القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

حركة النهضة "الجديدة": بين جاذبيّة العقل السياسي البراغماتي والشّعار الديني التّحشيدي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2016-06-03 10:26:15 | 306 مشاهدة
 
مقدّمة :
بعد مؤتمرها الأخير، هل تتغيّر حركة النهضة ؟ في أي اتجاه؟ ما هي الدوافع التاريخية الذاتية والموضوعية لما يحدث صلبها ؟ وما تأثير التحوّلات التي تشهدها حركة النهضة على المسار الديمقراطي الهشّ في تونس؟ نسجّل منذ البدء أن تفاصيل ملامح النهضة الجديدة تكاد تغيم في بصر الفاعلين من داخلها، فما بالك بالمتابعين الخارجيين لمسارها. يعود ذلك لصعوبة رصد التغيّرات الاجتماعية أثناء حدوثها، لذلك سنعتمد "التأويلية المضاعفة"( تأويل الفاعل وتأويل الباحث والمراقب كما بلورها "انطوني قيدنز")، والمزاوجة بين النظرتين الكلية والجزئية لرصد آليات واتجاهات هذه الديناميكية التنظيمية والسياسية والفكرية التي تتشكّل في ضوئها "الهويّة الذاتية" للحزب الجديد، والهوية السياسية لتونس بعد الثورة. هويّة  تتنازعها "تأويلات" متناقضة لدستور لم يترجم بعدُ قوانين وتنظيمات، فضلا عن أن يصبح "رمزيّات" ذهنية ونفسية جامعة للشعب التونسي المنخرط في "سرديّة جديدة" ما بعد ثورة بكثير من اللّايقين. لايقين يعبّر عن نفسه في ترنّح العملية السياسية برمّتها،وتقلّبات المشهد الحزبي، وفي اندفاع فئات شبابية هامة نحو خيارات "عدمية" كالانتحار والهجرة "الانتحارية" و"الجهاد الانتحاري"، أو الصمت الغاضب والمؤذن بانفجار قد يكون مربكا للتجربة الديمقراطية التونسية الغضّة.
 ما الذي يتغيّر في النهضة ؟
 ننظر لما يجري داخل حركة النهضة ضمن هذا السياق الانتقالي والانفجاري/ التأسيسي لمختلف الهويّات الحزبية والوطنية والإقليمية والدولية. حركة ارتبط اسمها بما سمّي "الإسلام السياسي". أو الإسلام الحركي كما يطلق عليه أصحابه  في مقابل الإسلام الطُّقوسي الخرافي الذي ارتبط بالإنحطاط والجهل والإستعمار قرونا. هذا الإسلام الحركي استمدّ زخم اندفاعته الاولى وامتداده المتجاوز لحدود الدولة "الوطنية" الوليدة حينها،  من فكر مصلحي عصر النهضة الذين رفعوا شعار التجديد الحضاري(الأفغاني وعبده ورضا والكواكبي والثعالبي ....) وإحياء الخلافة المنهارة حديثا ومواجهة الإستعمار( كل الحركات الوطنية التي واجهت الاستعمار كانت تتحدّث لغة دينية: عبد الكريم الخطابي في المغرب ، عبد القادر الجزائري في الجزائر، عمر المختار في ليبيا، الثعالبي وبورقيبة أيضا في تونس....) . لذلك نشأ "الإسلام الحركي" شموليا ( بمعنى جمعه بين التجديد النظري والعمل السياسي التحريري ثم مشتبكا، التقاء وصراعا، مع دولة الإستقلال الأولى) ووحدويّا ( بما انه لم ينفكّ يحلم باستعادة الوحدة  التي كانت ترمز إليها "الخلافة العثمانية" ولم تنته إلاّ باتفاقية "سايكس بيكو" الاستعمارية). مع استقرار الدولة الوطنية(القطرية في معجم الجغرافيا القومية) تغيّرت طبيعة هذه الحركات في اتجاه القطيعة الكاملة ليس مع الدولة فقط بل مع المجتمع أيضا. وهو ما عبّر عنه سيد قطب ب"المفاصلة الشعورية" للمجتمع وترجمته الجماعات الجهادية العنيفة بخيار" التكفير والهجرة".
الحقيقة أن حركة النهضة لم تتبنّ بتاتا بصورة واعية رغم تأثرها بالجانب" التربوي الأخلاقي" فيه. أي بما يتّصل بتربية المنتمي إليها على "أخلاق" الجيل المؤسس للدعوة الإسلامية(السلف الصالح) . النهضة كانت تتحرّك فوق نفس الأرضية الفكرية "الإخوانية" لكنها سرعان ما انفصلت عنها منذ "صدمة" المواجهة بين اتحاد الشغل والسلطة في  جانفي 1978 وحدث الثورة الإيرانية سنة 1979 والانفتاح الشبابي الجامعي على الجهاز النظري الماركسي الذي كان يحرّك وجدان شباب الجامعة التونسية. فكان البيان التأسيسي سنة 1981 الذي يقرّ بالديمقراطية والتعدّدية الحزبية داخل حدود الدولة الوطنية الحديثة وتحت سقف الدستور "الوضعي" ، كان إيذانا بتحوّل سياسي سيجري "التنظير" له لاحقا في كتابات تنظّر لعدم تناقض الديمقراطية الحديثة مع "الشورى" الإسلامية.( وهو نقاش بقيت مخلّفاته إلى الآن حيث جرى نقاش قبل المؤتمر حول تغيير اسم مجلس الشورى إلى مجلس وطني ليتمّ الاحتفاظ بالاسم الأول استصحابا للمرجعية الإسلامية الغامضة). ما نقرّره هنا هو أن كل مرجعيّات الحركات السياسية التونسية بلا استثناء كانت مرجعيات "خارجية" أو "ما فوق وطنية". بل إن المجاهرة بالانتماء المحلي الضيق كان تهمة تضاهي الخيانة. لقد كانت القومية والعالمية الإسلامية والأممية علامة اتساع الأفق النظري وازدهار اليوتوبيا.( عكس ما نراه اليوم من دعوات "التونسة " التي يرفعها أمميّو وقوميّو وإسلاميّو الأزمنة القديمة بنفس الحماس القديم!! ). واليوم تُضطرّ النهضة لقطع التباس العلاقة بالإخوان المسلمين فكرا وتنظيما بعد أن أصبح هؤلاء مستهدفين إقليميا ودوليا وعلى لائحة الإرهاب عند بعض الدول الخليجية.
  "التخصّص" و"التطبيع" مع الدولة : العلمنة الناعمة
  خلاصة مقرّرات المؤتمر العاشر هي التخلّي عن الطابع الإصلاحي الشمولي للحركة التي كانت تستمدّه من التصوّر الشمولي للإسلام ، والتجاه نحو"التخصّص" في الشأن السياسي ، أي في كل ما يتّصل بشؤون الحكم وإدارة الدولة . وهو ما يحيل إلى التغيّر الاستراتيجي الأهمّ القاضي بالمصالحة الوجدانية والفكرية والسياسية مع "الدولة".
 الدولة التي ارتبطت في مخيال "الإسلاميّين" بالإستعمار أو الإستقلال "المغشوش أو الناقص" ، ثمّ بالقمع والسجن والقهر والقتل ..أي بالشرّ المطلق ، تصبح مجال الفعل السياسي  الوحيد ضمن الديمقراطية الحزبية الوليدة . والأهمّ من ذلك أنها تصبح ضرورة تاريخية قصوى لصون الحرية. "حرية" لم يتمّ التأسيس لها كمفهوم فلسفي  أبدا في الموروث الفكري الإسلامي، لا الفقهي القديم ولا الإصلاحي الحديث ( لا يمكن أن تُعدّ محاولة الكواكبي في "طبائع الاستبداد" أو الثعالبي في "روح التحرّر في القران" كتابة فلسفية)، بل هي من "ثمرات" الفكر والنضال الليبرالي الحقوقي الديمقراطي "المعولم" ( الفلسفة الحقوقية هي امتداد لتيّار الأنسنة والعقلنة والتنوير الأوروبي) الذي هيّأ أرضية نظرية مناسبة لمقاومة الاستبداد والمطالبة بالحريّات العامة والخاصة ورسّخ في الوعي العام فكرة و"قيمة" الحرية. إنّ إقدام النهضة في مؤتمرها الأخير ، وبعد نقاشات داخلية بعضها معلن امتدّت عامين كاملين ، على التخلّي الطوعي عن الصبغة الإسلامية والإكتفاء من هذه الخلفية التي لازمتها منذ التأسيس على إشارة عابرة للمرجعية الإسلامية المدسترة، يُعتبر تحوّلا مهمّا في هويّتها ،ويمهّد في نظرنا لتحوّل استراتيجي آخر يتّصل بطبيعة  كياناتنا الوطنية التي في طور التشكّل بعد زلزال الثورات العربية الأخيرة.
 الإندماج في الدولة للإحتماء بها منها أم لحماية الثورة أيضا ؟
 الخطّ السياسي الإصلاحي الذي سلكته النهضة بعد الثورة تحت شعار التوافق الوطني كان ترجمة بليغة للخطّ البراغماتي الواقعي العقلاني الذي أثبت نجاعته في نزع فتائل حرب وقفت البلاد على حافتها منذ 2011 حتى الان مرات عديدة ، وها هو الان يصارع ليبقى في ظلّ شبه انهيار الكيانات الحزبية  الضرورية لاستمرار التوافق والديمقراطية والسياسة .
لقد تبيّن للجميع الآن أن  ظاهرة "الإرهاب السلفي الجهادي" تمّ الإستثمار فيها داخليا وخارجيا (ولا نتحدّث بتاتا عن اصطناع لأن كل ظاهرة اجتماعية لا تنشأ ولا تمتدّ مثل هذا الامتداد إلا إن امتلكت شروط وجودها دون أن يمنع ذلك إمكانية توظيفها وتوجيهها والتحكم فيها) بغاية تحويل اتجاه الحراك الثوري المباغت إلى حرب داخلية أهلية تأتي على مقوّمات النهوض والتقدّم – وفي مقدّمتها الحرية- التي جاءت بها الثورات العربية الأخيرة. حركة النهضة أدركت ،ببعض التأخير ربما ولكن ليس بعد فوات الأوان ، خطورة التقاطع مع هذا "الطاعون" . لذلك هي الان تعلن على لسان رئيسها أنها لم تعد تنتمي ل"الإسلام السياسي"، بل لل"الإسلام الديمقراطي". تمايز اصطلاحي نعم، وربما فيه الكثير من الحذلقة اللغوية، ولكنه ضروري لإحداث الرجة "اللغوية" الممهّدة لقطيعة مع صفة "الإسلاميين" و"الإسلام السياسي" و"الحركة الإسلامية" ،بدء باللغة وصولا ..للّغة.( إذ لا شيء يقع خارجها طبعا).
النهضة تريد أن تقول الآن أنها لا توجد خارج الدولة. وأن من يريد التعرّف عليها فليسأل عن برامجها في الإقتصاد والتنمية والسياسات العامة. حتى أن المسألة الثقافية الملغومة دائما بحكم انفتاحها على الدين والتعليم لم تحظ في لوائح مؤتمرها الأخير باهتمام كبير، ولم يتوقّف عندها المؤتمرون كثيرا رغم توقعات سابقة بأنها قد تشكل موضوع اختلاف بحكم أن الرؤية الفكرية الجديدة تقطع نهائيا مع المنهج الأصولي الفقهي المتبنّى سنة 1986 . الدولة ، والدولة الوطنية تحديدا ،أصبحت "نظرية" و"هوية" سياسية جديدة لحركة النهضة. كأن لسان حالها يقول : لا شأن لنا بأشباهنا أو بمن كانوا أشباه لنا في الخارج، لا حلم لنا خارج حدود "قدرنا" الوطني الصغير، وسنكتفي من حلمنا الكبير بإثبات أهليّة شعبنا للديمقراطية، ولسنا نبحث لا عن تقديم نموذج ديمقراطي لا للإحتذاء ولا للتصدير، وسنعمل ضمن الشروط الدولية ، وربما سنكفيه عبء محاربة "الإرهاب"، في انتظار ..؟ المُضمر في الخطاب السياسي النهضوي أنها تفعل كل هذا بناء على قراءة علمية واقعية دقيقة لموازين القوى المحلية والإقليمية والعالمية. هي تبني سياستها على قناعة سوسيولوجية تقول بأن الإصلاحي الواقعي البراغماتي ينتهي ثورياّ، أما الثوري الراديكالي الصدامي فإنه ينتهي فوضويا عدميّا. والنهضة تعلم جيّدا أن مناكفة القوى العظمى وأدواتها الإقليمية والمحلية المتغلغلة والفاعلة سياسيا ومخابراتيا وإعلاميا وماليا في دولنا الضعيفة، وفي العالم كله، ليس من الحكمة أبدا. لذلك لا تبحث عن تبديد وإهدار مكاسب الثورة القليلة جدا في استعجال "مواجهة ثورجية " مع لوبيات الفساد ومراكز النفوذ القديمة، مواجهة لا ترى أن البلاد وفرت لها أدواتها من إصلاح للأمن والقضاء والإدارة والجباية والإعلام.. واستكمال البناء الدستوري والأهم من هذا كله الانطلاق في توفير شروط المواطنة من شغل وتوازن جهوي وتحقيق تقدّم في الموازنات العامة للاقتصاد ضمن شروطه الرأسمالية المعولمة شبكيّا..في انتظار ؟( ما زال الكثيرون حتى من داخل المنظومة الرأسمالية يعتقدون في بديل ما أكثر عدلا وإنسانية من الليبرالية العنيفة التي لا تتوقف عن التضحية بالإنسان كلما اقتضت مصالحها. كيف؟ ومتى؟ لا احد يستشرف أفق هذا البديل /الطوبى). قرينة المقارنة مع ما يحدث للثورات العربية الأخرى من تدمير دراماتيكي يفوق الخيال لم تفقد وجاهتها رغم إسراع المعترضين عليها بعدم جواز المقارنة لخصوصيات تونسية موهومة من مثل أن تونس حلقة هشة في منظومة الهيمنة الرأسمالية العالمية وليست جزء من اللعبة الإقليمية المعقّدة والمتمحورة حول الكيان الصهيوني ..الخ. وهي كلها في تقديرنا اعتراضات لا تخلو من الرغبة في تجربة كل الحلول الخطأ من اجل الوصول-طبعا بعد خراب البصرة- إلى الحل الذي كان يمكن في وقته أن يكون صحيحا. تسير النهضة إذن في تحوّلها التاريخي هذا على حبل رقيق بين هاويتين. هاوية الفوضى المختفية وراء الشعار الإيديولوجي المغري بالتضحية والتحمّل والإستماتة في الدفاع عن  "المبدأ" الذي تتضاعف قداسته حين يكون ثوريا ودينيا في نفس الوقت، وهاوية الذوبان في مقتضيات لعبة سياسية إقليمية ودولية معقّدة وكاسحة لا تملك من أوراقها أكثر من وحدة جبهتها الداخلية حزبيا ووطنيا.فهل تملك النهضة حقّا ورقة التماسك الداخلي حزبيا ووطنيا بما يؤهلها لتكون فاعلا سياسيا مؤثرا ضمن الخارطة الديمقراطية التونسية الناشئة؟
خاتمة واستنتاجات:
الجبهة الوطنية في تونس هشة وغامضة. فالحزب الفائز في الإنتخابات الأخيرة يمرّ بأزمة وجود قد تنتهي به إلى الزوال، وفي أحسن الحالات إلى انقسام سيفقده زخم التأسيس الذي مكنه من الفوز في محطتين انتخابيتين منذ سنة ونصف. الحزب الذي خرج من رحم النداء واستعدّ لوراثته غير مؤهّل موضوعيّا لملء الفراغ الكبير الذي خلفه النداء. حزبا الإئتلاف الحاكم الصغيران يصارعان من اجل البقاء. الجبهة الشعبية لا تزال تجمّعا إيديولوجيا غريبا عن منطق الحكم. واحزاب المعارضة الأخرى(التي تطلق على نفسها اسم الديمقراطية ) تقاوم اليأس. أما النهضة الجديدة، ففضلا عن أنها لا ترغب أن تجد نفسها وحيدة في الساحة السياسية لاعتبارات تكتيكية تجعلها ترتاح أكثر لموقع الشريك الثاني في الحكم. فإن المرحلة كشفت  للنهضويين، أن "الدولة" كيان شديد الواقعية والعقلانية( هيجل: الدولة هي تجلّي العقل في التاريخ)، وأنها لن تقبل بهم إن لم يتخلّوا عن "زوائد" الحلم ؟ لكن النهضة تدرك جيّدا ثمن التخلّي النهائي عن "بريق الشعار الديني" في سياق تاريخي "عربي اسلامي" ما زال الاشتباك فيه بين الهوية الإنسانية الكونية والهوية الدينية  يكاد يكون "وجوديّا".              
 
عبد الرزاق بالحاج مسعود 
عن مركز الدراسات الاستراتيجية و الديبلوماسية 
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك