القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ثورة أم انقلاب؟ سهولة التشكيك وصعوبة التفكيك  

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-01-01 19:56:00 | 118 مشاهدة

ملخّص :

منذ سقوط رأس النظام في جانفي 2011 والنقاش محتدم حول حقيقة ما حصل في تونس ؛ "ثورة" أم "انقلاب" أو بعبارة أخرى هل أنّ ما حدث هو "تغيير من الخارج" أم "تغيير من الداخل".. هذا السؤال إشكالي بامتياز،ومبرَّر تماما من وجهة النظر العلميّة (الموضوعيّة) و من الإجحاف ربطُه بمُتون الخطابات النكوصيّة الّتي  يركن إليها "أعداء الثورة" حصْرا ..

المقدّمة :

يردّد كثيرون روايات تشكّك في اندلاع “ثورة”في تونس وهي في معظمها تدور حول ربع الساعة الأخير أيْ طريقة إزاحة بن علي من السلطة وتتجاهل تماما ذلك”الخروج” الشعبي المهيب بين 17 ديسمبر و14 جانفي 2011 ، قبل الخوض في هذه المسألة المعقّدة هناك مطلب منهجي علينا تلبيته وهو طرح سؤال الماهيَة :

ما الثورة ؟ :

غنيّ عن البيان أنّ الثورة لغةً من الغضب والهيجان والفوران والثائر في “لسان العرب” هو الغضبان، أما ملامسة المعنى الاصطلاحي فتحتاج إلى شيء من التفصيل ..
بدايةً؛ فليسمح لنا الدكتور عزمي بشارة بمشاركته سؤاله المربك:”هل هنالك تحديد علمي لمفهوم الثورة؟” .. قطعا لا.. فقد انزاح مدلول المصطلح إلى الفضاء الذاتي الإنشائي بشكل صارت معه كل محاولة لتعريفه تعريفا علميّا دقيقا محكوما عليها بالفشل مُسبقا، فـ”الثورة”في الحقل السياسي مفهوم زئبقي بامتياز لا تكاد تمسكه حتى يُفلت من جديد،لكنّنا سنجازف بتعريفها على النحو التالي:”الثورة هي حراك احتجاجيّ جماعيّ يقوّض منظومة الحكم الماثلة ويُحدث تغييرا سياسيا واجتماعيا عميقا ويصنع في لحظة(ما) وضعا فرديا وعلائقيا جديدا، فالواقعة الثورية هي في النهاية “خروج ما”، وكما يقول بشارة في كتابه “الثورة والقابلية للثورة”فإنّ «أقرب كلمة إلى مفهوم الثورة المعاصرة هي “الخروج”بمعنى الخروج لطلب الحقّ»،،رغم ما يحمله هذا التحديد من التباسات الـ “من” والـ “ماذا” أي من يخرج؟ وأيّ حق يطلب؟حتى نقرّ لهذا “الخروج” بأنّه “ثورة”.. ثمّ هل يمكننا معرفيًّا أن نبادئ بالحديث عن “ثورة” دون انتظار المآلات؟.. وفي سياق الاعتداد بالنتائج تتنزّل رؤية الأستاذ “عبد الله الساعي” الذي أعلنها صريحة:”…يمكن تلخيص الشروط التي يجب أن تستوفيها أيّ حركة شعبية لترقى إلى مستوى ثورة وتُحدث تغييرا جذريا وحقيقيا كالتالي، أولا: وجود قيادة للحركة الشعبية تحدّد اتّجاهها وتدير تفاعلها مع الأحداث…ثانيا:وجود مبدأ واضح متكامل الذي على أساسه يُراد تكوين الدولة الجديدة وعلى أساسه تنشأ الأحزاب السياسيّة…ثالثا:اتّخاذ الموقف الصحيح والصارم ضدّ النظام وكلّ أعوانه الذين يُراد إزالتهم فلا تفاوض ولا تنازلات على المبدأ والأهداف المتبناة…” . لو سلّمنا بهذه المشروطيّة المُجحفة فسنتوقّف فورا عن الحديث عن “ثورة تونسية”.. فلا شيء من تلك الشروط التي عدّدها “الساعي”قد تحقّق على أرض الواقع ما يجعلنا وفقا لتلك المقاربة الصارمة إزاء "مشروع ثورة" لا "ثورة".

الحراك الشعبي .. سهولة التوصيف وصعوبة التكييف :

حتّى لو جادلنا بأن ما حدث لم يكن “ثورة” بالمعنى الدقيق للكلمة فإنّنا لا نستطيع تجاهل توافر مقوّمات “الوضعية الثورية” التي انطلقت من سيدي بوزيد ،ومثّلت العامل الرئيس الذي أدّى إلى زعزعة أركان النظام بهرميّته الرسمية الصارمة ولولاها لما حدث ذلك “الشرخ”الذي يسميه البعض “الانقلاب”على رأس السلطة ..

ولئن كنّا نقرّ بتواطؤ عناصر داخلية وخارجية ضد مشروع التغيير و الالتفاف عليه (لاحقا) بطريقة “منمّقة”وغير مألوفة عبر مقايضة “الاستقرار” ب"التوافق" ، إذ يمكننا اعتبار هيئة الأستاذ عياض بن عاشور المسمّاة : "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي"

أوّل أشكال "التوافقات الالتفافيّة"، إلّا أنّه في المقابل هناك وقائع كثيرة تعضد حقيقة انطلاق مسار ثوري (ما) لم تترك المجال فسيحا أمام قوى التغيير من الداخل (أي الانقلابيين) لإدارة “التحوّل” بسلاسة ويمكننا في هذا السياق استعادة حوادث “ثورية”بعينها في القلب منها اعتصاما القصبة-1-و-2- بُعيْد فرار أو سفر بن علي إلى جدّة ..
إنّ قراءة بسيطة ل(أو في) تاريخ الثورات القديم والحديث نقف على حقيقة باتت من مسلّمات “سوسيولوجيا الثورة” وهي أنّ الواقعة الثورية حالة “مفتوحة” أيْ إنّها فعل ممتدّ في الزمن تبدأ بانتقال سياسي محدود قبل أن تتحوّل إلى انقلاب كوبرنيكي تاريخي ..

المبرّر الوحيد الذي يجعلنا ننكر عما حدث في تونس صفة “الثورية” هو ما وقع ما بعد تغييب رأس النظام؛ هل لامس التغيير نخاع عظم الدولة أم لا؟؟ ..
قطعا لا،،لكننا حتى بهذا المعنى لا نحسم المسألة لأنّنا نحتاج إلى فاصل زمني لرصد التغييرات الحاصلة ومدى عمقها ،فقد تقلّبت الثورة الفرنسية بين النظام الملكي والجمهوري تحت وقع مقاصل الداخل وهزائم الخارج وشهدت مخاضا عسيرا استغرق زهاء قرن من الزمان ..

ومهما كانت التفاعلات التي اختمرت داخل النظام الحاكم من دسائس ومؤامرات فإنّها لا تنزع عن الحدث صفته الثورية ، وحتى الانتقال الى الأسوأ لا يلغي هذه الصفة ، فالثورات جوهرُ ماهيتها التقلّب الوئيد المدفوع بروح الانتقال نحو الأفضل وهو ما ينسجم حتى مع الأشكال الأكثر تقليدية للثورة التي رصدها آرسطو على أساس درجة التعاطي مع الدستور سواء إلغاءً أو تعديلا ..

التونسيّون ضحايا خدعتيْن :

القضيّة الأساسية في رأينا هي حقيقة وقوعنا ضحايا خدعتين كبيرتين: ثورة بلا رأس وثورة بلا دم ..ليس هناك ثورة بلا رأس وليس هناك ثورة بلا دم ،الثورة الفرنسية قادها “روبسبيير”وآخرون وتقدّمت على وقع المقاصل ، الثورة الروسيّة قادها لينين وارتقت على إيقاع الرمي بالرصاص، الثورة الإيرانيّة قادها الخميْني وعُلّقت المشانق في الشوارع[…]،هذا هو تاريخ الثورات شئنا أم أبيْنا ،لكنّ الدم -الذي نعنيه-ليس بالضرورة ذلك السائل البيولوجي الأحمر ،إراقة دماء رموز النظام السابق يمكن أن تكون مجازيًّا عبر العزل السياسي ومحاكمة المذنبين..

استطاع الغرب إيهامنا بأنّنا قمنا بثورة استثنائية على غير منوال سبق،لا قيادة فيها ولا اقتصاص،، جعلونا نتوهّم أنّ المسار الثوري يمكن أن يقترن بمسار إصلاحي ومنهج توافقي،، لكن رغم هذا وذاك نزعم أنّ تغييرا عميقا قد حصل ، وكما أنّ الدليل على الفطيرة أنّنا نأكلها كما يقول المناطقة فإنّ دليلنا على الحرية أنّنا نمارسها وماكنا لنمارسها لولا وقوع تغيير من الخارج [ثورة(ما)] وليس تغييرا من الداخل [انقلاب ما ..

مأزق نظري قابل للتجاوز :

رغم المأزق النظري المتعلق  بتكييف ما حصل في تونس والتردّد حيال توصيفه ب”الثورة” ولو تجاوزا ومسارعة البعض إلى اعتباره مجرد "هبّة" أو "انتفاضة" أو "وثبة" (…) فإنّنا لا نستطيع أن نُنكر بأيّ حال من الأحوال حدوث "تعبئة شعبية واسعة" وضعت حدّا للوصاية السلطويّة المؤمِّمة للفضاء العام..

مهما يكن من أمر فإنّنا نحتاج للخلوص إلى استنتاجات علميّة إلى فاصل زمني لا يقلّ عن جيل [نحو 30 سنة]، عندها فقط يمكننا تسجيل “موقف تاريخي” أكثر موضوعية وأقل انفعاليّة ..

بعد ثمان سنوات .. أين نحن الآن ؟:

علينا أن نُقرّ اليوم بعد مرور ثماني سنوات بأنّ "ثورتنا" لم تخرج بعدُ من مربّع الوجود بالقوّة إلى حيّز الوجود بالفعل ، فمع طغيان المستويين الأوّلين من هرم "ماسلو" بسبب القصف الإعلامي المركّز وبوحيٍ ممّا آلت إليه الأوضاع في بقيّة دول «الربيع العربي» تعزّز ذلك التشرنق الجماعي الجاف حول ما هو كائن لتنحسر بذلك دعوات التحرير والتثوير ..

لكنّ «الخبر الجيّد» أنّ جدار الخوف مازال محطّما و"الهالة" المحيطة بالمسؤول السياسي باتت جزءا من الماضي وهو ما يعني انتهاء القابليّة للاستبداد، لذلك أقول إنّ "الثورة فينا" لم تمت بل دخلت مرحلة "كمون" أشبه بسبات شتوي فرضته "الطبيعة" ("البيئة السياسيّة الضاغطة")"، وهي حيّة بفضل أخطاء "السلطة" وخطاياها أوّلا وجهود "قوى الثورة" ثانيا !..

ما من تراكم كمّي إلّا وأدّى إلى تحوّل نوعي ، هكذا علّمتنا «سوسيولوجيا الثورة»، فمع تواتر فواصل "التحرّش السلطوي" لا ينتظر "الانفجار الثوري" سوى "صاعق" أو «مثير داخلي» ينبغي توليده وهو «الفكرة الثوريّة الناظمة» حتّى يكتسب الحراك الشعبي المنتظر (والمأمول) القدرة الذاتيّة على إحداث ذلك «التغيير» الّذي يلامس نخاع عظم الدولة !..

 

صابر النفزاوي )كاتب وناشط سياسي(

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك