القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

حكومة "الوحدة الوطنية: من إدارة حلم الثورة الى ادارة الازمات

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2016-09-02 10:12:22 | 101 مشاهدة

مقدّمة :

يقف أغلب التونسيين اليوم حائرين أو لا مبالين أمام التطوّرات السياسية المتسارعة في بلادهم، بعد أن استفاقوا على مبادرة رئاسية من الحجم الثقيل تدعو إلى تشكيل حكومة "وحدة وطنية" لتعويض حكومة ائتلاف رباعي برئيس مستقل أجمع كل الداعين لذهابه على "نجاحه" في معركة "مقاومة الإرهاب" التي أعجزت سابقيه وعجّلت برحيلهم. وثيقة قرطاج التي بلورت أولويات الحكومة الجديدة حظيت بموافقة تسعة أحزاب وثلاث منظمات وطنية ولكنها لم تقنع أيا من المتابعين بوجاهة المبادرة وخلفياتها . إذ أنها لا تعدو أن تكون سوى إعادة صياغة ديماغوجية لبرنامج الحكومة المقالة ، ممّا يرجّح فرضية خضوع الطبقة السياسية برمّتها لإكراهات و"التزامات" ممنوعة من التداول العلني وعصية عن التفسير رغم ما صرخ به نواب البرلمان في جلستي سحب الثقة وفي التنصيب من حديث غامض ومبهم عن لوبيّات فساد ومراكز نفوذ  تدير الشأن السياسي من وراء حجاب. هذه الحيرة واللامبالاة من جانب الشعب أمام غموض خلفيات مشهد سياسي يدار من غرف خلفية توشكان أن تأتيا على ما تبقى من رصيد الثورة المعنوي في قلوب وعقول وخيال التونسيين الذين أعاد إليهم حدث الثورة إيمانهم بجدوى الفعل التاريخي قبل أن يحصل ما حصل. لا أحد يستطيع أن يتبيّن خلفيات مشاركة بعض الأحزاب في الحكومة الحالية في آخر لحظة بعد ترددها بين المشاركة في المفاوضات ثم انسحابها ثم عودتها في الدقائق الاخيرة. آليات التفاوض بما فيها "الضغط" و"الإغراء" قد تظلّ سرا غامضا كغموض محركات مشهد سياسي تونسي شديد التقلّب والهشاشة .

كيف وصلت تونس إلى هذا الوضع من هشاشة المعنى الوطني الجامع بعد زخم ثوري فريد فتح للتونسيين وللعرب "باب السماء" ؟

سياسة استهداف وتبديد معاني الثورة :

سنة 2011، وقف التونسيون مشدوهين أمام كرم قدري تجاوز كل سقوف أحلامهم ، إذ وجدوا أنفسهم أمام انزياح فجئي وسريع لديكتاتورية بوليسية مافيوزية عائلية صمدت عشرين عاما في وجه نضالات سياسية وحقوقية مدنية صادقة ومثابرة . نضالات انتهى  بعض أصحابها إلى صمت مقابر أو صمت سجون أو تيه مهجر، ورضي بعضها الآخر ب"غنيمة" أن يعترف لها النظام بحق الوجود وأن يمنّ عليها بإدماج طوعي في "وظائف" سياسية شكلية ، تسليما منها لقدر الدكتاتورية التي استجمعت كل شروط رسوخها واستمرارها في تونس.. إلى الأبد. مع انزياح الدكتاتورية في عملية تشبه "البيغْ بانْغْ" التاريخي لا السياسي فقط،غمر طوفان الحرية الزمن التونسي. وارتبك الجميع أمام حجم الحرية التي كادت تتجاوز حدود تعريفها الميتافيزيقي. حتى من كان يظنّ نفسه "هانئا" بالعيش في ظل قبضة أمنية توفّر له الحماية مقابل تنازله عن التفكير والكلام في السياسة استشعر مذاقا جديدا للحياة.وانخرط مباشرة في مسار تشكيل التاريخ التونسي الجديد. وليس أدل على ذلك من الانتخابات التأسيسية التي استقطبت اهتماما ونقاشا ومشاركة كل الفئات والجهات والتيارات في تمرين ديمقراطي استثنائي في تاريخ العرب .

إلا أن ما استجدّ من أحداث على طول مسار الانتقال من اللاتاريخ إلى السياسة كشف للجميع ما مثلته الثورة من فرصة حقيقية لتحرّر تاريخي ونهوض حضاري طالما حلمت به العرب، ومن تهديد حقيقي لتوازنات محلية ودولية راسخة نجح القائمون على حمايتها في امتصاص صدمتها (الثورة) الأولى قبل أن يتمكنوا من الإلتفاف عليها والتحكم في مساراتها ، وكشف أيضا قصورا تاريخيا فادحا لدى نخب الفكر والسياسة عندنا في اقتناص لحظة تحوّل مفصلي في تاريخ العالم والمنطقة لإعادة إدماج شعوبنا ضمن مسيرة إنسانية أسقطتنا من حسابها منذ قرون.

يمكن تلخيص مسار "الثورة المضادّة" في مهمات دقيقة تتابعت حينا وتزامنت وتقاطعت أحيانا أخرى هي : إغراق الثورة في أيامها الأولى بفوضى معلوماتية شوشت على الناس نخبا وشعبا حقيقة ما كان يحدث ليقع تسريب حلول سياسية "وقتية" ولكنها ستحدد طبيعة المسار اللاحق برمته، ثمّ بفوضى المطلبية الجارفة لإرهاق الثورة وإثقالها وتعجيزها ( وهو ما انتهى إلى تعطيل قطاعات إنتاج عالية التشغيل بما ضاعف من عدد البطالين ، وإلى إثقال المالية العمومية بزيادات جنونية في الأجور ...). ثم التشويش على الوعي الشعبي وهرسلته وتجريفه بقصف إعلامي  ممنهج ومكثّف بهدف تشكيكه في شعارات الثورة وفي مصداقية الطبقة السياسية الجديدة معتمدة آلة إعلامية مرتهنة ماليا وسياسيا وثقافيا لمراكز نفوذ قديمة أو/و خارجية ، وتمترسها خلف قلاع إيديولوجية حاجبة لرؤية واقع متحرّك ومعقّد وفهم متطلباته. ولكن السلاح الأعلى فاعلية تدميرية في مسيرة الانقلاب على الثورة كان ما سمي ب"الإرهاب.

"الإرهاب" لاغتيال الثورات وتدمير السياسة:

 مثّل سلاح "الإرهاب" أداة شديدة النجاعة في تحقيق كل أهداف سياسة استهداف وتبديد  معاني الثورة دفعة واحدة وبفاعلية شديدة .فقد كان الإجرام الإرهابي الموجّه يضرب في لحظات مفصلية من مسار البناء الديمقراطي الصعب (وها هو يثبت يوم تنصيب الحكومة الجديدة أن دوره لم ينته بعد). "الإرهاب" هو الغول الذي لا يزال ممنوعا من التفسير ومحاطا بغموض مقصود لأنه في قلب مخطط الانقلاب على فرصة النهوض العربي التي دشنتها الثورات العربية. "الإرهاب" المختبئ خلف أقنعته العديدة نجح في حرف المسارات الثورية الانتقالية عن اتجاهها وفي شقّ الصفّ الوطني بعد أن عمد إلى اغتيالات موجّهة لزرع إسفين الفتنة والانقسام بين القوى السياسية الجديدة ليتيح لمراكز الارتداد فرصة العودة لقلب السياسة من أبواب متعدّدة راوحت بين الانقلاب العنيف والانتخاب "المؤطّر" والمتحكّم فيه ماليا وإعلاميّا واختراق الطبقة السياسية الجديدة الوافدة على الدولة والسياسة.

"الإرهاب" في نظري تقاطع تاريخي ( ثقافي وسياسي ) موضوعي، عنيف ومتوحّش بين مكبوت حضاري قهري بفعل استعمار غربي همجي  ومخزون فقهي ( ولا أقول ديني) وثقافي لاعقلاني من ناحية ، وعقل استعماري عولمي مرقمن ومسلّح وذي فاعلية تدميرية خيالية. شعار مقاومة هذا "الإرهاب الإجرامي المعولم" أصبح هو العنوان الأبرز وشديد التمويه الذي ترفعه أقطاب سياسية استعمارية دولية متنافسة حينا ومتحالفة أحيانا أخرى استباحت كل أنواع الجريمة لمنع انتقال دول الثورات العربية إلى مرحلة الاستقلال الوطني الحقيقي بعد أن نجحت لوهلة في التخلّص من الاستبداد السياسي .

كل هذا التخطيط الانقلابي المحكم والمدار محليا وإقليميا ودوليا( والذي لم يعد يحتاج إثباتا بعد انكشاف تفاصيل مخطط ما أصبح يعرف ب"غرفة العمليات الدولية" في أكثر من بلد من بلدان الربيع العربي وبعض داعميه) قابلته جهود سياسية وطنية أحسنت توظيف المتاح من مجال المناورة والصمود والصبر والتنازل مثّل الحوار الوطني أرقى تجلياته. لذلك لا نستطيع الجزم بنهايات المواجهة في تونس بين اتجاهين في التعامل مع مرحلة تاريخية معقّدة ومفتوحة على إمكانيات مجهولة. اتجاهان متداخلان ومشتبكان إلى درجة يصعب فيها تحديد خطوط فصل واضحة ودقيقة بين "معسكرين" اصطلح على تسميتهما بمعسكر "الثورة" و"الثورة المضادّة". هذا التشابك ينظر إليه الصف الراديكالي على انه إرباك للعملية الثورية وإضعاف لقوى التغيير الجذري، بينما يراه البعض تفكيكا ذكيا لألغام الانقسام المجتمعي والاحتراب الأهلي وتقريبا ضروريا لفرقاء سياسة قد ينزلقون لعنف سياسي مدمّر للدولة والمجتمع في محيط  إقليمي يحترق.

بين استئناف السّياسة أو نسفها : 

رغم حالة الحيرة واللامبالاة وربما القرف من الحديث في الشأن السياسي ، ستظلّ السياسة ضرورة وجودية ملازمة للاجتماع البشري وحاجة تونسية حيوية آنية لدخول مرحلة الدولة الحديثة ، لا لإدارة حلم الثورة ومعانيها العالية كالحرية والكرامة والمواطنة وتحقيق الاستقلال الوطني الحقيقي رغم ضرورة كل هذه المهام، فتلك مرحلة طويت مع زحف "الثورة المضادّة" الممنهج ومع إخفاقات طبقة سياسية وجدت نفسها في موقع قيادة ثورة أربكت خيالها وتجاوزت سقوف حلمها (فضلا عن أن عقلها السياسي تشكّل في مناخ الاستبداد وحمل منه "فيروسات" فتاكة كالوصولية والانتهازية وحب البروز ....الخ)، بل لإدارة ما تبقى من "المعنى الوطني المشترك". وبما ان تونس بعد ثورتها، قد انتقلت من إدارة حلم الحرية إلى لملمة الحد الأدنى الوطني،فإن سياق الحد الأدنى الوطني الواقع يقف اليوم على  تخوم اتجاهين متناقضين :

- إما النجاح في الحدّ من خسائر المسار الثوري ووقف الانهيار بترسيخ مكسب الديمقراطية في حده الأدنى ، عبر تفعيل الدستور التقدّمي الذي يؤطّر العملية الانتقالية برمتها (رغم كل ما يقال اليوم من أن العملية السياسية برمتها تقع خارج مقتضيات الدستور، وان مؤسسة الرئاسة اخترقت الدستور في مبادرتها الأخيرة، وهو أمر مبالغ فيه وغير دقيق قانونيا أو أنه خاضع لقراءات مختلفة )  ، واستكمال بناء المؤسسات الدستورية الحامية للحريات والحقوق. ونحن في هذا السياق نسجّل مؤشرات فاعلية سياسية إيجابية تحتاج الالتفاف حولها وتثمينها من مثل الدور الذي يمكن أن تضطلع به "الهيئة العليا لمقاومة الفساد" (التي عمدت الحكومة المقالة في خطوة إيجابية إلى مضاعفة ميزانيتها مؤخرا) التي تبدو مصمّمة على تطهير الفضاء السياسي والاقتصادي والإداري من فساد ينخر كل قطاعات الدولة ويهدد كيانها. مثلما نسجّل حرفية الحكومة المقالة ( رغم الطريقة المهينة التي اعتمدت في إقالة رئيسها) في تأمين مصالح الدولة ومبادرتها لإعداد كتيب في كل وزارة يسجّل نسب إنجاز المشاريع والصعوبات المطلوب معالجتها. وهو أمر ينمّ عن بداية تبلور "عقل الدولة" في سلوك طبقة الحكم في تونس. فضلا عمّا يمثّله البرلمان من فضاء تداول سياسي مؤسس للاختلاف والتنوّع والتنافس رغم كل النقائص التي يمكن تسجيلها بخصوص هذه المؤسسة ( نقائص تساهم حتما في تشويه صورة السياسي وتعطي فرصا حقيقية للتشكيك في جدوى الديمقراطية برمتها...ولكنها نقائص يمكن تداركها مستقبلا بمراجعة القانون الانتخابي حتى لا يصعد من هب ودب للبرلمان، فضلا عن أن مساوئ الديمقراطية لا تقارن بكوارث الاستبداد).

إلى جانب "الهيئة العليا المستقلة للانتخابات" التي تحظى باستقلالية حقيقية وترسل بإشارات مطمئنة حول استعدادها لتأمين محطة الانتخابات المحلية والبلدية القادمة . ورغم كل ما يحفّ بالمسار السياسي من مخاطر وغموض، فإن مجرد توفّر مؤسسة دستورية مستعدة لتأطير العملية الديمقراطية في كل وقت هو في ذاته مكسب كبير يحتاج تثمينا وحماية. فضلا عن توفّر منتظم حزبي ،رغم هشاشته وعدم استقراره وقابليته للاختراق والتوظيف، فهو ممثّل لمختلف العائلات الفكرية والسياسية التقليدية بما يتيح أمام فئات واسعة من الشعب فضاء ضروريا للمشاركة السياسية، مشاركة لا تقوم الديمقراطية بدونها.

نعدّد هذه الإشارات الإيجابية حتى لا ننسى أن أرضية استئناف المسار الديمقراطي المتعثّر متوفرة، وأنها أرضية أنجزتها الثورة بتكاليف باهظة ، وأنها تحتاج إعادة تثمين بعيدا عن منطق الاطمئنان الغبي لاستقرارها وقابليتها للنسف في كل لحظة إن هي افتقدت للمؤمنين بها والمدافعين عنها.

- أو التسليم القهري بانسداد آفاق التحرّر الوطني نظرا لقوّة شبكات الفساد وتحكّمها الكامل والنهائي في كل مفاصل الدولة وأجهزتها بما يجعلنا نعيش ديمقراطية صورية ، ديمقراطية/واجهة تخفي وراءها قوى دولية كبرى لها كل إمكانيات الهيمنة والنفوذ وتوظف وكلاء محليين (وسطاء وسماسرة ...) يمسكون مفاصل الاقتصاد الذي أصبح اقتصادا رأسماليا عالميا مرقمنا ومحميا بقرار سياسي عالمي عالي التسليح وشديد الفتك  وموحّد المصالح رغم بعض المناوشات التي تحصل بين الحين والآخر بين مراكزه الموزعة على خريطة العالم.

خاتمة:

الحديث عن مأزق تاريخي وفلسفي تعيشه الديمقراطية في العالم أمر حقيقي وواقعي وهو مدار نقاش عام في الغرب الآن ، فما بالك ببلدان لم تنجز حداثتها السياسية بعد وما زالت تعيش على هامش التاريخ الإنساني وتجرّ خلفها قرونا من الانحطاط والاستعمار والتبعية ، غير أن الرجة التي أحدثها الثورات الأخيرة في المنطقة العربية من العالم رجة حقيقية مست أركان الاستبداد المستقر في أرض العرب منذ ما يشبه الأزل، وحرّكت بركة التفكير التقليدي الراكدة  ففاحت رائحتها الكريهة في شكل طفرة سلفية جاهلة،  تمّ توظيفها من طرف عقل استعماري ذكي ودموي كأبشع ما يكون لتعطيل التحوّل التاريخي العميق الذي انطلق في بلاد العرب. وقد كان لا بد لهذه الرائحة أن تنطلق وتتبدّد في هواء الحرية لتتيح للعرب فرصة التهيّؤ لهواء التفكير الجديد.

وبعيدا عن تفاصيل مشهد سياسي تونسي متقلّب مفتوح على كل احتمالات النجاح والفشل وعلى كل أنواع الجدل السياسوي المغرق في الآني والجزئي ، نقول أن ما يعتمل في أحشاء التاريخ البشري وفي مساحات الروح الإنسانية الخالقة "على غير توقّع" من إمكان حرّ للفعل والحركة والخيال ، يتجاوز ثنائية "الخير والشر" ويجعل من وعي الوجود/التاريخ سببا كافيا للعيش، ويفرض على من جمعتهم صدفة "حياة" وقدر"موت" على رقعة "وطن" أن يتمسّكوا بمساحة الحرية التي يحرص أعداؤها على الترديد دون كلل أن ما تحقّق لنا منها "شكليّ" ولا حاجة لنا به، وفي نيّتهم دفع الشعب إلى رمي رضيع (الحرية) مع ماء غسيل (السياسة).

عبد الرزاق بلحاج مسعود

عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسيّة.  

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك