016 واعتذاره نيابة عن القضاة الشرفاء من الشعب عن هذا العجز القريب من التواطؤ).

 المحلّي والدولي، المعلن والخفيّ في أزمة الحكم :

 كل حديث عن أزمة التوازنات المالية الكبرى والإنهيار المفاجئ والمستمرّ للدينار وملفات الإصلاح الإقتصادي الحساسة (من قبيل ملف صندوق الدعم وملف المديونية...) ، والملفات الاجتماعية الحارقة كملف البطالة والتشغيل والمشاريع التنموية الكبرى ، وملف التهرّب الجبائي والفساد، وعن هشاشة الوضع الأمني وقابليته للانفجار في أي لحظة، كل هذا ،على حقيقته التي لا تحتاج جدلا ، لا يعدو أن يكون مضغا للماء وطحنا للهواء. مدار الأزمة في تونس باعتبارها مولد "الربيع العربي"  يكمن في تعطّل حصول اتفاق حول تفاصيل الخارطة السياسية شبه النهائية في تونس، والتوزيع النهائي للأدوار بين فاعلين محليين لا تخفى ارتباطاتهم برهانات دولية . هذا التعطّل هو الذي كان خلف "تجميد" المشهد السياسي و"تثبيته" على امتداد سنتين ،قبل أن يتمّ تحريكه الان فجأة في اتجاه لم يتبيّنه أحد حتى الان. الحضور الدولي في تونس كان معلنا خلال كل أطوار الحوار الوطني الذي أشرف عليه الرباعي الراعي للحوار (المتوّج بنوبل للسلام في حركة دالّة على عضوية العلاقة بين المحلي والدولي في كل ما يجري من تحوّلات سياسية مهما بدت محلية )، وليس من قبيل التخوين والإدانة لأي طرف كان أن نشير إلى تعقّد اللعبة السياسية في تونس وانفتاحها على خارطة مصالح دولية متصارعة ومتشابكة ومتغيّرة.      لهذه الاعتبارات نجازف بالقول أن الخلفية الأرجح  للأزمة ، الثاوية في طيات كل المناورات القائمة الآن في صمت مريب ، هي عدم حصول اتفاق إقليمي ودولي حول موقع حركة النهضة استراتيجيا في منظومة الحكم في تونس.حيث أن حجم وطبيعة الدور الذي سيُسمح به لحركة النهضة سيحدّد اتجاه السير العام للتجربة الديمقراطية التونسية الوليدة. موقع النهضة في منظومة الحكم سيحدّد المساحات المتبقية لحركة نداء تونس (الذي نعتقد أنه لم يفقد كثيرا من حضوره الجهوي والمحلي رغم أزمته المركزية) ولفاعلين جدد أو "قدامى عائدين" محتملين قد يفدون على المشهد الحزبي في الاستحقاق الانتخابي القادم. استحقاق قد يفاجئ الجميع من حيث نسب مشاركة نقدّر أنها ستكون كارثية بالنظر لانتشار حالة اليأس من السياسة في صفوف الشباب وفي عموم المواطنين أيضا، ومن حيث نتائج قد تعيد تشكيل المشهد السياسي برمّته. المؤشرات الأولية تقول أن حركة النهضة "تؤهّل" دوليا لضمان استقرار التجربة الديمقراطية ضمن الهامش الليبرالي الرأسمالي المتاح. فبعد أن خرجت من مؤتمرها الأخير موحّدة في الحدّ الأدنى وفي "هيأة" مدنية ديمقراطية وطنية متخفّفة من طابعها  الدعوي وارتباطاتها الخارجية الإخوانية المفترضة، ها هي تُستقبل رسميّا في فرنسا بحفاوة فاجأت المراهنين المحليين على راديكالية العلمانية الفرنسية وانغلاقها في وجه الحركات ذات الخلفية الإسلامية ولو كانت مغلّفة بخطاب حداثي. هذا الخيار تسميه الحركة اندماجا وظيفيا في مؤسسات الحكم، وينظر إليه كذلك على أنه تخلّ منها عن طابعها الإحتجاجي المنحاز للمجتمع في مواجهة دولة لم تتشكّل بعدُ هويتها الديمقراطية ولم تتخلّص من نزوعها "الطبيعي" للتسلّط والفساد، ويدفع نحوه أكثر من طرف غربي ضمن سياسة تطويع واحتواء الزخم الشعبي الذي تمثله هذه الحركات.

تدرك حركة النهضة طبعا أنها محلّ رهانات سياسية متناقضة ومتشابكة ، وأن مصير التجربة الديمقراطية الجديدة متوقّف – على الأقل في المدى المنظور- بأقدار كبيرة على حسن إدراكها وإدارتها لمقتضيات اللحظة التاريخية داخليا  ووطنيا ( وهي تدير "صراعها" الخفي مع نداء تونس بنسب نجاح مهمة فتراقب تآكله بحياد حينا ، وتتوسّط بين قيادييه لمنع انهياره  لصالح بدائل حزبية –حركة مشروع تونس أساسا- قد تكون أكثر راديكالية في عدائها للنهضة، وهي إذ تفعل هذا تحرص أن تحافظ على موقع الطرف الثاني – سياسيا وبرلمانيا- الذي لا يتحمّل عبء فشل ممكن للحكومة القائمة وللتجربة عموما، و في كل هذا لا تغفل أبدا عن حساسية علاقتها باتحاد الشغل باعتباره أكبر لاعب سياسي في البلاد )، وإقليميا( إذ تحرص على لعب دور مهم في الدفع باتجاه حل سلمي للازمة الليبية المستحكمة، وتقيم علاقات جيدة بالجارة الكبرى الجزائر، فضلا عن عودة الدفء لعلاقتها بالسعودية اللاعب الإقليمي المهم الذي كاد يضع حركة النهضة أيام الملك عبد الله على قائمة الحركات الإرهابية)، ودوليا( حيث يمكن اعتبار الزيارة الأخيرة لفرنسا اختراقا سياسيا استراتيجيا تاريخيا كبيرا ينضاف لعلاقة تُعتبر مستقرة مع الولايات المتحدة).

مشاورات تشكيل حكومة وحدة وطنية : تمديد للمرحلة الانتقالية أم تجريب سياسي :

رغم الغموض المحيط بخلفيات المبادرة الرئاسية، وعدم خلوّها من محاولات إعادة تموقع ما قبل انتخابي من طرف أحزاب أخرجتها الانتخابات الأخيرة من المشهد السياسي كليا، ورغم حالة الإرباك الخطيرة التي أحدثتها المبادرة على أداء الحكومة الحالية ، وانصراف بعض أعضاء الحكومة عن مواصلة الإشراف اليقظ على تطبيق برامج وزاراتهم لصالح ترتيب ممهّدات مواقعهم في الحكومة القادمة، ورغم خطر انهيار الوضع كليا لو أن رئيس الحكومة الحالي استجاب لبعض الضغوط اللامسؤولة من داخل  حزب النداء أساسا ورمى باستقالته قبل اكتمال المشاورات، رغم كل هذا يظلّ مشهد اجتماع تسعة أحزاب سياسية وثلاث منظمات وطنية على طاولة واحدة مشهدا "إيجابيا" عموما يُنبئ عن إدراك جماعي لحاجة البلاد لكلّ نخبها مهما تباينت رؤاهم ومواقفهم السياسية، وعن وعي بهشاشة وضع انتقالي في سياق إقليمي مضطرب بما يتطلّب ، لا "تأجيل" المنافسة الديمقراطية بين الأحزاب إلى ما لانهاية والاستعاضة عن التنافس بالتوافق (رغم اتجاه الديمقراطية عالميا نحو توافقات كبرى بين أحزاب تتناقص تمايزاتها باطراد) ، ولكن بتوفير أرضية توافقية صلبة يصبح الوعي الديمقراطي في نهايتها مشتركا ثقافيا وطنيا عاما ومكسبا مؤسساتيا راسخا.

خاتمة :

قد لا تسفر مشاورات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية عن اتفاقات كبرى بين المشاركين فيها، رغم إمضائهم جميعا على وثيقة أولويات هذه الحكومة، فيستمرّ التجاذب المعلن داخل النداء والصامت بين النداء والنهضة ، وتواصل الحكومة الحالية عملها معتمدة على توازنات برلمانية شبه مستقرة رغم أنها قد لا تعكس حقيقة الأوزان الواقعية للكتل البرلمانية ، في انتظار انتخابات جهوية وبلدية قريبة يقبل عليها الجميع بقلوب واجفة. وقد يستقوي رئيس الحكومة الحالي، في حال فشلت المشاورات، على بعض أعضاء حكومته الذين استهدفوه وعبروا عن مساندتهم المطلقة للمبادرة في تجاوز غريب لواجب التضامن الحكومي، فيقوم بالإستغناء عنهم بما قد يعمّق أزمة النداء ( الوزراء السبعة الموقعين على بيان مساندة المبادرة من النداء) ويدفع في اتجاه انتخابات مبكرة ربما، وهو سيناريو مستبعد بالنظر لرصانة أثبتها رئيس الحكومة الحالي إلى حد الآن. وقد تتمخّض الحوارات فيما يشبه المعجزة عن حكومة وحدة وطنية بكل الأطراف المشاركة في المشاورات، فتتقدّم البلاد خطوة عملاقة على طريق الاستقرار السياسي والاجتماعي الضروري للبدء في معالجة الملفات الاستراتيجية الكبرى معتمدة على جبهة داخلية صلبة في مواجهة تيار عولمة رأسمالية متوحشة نعم ولكنها تضطر للتكيف مع ذكاء الشعوب الحالمة .

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك