القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ثوابت الأزمة الليبية في مسار المصالحة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-11-16 10:11:00 | 329 مشاهدة

 

الملخص:

تمثل جلسات الحوار الليبي الجارية في تونس حاليا (منذ الاثنين 9 نوفمبر 2020) مسعى جديدا للخروج من الأزمة الليبية بعدما تعثرت تجارب سابقة أبرزها مفاوضات الصخيرات المغربية. كيف يمكن فهم هذا الاستعصاء على الحل؟

اعتقادنا أن الطوارئ في مجريات أحداث الأزمة الليبية (سواء منها المحلية أو التدخلات الخارجية) ليست إلا تشكلات متحولة لمعطيات ثابتة اخترنا أن نتناولها بدل التيه في ملاحقة تلك الطوارئ والتي تكفلت بها تحاليل أخرى صحفية أو استراتيجية. وبرأينا أن تلك الثوابت تتحدد أساسا في ثلاثة عناصر: المكانة الاستراتيجية لليبيا المرتبطة بثروتها الطاقية، مكانتها في الأمن الإقليمي (وأساسا الهجرة السرية ونشاط الجماعات المسلحة)، التناقضات الداخلية المرتبطة بالتنوع القبلي وصراع السلطة والثروة.

المقدمة
يخوض الليبيون مرحلة جديدة من مفاوضات المصالحة. وهي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من محاولات الخروج من النفق الذي دخلته البلاد وهي تبحث عن حريتها. ولا يكاد بصيص أمل يظهر حتى يعود الوضع إلى العتمة من جديد. هناك إذن انسداد في مكان ما يجعل الأزمة تأبى الانفراج، انسداد تتقاطع فيه مصالح الخارج وتناقضات الداخل. وهو ما يحيل على الخلفيات العميقة للأزمة والتي نسعى في هذا المقال إلى بسطها في ثلاثة محاور: الأهمية الاستراتيجية للمجال الليبي والذي يجعله في مرمى القوى الإقليمية والدولية، موقع ليبيا في الأمن الإقليمي والدولي، تناقضات الداخل الليبي وأساسا الانقسام القبلي. وهي كلها تناقضات متداخلة تجعل البعض يتعامل بحذر مع المرحلة الحالية من المصالحة بين الرجاء في توفقها لإطلاق مصالحة طال انتظارها والخوف من انتكاسة جديدة تؤجل ذلك الأمل.

مجال تتقاطع فيه الاستراتيجيات الدولية:
يجمع المحللون على أن نفط ليبيا يحتل مكانة محورية في استراتيجيا القوى الخارجية المتدخلة في الأزمة. وتتأتى هذه المكانة من الميزات التالية:

  • أول بلد نفطي في إفريقيا:

لا توفر ليبيا إلا 2.8% من إنتاج العالم للنفط (2019). لكنها تملك الاحتياطي الإفريقي الأول منه [الرسم عدد 1]. وقد قدر الاحتياطي المعروف سنة 2019 بـ 48.4 مليار برميل([1]) بينما يقدر الاحتياطي المحتمل بقرابة 60 مليار برميل([2]). ولم تكن ليبيا قبل الثورة تنتج بكامل طاقتها إذ لم يتجاوز إنتاجها في أحسن الحالات 1.82 مليون برميل في اليوم([3]) مقابل طاقة إنتاجية يومية بـ 3 مليون برميل([4]). في المقابل فإن البلدان المنافسة تنتج بكامل طاقتها. ويفتح هذا الوضع آفاقا كبيرة للتنقيب وتطوير الإنتاج من ناحية ولتواصله عندما تبدأ موائد الأقطار الأخرى في النضوب. وتزداد أهمية ليبيا باشتداد التنافس على القارة الإفريقية التي ارتفع نصيبها من المدخرات العالمية النفطية إلى 126 مليار برميل (أي ما يمثل 7% من الاحتياطي العالمي) في نهاية 2019.

الرسم عدد 1: مكانة ليبيا في الاحتياطي النفطي الإفريقي

ويعتبر النفط الليبي من أجود أنواع النفط في العالم وهو ما يقلل من كلفة تكريره. وحسب بعض الدراسات لا تتجاوز كلفة استخراجه الدولار الواحد([5]). وفي ظل ارتفاع أسعار النفط يمكن تقدير هامش الربح الناجم عن ذلك بالنسبة للشركات المتعاقدة مع الدولة الليبية لاستخراجه.

إلا أن هذه الثروة التي تمثل 95% من صادرات البلاد، و65% من الناتج الداخلي الخام شهدت منحنى تراجعيا ومضطربا منذ الثورة [الرسم عدد 2].

وبعد تحسن الإنتاج منذ 2016 ارتفعت عائدات الخزينة الليبية التي بلغت 14 مليار دولار (سنة 2017) أي ثلاث مرات مداخيل 2016. ومرة أخرى أدى قرار حفتر إيقاف الإنتاج في جانفي 2020 إلى سقوطه (أي الإنتاج) إلى حد 110 آلاف برميل فحسب. بينما سمح وقف إطلاق النار الأخير (23أكتوبر 2020 بجينيف) بعودة الإنتاج بسرعة إلى تجاوز عتبة المليون برميل يوميا([6]). لكن المؤسسة الوطنية الليبية لا تخفي خشيتها من عدم احترام وقف إطلاق النار.

رسم عدد 2:

 

رسم عدد 3:

 

  • عمق الأمن الطاقي للاتحاد الأوروبي:

 

 

كاريكاتور للرسام اللبناني حسن بليبل([7])

يتجه ما يقارب 80% من النفط الليبي نحو أوروبا. كما أن ليبيا أصبحت تزود الاتحاد الأوروبي، إيطاليا تحديدا، بالغاز الطبيعي عبر أنبوب التيار الأخضر (Green Stream) الذي يعبر المتوسط على أكثر من 500 كم منذ أكتوبر 2004([8]). [الخريطة عدد 1] ويقدر الاحتياطي الليبي من الغاز الطبيعي بـ 1.4 تريليون م3 (سنة 2019). ومنذ اندلاع الثورة في ليبيا (2011) واضطراب الأوضاع الذي لحقها اضطرب إنتاج الغاز وتراجع عموما من 16 إلى 9.4 مليار م3 بين 2011 و2019. [الرسم عدد 2] وبذلك أصبح الاتحاد مهددا في تزوده المنتظم من الطاقة والتعرض لما تعرض له من جراء الخلاف الروسي الأوكراني في تزوده بالغاز الروسي. وتتأكد هذه الخطورة على الأمن الطاقي الأوروبي والعالمي إذا اعتبرنا الجانب المجالي في أحداث الثورة التي انطلقت من الشرق ثم الاضطرابات الناجمة عن الصراعات اللاحقة. وفي هذا الشرق بالذات – وتحديدا في حوض سيرت - تتركز أكبر نسبة من احتياطي وإنتاج وتصدير النفط الليبي. وفيه تتركز مصافي النفط الرئيسية. وقد يكون هذا ما يفسر الدعم الذي لقيه خليفة حفتر بهدف تأمين هذه المناطق وضمان التزود المنتظم بالطاقة الليبية. لكن لجوءه إلى تعطيل الإنتاج في كل مرة للضغط في الملف السياسي أحاله إلى مصدر خطر بدوره على مصالح أوروبا. ولعل هذا بدوره ما جعل القوى الأوروبية تثوب إلى رشدها وتقتنع أن المصالحة الليبية هي الضمان الوحيد لمصالحها. ومن هنا نفهم انتقال المبادرة الأوروبية من باريس التي "تلاعبت" بالملف على حساب شركائها الأوروبيين إلى مراكز أخرى مثل برلين وموسكو وجينيف. وفي خلفية هذا التلاقف للملف الليبي وتباين طريقة العلاج تقف معركة المصالح.

خريطة عدد 1: توزيع المحروقات الليبية وأنبوب الغاز "التيار الأخضر" من ليبيا إلى إيطاليا

 

  • صراع المصالح الأجنبية في ليبيا:

سجلت سنة 2010 وجود 35 شركة متعددة الجنسيات (52% من مجموع الشركات) بليبيا بينما تمثل المؤسسات المختلطة بين الشركات الأجنبية والشركات الليبية نسبة 17% من مجموع الشركات. وضمن الشركات عبر القطرية الثمانية الأولى في ليبيا نجد 4 شركات أوروبية و3 أمريكية وشركة كندية. وقد شهد الوجود الأجنبي تحولات مع تقلبات الوضع السياسي في ليبيا. فمنذ اكتشاف النفط في ليبيا أواسط الخمسينات من القرن العشرين تركزت الشركات الغربية مثل هاس (HESS) الأمريكية منذ 1955([9]) وإيني الإيطالية منذ 1959([10]). إلا أن وضع هذه الشركات تأثر بتطور العلاقة بين دولها الأصلية والنظام في ليبيا خاصة بعد 1969. فشركة هاس مثلا توقف نشاطها منذ 1986، سنة المواجهة بين الولايات المتحدة وليبيا، ولم تعد إلا في 2006([11]) بعد نهاية الحصار و"المصالحة مع المجتمع الدولي". وإذا كانت تلك المصالحة فتحت الباب لعودة الشركات الغربية فإنها كذلك فتحت الباب أمام شركات منافسة من دول طارئة على الصناعة النفطية مثل الصين فأصبحت مصالح الشركات الغربية مهددة. والملاحظ أن النظام الليبي استغل التنافس على الثروة النفطية الليبية للعب على تناقضات السياسة الدولية. كما استغل العقود النفطية للحصول على تنازلات سياسية من الغرب مثل اعتذار إيطاليا على الفترة الاستعمارية أو إطلاق سراح عبد الباسط المقراحي([12]). وباندلاع الثورة الليبية انفتح الباب على مصراعيه أمام إعادة رسم خريطة المصالح بين الشركات النفطية بحسب مآلات الثورة والموقف الذي ستتخذه كل دولة من أطراف الثورة. لذلك تدخلت تلك الشركات لتضغط على حكوماتها من أجل دعم التدخل. وفي المقابل وجدت الشركات التي وقفت دولها ضد التدخل مهددة في مصالحها وهو ما دفعها إلى التدخل لدى المجلس الانتقالي لمطالبته باحترام الاتفاقات السابقة للثورة([13]). بل إن الوضع الجديد شجع شركات كانت تنوي تعليق أنشطتها قبل الثورة للعودة من جديد مثل بريتش بتروليوم التي عقدت اتفاقا مع المؤسسة الوطنية [الليبية] للنفط منذ 2007([14]).

جنسية بعض الشركات النفطية الأجنبية العاملة في ليبيا([15]).

الشركة

الجنسية

إيني

ENI

إيطاليا

وينترشول

Wintershall

ألمانيا

طوطال

Total

فرنسا

ريبسول

Respol-YPF

إسبانيا

أو. أم. دبليو

OMW

النمسا

ستارت أويل

Startoil

النورويج

كونوكوفيليبس

Conoco-Philips

الولايات المتحدة

هاس

HESS Corp

الولايات المتحدة

أوكسيدونتال

Occidental

الولايات المتحدة

أكسسون موبيل

Exxon Mobil

الولايات المتحدة

ماراتون

Marathon

الولايات المتحدة

sسانكور

Suncor

كندا

غازبروم

Gazprom Neft

روسيا

تاتنفت

Tatneft

روسيا

س ن ب س

CNPC

الصين


  •  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أرصدة مالية مغرية ومقلقة:

بفضل ارتفاع أسعار النفط، تراكمت لدى ليبيا أرصدة مالية هائلة. وقد حاول النظام السابق استثمار تلك الأرصدة في مختلف أنحاء العالم فأحدث في 28 أوت 2006 المؤسسة الليبية للاستثمار([16]). وتقدر قيمة الأرصدة التي كانت هذه المؤسسة تتصرف فيها بـ 70 مليار دولار، وارتفعت هذه القيمة إلى 190 مليار دولار بإضافة احتياطيات البنك المركزي الليبي([17]). وقد بلغت ممتلكات المؤسسة الليبية للاستثمار (LIA) سنة 2010 ما يعادل 6.8 مليار دولار من أسهم عدد من المؤسسات الدولية. وتتركز النسبة الأكبر من هذه الاستثمارات في 12 مؤسسة تصنف استراتيجية مثل إيني الإيطالية وباسف الألمانية وبنسبة أقل في 28 مؤسسة غير استراتيجية.

 

توزع أرصدة المؤسسة الليبية للاستثمار من أسهم الشركات الأجنبية سنة 2010([18])

 

المؤسسات الاستراتيجية

 

 

 

1

أونيكريدي

Unicredit S.P.A

13,16

%

2

سيمانس

Siemens Ag

9,20

%

3

إيني

ENI

8,91

%

4

بيرسن

Pearson Plc

6,21

%

5

م م س نوريلسك نيكال

MMC Norilisk Nickel

5,26

%

6

يونايتد كومباني روسال

United Company Rusal

3,75

%

7

باسف

BASF

1,59

%

8

ريبسول

Repsol YPF

1,46

%

9

لاغاردار

Lagardre S.C.A

1,19

%

10

فينميكانيكا

Finmeccanica S.P.A

1,17

%

11

فينبيرغر

Wienberger

0,58

%

12

س ن س لافالان غروب إنك

SNC-lavalin Group Inc

0,31

%

 

المجموع

 

52,78

%

 

المؤسسات غير استراتيجية

 

 

 

1

جنرال إلكتريك

General Electric Co

4,16

%

2

باير

Bayer AG

3,73

%

3

تيليفونيكا

Telefonica

3,12

%

4

فايزر

Pfizer INC

2,73

%

5

فودافون

Vodafone

2,72

%

6

أ ت & ت

AT&T

2,59

%

7

أليانس

Allianz Ag-reg

2,44

%

8

دوتش تيليكوم

Deutche Telekom

2,23

%

9

ر ف أو أج

RWE Ag

2,15

%

10

ب ب ب ل س

BP Plc

1,89

%

11

غازبروم

Oao Gazprom-spon Ads

1,10

%

12

فرانس تيليكوم

France Telecom

1,02

%

13

أجياس

Ageas

0,89

%

14

فيفندي

Vivendi

0,75

%

15

سيتيغروب

Citigroup Inc

0,38

%

 

المجموع

 

31,90

%

 

13 مؤسسة أخرى

 

15,32

%

 

المجموع

 

47,22

%

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يضاف إلى ذلك ما أشارت إليه بعض الدراسات من أطماع الدول الغربية في المؤسسة الوطنية للنفط (NOC) التي تحتل المرتبة 25 ضمن المائة شركة الأولى في العالم وتسيطر على 60% من إنتاج النفط الليبي. وقد اعتبر المحلل الكندي من أصل روسي شوسيدوفسكي أن هدف القوى الكبرى هو زعزعة وضع الشركة بهدف خصخصتها بعد ذلك والسيطرة بصفة كلية على القطاع النفطي([19]).

تراهن الدول التي تؤوي الثروات الليبية عليها في مواجهة الأزمة المالية الخانقة التي اندلعت منذ 2008 والتي تعود بقوة مع جائحة كورونا منذ ديسمبر 2019. وبعد عشر سنوات من الثورة لا تزال هذه الأرصدة مادة لصراع القوى الليبية، ولا يزال الشعب الليبي يطمح إلى استعادتها.

ولا بد من الإشارة إلى ما تحمله الأرصدة الليبية من قوة تأثير كامنة للدولة الليبية حينما تتعافى من أزمتها الحالية فترث بذلك مشروع النظام السابق في استغلالها لافتكاك مكانة جغراسياسية. ويمكن الاستدلال على ذلك ببعض المعطيات الإحصائية حول الاستثمارات الليبية في إفريقيا قبل الثورة والتي أوردها الكامروني جون بول بوغالا مدير معهد الدراسات الجيوستراتيجية([20]) عن مشروعين أساسيين:

    • القمر الصناعي الإفريقي (RASCOM): تأسست شركة راسكوم منذ 1992 بهدف بناء قمر صناعي يخفض من كلفة الاتصالات على الأراضي الإفريقية والتي كانت تتم عبر أقمار صناعية أوروبية مقابل ضريبة سنوية تعادل 500 مليون دولار بينما لا يتكلف القمر الصناعي الإفريقي إلا أقل من 400 مليون دولار تدفع لمرة واحدة. وقد رفض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تمويل المشروع. وفي 2006 بادرت ليبيا باستثمار 300 مليون دولار في المشروع إلى جانب البنك الإفريقي للتنمية (50 مليون دولار) والبنك الغرب إفريقي للتنمية (27 مليون دولار) فامتلكت إفريقيا أول قمر صناعي في نهاية 2007 (26/12) وانتهى بذبك النزيف المالي بنصف مليار دولار نحو أوروبا.
    • البنوك الإفريقية: من برامج الاتحاد الإفريقي إنشاء 3 بنوك:

البنك الإفريقي للاستثمار (BAI) مركزه سيرت بليبيا.

البنك المركزي الإفريقي (BCA) مركزه أبوجا بنيجيريا ومن أول مهامه إصدار عملة إفريقية وهو ما يعني نهاية فرنك المجموعة المالية الإفريقية (Franc CFA) الذي تسيطر به فرنسا على اقتصاد مستعمراتها السابقة غرب إفريقيا منذ استقلالها.

صندوق النقد الإفريقي (FMA) مركزه ياوندي بالكامرون برأسمال 42 مليار دولار تساهم ليبيا منها بـ 10 مليار والجزائر بـ 16 مليار. ويفترض أن يعوض أنشطة صندوق النقد الدولي. وقد طلبت الدول الغربية الانضمام إليه لكن الدول الإفريقية رفضت ذلك بالإجماع.

بناء على ما تقدم تبدو مشاريع النظام القديم لتزعم إفريقيا وتحويلها إلى تكتل على الطريقة الأوروبية مقلقا للقوى الغربية لأنه يعطل المشاريع الاستغلالية. ومن هذه الزاوية يصبح تجميد الأرصدة الليبية طريقة للتخلص من تلك المشاريع. ولعل هذا يفسر لنا مبادرة الولايات المتحدة إلى تجميد أكثر من 30 مليار دولار تعود إلى البنك المركزي الليبي مخصصة لتمويل المشاريع البنكية الثلاثة([21]).

في أفق المصالحة الوطنية، يحق لليبيين أن يتساءلوا عن مصير أرصدتهم وحقهم في إعادة الاستفادة منها في الاندماج في محيطهم الإفريقي والدولي.

مكانة محورية في أمن الإقليم.

  • أحد المعابر المميزة للهجرة السرية نحو أوروبا:

تذهب تقديرات المفوضية الاوروبية الى أنه يوجد نحو ثمانية ملايين مهاجر بصورة غير شرعية في دول الاتحاد([22]). ويغذي تدفق المهاجرين الأفارقة من الضفة الجنوبية هذا الوضع. وتمثل إسبانيا وإيطاليا أكثر دول الاتحاد الأوروبي استقبالا للوافدين سرا بحكم قربهما الجغرافي من القارة الإفريقية. وتعتبر ليبيا إحدى النقاط المفضلة لتيارات المهاجرين السريين نحو إيطاليا بفضل طول سواحلها (1770 كلم) وقربها الجغرافي إذ لا تبعد مالطا وجزيرة لامبيدوزا الإيطالية سوى بضع مئات الكيلومترات. لذلك تحتل مكانة مميزة ضمن شبكة تهجير الأفارقة نحو الشمال [الخريطة عدد 2].

خريطة عدد 2: شبكة تهجير الأفارقة نحو أوروبا.

 

وقد شجعت سياسة القذافي القائمة على التوجه الإفريقي استقطاب أعداد كبيرة من الأفارقة. وبحسب أحدث تقديرات الوكالة الأوروبية للحدود الخارجية (FRONTEX) فإن ليبيا تؤوي لوحدها مليوني مهاجر سري ينتظرون الفرصة للمغادرة نحو أوروبا([23]). وقد استغل النظام السابق هذا العامل في علاقاته مع الاتحاد ورقة ضغط ولتثبيت زعامته الإفريقية. فكان يتهم الأوروبيين بقتل المهاجرين الأفارقة حتى لا يصلوا إلى شواطئهم([24]). وفي سياق التنسيق لمقاومة الهجرة السرية اشترط الحصول على 5 مليار أورو مقابل تعاونه لمقاومة هذا التيار. ويبدو أنه رغم الحصول على ما طلب من أموال، لم تتوقف الهجرة الإفريقية على الاتحاد. وقد يكون ذلك أحد العوامل التي جعلت بعض أطراف الاتحاد تنخرط في تدخل الناتو بليبيا لحسم المسألة معه عسكريا بعد أن أخل بالتزامه.

وخلال حربه ضد الثوار وظف النظام نفس الورقة للضغط على الاتحاد الأوروبي ليظهر أن سقوطه يعني غرق الاتحاد الأوروبي تحت موجات المهاجرين الأفارقة. فقام بإطلاق موجات منهم عنوة على سفن الموت. وهو ما كشفته بعض التسجيلات السمعية البصرية التي بثتها وسائل الإعلام مباشرة بعد سقوط النظام. وقد انفتح الباب بعد الثورة على مصراعيه أمام الظاهرة مع انهيار الدولة وانتشار عصابات الاتجار بالمهاجرين الأفارقة. فبعد أسبوع فقط من اندلاع الأحداث في ليبيا صرح الأمين العام للحلف الأطلسي: "لا أعتقد أن الوضع في ليبيا يشكل تهديدا مباشرا للحلف أو أعضائه لكنه يمكن أن تكون له تداعيات سلبية مثل الهجرة واللاجئين... بما في ذلك في البلدان المجاورة"([25]).

بعد اتفاق وقف إطلاق النار الأخير وانطلاق المصالحة الليبية يبدو أن الدول الأوروبية تدرك حجم الآمال المعلقة عليها في مواجهة هذا الخطر. وسيكون من مصلحتها أن تدعم المصالحة وتوقف تغذية الصراع بين الإخوة.

  • على أطراف مجال نشاط الجماعات المسلحة.

تشهد الصحراء الإفريقية المترامية تنامي نشاط المجموعات المسلحة مرة باسم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وأخرى باسم داعش. ويمتد مجال نشاط هذه المجموعات إلى أطراف ليبيا بما قد يهدد مصالح الاستثمارات الغربية مثل حقل إنتاج الغاز الذي يزود إيطاليا عبر أنبوب التيار الأخضر (Greenstream) [الخريطة 1]. وهو قابل للتوسع إذا اعتبرنا وجود مجموعات ليبية مستعدة في كل لحظة للالتحاق بهذا النشاط. وقد عانت عدد من الدول الأوربية من اختطاف عناصر من رعاياها في الصحراء مثل الرعايا الفرنسيين.

وفي ظل انهيار الدولة منذ 2011 أصبح الوضع ملائما لتوسع مجال هذه المجموعات خاصة في تداخلها مع بعض الجماعات المتصارعة في ليبيا. والمأمل في ظل المصالحة الحالية قطع الطريق عن هذه الجماعات واستعادة قدرة الدولة الليبية على التحكم في مجالهاـ وقطع الطريق على مراكز التأثير الداخلي لتوظيف تلك الجماعات وزعزعة الوضع الداخلي.

بلد مهيأ للانقسام بحكم تركيبته القبلية:

تطغى التركيبة القبلية على المجتمع الليبي[26]. ورغم ما يمكن أن يتضمنه ذلك من نزعات معارضة للدولة المركزية فقد برهن الليبيون في استفتاء 1947 الذي نظمته اللجنة الرباعية عن التمسك بالاستقلال والوحدة ضد مشاريع التقسيم. إلا أن الاستقلال ضمن النظام الفيدرالي أعطى مجالا لتلك النزعات لتبرز وتعطل عملية التنمية تحت الحكم الملكي السنوسي. لذلك وقع التخلي عن الفيدرالية لصالح حكم مركزي بعد تعديل الدستور في 26-04-1963([27]).

وقد أحيى انقلاب 1969 على الملك إدريس السنوسي المدعوم من شرق البلاد النزعات الانقسامية بسياساته القائمة على التحالفات القبلية إذ أصبح المجال والمجتمع الليبيين يعرفان انقسامات من شاكلة "الشراقة" (أهل برقة) و"الغرابة" (الغرب والوسط)([28]). كما أن الصبغة الانقلابية للنظام جعلته يعتمد على كتل قبلية أكثر من غيرها ضمانا لوفائها وعلى رأسها قبائل القذاذفة  والمقارحة  وورفلة. فقد أورد منصور عمر الكيخيا في كتابه عن سياسة المتناقضات التي اتسم بها عهد القذافي معطيات عن سيطرة القذاذفة وحلفائهم على مراكز القوى في الدولة سواء داخل المؤسسات الأمنية أو العسكرية أو الحكومية. وإذا ما اكتفينا باللجان الثورية مؤشرا لهذا الوضع، فإن 70 قيادة من قياداتها توزعت على القذاذفة (38 قيادة أي أكثر من 54%) وورفلة (28 قيادة أي 40%) والمقارحة (4 قيادات أي قرابة 6%)([29]). وقد خلق ذلك لدى القبائل المهمشة في السلطة وخاصة قبائل الشرق إحساسا بالغبن جعلها مهيأة للخروج عن السلطة في أي لحظة تماما مثلما فعلت في التسعينات([30]) و2011. وتزداد خطورة هذه التركيبة القبلية إذا اعتبرنا تركز الثروة النفطية الليبية في الشرق وما أفرزه ضعف الدولة المركزية بعد الثورة من أنانية وإحياء نزعة الاستئثار بالثروات الوطنية كل حسب المجال الذي ينتمي إليه. فقد ظهر الحضور الكثيف للانتماء القبلي في التحالفات السياسية العسكرية. وربطه العديد بصراع الثروة والسلطة. وهو ما يجعله معطى ثابتا في أي مصالحة.

بعد تجربة عشر سنوات من الفوضى ومحاولات فرض الأمر الواقع في التقسيم الفعلي للبلاد، ثبت فشل مشروع التقسيم على أساس قبلي وجهوي بسبب صمود قوى داخلية واعتراض القوى الخارجية الفاعلة عليه. والمتوقع هو تسليم كل الأطراف بالحوار تحت سقف وحدة التراب الليبي. لم يعد من المقبول اللعب على التنوع القبلي الليبي مدخلا للتقسيم والتفتيت.

خاتمة:

لقد حصرنا تحليلنا في المعطيات الثابتة وتجنبنا الحديث عن العناصر الطارئة مثل التحول في القوى الفاعلة في التدخل الخارجي وأساسا روسيا وتركيا بعد العجز الذي أظهره الأوروبيون بسبب أنانياتهم القومية والتي دمرتهم في حربين عالميتين وتذهب بأمجادهم الاستعمارية بعدهما. ذلك أن هذه التحولات لا تخرج عن الصراع حول الثروة الليبية وفرصها. وهي وإن كانت تلعب على تناقضات الداخل الليبي فإن اقتناعها باستحالة حسم الصراع لصالح طرف دون غيره يجعل تلك القوى الدولية تقتنع بأن تقريب متصارعي الداخل هو الضامن لمصالح الجميع. والأمل هو أن تعي القوى الداخلية بأن القبول بالتعايش هو السبيل الوحيد لإنقاذ البلد من الدمار وسد الطريق على "المتآمرين".

ينظر كل محبي ليبيا إلى جلسات المصالحة الجارية في تونس حاليا (نوفمبر 2020) بأمل كبير في أن تكون الفاتحة نحو استعادة استقرارها ونموها. لكن اغتيال الناشطة الليبية حنان البرعصي وسط بنغازي في وضح النهار (11/11/2020) يكشف عن الصعوبات التي تعترض مثل هذا الأمل.

د. عبد الرحمن الهذلي

 

 

 


[2] CHOSSUDOVSKY (Michel), "Operation Libya" and the Battle for Oil: Redrawing the Map of Africa, http://www.mondialisation.ca/index.php?context=va&aid=23869

[3] BP Statistical Review of World Energy, June 2012, bp.com/statisticalreview

[4] CHOSSUDOVSKY (M), op. cit

[5] Ibid.

[6] https://prixdubaril.com/news-petrole/69215-petrole-la-libye-franchit-le-million-de.html

[13] - وكالة الأنباء الصينية: الصين تتطلع الى مواصلة استثماراتها فى ليبيا الجديدة، 24-08-2011
http://arabic.news.cn/chinaarabic/2011-08/24/c_131071665.htm

رويترز: الصين تحث ليبيا على حماية الاستثمارات، 23-08-2011،
http://ara.reuters.com/article/businessNews/idARACAE77M04S20110823

[14] AFP, op. cit.

[15] - هذه المعطيات مجمعة من مصادر متنوعة منها:

[16] - قرار اللجنة الشعبية العامة رقم (205) لسنة 1374 و.ر (2006 مسيحي) بإنشاء المؤسسة الليبية الاستثمار

http://www.aladel.gov.ly/main/modules/sections/item.php?itemid=223

[17] «L’argent de Kadhafi» a tant irrigué le système financier international…, Agence Ecofin,

http://www.agenceecofin.com/investissement/2608-1017-l-argent-de-kadhafi-a-tant-irrigue-le-systeme-financier-international

[18]  Ibid

[19] CHOSSUDOVSKY (M), op. cit.

[20] POUGALA (Jean-Paul), les vraies raisons de la guerre en libye, 28-03-2012, http://www.montraykreyol.org/spip.php?article4463

[21] Ibid

[25] http://www.nato.int، 24/02/2011.

[26] بالنسبة إلى مواقع القبائل انظر: عبد العزيز نجم (الدكتور فرج)، القبيلة والإسلام والدولة، مكتبة 17 فبراير، ليبيا، 2011، ص 309-320.

[28] -  جريدة الشرق الأوسط، عدد 11774 بتاريخ 22/02/2011.

http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=609405&issueno=11774

[29] الكيخيا (منصور عمر)، القذافي وسياسة المتناقضات، مركز الدراسات الليبية، أكسفورد،ط 1، 2007، ص 317-328.

[30] -  من تقرير لوكالة رويترز بتاريخ 24-02-2011 تحت عنوان: الاهمال والقبلية والتاريخ يشعلون التمرد شرق ليبيا
http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE71N01G20110224?pageNumber=1&virtualBrandChannel=0&sp=true

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك