القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

حفر في تقبّل البورقيبية ما بعد 2011 بتونس: مساهمة في السياسة الحيّة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-01-13 13:37:00 | 474 مشاهدة

             ملخص:

             نحدّد في البداية هوية هذا البحث حتى يستطيع القارئ أن يضبط مجال قراءته، فمعرفة جنس المكتوب يساعد القارئ لا محالة، إذ هو من جنس المقالات التي تكون في العادة متخففة من التوثيق والإحالات دون أن يعني ذلك انعدام المراجع أو قلة مصداقية. ويشتغل هذا المقال بالسياسة الحيّة (la politique Vive) ونبغي من وراء هذا التحديد الفصل بين نمطين في الكتابة السياسية:

- الكتابة السياسية النظرية أو الفلسفية التي تدور على تجديد أنماط الحكم ونظرياته وما الى ذلك...

- السياسة المباشرة التي يشتغل أصحابها على العملي والسعي للوصول الى السلطة والتصرف فيها وتكون غايتها النفعي والراهن أو الفائدة المباشرة بقطع النظر عن الحقائق والمبادئ...

 وبهذا نكون قد رفعنا التباسا قد يبدو للبعض فليست غايتنا الحديث في السياسة بإطلاق وانما السياسة في بعدها العملي ولكن السياسة الحيّة تبقى مجالا فسيحا ولهذا نذكر ضابطا ثانيا يتمثل في تحديد المجال والحيز العملي أو الظرف إذ سيكون المدار على كيفية التقبل الآلي للسياسة في قترة زمانية مُحددة في بلد محدد مع نمط في الحكم محدد، وهي في النهاية محددات ثلاثة: البورقيبية باعتبارها المجال المباشر السياسي الآني أولا، وما بعد 2011 ثانيا، وفي تونس ثالثا. وبهذا وقع التأطير من الزوايا الثلاث: الموضوع والمكان والزمان...

مقدمة:

شكلت البورقيبية على امتداد تاريخ الدولة الوطنية ولم تنته وهي نامية باستمرار، ولما كان دورانها على مدونة المواقف والأعمال والأقوال المنسوبة الى الزعيم بورقيبة والتابعين له، فإنها على دينامية واسعة وبالتالي فإن كنا لا نستطيع الحديث عن البورقيبية دون نسبتها إليه فإننا لا نستطيع أن نحصرها فيه بل هي بمثابة السلوك الجمعي الذي انطبع به الكثيرون مع الزعيم وبعده وبهذا تكون البورقيبية ترميزا مركبا فهي مسندة وتنتسب إلى رمز ثم صارت بدورها رمزا مكتفيا بذاته منغلقا على نفسه فهي موصولة باسم صاحبها وفي الأثناء تفيض عليه.

إن عملية تقبل البورقيبية كانت مثيرة، ويمكن تصنيفها إلى: التقبل المنتمي والتقبل المعارض، وللتقبل المنتمي تصنيفات كما هو الأمر بالنسبة إلى التقبل المعارض أو الرافض.

إن المتقبل المنتمي هو المُتقبل "الدستوري" الذي ينتمي أصحابه إلى حزب الزعيم الذي حصلت فيه معارضات داخلية وبالتالي يمكن تصنيف المتقبلين البورقيبيين إلى "دستوري"و"معارض داخلي" أي معارض أو منشق على الدستوري "الأصل"، وفي هذا السياق يمكن اعتبار التيارات المنشقة عن الحزب بورقيبية ولم يكن الانشقاق محدودا أو مرتبطا بظرف محدد بل قد نجد  له جذور تعود الى فترة ما قبل الاستقلال ولكن الأشهر ما يمكن أن نُطلق عليه تسمية "الدستوريين التجمعيين"، وهنا يمكن لمن له ذاكرة تاريخية أن يتذكر تلك النقاشات الدائرة  حول تغيير اسم الحزب بعد انقلاب 1987 قد حافظت التسمية على صفة الدستوري بعد تلك النقاشات الطويلة وكان الأساس في المحافظة على الصفة هو إثبات الصلة بينه وبين الحزب الدستوري فالصفة تمثل ربطا وجمعا بين تجربتين تربط بينهما الصفة... 

أما التقبل المعارض فقد كان حاضرا كذلك منذ الفترات الباكرة لتاريخ البورقيبية وهي متعددة وإن كانت تعود الى خلفيات أيديولوجية ثلاث ماركسية وقومية ودينية إسلامية، ولكل صنف من هذه أصناف أخرى، فالماركسية ماركسيات والقومية قوميات ...الخ، وقد كانت البورقيبية مع الزعيم وبعده حساسة لعمليات التلقي بأنواعها سواء أكانت منتمية لها أم خارجة عنها...

وكل هذه الحركات تنشد من البروقيبية غايات مُحددة وينشد ما وقع فقده فيها فالمعارض البورقيبي ينشد انفتاح البورقيبية والمعارض الماركسي ينشد العدالة والاشتراكية والمعارض القومي ينشد الوحدة والوطن الكبير، والمعارض الإسلامي ينشد الهوية والانتماء الحضاري، بينما ترى البورقيبية نفسها قد استوعبت كل المطالب الغائبة ولهذا كان تصرفها مع جميع المعارضين حادا وكان مصير الجميع ما بين الرفت والنفي والسجن ولهذا كانت قد صفت الحساب مع الجميع منذ السنوات الأولى وكأنها مستعجلة للتخلص من المخالف والإبقاء على الموافق...

 البورقيبية والتقبل السياسي: محاولة تحقيب:

إن هذا التأطير هو في الحقيقة تأطير لعملية التقبل ولكن التأطير لا يفك الإشكال فالتقبل في حد ذاته إشكال والبورقيبية إشكال ثان والزمن إشكال ثالث، ما دام التقبل ليس القبول وليس المقبولية، فبالتالي قد يكون التقبل قبولا كما يمكن أن يكون رفضا وذلك عائد الى طبيعة المتقبل وملابسات التقبل وموضوعه، ولهذا يكون التقبل عملية متعددة ذات اتجاهات مختلفة. وحتى نتخطى مثل هذه الإشكالات سنتعاطى مع موضوع "البورقيبية" سواء أكان هذا التقبل داخليا أم خارجيا منتميا أم غير منتم. وإن كان التركيز سيكون على تقبل البورقيبية من الزعيم إلى "الرئيس": ذي الرئاسات الثلاث ونقصد به الرئيس الباجي قائد السبسي في أطواره الرئاسية الثلاثة منذ رئاسة الحكومة ما قبل انتخابات 2011، ثم رئاسة حزب نداء تونس في 2012 ثم الوصول إلى رئاسة الجمهورية 2014...

ونظرا إلى أهمية "تقبل الرئيس" للزعيم وما تحمله من إثارة ومظاهر براعة وفطنة وديناميكية سنجعل منها محورا ومرتكزا فهو الشاهد والفاعل على امتداد فترة تناهز القرن وسنلتفت في الأثناء إلى أمثلة أخرى في التقبل للبورقيبية بصفة عامة حتى من قبل المناهضين لها...

أما الإشكال المتعلق بالبورقيبية فيمكن صوغه على النحو التالي، فالبورقيبية مربكة ضرورة فهي مذهب يستند إلى علم مازال له حضور مؤثر في مستويات متعددة في طبقة واسعة من الرأي العام، وفي نظام الدولة وإيديولوجيتها فبقي رغم طول الزمن غير منفصم ولا منفصل عن مسار البلاد بصفة عامة فهي مذهب وإن ارتبط بالزعيم فإنه يفيض عليه ويبقى بعده وصار بمثابة العقيدة المرتبطة باسمه تماما على غرار كل الرموز سواء أكانوا مفكرين أم سياسيين فإن اسم العلم حينما ينقلب إلى مذهب يتحول إلى رمز ، وإن هذا المذهب الذي يصبح منسوبا الى الزعيم لا يموت بموت صاحبه ولكن يبقى بعده وهو ما حصل مع مثال الحال، ولذلك تكون البورقيبية هي أوسع من اسم العلم وإن نسبت إليه فبقيت البورقيبية حتى بعد الانقلاب عليها سنة 1987 وحتى بعد الثورة عليها 2011، ولهذا سنحاول أن نحفر في ضغط المذهب على المتقبل وأسرار حضوره في الغياب والبقاء في الرفض ووجدنا في تقبل "الرئيس" للزعيم -الباجي- مسارا مهما في محاولة فهم هذا الحضور الممتد والمتواصل.

 أما الإشكال الثالث فهو متعلق بالزمن وقد ضيقنا مجاله وحصرناه في ما بعد 2011 ذلك أن ما حصل في تاريخنا هذا له تأثير لافت في علاقة بالبورقيبية التي كانت مستهدفة من قبل الثورة وبالتالي سيتبدّل نمط التعامل معها وتقبلها بصرف النظر عن نوعية هذا المتقبل. فما وقع في 2011 يمكن اعتباره عملية تحرير لهذا التقبل وبالتالي تخلصت عملية التقبل للبورقيبية - نظريا دائما – من الإكراهات المفروضة عليها من سلطة البورقيبية نفسها.

إن جملة هذه الافتراضات المذكورة سابقا تكسرت جميعها أمام الواقع وأحداثه المتزاحمة، بل إن عملية التقبل سُلطت عليها ضغوط مستجدة أثرت في تقبلها، وبات التقبل أمرا خاصا، مثيرا. ومثلما حررت الثورة الأفهام أنشأت عناصر جديدة لم تكن موجودة من قبل فأصبح اختيار الانتخابات حقيقة بعد أن كان مصادرا فتحررت إرادة الناخب حينما منحت للناخب إمكانية كانت منعدمة أو في أحسن الأحوال صعبة، فالناخب لم يبق ناخبا بل يمكن أن يكون مُنتخبا وبالتالي صار صاحب مصلحة وما كان ليغيب عن الناخب الحصيف والذي يمكن ان يكون منتخبا بعد ان فسح له المجال بفضل ما حصل في 2011 ليفرط في خزان انتخابي تُمثله البورقيبية فصارت البورقيبية بمثابة البرنامج الانتخابي لمثل هذا الناخب الحصيف وبالتالي وقع وإحياؤها بعد موتها، وهذا يعني أولا أن عملية الاستدلال والبرهنة كانت تعتمد المناورة وإشهار المصلحة لارتباطها بمنفعة محددة وهذا يعني ثانيا أن البورقيبية وإن كانت محورا وموضوعا للمتقبل إلا أنها ليست هي المحددة، فالمحدد الأساسي هو ما يستدر منها من كمية الأصوات أثناء الانتخاب لصالح - المنتخب في مجال السياسة الحية- ولهذا يمكن أن نفصل بين استدلال المتقبل السياسي والمباشر واستدلال المتقبل العاقل أو المتقبل العلمي واستدلال المتقبل الفنان فالأول يقوم على المنفعة والثاني يقوم على الحقيقة والثالث يقوم على العاطفة. وقد حازت البورقيبية على هذه الأنماط الثلاثة فتقبلها العالمُ وتقبلها السياسي وتقبلها الفنان، وتختلف عملية التقبل باختلاف أنماطها الثلاثة فالتقبل العالم للبورقيبية غير التقبل السياسي وغير التقبل الفني واختلفت دوائر الاهتمام من نمط الى آخر فكانت مدونة التقبل الأول غايته الحقيقة (انظر مثلا كتابات الصافي سعيد، منير الشرفي، الهادي البكوش، الطاهر بالخوجة، مصطفى الفيلالي ومحمد مزالي من السياسيين ودراسات منصف وناس، آمال موسى، شكري المبخوت، لطفي حجي...)، أي أنه ليس مشدودا للمنفعة الانتخابية المباشرة، والتقبل الفني غايته الإمتاع وهو ما حصل في مسرحية رجاء فرحات حول الزعيم، أما التقبل السياسي الحي فغايته النتيجة....إن الرئيس الباجي قائد السبسي مثال فريد من نوعه فقد كان حاضرا في حالتين من أحوال التقبل، كان حاضرا في التقبل العلمي من خلال مؤلفه: HABIB BOURGUIBA LE BON GRAIN ET L'IVRAIE الصادر عن مطبعة الجنوب 2008، ولم يكن في هذه الحال كما هو الحال في تعاطفه مع البورقيبية فيما بعد 2011 وكأن الشخص ليس الشخص وكأن المتقبل الأول ليس هو المتقبل الثاني. إن هذا التنوع دفعني إلى المباشرة وتفكيك الظاهرة فحصول الانقلاب في تقبل الموضوع الواحد لا يفسر بسهولة أو لا يفهم بالنظر الخارجي فالمتقبل واحد والموضوع واحد والنتيجة متعددة. إن عملية التقبل في مجال السياسة الحية بصفة عامة وللبورقيبية بصفة خاصة ولفترة ما بعد 2011 بصفة أخص محكومة بمنهج خاص يقوم على البحث عن المنفعة الذاتية عبر واسطة، ولكن الطريف أننا نكتشف أثناء عملية التشريح والحفر أن هذه الواسطة ليست في الحقيقة سوى الموضوع فالبورقيبية واسطة وموضوع في آن، وهي الموضوع ذاته ولذلك حصل الانحدار بالموضوع من مجال التعاطي إلى مجال الواسطة فبات مجرد محمول ووسيط للوصول إلى غاية تنشدها الذات المتقبلة وهذا الذي عنيناه بــ ''ليس إن'‘.  و''ليس إن'' ليست درسا في النحو وإشكالية النواسخ وإن كنا من أهليه وإنما هو كناية عن أمر آخر هو تسمية كنائية لمنهج التقبل في المجال السياسي الحيّ (اختار روائي مصري عنوانا كنائيا لرواية له '' جمهورية كأن"  علاء الأسواني في الآداب 2018) هو منهج يقوم على التكييف الشامل للوصول إلى المبتغى الشامل فالقفز على الحقيقة مُباح من أجل الغاية "النبيلة" وتكييف الموضوع ضرورة للوصول إلى الغاية "النبيلة" وبهذا تحصل عملية تكييف ثرية ليس لها حدود سوى حدود المنفعة، فالمستدل أو المتقبل في هذا المجال ليست غايته ما يقول وإنما غايته ما يحصل من وراء هذا القول وهذه العملية ولذلك جمعناها في هذه الكناية ''ليس إن'' فالقول بالانتصار للبورقيبية أو رفضها أو معاداة أعدائها ومناصرة أتباعها حقائقها الأصلية هي في غيرها أي في التوق إلى الرئاسة ليس إلا. ف"ليس إن'' هي ضرب للإثبات المؤكد فلا شيء مؤكد في التعاطي السياسي العملي، كما أنها ضرب وتكسير للنفي، إذ لا وجود لنفي مطلق وإنما هم انفتاح على النسبي يُمثل هوية وخاصية للتعامل السياسي الذي يميلُ حيث تميلُ البورصة الانتخابية ويصبح التعامل مع المرجعية والبورقيبية نموذجا مفتوحا يتصل بها وينفصل عنها يدخلها ويُغادرها بلا ضابط سوى الضابط المنفعي الانتخابي (انظر حوار الباجي قائد السبسي – قناة  الحوار التونسي 24 سبتمبر 2018)... إن الأنا "الفذة" في التقبل السياسي الحي تقوم على منهج الإيهام والإيحاء والتكييف والتوجيه والتحكم والفصل والوصل لموضوعها فبات عندها رقائع ترتقها حسب الأهواء والغايات، إنه مدار ''ليس إن" فعملية التقبل عند السياسي الحي أو في السياسة الحية عملية مُسننة(codé)في حاجة إلى تفكيك هذا التسنين le décodage والذي يمكن أن نجمعه في مبدأ كلي إنه الكرسي مرة أخرى فبعد أن ترجل الزعيم وقامت الثورة في النهاية ، باعتباره منجم أصوات أو خزان أصوات، إننا نحفر على امتداد مراحل متعددة لبيان الاستثمار في البورقيبية من أجل تعبيد الطريق إلى الحكم حتى كأن البورقيبية لا قيمة لها خارج دائرة التوظيف السياسي..

إن الخلل الحاصل أو العطب في تلقي البورقيبية بصفة عامة أن أصحابها لم يسمُ بهم الوعي إلى النظر للبورقيبية كرُؤية شمولية، ولم يفهموا كون البورقيبية بُنية (structure) مغلقة تقبل كُلها أو تُرفض كُلها، فالذين لم يقبلوها كما الرافضينأخطأوا خطأ منهجيا في التقبل، إنه التقبل النفعي الذي يرى في الموضوع مأربا وغاية نفعا وإيثارا...

هذه الخطاطة الكبرى لأنواع التقبل بصفة عامة دون التمسك بدقائق التحقيب التاريخي لأن غايتنا ليست تاريخية بل سيمائية دلالية فالغاية ليست التدقيق في التصنيف بل التدقيق في المعاني والدلالات، في دائرة التقبل السياسي الحي والمباشر ولكن التقبل للبورقيبية ما بعد الثورة شهد خصيصة لم تكن موجودة قبل هذه الفترة فقد كان الانفصال حاصلا في عملية التقبل بين تيارات تمايزت مواقفها من البورقيبية وكان ردة الفعل إزاءها كذلك واضحة وحادة ولكن الانقلاب الحاصل في المفاهيم والغايات والأجندات فيما بعد الثورة وضعت للتقبل في هذه الفترة ميزة خاصة هو التقبل الكلي بدل التقبل المتعدد فأصبح للتقبل نمطا واحدا تقريبا، فالكل صار منتميا للبورقيبية حتى بما في ذلك الأحزاب العقائدية..والماركسية...الخ، فقد نام الجميع معارضين واستيقظوا موالين حتى أولئك الذين كانوا من أعدائها الشرسين،لقد نسي المتقبلون جميعا ذواتهم ونسوا أفكارهم المجلجلة في عهد الزعيم ذاته وفي أعتى ظهوره وعنفوان سلطته سكت الماركسيون "عن قمع الطبقة  العاملة" وما حصل في التعاضد من نهب للضيعات والمتاجر وحوادث 26 جانفي 1978، وسكت القوميون عن تجزئة بورقيبة للمجزأ "والبوروقيبية موكول لها ضرب النظام الوحدوي"، فهو "النظام الإقليمي العميل" والذي كانوا يصدحون بها على عهده وسكت الإسلاميون عن مظالم البورقيبية التي طالت جحافل مُناضليهم وخروقات منشور 108 وقد قاوموه في عهده بطريقتهم، وسكت الحقوقيون عن مطلب العفو التشريعي العام الذي طالبوا به في عهده وعن حق المرأة في الولادة وعن مأساة قطع ارحام   الانجاب الذين رفعوا راية الدفاع عن هذه الحقوق وغيرها في عهده،كما نسي الحقوقيون والمعنيون بها الخروق الحاصلة في شأن المرأة منها ما وثقه تقرير منظمة "من يسمع صوتي اليوم" من النساء الضحايا غير المباشرات في تونس والذي جاء في صفحة 13 منه أنه وقع فرض عليهن من قبل الإدارة في عهد ابن علي الحصول على إذن مسبق للاضطلاع بمهام دنيوية مثل أخذ طفل للطبيب، وسكت الليبراليون الذين انشقوا عن حزب الزعيم بتعلة انعدام الديمقراطية...

هذا السكوت لا يُمكن فهمه في ضوء نظريات التقبل إلا بجداول أخرى مرتبطة بما توفره المدرسة المتبعة وهي البورقيبية من ربح آخر ونفع آخر، فالسكوت ليس نتاج قمع وقد تكلم الجميع رغم القمع في عهد الزعيم، ولكنهم سكتوا جميعا في عهد الحرية الزاهي بفعل الثورة وسكتوا عن ملفات الرمز "السود"، وتفسير ذلك هو التقبل النفعي القائم على منهج"ليس إن" القائم على جمع التناقض وعلى تجميع المُفتت وتفتيت المُجمع وتوحيد المتناثر وتبعيد المُوحد ومحو عناصر وزرع أخرى واثبات المنفي ونفي المثثبت وترجيح المُؤكد وتأكيد المرجح وبعبارة جامعة: "فعل أي شيء من أجل أي شيء"... 

إن هذا الاستثناء في حاجة إلى تفكر خاص ولسائل أن يسأل ألم يكن الجميع معارضا للبورقيبية ليلة 14 جانفي 2011 حتى الذين كانوا غير معارضين لاذوا بالصمت وابتعدوا عن الأضواء خوفا من ردة فعل محتملة ودعا بعضهم إلى عدم المعاملة بالمثل ودعا آخر إلى ضرورة الغياب على الأقل ولو لفترة زمانية محددة ولكن وبقدرة قادر انقلبت المواقف كما يقول علماء الهندسة بنسبة 180 درجة أو من النقيض إلى النقيض فغلب المتقبل القابل وارتفع صوته وتعددت الأحزاب الحاملة لصفة البورقيبية بكيفية لم تكن لتحصل قبل هذا التاريخ،على غرار "الحزب الدستوري الجديد" و"حزب اللقاء الدستوري" و"المبادرة الدستورية" و"الحركة الدستورية"، فما السر في ما حصل؟

قبل الإجابة عن أسباب التحول في نمطية التقبل نجد أنفسنا في حاجة للوقوف عند مثال لافت يستغرق الإشكالية المثبتة أعلاه، إنه مثال الباجي قائد السبسي ذلك المتقبل "الفذ" أو المثال على المتقبل المثالي récepteur modèle  أو المتقبل النموذجي (récepteur  typique). هذا المتلقي كان شاهدا سياسيا، فالرجل كان بورقيبيا متحمسا ومساهما في بناء الدولة وقبلها في الحركة الوطنية وكان معارضا داخليا وأوشك على الذهاب للتقاعد السياسي بعد البيان الصادر عنه سنة 1972 مع مجموعة من المناضلين الدستوريين ثم عاد لفترات وجيزة بعد التحول أي الانقلاب على بورقيبة 1987 ثم غاب مطول ليعود بعد 2011 كرجل مهم من رجالات المرحلة وكان في كل ذلك بورقيبيا معارضا وقابلا وكان في الاثناء يسمو على التصرف السياسي العملي ليكون رئيس تحرير صحيفة Democratie ميزت الحياة الصحفية في فترات الحرمان وكان في الأثناء يظهر في مظهر المؤلف وكاتب المذكرات إنه الحاضر دائما وان تعددت صور الحضور حتى أن الدارس يقع في خطأ منهجي دائما إن لم يجعل منه شخصية محورية في تصديه لموضوع كهذا. إن التعالق بين المتلقي الفذّ أو النموذجي أي الباجي قائد السبسي والبورقيبية تعالق انتمائي هُووي أي أن العلاقة بينهما علاقة هوية لا يُفهم الباجي خارجها، وبالتالي كانت عنصر الهوية السياسية الأقوى كما أن الدراسات البورقيبية تبقى منقوصة إن لم تجعل من الباجي قائد السبسي مرجعية لها... يعنينا في ذلك توظيف البورقيبية عند هذا المتقبل للوصول الى الغايات والغاية السامية هي الوصول الى الرئاسة ولا نعتقد ان هذه العملية يسيرة اذ لماذا لم يفلح غيره رغم التشابه في المرحلة والحالة والظروف ان التلقي الخاص هو وراء كل هذا وهو الذي كان صانعا لهذه الشخصية من وضع الانسان إلى وضع الانسان السياسي إلى وضع الانسان الرئيس.

إن تقبل الزعيم هو أساس الوصول إلى الرئيس فالزعيم صنع الرئيس، إنه الزعيم الذي صنعه الباجي قائد السبسي وهو ليس الزعيم التاريخي في ضوء عملية التقبل، وعملية التحويل إذ لا تقبل إلا عبر تحويل، إن هذا التحويل مزدوج كان فيه الزعيم في وضع المرفوض وصار فيه في وضع المقبول وما كان ليحصل هذا لولا عملية التقبل التي فعلت تحويلا مزدوجا أصبحت فيه شخصية الزعيم ليس بشخصية الزعيم التاريخي وأصبح فيها المتقبل شيئا آخر بفضل هذه العملية فالتقبل كان بابا للرئاسة ولم يكن إحياء البورقيبية إلا باعتبارها طريقا لها...

 

تأليف المفتت أو التقبل الخلاّق

اتسمت أحداث تونس منذ جانفي 2011 بخصائص نقف منها عند خاصيتين مميزتين الأولى التسارع والثانية الكثافة أي الحركية في النسق والتعدد الكمي،  فقد ترأس البلاد شخصان رئيسيان في أقل من أربع عشرين ساعة وشهدت إنفلاتة في تأسيس الأحزاب والجمعيات وشهدت عددا كبيرا من التحركات والاعتصامات من هذه الأحداثنذكر: ترأس فؤاد المبزع للبلاد- ترأس محمد الغنوشي للحكومة- تعليق العمل بالدستور وتعليق مجلس النواب بغرفتيه – تشكيل هيئة تحقيق أهداف الثورة – إصدار مرسوم العفو التشريعي العام – حل التجمع الدستوري الديمقراطي – مصادرة أملاك بعض المشتبه بهم – تشكيل أحزاب ومنظمات منها تنظيم أنصار الشريعة – تنظيم انتخابات 2011 – تشكيل منظومة الحكم حسب الفائزين – تأسيس النداء – حصول اغتيالات سياسية – تأسيس جبهة الإنقاذ – اجتماع باريس بين الباجي قائد السبسي زعيم نداء تونس وجبهة الإنقاذ والأستاذ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة – سقوط حكومة الترويكا تأسيس حكومة الإنقاذ الوطني –تنظيم انتخابات 2014 –نجاح حزب النداء – ترأس الباجي قائد السبسي للجمهورية التونسية.

إن هذا الكم من الأحداث حصل في فترة زمنية قصيرة نسبيا مما يدل على كثافتها وهي تبدو عاكسة لحال الفوضى التي عرفتها البلاد وهي أحداث فيها السياسي وفيها الاجتماعي وفيها الإداري التنفيذي وفيها التشريعي، ولكن وراء هذا تكمن حقائق أخرى وقصة كبرى هي قصة تقبل وسردية خاصة تفاعل عملية التقبل وإن كان المنطق المجرد لا يقبل ربط هذه بفاعل واحد.

يمكن تصنيف هذه الأحداث إلى ما قبل الانتخابات وما بعدها ولكن وإن كنا نقر بأهمية هذا الحدث ولكنه يستغرق جزءا ولا يستغرق الكل....وإن هذه الأحداث تُمثل حالة الفوضى الخاصة إنها فوضوية متعمدة .

إن هذه الأحداث تبدو بعيدة عن المحور الذي نحن بصدده وهو محور البورقيبة ولكن سنرى فيها مفتاح أسرار كل ما حدث، فالبورقيبية حاضرة في هذه الأحداث بل إنها مثلت الخلفية القوية لكل ذلك . لقد كانت الأحداث المتوهجة منذ جانفي 2011 مرتبطة بالموقف من النظام أي النظام البورقيبي ذلك إن فترة "العهد الجديد" هي امتداد للبورقيبية وهذا يفسر بتلك الإجراءات الحاصلة  في الأثناء ومنها حل التجمع ومصادرة الأملاك وإيقاف بعض الرموز والوزراء وقد لاذ البقية بالصمت وتخفوا عن الأنظار خوفا وتوقيا من ردات فعل محتملة، وإن هذه الحالة بقيت سارية الى حدث الانتخابات ونتائج العملية الانتخابية ومن اللافت في الاثناء دعوة التجمعيين إلى الغياب والاقلاع عن العمل السياسي لفترة حتى تتبدل الأحوال ومن اللافت أيضا نداء بعض التجمعيين إلى عدم المعاملة بالمثل (أنظر تصريح الهادي مهنى) والإقرار بالأخطاء الحاصلة ضد الخصوم السياسيين الى حد هنا كانت البورقيبية في مدار الرفض ولكن بعد الانتخابات وتشكل النظام السياسي وفق النتائج المسجلة انتقلت البورقيبية من مدار الرفض إلى مدار الاستدعاء والقبول وذلك نتيجة قراءة جزء هام من الطبقة السياسية غير القابل بما حصل وخاصة بحضور حركة النهضة في المشهد بعد الانتخابات ومن نتائج هذه القراءة العودة إلى البورقيبية التي قامت الثورة ضدها، وهذا يعد عنصرا من عناصر الاستثناء التونسي إذ اتسعت دائرة القبول للبورقيبية كحل للخروج من المأزق لتشمل كل السياسيين تقريبا إن استثنينا التيار السلفي بل لعل عدم الانصياع والدخول في بيت الطاعة للبورقيبية مع أسباب أخرى هي وراء تصنيفه تنظيما إرهابيا...

إن البورقيبية كانت حاضرة في الاحداث حضورا مزدوجا وهو ما تثبته الحقائق الحاصلة فما معنى ان يتقلب الأمر منها من الضد الى الضد، وهو ما يعني ان التعاطي مع البورقيبية قبولا ورفضا لا يخضع لمواقف مبدئية منها وإنما لأغراض ومصالح وهي مصالح الوصول الى السلطة عبرها لأنها الخزان الذي يريح مما حصل فالمسألة ليست عقائدية وإنما هي منفعية ولا أدل على ذلك أن ضحاياها أصبحوا لائذين بها على اختلاف خلفياتهم وتخلى الجميع عن المعارك الحاصلة ضدها وحصلت أكبر عملية تبييض لها والأطراف في زمن ما بعد الثورة وفي زمن صدور العفو التشريعي العام وفي كل الأحوال ما حصل هو أمر غير عقلاني وغير منطقي وبكل المقاييس لا يمكن أن يكون الجلاد المنقذ، ولعل ذلك خروج عن المرامي الاستراتيجية للثورة وبهذا تكون الثورة في وضع الارتجاج ووضع التشكيك .

ومن هنا تطرح عملية تقبل البورقيبية في هذه الفترة التاريخية، فالبورقيبية حضور في هذه الأحداث سلبا وإيجابا ولكن لها عرابوها وهم متقبلوها أساسا وستقف عند العرّاب "الفذ" أو المتقبل الأمثل لهذه الاعتبارات بل باعتبار دوره المحوري في تعريبها ودوره المحوري في الأحداث فكما كانت البورقيبية حاضرة في الغياب وغائبة بالحضور كذلك كان دور العرّاب الباجي قائد السبسي.

إن الباجي قائد السبسي كان فاعلا في هذه الأحداث وما تغير وظائفه إلا دليلا على ذلك فبدأ من الغياب إذ لم يكن له حضور قبل أن يستبد بالمشهد وسيكون بدءا من ذلك الوقت توأما لرئاسات مختلفة رئاسة الحكومة رئاسة الحزب ورئاسة الدولة فقاد البلاد للانتخابات ولم يشارك فيها ثم يعود إلى الانتخابات وقد جرّد نفسه للقيام بمهام حاسمة منها إزاحة الترويكا وبالتحديد النهضة وحصول الحوار الوطني ثم الترشح للرئاسة في انتخابات 2014....

إن الأحداث في مجملها تعود إلى أمور تدخل في الإطار المتحكم فيه رغم فوضويتها الظاهرة فما معنى أن تشتعل الأحداث لتتوقف وتنهار وتصل إلى حل فجأة. معنى هذا أن هناك فاعلين وإن لم يكونوا دائما ظاهرين ، ونُشير بدءا إلى افتراضات جدية أو ممكنات قوية مثل أثر الأوضاع الإقليمية والدولية في الأحداث[1]، فهي ليست في موضع المراقب أو الرقيب بل نحدس إلى تأثير أقوى لها سلبا وإيجابا فأن تتعطل تونس في فترة محددة وينحبس منها حتى الماء وحتى الحاجات العادية والملموسة ثم يقع الانفراج. إن هذا ليس من الأمور العادية رغم ما يمكن قوله من أن وضعا غير عادي قد يؤدي إلى أشياء غير عادية. نعتقد أن دوائر مُحددة كانت معنية بالوضع في تعقيداته وفي حلوله ومآلاته خاصة حينما نستحضر مُعطيات تاريخية قديمة تعود إلى الفترة الاستعمارية ومخاض عملية الاستقلال حيث جعلت تونس داخلة في مشاغلهم واهتماماتهم، فقد أُثر عن موسيليني الزعيم الإيطالي سنة 1940 في غضون الحرب العالمية الثانية حينما دخلت إيطاليا الحرب قوله "tunisia inistra" يعني "تونس متاعنا".

إن اصطفاف الجميع عمليا وراء اختيار الرئيس فيضع الثوري نفسه في وظيفة قاطع الطريق في انتخابات 2014، ويضع أكبر حزب في تلك الفترة والمنتصر في انتخابات 2011، ناخبيه على الخيار من أمرهم وأن يصير الباجي قائد السبسي بحزب بصدد التأسيس ولم يعقد مُؤتمره بعد رئيسا، هي الأمور التي لا تقوم على الاعتباط والصُدف....

ولكن العوامل المذكورة والمفترضة لا تُعدمُ دينامية الذات وفاعليتها على حد عبارة "ماكس فيبر" (Max Weaber) وكذلك حسب نظرية "الفوارق الصغرى" لسيغمووند فرويد،  فلشخصية الباجي ومرجعتيها وخطة اتصالها دور حاسم رغم كُل العوامل الأخرى، فللرجل من البراعة والبراغماتية والحصافة والقدرة الاتصالية ما ساعده على حصول ما حصل وكذلك للحنكة والخبرة والأعمال التي قام بها في الفترة الأولى لرئاسة الوزارة وكيفية توظيفه لها وسعيه إلى فوضية المشهد، كل ذلك له دوره الحاسم أيضا، وكذلك للمرجعية دور فاعل فأن يتخذ البورقيبية خلفية له ولحزبه رغم تعدد الأحزاب المنسوبة إلى "الزعيم" فلذلك  دور حاسم أيضا لأن لبورقيبة طرافة خاصة فاستطاع الباجي قائد السبسي أن يوظف ما جدّ في البلاد بكيفية تكون فيه البورقيبية هي الحل، ولعل التركيز على مبادئ معينة البغية منه الربط مع البورقيبية...

إن التركيز على مدارات "المرأة" و"التعليم" و"هيبة الدولة" و"تفقير الطبقات الشعبية بالتحديد" وإهمال قيم أخرى أو على الأقل جعلها في أسفل برنامج الحملة الانتخابية من قبيل العدالة والحرية وما إلى ذلك ليس سوى حُسن صياغة وتبويب لاستدعاء البورقيبية . إنها مدارات البورقيبية الكبرى وقد صاغها المُتقبل "الفذ" صياغة تجعل الحل فيها وليس في أي مذهب غيرها، ولهذا نرى أن العناصر المؤلفة إضافة إلى العوامل الخارجية وتأثيرها هي في الحقيقة فعل تقبل سياسي مباشر لمذهب معين ألا وهو البورقيبية، فكل ما حصل حتى وإن لم يكن الباجي قائد السبسي في شتى المراحل الحاصلة في تلك الفترة فاعلا مباشرا فيه وعائدا إليه بكيفية أو بأخرى يكفيه أنه أحسن إدارته وأجاد تقبله حتى تدرج من حال إلى حال صار فيها رئيسا لتونس وقد قاده "الزعيم" إلى ذلك بفعل عملية التقبل والتكييف climatisation  والترميز الذي صاغه المتقبل الفذّ الذي عاد من بعد تقاعد سياسي ليصبح رئيسا وهو ما يجعلنا نقرّ بمفارقتين عجيبتين في علاقة بثنائية المتقبل وموضوعه أي في علاقة بالرئيس الباجي قائد السبسي والزعيم الحبيب بورقيبة أولاهما أن الزعيم لم يرض بالتقاعد،  فوقع إجباره عليه "نظرا لطول شيخوخته" كما جاء في بيان الإحالة على التقاعد أي بيان السابع من نوفمبر بينما الباجي فقد ذهب للتقاعد وتم استدعاؤه للرئاسة تحت أنظار العالم وقد يكون بمباركة منه والأهم تحت أنظار النخبة السياسية العاملة (مقال في السياسة الحية) من الرفيق إلى الشيخ، وبفهم غير هذا نكون وقعنا في أكثر عملية استغباء للرأي العام المنشغل بظروفه الخاصة عن السياسة مشغل النخبة المُحبب ...

أما المفارقة الثانية فهي سليلة الأولى وموصولة بها وهي أن بورقيبة الذي جعل من نفسه رئيسا مدى الحياة فاعدم إمكانية التخلص منه إلا بالكيفية التي حصلت له أو بما هو شبيه بها وأزيح وهو في منتصف الثمانين من عمره بينما يصير الباجي قائد السبسي التسعيني العمر رئيسا بالانتخاب الحر والمباشر، وهي مفارقة عجيبة فعلا ومن الاستثناء التونسي في فترة الثورة بقطع النظر عن سلبية هذا الاستثناء أو ايجابيته هكذا تنهال الأمثلة والأحداث لتنهار عند نقطة ناظمة.

 إن ما نخلص إليه هو أن للأحداث ناظمها ونظامها وهو وإن لم ينحصر فيه فهو طرف فيه ونقصد بذلك الباجي قائد السبسي عامة والباجي قائد السبسي المتقبل خاصة والباجي قائد السبسي المتقبل البورقيبي بصفة أخص، وهو أمر وان لم يكن طرفه الوحيد فإنه الطرف الأقوى فيه وبهذا انقلبت فوضى الأحداث إلى منظومة أدت إلى نتائج صار فيها الباجي قائد السبسي سليل المدرسة البورقيبية رئيسا للجمهورية، وصارت الفوضى فوضية وصار الطبيعي صناعة وصار المُقلد خلاقا...

 

البورقيبية من المعارضات إلى  التلبس بالرمز

 

إن عملية التقبل وتحليلها أمر معقد في دوائر العمل والإجراء لأن المتقبل الحالي هو سياسي بشقيه العملي والنظري، وسنهتم فيه بالجانب الأول على أن نعود إلى الجانب الثاني في النقاش والتأليف فجانب العمل والمباشرة في المجال السياسي هو من قبيل العمل في الجانب التجاري القائم على حسن التسويق وكيفية الاشهار والابهار بالبضاعة المعروضة فالعمل السياسي هو عمل تجاري بصورة من الصور بل إنه عمل تجاري متغوّل أي عمل تجاري بلا بضاعة، فالمعروض ليس بضاعة وإنما هو كلام ومواقف ووعود إنه أمر لا مادي قبل أن يكون ماديا، ولهذا يبحث السياسي عن خطة ملائمة لتصريف بضاعته غير المادية وهي خطة اتصالية والطرف المستهدف هو السياسي الغفل أو السياسي الساذج le politicien naïf  وليس بمعنى الغباء الأخلاقي العادي إنه الناخب الجمع. وإن التعاطي مع الناخب يكون في مستويات منها: مستوى يتعلق بالناخب ومستوى يتعلق بالمُنتخَب ومستوى يتعلق بالوسائط،، فالمنتخب هو المحدد لكل ذلك فعليه أن يكون قادرا على جرّ الناخب لإرادته وذلك بأن يكون قادرا على توظيف الوسائط المؤدية لذلك وفي النهاية يكون المنتخب هو مدار العملية.

والرمز باعتباره سلطة ضاغطة في حاجة إلى عملية توصيل وخطة تبليغ خاصة ولما كان الوضع في تونس على الحال التي رأينا فإنّ المُنتخب وهو يخوض غمار حرب انتخابية تماما كما يخوض التاجر غمار الحرب الاشهارية وكما يخوض المحارب الحرب العسكرية عليه أن يختار رموزه الفاعلة وإن كانت كل الرموز فاعلة، فإنّ فاعليتها المنشودة في وضعية الحال، فالرمز وإن كان متعاليا في المطلق، إلا أن تعاليه لا ينفي جدارته  بإحضاره في وضع دون آخر فأحسن الرموز ما وقع اختيارها في وضعها المطلوب، وإن تونس في وضع ما بعد الثورة وبخاصة في وضع ما بين عمليتي الانتخاب 2011 و2014 في حاجة في ذهن السياسي العملي إلى رموز محددة ولهذا فإن عملية الاختيار الموفقة حسب زعمهم، هي التي تكون مُتماشية مع طبيعة هذه المرحلة.

إن اختيار الرمز هو جزء من خطة أشمل ولكن كيفية توظيفه أو اشهاره ليؤدي دوره وتأثيره في الناخب لصالح المترشح أو المنتخب هي الجانب الأكبر في هذه الخطة وبالتالي فإن المترشح يتحرك وفق مرحلية مضبوطة في خطة محكمة تبدأ من حسن قراءة الحال الى حسن اختيار الرموز الى حسن استعمال الوسائط....

كان الوضع رافضا للبورقيبية ما قبل 2011 وتحول إلى وضع آخر صارت فيه منقذا، ولهذا وقع الاختيار عليها لا لوضع عقائدي او انتمائي وانما لمردوديتها المفترضة في هذه الحالة الانتخابية خاصة وأنّ ضبط حاجيات المرحلة تم تكييفها بكيفية تجعل من البورقيبية هي النموذج المقبول بعد ان كانت نموذجا مرذولا فهذا الانقلاب من المرفوض الى المقبول ومن المعارض إلى المضارع.

 سيقوم المتقبل بمجهود خارق في استلهام شخصية الزعيم بل وتقمصها بحثا عن التشابه والتطابق الأكثر، وكلما قويت عملية المضارعة كان التأثير أكبر وهو ما كان حاضرا في وعي الباجي قائد السبسي إذ أنه سعى إلى إحداث المضارعة في أقوى درجاتها في مناورة أدخلت الناخب في دائرة الاشتراك في التعاطي مع الرمز وذلك بالمشاركة في تفكيك مظاهر الترميز كما يقول الباحث البريطاني "ستوارت هال"، لقد تم اختيار الرمز المناسب من قبل المتقبل المناسب للناخب المناسب في الوضع المناسب حسب فهم المُتقبل ووعيه وهي عملية واعية ولكن أن تكون الاختيارات الواعية مُثمرة في حاجة إلى عمليات أخرى تترجم مستويات التناسب وهو ما يجعل المُتقبل بينه وبين الموضوع أو الرمز المختار روابط يصنعها حتى وإن لم تكن ويخلقها خلقا وإن كانت معدومة وذلك ليبيّن حالات الصدق في عملية التماهي وهي حالات وإن كانت نفسية فإنها تُمسرح حتى تؤدي وظيفة التأثير المفترضة فالعلاقة الرابطة بين الرمز ومتقبله تصبح علاقة عاشق ومعشوق ذات بُعد روحاني تصوفي أو تشيعي وقد استعملت عبارات من هذا القبيل إذ قامت القناة الوطنية في إطار الحملة الانتخابية في الانتخابات البلدية في التعريف بولاية المنستير بأن جعلت قبر الحبيب بورقيبة عنصرا من عناصر ترجمة هذه المنطقة والمُثير أكثر هو استعمال مصطلح صوفي يختصر نمط العلاقة بين الرمز والمتقبل إنها "مرقد الزعيم الحبيب بورقيبة''.

إن المتقبل في حاجة إلى إخراج هذه التعاملات الروحية والمشاعر النفسية التي تربط بينه وبين الرمز إلى وضع المعاينة والمشاهدة من وضع الشعور إلى وضع الملموس، وهو جزء من خطة الاتصال أو هو حلقتها القوية وهو أساس الاستدلال في وضع الحال المختلف عن الاستدلال في الوضع العلمي أو المنطقي وهي الدراسات المذكورة سابقا. يختلف عن الاستدلال في الوضع الفني (مثال رجاء فرحات) والاستدلال في الوضع السياسي المباشر أو العملي.

يحرص المتقبل على تحصين قدسية رمزه ليجعل منها كلا رمزيا، فكل ما فيه رمز أو أنه بنية رمزية وقد سبق أن قلنا أن البورقيبية بنية، ويؤدي هذا الى تقطيع fragmentationهذه البنية إلى وحداتها الناطقة أو إلى تقسيمها إلى مُعينمات جزئية أي تقسيم المعنى الكلي إلى معان جُزئية والكل يهدف إلى التأثير في الفئة المستهدفة وهم الناخبون أو الناخب الجمعي للحصول على ما هو مطلوب منه وبهذا يقوم المتقبل بمضارعة شاملة أو المشابهة المطلقة عبر مضارعات صُغرى أو وجوه شبه في مستويات متعددة ضمن الصورة التشبيهية الكبرى مما يجعل عملية تقبل الرمز عند المتقبل الفذّ هي بمثابة الصورة الكلية للرمز ويقع تسويقها من خلال تعديد وجوه الشبه المتعددة منها.

دائرة الجسد

 تعتبر الدراسات الحديثة وخاصة الدراسات السيمائية الجسد لغة تماما كاللغة الطبيعية، أي أن اللباس ونظام الأكل وكيفية المشي والجلوس والنوم وكيفية الكلام كلها إشارات ورموز حية تماما كما اللغة الطبيعية التي يتكلمها الانسان او يستعملها في عملية التواصل حتى أن الصمت بات لغة أيضا (انظر BADA (A) L’EXPRESSION PAR LE CORPS ED PRonsT 1970)

وكذلك DELTO. L’IMAGE INCONSCIENT DU CORPS ORALLUMURD 1984

وكل ما يصدر عن الجسد له دلالة ومعنى يهدف من ورائه المتقبل إلى التأثير في الناخب فالوضعة (Pause) (هيئة النموذج) لها علاقة مباشرة بالعين والوجه والموقف من الناخب وهذا معناه أن الوضعية لا تكسب دلالتها إلا من خلال وجود ذات مبصرة وحركة اليد لها تأثيرها أيضا، والربط بين حركة اليد والكلام له دلالته (المتوسطون على الضفتين أكثر الشعوب التي تربط بين اللغة وحركة الجسد عامة واليدين خاصة) وكذلك اختيار الألوان هو تعبير عن مواقف وعواطف خاصة...

« Michel Pastoureau Dictionnaire des couleurs de notre temps : Symboliques et sociétés, Edition, Boumeton, Page 09 »

 

فالجسد شبيه بالوحدات المعجمية فاليد عضو زئبقي متحرك فيها العملي والثقافي بشكل باهر والرجل محايدة والعين واليد متواطئتان وكذلك يمثل الجسد كونا مكتملا مستقلا بذاته

Merleau Ponty (Maurice) : Phenomologie de la perception / Ed Gallimard 1945 Page 173 

ويتضايف الجسد مع الفضاء الخارجي ويتحاور معه ويدخل في علاقات تشابكية لا تنتهي. لقد تحرك المتقبل وهو يخوض مسار الوصول إلى الرئاسة في تلك الفترة خارج تاريخ الحملة الانتخابية وأثناءها كما يتحرك الزعيم، وتكلم كما تكلم "الزعيم" وطاف كما كان طوافه وارتدى كما كان يرتدي في فترات معينة فوقع التركيز على لباسه لحظة إعلان الجمهورية حتى أن بعض الصحف قامت بعملية تصوير ركبت فيه بين شقين لشخصية المتقبل وشخصية الرمز وركبت بينهما بكيفية صارت وكأنها صورة لشخصية الزعيم فالألوان واحدة واللباس واحد والنظارتان واحدة والابتسامة واحدة، وهو ما يدل على اتساع دائرة توظيف الجسد من قبل المتقبل في تلك الفترة حتى أن الناخب وهو المستهدف وراء ذلك يحصل لديه حُلم عودة الزعيم قد بات منظورا إليه بفعل ما حصل من توظيف العودة الحُلم الذي يمكن أن يتحقق بفعل هذا المضارع له فهو كما ضارعه في هذا المستوى يُمكن ان يضارعه في البدائل وان غابت هذه البدائل، فاستطاع خلق تخيل لدى الناخب بفضل مثل هذه المضارعة في مستوى الجسد....

ولكن الرغبة كبرى في إحداث التأثير حتى لا ينقلب الناخب الى آخر مُناوئ، فقد وسّع المتقبل "الفذ" من دائرة المضارعة لتشمل مستويات أخرى...

 

مضارعة الفضاء

المقصود بالفضاء هو المكان والزمان اللذان وقع إخضاعهما لعملية اختيار محددة كما وقع الاختيار على الرمز ولكن الرمز في وضعية التقبل هذه وهو يتحرك في مجاله لا يمكن استغراق هذا المجال الأوسع LE MACRO ESPACE وإنما سيتم التركيز على الفضاء الأقل LE MICRO ESPACE واختيار لحظات معينة في مواقع معينة وشفرة الاختبار هو التماهي مع الخطة الاتصالية في أبعاد محددة.

فالزيارة لأماكن مُحددة مرتبطة بمواقف محددة منها قصر هلال والمكنين والكاف والمنستير وباب سويقة وغيرها من الأمكنة ولكن التركيز كان على أمكنة مهمة وحاسمة أكثر من غيرها في حياة الزعيم ولعله يتمنى أن تكون حاسمة في الرحلة نحو القصر، فهذه المناطق كانت مقترنة بأحداث مهمة: ولادة الزعيم وولادة الحزب وولادة المنعرجات الحاسمة في حياة الزعيم والحزب والوطن...

والكل موظف لإحداث المنعرج الحاسم للرئيس المفترض، ووقع التركيز على هذه الأماكن  لمردوديتها وفعلها التأثيري، فجهة الساحل هي الخزّان الأكبر للبورقيبية ولأماكن أخرى ذكريات كبيرة مع البورقيبية في مراحل محددة من حياتها وهو ما سيقع توظيفه لغاية أساسية هي الوصول إلى النهل من الخزّان الانتخابي للبورقيبية. إذ وقع تصفية المكان والأحداث وفق هذا المقياس فأخرجت أماكن وأدخلت أخرى وأُحييت ثالثة ونُصبت رابعة لا لشيء إلا لأن منها ما تقلُ مردوديتها الانتخابية، ومنها ما تثقلُ فيها هذه المردودية، فالمكان وخارج المكان يقع الفصل بينهما وفق هذا المقياس، ولعل المثال اللافت هنا هو ولاية المنستير المكان الذي له سحره الخاص في إطار الحديث عن الزعيم الرمز فوقع التقاطه بكيفية عجيبة من قبل هذا المتقبل لإحداث التأثير وهو في حالة من اليقظة والتوثب فوقع الذهاب إلى المنستير وزيارة أماكن حاسمة في حياته، ولقي من الحفارة ما لقي ولكنه قام بعملية قفز على مكان آخر والمقياس هو عدم المردودية الانتخابية بل المردودية المعاكسة فأين المنفى أي لم غيّب المنفى أو غيّبت دار الإقامة الجبرية التي حشر فيها الزعيم منذ الانقلاب في 1987 ، والباجي قائد السبسي يعرف ذلك وتناساه كما تناساه في حياة الزعيم فالمنفى غائب تماما سواء أكان المنفى زمن الاستعمار الذي بقي  مجرد صورة في قاعة الاستقبال بعد تولي الباجي الرئاسة أم بعده،إذ يعتبر السيميائيون أن الصورة صنو للحقيقة ولها تأثير مضاه للوقائع الحية فيذكر "ريجيس ديبري" (Regis Debray) في كتابه:

Vie et Mort de l’image Ed Folio 1992, Page 15

ما يلي طلب إمبراطور صيني من كبير الرسامين في القصر أن يمحو صورة الشلال المرسومة على الجدار لأن هدير المياه كان يمنعه من النوم ... فقد ثبتت صورة الزعيم في المنفي في صدارة قاعة الاستقبال، أما المنفى ما بعد انقلاب 1987، فالمكان خارج المكان لأنه يُنغص على المتقبل أمنيته الإيجابية وأحلامه الوردية انه العمل المناوري في الانتقاء في سياسة الاستدلال عند السياسي المباشر أو السياسي العملي وهو الاستدلال المختلف عن الاستدلال التاريخي أو العملي أو الفني، والانتقاء في حدّ ذاته جزء من خطة اتصالية في إطار الخطة الاتصالية الشاملة، فالمكان وان كان مجردا إلا انه ليس كذلك في تصور المتقبل الذي نحن بصدده.

 المثال الثاني يسلط الضوء على التصنيفية من زاوية أخرى غير زاوية الحضور والغياب وهي زاوية التهميش والمحورية فقد كان شارع الحبيب بورقيبة منبوذا عند المتقبل السياسي الحي رغم موقعه الخاص في عمق المدينة لأنه اقترن بالزعيم الذي هو عنوان استبداد الطبقة السياسية المعارضة عموما ولكنه يكتسب رمزية أخرى، رمزية نضالية في فترة معينة فبات محضنا لكل التحركات وغُيبت ساحات أخرى أو على الأقل نقصُ إشعاعها أمام التمكين لهذا المكان فتنزبل الأمكنة أو تغييبها وتقديسها أو ترفيعها ليس أمرا مجردا إنه عاطفة، فالحجارة ليست صمّاء إنها مواقف والأرض ليست بلا شعور إنها ذات مشاعر هي في النهاية مشاعر الفاعلين في اللحظات المعينة في الأماكن المحددة،  فالأماكن كالأشخاص تماما لها عبقرياتها وفق خطة المتقبلين، فالموصول بالزعيم كان ما كان نوعه يُصبح متعاليا كتعالي المنسوب إليه والمفصول عنه كان ما كان نوعه يصبح سافلا. إن إحاطة المكان بالهالة أو بالمهانة مُرتبط بالفعل الذي يقوم به المتقبل، إنه فعل طقوسي خاص لكن ليس من منظور عقائدي وإنما من منظور مناوري وهو الشأن الذي نحن فيه، والدليل على ذلك هو ما عبر عنه الباجي في حواره في نوفمبر 2018 مخاطبا نجله أن "المنستير قد أسقطت بورقيبة، فنقد المنستير أو ترذيلها مشدود بطاقتها الركحية فهو المكان العبقري في الربح وهو المكان المدنس في الخسارة، فالأماكن تغيرها المنافع والمآلات...

كما يمكن أن نُضيف مثالا اخر للاختيارات المكانية والزمانية وما تثيره من دلالات اختيار لحظة الاستقلال ولحظة إعلان الجمهورية ولحظة عيد المرأة باعتبارها لحظات فارقة لأنها تظهر المتقبل في نفس المواضع التي توحي بها هذه المناسبات وتظهره في مظهر المؤتمن على الجمهورية وعلى الاستقلال والمؤتمن على حقوق المرأة. وانه لا يختار اللحظات وإنما يختار إثاراتها وتأثيراتها تماما كما يختار الحركات الجسدية المؤثرة أو الألوان المؤثرة والأماكن المؤثرة كما سيختار أيضا الخطاب المؤثر. وفي هذا السياق يُمكن أن نُجري نفس التناول على مظهر اخر أو عنصر اخر هو عنصر الأشياء هذه التافهة التي أحيت واكتسبت معنى علاوة على معناه اللائذ بها، وهو معنى تستفيده من الذات المنسوبة اليه فالحجارة لم تبق بريئة وخرجت عن صمميتها لتُقيد معنى وهي في الحقيقة معنى اكتسبته من ارتباطها بالزعيم لتصبح عنصرا تثبيتيا له رغم الغياب سواء أكان الغياب البيولوجي او التغييب السياسي، فالحجارة تصبح تمثالا للزعيم حتى وان قُضي أمر الزعيم بقيت هي مخلدة له، فهنا لم تبق الحجارة بريئة بل انحازت له واكتسبت جدواها من هذا الانحياز، وفي هذا السياق تُفهم معركة الأشياء والامكنة والمناسبات التي سعى زين العابدين لإزالتها فغيّر شوارع وأزال التماثيل وتخير الأعياد وكأن المتقبل الحالي فهم معركة الرموز والاشياء والفضاءات فكان جدولا من جداول أعماله إعادة الشوارع الى صاحبها والتماثيل الى  مناصبها وقاعاتها والأعياد الى ازمانها دائما في يقظة من أمر تأثير هذا في الناخب، اذ أصر الباجي على إعادة نصب تمثال الزعيم في موقعه من شارعه رغم كل المعارضات وذلك ليثبت تحقيق نبوته المثبتة في كتابه ص 414 ...، يقول

Mais lorsque le temps fera son œuvre, que le bon grain ce sera débarrasser de l’ivraie et que l’histoire prendra le pas sur l’actualité …

Habib Bourguiba sortira alors du purgatoire et la statut équestre de plus illustré de tunisiens reprendra sa place a Tunis sur l’avenue Habib Bourguiba face a la statut de Abderrahmane Iben Khaldoun le sociologue tunisien le plus illustré de tout le temps ….

 

مضارعة الخطاب أو جسد اللغة

 

 كانت عملية المضارعة فيما سبق تقوم بواسطة أنظمة أخرى وهي أنظمة دالة الجسد، المكان، والزمان، ولكن اللغة هي نظام دال ولكنه نظام دال مختلف تنازع في شأنه وشأن مرتبته علماء اللسان والسيمائيات والبنيوية ونحن أميل إلى الاعتبار الحاصل عندهم بكون اللغة هي نظام الأنظمة الدالة لأنها نظام في ذاته وتحكي على الأنظمة الأخرى وهي الوحيدة من بين سائر الأنظمة القادرة على هذا الفعل المزدوج (انظر دي سويسر – تودروف)، ولهذا وهي تحضر كنظام دال ومكتمل وتستحضر الأنظمة الأخرى وتصفها وكأنها تجعلها أنظمة ناطقة بعد أن كانت جامدة....

إن الخطاب عنوان رئيسي في الخطة الاتصالية، وهي التي تقوم بمضارعة الرمز من خلال الخطاب وتحكي قصته وسرديته بغية الوصول الى الوظيفة النمطية وظيفة التأثير في الناخب ويتم ذك عبر عمليات اختيار مقصودة مكتفية بما تراه أكثر تأثيرا وساكتة عما يمكن أن يكون مؤثرا بطريقة سلبية على المتقبل التابع ألا وهو الناخب، وقد لاحظنا جنوح المتقبل إلى استرفاد الوسائط وكثيرا ما يمزج بين اللغة والجسد من خلال حركة اليدين أو الرأس أو تثبيت النظر وكذلك من خلال كيفيات النبر والنطق والايقاع والغاية من وراء ذلك هي تكثيف التأثير...

فبالإضافة إلى تأثير الخطاب يحصل بواسطة سياقات تكوين الخطاب وحالات الجسد أثناء إلقاء الخطاب وهو في جميع الحالات يغرف مما يفعله الزعيم في طقوس الخطاب...

لقد شدّ نظرنا مظاهر خاصة في مضارعة الخطاب نكتفي منها بالأكثر دلالة وورودا من الارتجال، فالباجي يرتجل الخطاب ولا يقرأ، كما هو ديدن الزعيم في الخطاب، فله قدرة على الارتجال وكأنه يضارع قدرته بقدرة المرجع والنقطة الثانية هي استعمال العبارات الجاهزة أو الكليشيات clichés وقد أصرّ المتقبل في هذا المستوى على تكرار تلك الصيغ يجرفها أحيانا حتى انه اختار صيغة من بين تلك الصيغ لبيانه الانتخابي للرئاسة وبيان حزبه في التشريعية في انتخابات 2014، وهي عبارة ''فبحيث'' التي جاءت على لسان جميع المترشحين عن هذا الحزب أثناء حملتهم الانتخابية وجعلوها شعارا في بيانهم الانتخابي "فبحيث تحيا تونس" فهذه الصيغة وإن لم تكن الوحيدة إلا أنها كانت الأكثر تداولا في خطابات المترشح ولسائل أن يسأل ما بال التركيز و الاختيار على هذه الصيغة رغم أن الرأي العام الذي عاش فترة حكم الزعيم كان يردد عبارة أخرى باتت مجال تندّر إيجابي ومعرّفا لغويّا (Mecanolinguestique) للزعيم وهذه العبارة هي "فهمت الحاصل معناها"، ووقع إحصاء تكررها في الخطاب الواحد وتوصلوا إلى كونها تكاد تستغرق سياقات كبيرة في الخطاب، فلماذا اختار المتقبل وبالتحديد الباجي قائد السبسي صيغة 'فبحيث' وأضرب عن استعمال الصيغة المذكورة سابقا أو غيرها من الصيغ؟ وتخريجنا لهذه المسألة هو كون هذه الصيغة تُمثل مضارعة وتكرارا لمقول الزعيم ولكنها تُشير إلى مضارعة غير معلنة هي مضارعة المهنة فالرمز و متقبله أو المتقبل ورمزه كلاهما من سلك المحاماة. فالمضارعة وبقطع النظر عن مدى وعي صاحبها بها موجودة وقد ربطت بين الخطيب والمحامي وهذه الازدواجية حاصلة لدى الرمز وحاصلة كذلك لدى المتقبل....

وكثرا ما يكون خطاب الزعيم حافلا بشواهد كثيرة شعرا ونثرا وآيات قرآنية ومحفوظات غربية ونشير مثلا الى معجم الآيات الأكثر دورانا في خطاب الزعيم منها آية العمل وآية التحويل وآية الصدق قد جعل منها الباجي المتقبل عتبة في كتابه المشار إليه سالفا ومن المستويات الخاصة باللغة ومُضارعة لغة الزعيم قائمة المصطلحات والمفاهيم وكانت المحافظة على الدائرة الاصطلاحية البورقيبية ظاهرا وجليّة فالاصطلاحية البورقيبية لم تتزحزح وبقيت مهيمنة ومنها مصطلح الأمة وهيبة الدولة وكذلك فعَل بالمفاهيم فحافظ على الدائرة المفهومية والاصطلاحية...

ومن مستويات المضارعة باللغة أو في اللغة، هي مضارعة الصورة ونكتفي بصورة قائمة على الكناية وهي أن نُسمي الاسم بتسميتين ويصح كُل منهما عن المسمّى (métonymie)، فقد كُنّى عن الزعيم بالمجاهد الأكبر انطلاقا من خطاب له مشهور:"الآن انتقلنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، ويقصد به الانتقال من مرحلة الكفاح التحريري أي ضد الاستعمار إلى مرحلة البناء الوطني أو بناء الدولة الوطنية فقد أغرت هذه التسمية المُتقبل كما أغرته شتى المستويات السابقة فجنح إلى تسمية نفسه أو التكنية على نفسه بنفس الصورة الكنائية ولكن بطريقة غير حرفية فاستحضر معنى الكناية عن الزعيم واستبدل اللفظ فتغيرت الألفاظ وحوفظ على الدلالة ونقدم شاهدين للتدليل على هذه الظاهرة أولهما التسمية التي اختارها للحزب وهي "نداء تونس"، فالنداء هو قضويا واجب وهو جهاد لا يجوز التخلف عنه وقد صوّر القرآن عاقبة المخلفين أو المتخلفين ("فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله"الآية81 التوبة وأنظر الفتح الآية 18)، وبهذا قام المتقبل باستحضار المعاني الواردة في الكناية الأولى أو الكناية الأصلية دون تكرار لفظها والمثال الثاني نأخذه من نص البيان التأسيسي لــ"النداء" والذي وقع تضمينه في البيان الانتخابي "إنه نداء تونس إنه نداء الواجب"، فالصورتان متفقتان عناصر وقاموسا وإيحاءات فالعناصرواحدة، الرمز/الوطن والمتقبل/الوطن والقاموس واحد الجهاد/البناء فالجهاد نداء والنداء جهاد، والإيحاءات والدلالات واحدة فهناك الضحية والمنقذ وبالتالي صورة الرجل الهمام المقدام وكذلك التذكير بتشابه الحال فوضع تونس الآن (المقصود 2012-2014) في حاجة إلى جهاد كما كان وضعها في فجر الاستقلال، فقد وجدت فارسها سابقا وعليها الآن أن تختار فارسها ولا يكون إلا لمن انتسب للفارس الأول وكأننا إزاء مجاهد أول ومجاهد ثان ولما كان المتقبل هو آخر البورقيبيين كما صوّر نفسه فإنه كان آخر المجاهدين[2]

إن اللغة وهي تحكي لغة الرمز لا لغاية الحكي وإنما لغاية إحياء الزعيم في خطابه ونظامه المرتجل والحي والممسرح وليس ذلك الخطاب الخشبي والمتكلس الذي كان عليه خطاب الرئيس المخلوع "زين العابدين بن علي" ولكن وانطلاقا من دائرة الاتصال في عالم السياسة الحية فإن الذات المتقبلة عبر استحضار اللغة وفي مستوياتها المختلفة تريد أن تلامس من خلالها ذلك أوسع دائرة انتخابية شعبية كانت أو نخبوية سياسية أو غير سياسية إنها اللغة التي تريد أن تحضن الجميع من خلال تعدد المستويات الموظفة ومن خلال استرجاع الامجاد السالفة بحثا عن تحقيق المطامح القائمة....

 

* انها المفارقات

         

                 لم يكن عنصر المضارعات وحده المهيمن على مسار تقبل البورقيبية، اذ انه وبرغم وضوحه ونفوذه لم يلغ حركة أخرى تسايره وتُساكنه هي حركة المفارقات أو اجتماع أمور لم تتعود على اجتماعها في إطار حركة التقبل عامة وفي إطار حركة التقبل خاصة وفي إطار حركة تقبل البورقيبية بصفة أخص أي في إطار التقبل العام أو التقبل الموالي أو التقبل التنافري أو المعارض وسنحاول تجلية حركة المفارقات عامة والمفارقات في تقبل المحور أي تقبل الباجي قائد السبسي....

في مستوى المفارقات العامة والتي لا ترتبط بلحظة تقبل فردية بل بلحظة التقبل الجماعي أو الجمعي نكتفي بمثال واحد ولكنه يتوفر على دلالة كبيرة حول عملية التقبل للبورقيبية، وذلك الانقلاب الحاصل في شأنها في صورتها المرذولة قبل الانتخابات إلى صورتها المعبودة بعدها، ويتمثل فيما وصلت إليه النخبة في البرلمان من توافق تام حول فصل من فصول الدستور الأول إلى الفصل الأول من الدستور الثاني فكان أرقى نصين سياسيين بفصل افتتاحي واحد بلفظه وحركاته وسكناته ووقفاته وفواصله انه النسخ (calque)، وليس التحويل والتبديل، فما معنى أن يصبح البرلماني الثوري مُجرد ناسخ لما جاء به البرلماني الأول في أكثر الفصول حساسية وربما يكون أكثرها خلافية وأوسعها  طاقة تأويلية فالعودة إلى الدستور الأول لنسخ فصله الأول المتحكم في سائر بُنيته وجعله فصلا متحكما في سائر بُنية النص الثاني في انعكاس لما حصل في شأن البورقيبية والتحول الفارق في تقبلها للفصل الأول من الدستور الأول يُعد محطة فارقة فقبول الكُل إسلاميين وعلمانيين هو ضرب من القبول المفارق لأن قبول الفصل الأول تضمن مُعارضة له بعدية حين الحديث عن مدنية الدولة فالمفارق الجامع للتناقض أو المبدد له  لم ينفه بعديا وإنما سخر الفصل الأول الفاعل لفعل مفارق غير النافي لوضع التناقض بل إنه مُبين لسيكولوجية التنافق فوقوع المفارقة وكأنها تصوير لدرجة التنافق الذي أوقعته البورقيبية في وضع التقبل العام المحكوم بمردودية النتائج المرجوّة...

إن الوقوع في دائرة المفارقة فيما يخص العلاقة بين دستور ما بعد الثورة ودستور ولادة الدولة لم يكن من شأنه تغييب محور الفوارق الكبرى بينهما ولكن البورقيبية الضاغطة لها فعل مؤثر في الجميع...

تستبد المفارقة بجوانب أخرى تتعلق بالتقبل المحوري تقبل الباجي قائد السبسي فقد أوقعته البورقيبية في مفارقات عدة جعلته في خصومة مع بورقيبيين مثله قبل المخالفين له وأوقعته في دوائر المزايدة نذكر منها ما هو مختصر ومفيد، إن الارتباط بالمرجع أي البورقيبية في إطار قضاياها الحارقة أوقع المتقبل المحوري في مفارقة صريحة فقضية المساواة في الإرث ترتبط بإحدى الدوائر المهمة في البورقيبية كما قلنا فيها خروج عن البورقيبية اذ لم يكن غائبا عن العقل البورقيبي وهو يخوض إحدى معاركه الأساسية مسألة التسوية وإنما لم يفعل ذلك وجاء الباجي قائد السبسي وهو المتقبل الأخير أو من آخري المتقبلين ليتجاوز ما لم يحصل مع الرائد وما كان ذلك ليحصل لولا السعي للمحافظة على الرصيد الانتخابي بل والترفيع من سقفه بقطع النظر عن الرجات المُمكنة وإثارة حفيظة طبقة واسعة ويربط ذلك بالوفاء للبورقيبية وذلك في لحظة مناجاة على قبر أيقونتها في احياء ذكرى وفاتها:"اطمئن على المرأة ستصبح مساوية للرجل في الإرث" ناسيا أنه قد وقع بذلك في أكبر لحظات المخالفة في أرقى لحظات المناجاة وهو ما جعل أطرافا من داخل الدائرة تخرج عن صمتها وتعبر عن رفضها لمثل هذا التمشي، وهو ما جعل أطرافا أخرى من داخل الدائرة لمثل هذا التمشي (أنظر عبير موسى الشروق 2 اوت 2018 وكذلك توفيق بوعشبة أستاذ القانون الشروق 11 اوت 2018 ص5)، حتى وصلت النخبة تجاهر بمخالفة هذا التمشي فاحتدم الصراع بين جناحي البورقيبية وهم في أعتى لحظات إعلان الوفاء لها، والسبب النفعي هو وراء ذلك، اذ لم ينقص الزعيم لا الفطنة ولا العبقرية للأقدام على مثل هذه الخطوة في مشروع هو مشروعه وهو صاحبه وانما السلوك الانتخابي النفعي هو الذي فرض ذلك على هذا المُتقبل، ولم يسعفه البحث عن الربح بالتفكير في خطورة ما يمكن أن يحصل من ردات فعل باعتبار أنه يمكن تصنيف ما وقع من قبيل السعي إلى تغيير طبيعة المجتمع ...

المثال الثاني مرتبط بمسألة الدولة وطبيعتها وهيبتها حيث كانت أساسا جوهريا في الحملة الانتخابية لكثير من الأطراف وخاصة لدى المترشح الباجي قائد السبسي فعانق البورقيبية في إحدى مداراتها المهمّة إنها هيبة الدولة التي ظهر الزعيم الطرف العنيد في شأنها وهيبة الدولة مرتبطة بعدم تنازلها عن عناصر سيادتها وكذلك عن مجالها الأساسي وعن احتضانها للجميع وحياديتها امام الجميع...

ونخص بالذكر الموقف من الأمنيين فقد كان الباجي وراء إحداث النقابات الأمنية في إطار إصلاح وزارة الداخلية وكلف في عهد رئاسته للوزارة الأولى كاتب دولة لإصلاح المنظومة الأمنية وكذلك سنّ قانون انتخاب الأمنيين رغم وضع التناقض القائم فيه ما بين حق الانتخاب وصنصرته من جهة أخرى حينما منعوا  من الترشح ومن المشاركة في الحملة الانتخابية أي التردد ما بين التحييد وعدمه ونرى أن هذا التمشي مخالف لروح البورقيبية ذلك أن بورقيبة كان غير متردد في مثل هذه الإجراءات فلم يترك مجالا للأمنيين في هذا المستوى لأنهم موكول لهم الاشراف على الانتخابات، فكيف يكون المشرف محايدا وهو ناخب لم يقع بورقيبة في مثل هذا الوضع ولكن ما خفي عن المتقبل المحوري في قراءته للبورقييية والذي أوقعه في وضع المفارق هو أن بورقيبة كان مستأنفا ومواصلا لّإجراء حصل مبكرا في اطار عملية الإصلاح التونسية منذ حسين بن علي الذي يعتبره المؤرخون والاجتماعيون مؤسس الدولة المركزية والذي كان أول من اخرج أعوان الدولة والأمن من تولي المسؤوليات، وكان هذا منهجا متبعا في سياسة الباب العالي. ولكن الباجي قائد السبسي ولمقاصد آنية خرج عن المسار العام للمشروع في منطوق هو مدلوله وذلك من زاوية انتخابية كان أولى به أن يحافظ على حياد الجهاز الأمني خاصة في مرحلة كان في دائرة الشك اذ وقع اقصاء الداخلية من المسار الانتخابي وتكليف جهاز إداري مستقل للإشراف على العملية في هيئة منتخبة من أرقى سلطة إلا وهي سلطة البرلمان...

* لقائل أن يقول قد يكون هذا خروجا عن البورقيبية النمطية وسعيا من المتقبل لتطويرها وقد يقول قائل ثان إن هذا مضارعة لسلوك بورقيبي صميم يتمثل في اتباع منهج احداث الصدمة والاستباق، ولا نعتقد الأمر كما هو في الافتراضين السابقين أولا لأن تطوير البورقيبية يكون في ملامسة أعطابها الحقيقية والتي عبّر عنها الباجي قائد السبسي الآخر في مؤلفه المعروف وهو ما سنعود إليه لا حقا وانما كان الهاجس الانتخابي هو المحدد للاختيارات والمواقف والسلوك الصادم، فالغاية هي احداث الصدمة الانتخابية أكثرمما هي احداث صدمة وعي وايقاظ فهم، انها الصدمة الانتخابية في فكر السياسي الحي.

* إن المتتبع للحظات لا بورقيبية البورقبيين وبالتحديد الباجي قائد السبسي يجده واقعا في دائرة المفارق الذي يكون بحيث لا يكون أولا يكون بحيث يكون، ونرى أنها تتجلى في دوائر محددة: الشباب،الإدارة والمرأة وذلك لكون هذه الدوائر هي أرصدة انتخابية فكانت موضوعات المرأة والشباب والإدارة عناصر قارة في الحملة الانتخابية للباجي قائد السبسي، فالمنفعة منها وليس لها بل إن التمادي قد يصل إلى إيقاف البورقيبية ان لم تكن رصيدا انتخابيا فقد وقعت الدعوة إلى الوقوف ضد ترشيح امرأة لمنصب شيخ المدينة في الانتخابات البلدية والتعللبأن هذا لا يتماشى والعادات وكانت هذه الدعوة من قبل الحزب الذي اسسه الباجي وكان سببا في انتصاره وتوليه الرئاسة وليس السبب سوى كون المسألة منافسة انتخابية فالمنفعة جعلت السياسي الحي يرقص على الحبلين وضع مفارق مع الانتماء المبدئي...

إن مثل هذا التمشي المفارق يجعل البورقيبية لا بورقيبية، كما صار فيه اللابورقيبي بورقيبيا وهو ضرب من التقبل المفارق في الاتجاه المعاكس ونكتفي ببعض الأمثلة...

  • ترشيح حركة لا بورقيبية ليهودي في منصب بلدية موطن الزعيم في الانتخابات البلدية 2018، وهي حركة تستعيد لحظة مبكرة من البورقيبية حين سمى الزعيم في أول حكومة مهندسا يهوديا في منصب الأشغال العامة المكلف بالدراسات والذي كان له مخطط تهيئة جديدة لتمديد الشارع الرئيسي (شارع الحبيب بورقيبة) إلى القصبة ويتلف المعلم التاريخي والديني والرمزي حسب ما يذكر مصطفى الفيلالي في شهادة له ( انظر مجلة المصير –العدد06 - صائفة 2018)، والغريب أن من البورقيبيين من كان رافضا لهذه الحركة من قبل هذا الحزب لا لمسألة مبدئية تتعلق بالأقليات وإنما في إطار المناكفة السياسية والانتخابية..

 

  • ترشيح ذات الحركة لامرأة لمنصب شيخ المدينة واعتبرت ذلك تماشيا مع التوجه الإصلاحي للبلاد التونسية بما فيه البورقيبية...

 

  • رفض المساواة في الإرث من قبل نفس الحركة وأطراف أخرى كثيرة، ولكن المهم هو في اعتبار ان هذا الرفض هو وفاء للمنهج البورقيبي في الإصلاح وذلك لأن الإصلاح عند البورقيبية لا يتناقض مع الهوية...

 

  • رفض مبادرة المساواة في الإرث من قبل بعض النخب لا من زاوية الموقف من المرأة وانما من زاوية هيبة الدولة والانسجام مع منظومة تحقيق السيادة وهي الجانب التشريعي ودوره في التسيير وخاصة في وحدة المنظومة التشريعية وتعللت بأن البورقيبية حافظت على ذلك تماشيا مع مبدأ وحدة المنظومة التشريعية وّأن وضع الخيار الذي أعلنه الباجي بين الوصية والمساواة هو وضع يتناقض مع وحدة التشريع وحسمه في آن، أنظر موقف توفيق بوعشبة حول مسألة المساواة في الإرث جريدة الشروق(11-08-2018 ص 5)، وقد وصل الأمر ببعضهم إلى إعلان نهاية البورقيبية عن طريق الباجي قائد السبسي نفسه حينما ضرب بوحدة التشريع...

 

خاتمة:

 

إن اختلاف الحركة من بورقيبي يبتعد عن مرجعيته ولا بورقيبي يقترب من مرجعية معاكسة يدل على مفهوم "ليس إن" في الاستدلال السياسي الحي،ذلك أن المواقف ليست مبنية على الالتزام المبدئي وانما على الربح الحاصل أو المزمع تحصيله، وهذا هو الممثل الحقيقي لخلفيات التقبل في المجال السياسي الحي الذي يموج حيث مصلحته ويتحرك في دائرتها وهو القدير القادر على تقريب البعيد وانسجام القديم مع جديده وضع يجعل المتقبل في دائرة التعاطي المجنون أي التعاطي المنفلت من القيد المبدئي الذي تكسر على صخرة المصلحة، وان كان لابد ان نبقى على صفة المبدئية فإنها مبدئية في المصلحة فحسب حيث لا مجاملة إلا من أجلها ولا مقاومة الا لغايتها... وقد تتوسع دائرة المفارقات إلى آفاق أخرى تبدو أجنبية عن الموضوع الرئيسي، وماهي كذلك وتبدو وهامشية وما هي كذلك أيضا إذ أنها جزء من عملية التقبل أو إحدى مخرجاته وتداعياته وتتمثل هذه المفارقات في قضية التعالق والترابط بين الفاعلين السياسيين سواء أكان ذلك في التعالق البيني أي بين بعضهم البعض أو بين ارتباطات اجتماعية وفي هذا المستوى الأخير نشير إلى أن الباجي قائد السبسي قام بالنزوح المضاد (contre exodeإذ ضرب عصا الترحال من العاصمة وهو البلدي وليس الآفاقي ولا نفصد بالعمل في إطار الحملة الانتخابية بصفة عامة وانما بتركيزه على جهة الساحل وخاصة على عاصمتها المنستير، وهذا الأمر محكوم بالانتماء البورقيبي فذهب الى موطن الزعيم بصفة واضحة أكثر من ّأي موطن آخر وذلك مرتبط بقضية التقبل من جهة وبإكراهات المنفعة اذ تمثل هذه الجهة ثقلا انتخابيا وموطن البورقيبية ويتفرع عن هذا ضرب من الاستلهام من روح التجربة البورقيبية، فبورقيبة خط سبيلا جغرافية أخرى فهو الآفاقي وفد الى العاصمة البلدية والباجي البلدي الذي خرج الى الآفاق. فالترابط بين خط الساحل والعاصمة الذي أقامه الزعيم حافظ عليه الباجي بذكاء كبير فكانت العاصمة أكثر انفتاحا على الساحل من أي جهة أخرى فالانتماء السياسي والربح الانتخابي هما المحددان للتنظيم والتعالق والذي يؤكد هذا تكرار الظاهر في مستوى آخر وذلك على ذات الخلفية الانتخابية فمنصف المرزوقي المنافس المباشر للباجي قائد السبسي تحكمت فيه الدائرة الانتمائية وهو من خلفية يوسفية كان اتجاهه الى الجنوب أما النقطة الأخرى وهي توسعة لما سبق في التعالق البيئي في المستوى الحزبي والسياسي ونكتفي بصورتين من هذا التعالق الحزبي بين نداء تونس وحركة النهضة في اطار ما بات يعرف بالتوافق فهذا الانفتاح يُمكن اعتباره ضربا من المفارقة ذلك أننا عشنا نصف قرن أو يزيد أو ربما تعود جذامير المسألة إلى الحركة الوطنية ولحظة الاستقلال على وقع حرب طاحنة بين البورقيبية والزيتونة أولا وبين البورقيبية والحركة الإسلامية ثانيا إذ كان العداء بينهما قويا إلى درجة باتت معها إمكانية التفكير في التقريب بينهما أمرا غير مفكر فيه، فالمشروعان متناقضان حيث انفتحت البورقيبية وليس بورقيبة على الخصمين التاريخيين اليوسفية في زمن"زين العابدين بن علي" ولكن دون توافق في الحكم  واكتفي برد الاعتبار نسبيالمنضاليهم وإعادة رفات زعيمهم والذي هو في الحقيقة زعيم وطني...

فالمشروعان متناقضان وكل ما حصل هو في ارتباط بهذا التصادم الحاصل بين التيارين فأن يأتي الباجي ويؤسس علاقة مع الخصم التاريخي ويتجاوز حركة الانفتاح السابقة التي قام بها ابن علي على اليوسفيين، بأن أشرك النهضة في الحكم إنما هو مفارقة في أعمق صورها بل إنها من المفارقات العجيبة وذات التأثير المباشر على مسار الأحداث حتى أن أقصى درجات البورقيبية تتمثل في هذا الاختيار ولهذا كان مرمى انتقاد الجميع والتعلل المقدم وهو تعلل انتخابي المتحكم في كل مستويات الاستدلال الأخرى... كم هي مكلفة عملية التشيع الانتخابي فوضع المبادئ في دائرة التراقص الانتخابي يقضي على تلك المبادئ السامية ويتم التفريط فيها دون وعي فإن كانت البورقيبية في ضوء ذاتها أو صاحبها قد رمت بالمبادئ في إطار التراقص العبقري الذاتي ولم يكن الانتخابي هاجسا كبيرا عندها إذ كان أمرا محسوما آنذاك فإن بورقيبية الأخلاف وبالتحديد عند المتقبل المحوري لم تكن تتحرك دائما بهاجس عبقري وفي الأعم الأغلب تتحرك بهاجس انتخابي وفي وضع التراقص الانتخابي تم التلاعب بالمبادئ...

حمدين لعماري (باحث تونسي)

 

[1]انظر خالد المنوبي "قرن من السقوط السياسي في تونس"، (Un siècle de déchéance politique en Tunisie)  وهو كتاب من منشورات دار كارم الشريف 2018 ...

 

[2]لقد جاء هذا المعني في بيان "الحزب الدستوري الحر" (بقيادة الدكتور حامد القروي يومها) في انتخابات 2014 يقول نص البيان "كما استعرضت تونس أيام الاستعمار ابناءها فلبّى النداء رحال ونساء بررة ورفعوا راية التحرير وأسسوا دعائم الدولة الوطنية فإن تونس الجريحة ستتعرج اليوم ابناءها وبناتها يحفظ الأمانة ومواصلة درب الارتقاء والبناء"...

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك