القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

حزب التحرير  في تونس بعد الثورة : بين المرجعية التاريخية ورهانات الواقع السياسي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-03-11 17:15:00 | 70 مشاهدة

الملخص: 

إن أطروحة حزب التحرير بما هو حزب يطمح إلى الكونية والشمول  هي أطروحة تجد لها مناصرين إقليميين يؤمنون بالحدود التي جاءت على أنقاض الخلافة العثمانية ولعل أنشط فروعه بعد ثورة الربيع العربي هو ذلك الناشط حاليا في تونس، وإن الهدف الأكبر،عندهم توحيد المسلمين تحت مظلة الخلافة اعتمادا على "العمل السياسي والفكري" وهذا ما لخّصه الناطق الرسمي السابق للحزب في تونس رضا بلحاج بقوله خلال مؤتمر صحفي: "نعمل من أجل نظام قائم على الشريعة ومن أهدافه إعادة إحياء الخلافة لأن مصيبة الأمة في تجاوزها لمنطق الخلافة". كما لا يؤمن هذا الحزب بالديمقراطية ، وقد شطّ الأمين العام عبد المجيد الحبيبي حينما أكّد في مؤتمر صحفي أن حزبه "سيمنع الأحزاب الأخرى من الوجود في حال وصوله إلى سدة الحكم" كما وصف بقية الأحزاب بممارسة "الانتهازية أو النفاق باسم اللعبة الديمقراطية"، ويصنف حزب التحرير الرأسمالية والشيوعية والاشتراكية ضمن ألد الأعداء. كما أدان النقاش الدائر حول مكتسبات المرأة في تونس واعتبر أن "من يطرح موضوع المساواة مثلا في قانون الميراث يريد تهديم المجتمع"

 

المقدمة:

إن المتتبع لأدبيات حزب التحرير التي أنشأها في تونس بعد الثورة يكاد يجزم بارتباطه بالعنف في تحركاته الميدانية واحتجاجاته السياسية، ومن أبرز هذه الأمثلة التي يذكرها الناس تهشيم قاعة "أفريك آر" والاعتداء على روادها قبل تعنيف بعض المحامين خلال اليوم الموالي أمام قصر العدالة بالعاصمة. لكن قاداته السياسيين لا يفوتون أي فرصة في الدفاع عنه والتأكيد أن " العنف لا يجوز لإقامة الدولة الإسلامية" وهذا يتناغم مع بيان أصدره الحزب في 21 فيفري 2010 تحت عنوان: "هذا بيان للناس ولِيُنذَروا به" جاء في إحدى فقراته: "في هذا الوقت نعلن أن حزب التحرير، حزب سياسي يستلهم أطروحاته وأفكاره وأحكامه من الإسلام العظيم، فعمله عمل سياسي وفكري بحت، إذ هو يعمل بين الناس عملا سياسيا وفكريا في النور دون مغامرات لا محسوبة وهو يطرح على منخرطيه قناعاته الفكرية والسياسية معتمدا في إقناعهم على الحجة والدليل، ولم يثبت عليه أي عمل عنيف لإكراه الناس وحملهم على تبني هذه القناعات. لكن هذا الحزب  لا يجد حرجا في القول إنه "لإنضاج الأمة يمكن اللجوء إلى التمرد والعصيان المدني".والتأكيد أن "في الإسلام من حق الأمة إزالة الحاكم حتى بقوة السلاح". ومما يحسب عليه في تونس بعد الثورة أنه تنكّر لرفقاء النضال والأخوة في الدين واعتبرهم من الخصوم السياسيين ونعني بذلك حركة النهضة التي حرض قاداته على عدم انتخاب مرشحيها  في الانتخابات التشريعية والرئاسية 2014 ولنفهم هذا النوع من التضارب في أدبيات حزب التحرير، علينا بالعودة إلى بعض الدراسات التي تعرفه بأنه مراوغ جيد يعرف متى يظهر ومتى يستكين وكيف يبرر. وهو يجعل من نظرية المؤامرة نقطة أساسية في فكره أي أنه مستهدف من قبل جميع معارضيه في الرأي.

1/ حزب التحرير : مسار النشأة الأولى

كانت نشأته الأولى في مدينة القدس عام 1953 و في نشوئه كان متأثرا بانهيار العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1924.. وقد تأسس هذا الحزب على يد القاضي في محكمة الاستئناف تقي الدين النبهاني، الذي يعتبر الأمير المؤسس، وظل زعيما للحزب حتى وفاته عام 1977 ووضع آلية محددة للقيادة السياسية في حزب التحرير من خلال تقسيم العالم الإسلامي إلى عدة أقطار وكل قطر إلى "الإمارة" يتولاها "أمير الحزب" الذي يتم انتخابه داخلياً طبقاً لآليات حزبية معينة، ومدة إمارته غير محدودة، وإمارته تكون عالمية، بمعنى أنه أمير على كل أفراد الحزب في جميع أنحاء العالم، ويقود التنظيم في كل ولاية لجنة خاصة به تسمى لجنة الولاية، وتتشكل من ثلاثة إلى عشرة أعضاء. ويتخذ حزب التحرير من العمل السياسي والفكري طريقة للوصول إلى غايته، حسب اجتهاد الحزب  انطلاقا من سنة النبيّ أثناء عمله في المرحلة المكية التي سبقت هجرته إلى المدينة المنورة وتأسيس الدولة الإسلامية فيها. وشهد تشكيل الحزب عدة مراحل حددها الشيخ المؤسس هي على التوالي : مدة ثلاثة عشر سنة من تاريخ تأسيسه للوصول إلى الحكم، ثم مدوها إلى ثلاثة عشر سنة أخرى للوصول إلى الحكم، ثم مدوها ثالثاً إلى ثلاثة عقود من الزمان؛ مراعاة للظروف والضغوط المختلفة، ولكنَّ شيئاً من ذلك لم يحدث  على الرغم من مضي المدتين. وقد اتسمت المرحلة التأسيسية بالجهود الفردية لمؤسسه الشيخ النبهاني وجماعة ممن اقتنعوا بفكرته وعهدوا مساندته، حتى تمكن في المراحل التالية من إعلان قيام حزب التحرير كحزب ذي قاعدة شعبية، أهلته لدخول الانتخابات البرلمانية في الضفة الغربية في عام 1955، ونجح بإدخال أحد أعضائه "النائب أحمد الداعور" البرلمان ليمثل الحزب في مجلس النواب الأردني عام 1955. واستمر* نشاط الحزب داخلاً في مراحل متباينة علنية وسرية، ومراحل عدة مع حكومات الدول العربية والأجنبية.

 

2/ حزب التحرير:  من الخلافة إلى الإمارة:

شهدت علاقات الحزب مع الحكومات العربية مراحل من المد والجزر، فبينما كانت بعض الدول تبطش به كما كان الحال في ليبيا والعراق، كانت له نشاطاتٍ رسمية في دولٍ أخرى مثل لبنان والسودان وتونس ومصر ابتداء من عام 2012، وذلك خلاف ما نراه من حرية لباقي الحركات والأحزاب إسلامية كانت أو غير إسلامية، ويعود السبب في ذلك إلى أن الحزب يدعو إلى تقويض أنظمة الحكم القائمة، وإحلال الخلافة كبديل، وهو يعتبر أن الحكام الحاليين يطبقون أنظمة وضعية. وفي العالم الإسلامي فإن لحزب التحرير انتشاراً علنياً في إندونيسيا وماليزيا، كما أن له وجودا كبيرا في وسط آسيا، وبخاصة في أوزبكستان، وقد حُظر حزب التحرير في بنجلاديش  وفي أوروبا.. فتتفاوت علاقة حزب التحرير مع الدول الأوروبية ما بين وضعه تحت المراقبة بغية الحظر، كما هو في المملكة المتحدة، وحظره فعلياً كما هو في ألمانيا، وفي باقي الدول الأوروبية لا نجد ذكراً رسمياً لحزب التحرير برغم تواجده فيها، كما يظهر من تواجده في الدانمارك وغيرها. وعلى الرغم من الحديث المتواصل عن انتشار الحزب إلا أنه لم يكشف الحزب عن رقم رسمي محدد عن عدد أعضائه، ولكن بعض التقارير أشارت إلى أن عدد أعضاء حزب التحرير في آسيا الوسطى فقط 10 ملايين، ففي أوزباكستان وحدها يوجد في السجن ما بين 7000 إلى 8000 عضو من حزب التحرير. وفي فلسطين ذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أنّ صحفياً من بريطانيا زار الخليل، ورأى أن حزب التحرير أصبح الأكثر شعبية في المنطقة بعد صراع حركتي فتح وحماس على السلطة.

3/ حزب التحرير : بين العقيدة والتاريخ

من الواضح إيمان حزب التحرير بعدد من المرتكزات الفكرية نلخّصها في النقاط التالية:

دولة الخلافة الإسلامية، والتي تمتد عبر جميع أنحاء العالم الإسلامي.

الدول مجرد  ولايات تتبع الخلافة الأم.

القرآن والسنة هما دستور الدولة.

رفض الاعتراف بأي ديانات أخرى داخل الدولة، وأن من ينتمي لأي دين غير الإسلام فعليه دفع الجزية، مقابل الحماية وإعفائه من الخدمة في جيوش المسلمين.

رأس هذه الخلافة هو خليفة المسلمين الذي يختاره عدد من مجلس شورى الدولة الإسلامية.

رفض أي شكل أو نظام لأي حكم باعتباره نظاما كافرا غير إسلامي يقصد الخروج عن نظام الخلافة.

واعتبر فهم السياسة الخارجية أمرا جوهري لحفظ كيان الدولة والأمة، وأمرا أساسيا للتمكن من حمل الدعوة إلى العالم، وعمل لا بد منه لتنظيم علاقة الأمة بغيرها على وجه صحيح، ولما كانت الأمة الإسلامية مكلفة بحمل الدعوة الإسلامية إلى الناس كافة كان لزاماً على المسلمين أن يتصلوا بالعالم اتصالاً واعياً لأحواله، مدركاً لمشاكله، عالماً بدوافع دوله وشعوبه، متتبعاً الأعمال السياسية التي تجري في العالم،  وهو يرى أن الطريقة لإيجاد الوعي السياسي في الأفراد، بل بالنظرة إليها من الزاوية الخاصة لإعطائها الحكم الذي يراه، يقول النبهاني " إن السياسة هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة، فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة، ورعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً من قبل الدولة تكون بتنفيذ المبدأ في الداخل، وهذه هي السياسة الداخلية. وقد تعددت فتاوى حزب التحرير، وأصبحت مثيرة للجدل، باعثة على السخرية لما تحويه من غرائب، ومنها نذكر: "من تزوج بأحد محارمه يسجن عشر سنوات". "تقبيل المرأة الأجنبية مباح وليس حراماً". "سقوط الصلاة والصوم عن رائد الفضاء المسلم". "جواز مصافحة النساء الأجانب". "النظر إلى صورة المرأة الأجنبية ليس بحرام ولو بشهوة". "يجوز زواج المتعة". "إباحة الغناء". "التبرج يُرجع فيه إلى المجتمع، فما يقدّرهُ المجتمع بشأنه يكون هو المعتبر". "يجوز دفع الجزية من قبل الدولة المسلمة إلى الدولة الكافرة". "يجوز الركوب في وسائل المواصلات التي تملكها شركات أجنبية، مع تحريم هذا الركوب إن كانت مملوكة لشركات أصحابها مسلمون؛ لأن الأخيرة ليست أهلاً للتعاقد في نظرهم". "يرون أن كنز المال حرام ولو أخرجت زكاته". "تفسير ملكية الأرض بمعنى زراعتها، ومن يهملها  فلم يزرعها لمدة ثلاث سنوات, تؤخذ منه وتعطى لغيره". "لا يجوز تأجير الأرض للزراعة عندهم إطلاقاً". ولعله من أهم الانتقادات التي وجهت لحزب التحرير من قبل مراكز الأبحاث الدولية  نذكر:

1- إن عقيدة حزب التحرير القطعية طافحة بالحقد تتضمن عداء للسامية، ومناهضة الديمقراطية الرأسمالية .

2- يشكل حزب التحرير عدة تهديدات للمصالح الأمريكية، لأنه يوفر التبريرات الفكرية والدينية للإرهابيين.

3-  يسهم الحزب في عملية فصل المسلمين عن الغرب وتنميته للمشاعر المناهضة لأمريكا وللسامية،.

4- إذا نجح حزب التحرير يوماً بالسيطرة على دولة معينة، فستكون النتيجة كارثية لتلك الدولة وللمصالح الأمريكية بشكل عام.

5-  إن الخلافة الإسلامية كانت لها ظروف مخالفة لما نعيشه اليوم، وإن طلب إقامة الخلافة الإسلامية هو نوع من اللعب على وتر العواطف، دون الأخذ بعين الاعتبار متطلبات العصر وظروفه الخاصة.

6-   توجه الانتقادات لحزب التحرير بسبب مواقفه الرافضة لما يسميه بـ"الأعمال المادية"،  ورفضه لفكرة الثورات والأعمال المسلحة.

8- من أركان عقيدتهم إعمال العقل باعتباره الأداة الرئيسية في التغيير، والحال أن الجماعة لا تؤمن بما يسمى بالقضاء والقدر؛ لأنه لم يرد في القرآن أو السنة بشكل صريح، ولأن جماعة حزب التحرير جعلوا العقل عليهم سلطاناً؛ جرّهم إلى عدم التسليم الكامل لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم حتى في العقيدة.

9- قيام الحزب على  فكرة شذ فيها عن جمهور أهل العلم وهي أن من يمت وليس في عنقه بيعة يكون كافرا وهو ما يعني تكفير عموم المسلمين .

10- إرسال وفد إلى الخميني من الحزب  لعرض البيعة عليه ومبايعته خليفة للمسلمين لكن الخميني وعدهم خيرا ولم يرسل لهم جوابا؛ مما اضطر الحزب إلى إرسال رسالة أخرى يعاتبه فيها على هذا التجاهل عنون لها بـ"نقد الدستور الإيراني".

11-  السياج التنظيمي الحديدي لعضوية الحزب وبقائه فيه؛ حيث يشترط لاستمرار بقاء العضو في داخله أن لا يقول قولاً ولا يتخذ موقفاً يخالف موقف الحزب، وإذا تبنّى العضو قولاً غير قول الحزب فإنه مهدد باتّخاذ الموقف المناسب منه وهو الطرد.

هذه بعض البنود المؤسسة لفكر هذا الحزب زاد عليها صاحبي التحريري المهوس بأفكار الخلافة أن الاستماع إلى الآذان واعتباره معطلا لصلاة النافلة وغيرها من أفعال المسلم داخل المسجد من كلام محمود وإن ارتفع هو عمل مبتدع وأن الأساس فيه حرية الفرد وعدم التقيّد بما دأب عليه المسلمون عبر تاريخهم الطويل .

 

خاتمة:

من الواضح أن هذا الحزب الذي ندرس في هذه الصفحات الموجزة هو حزب إشكاليّ من جهة البرامج التي تنحو منحا شموليا والقوانين التي يتحرك فيها ، وهي قوانين ضابطة تمنعه من الانفلات والدعوة إلى إسقاط الحكومات من أجل إقامة الخلافة، وهو ما يمكن إعادة النظر فيه ولو بشكل مرحليّ يتيح للأنصار هذا التوجه العمل الميدانيّ دون إحراج في أقاليمهم المختلفة وقد رأينا في تونس مصادرة الشرطة للرايات السوداء التابعة لحزب التحرير، ومنشورات تدعو إلى إقامة دولة الخلافة. وكان الحزب قد دعا في وقت سابق إلى تغيير النظام السياسي في تونس، وإقامة دولة جديدة تطبق الشريعة الإسلامية، ملمحاً إلى غياب مفهوم الدولة في تونس. وسبق أن علّقت السلطات التونسية نشاط الحزب مدة قصيرة في مناسبات عدة بعد اتهامه بمخالفة قانون الأحزاب والتحريض على الكراهية، كما تم منعه من إقامة مؤتمره السنوي، وهو ما اعتبره بعض السياسيين سابقة تتعارض مع الديمقراطية الوليدة في البلاد. ولكن الحقيقة أن هذا الحزب لم يستطع التأقلم مع الوضع الديمقراطي الجديد وأطلق عقيرته للصياح وإبداء المظلومية دون النجاح في تطوير برامجه السياسية وإقامة مراجعات جذرية كما هو الحال عند حركة النهضة التي استطاعت أن تقنع بالمراجعات التي أحدثتها في صلب العمل السياسي وتمكّنت أن تتتونس مراعية للنمط المجتمعي الذي كاد يعصف حينما تجاهلته ماضيا. وإن هذا الوقوف المستمرّ على الربوة من قبل حزب التحرير بل ومناداته لعدم التصويت مع النهضة يحرم البرنامج التحديثي لنهضة تونسية حقيقية بعيدة عن الحداثة المسقطة المتمثلة في التحديث القهري من قبل أحزاب ليست بعيدة في التصور العام عن حزب التحرير باعتبار المرجعية والبرمجيات السياسية الغائبة .

د.محمد التومي (باحث تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك