القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تونس و الحوار السياسي الليبي أي مركز لأي دور؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-11-17 13:19:00 | 847 مشاهدة

ملخص:
تدخل الأزمة الليبية منعرجا جديدا بعد إعلان وقف إطلاق النار الذي أعلنه مندوبو أطراف الصراع المشاركون في مشاورات اللجنة العسكرية المشتركة في 23/10/2020  وأشادت به "ستيفاني وليامز المبعوثة الأممية بالإنابة في ليبيا. وقد استضافت تونس، بعد اجتماعات "غدامس"ذات الطابع العسكري، منتدى الحوار السياسي الليبي يوم التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري. ويطمح التونسيون لاستعادة دور غاب عنهم طويلا في الملف الليبي. 

مقدمة:
يسابق الليبيون الزمن لتحقيق اختراقات مهمة بمناسبة حضور بعض مكوناتهم منتدى الحوار السياسي الليبي في تونس منتشين بإعلان وقف إطلاق النار المعلن في جينيف، رغم السياقات الضاغطة و السلبية المحيطة. وترنو تونس التي تخلفت كثيرا عن التعامل الجدي والعلمي مع الملف الليبي إلى استعادة إشعاع دبلوماسيتها و بذل ما في وسعها للمساعدة في حل الصراع الليبي. ولكن  هل تملك تونس ما يؤهلها لتكون جهة مبادرة؟ أي هل تطمح حقا للعب أدوار أخرى غير" شرف " المقر؟
نحاول فيما يلي تحديد مركز تونس من الحوار السياسي الليبي، كجهة مبادرة، من زاويتين متتابعتين في الزمن باعتباره مركزا ضائعا (قسم أول) و مركزا ممتنعا في قسم ثان.

القسم الأول – مركز المبادرة الضائع:

شكلت الأزمة الليبية فرصة حقيقية كان يمكن لتونس أن توظفها طيلة السنوات الفارطة لتشكل جهة مبادرة (بصفة منفردة أو بالتنسيق مع الدول المغاربية) و ما ينتجه ذلك المركز من مزايا دبلوماسية واقتصادية وأمنية.. و نعرض تباعا للمبادرة الثلاثية المشتركة:

  •  لمحة عن المبادرة الثلاثية المشتركة:

شهدت العاصمة التونسية في 20 فيفري/شباط من العام 2017 صدور إعلان ثلاثي مشترك من قبل وزراء من تونس و الجزائر و مصر لدعم التسوية الشاملة في ليبيا. و يهدف الإعلان المذكور إلى تحقيق المصالحة برعاية دول الجوار والأمم المتحدة ويقوم على التمسك بالحل السياسي و رفض الحسم العسكري و التدخل الخارجي في ليبيا.
و يقوم الإعلان الذي تلاه وزير الخارجية التونسي آنذاك "خميس الجهيناوي" في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيريه المصري و الجزائري يوم 22/2/2020 على المبادئ العامة التالية:

1 - - مواصلة السعي الحثيث لتحقيق المصالحة الشاملة في ليبيا دون إقصاء في إطار الحوار الليبي بمساعدة من الدول الثلاث وبرعاية الأمم المتحدة،

2 - - التمسك بسيادة الدولة الليبية ووحدتها الترابية وبالحل السياسي كمخرج وحيد للأزمة الليبية، على قاعدة الاتفاق السياسي الليبي الموقع في "الصخيرات" المغربية في 17/12/2015 باعتباره إطارا مرجعيا، والاتفاق على مساندة المقترحات التوافقية للأطراف الليبية قصد التوصل إلى صياغات تكميلية وإلى تعديلات تمكّن من دفعها.

3 - - رفض أي حلٍّ عسكري للأزمة الليبية وأي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية لليبيا باعتبار أن التسوية لن تكون إلا بين الليبيين أنفسهم، والتأكيد على أن يضم الحوار كافة الأطراف الليبية مهما كانت توجهاتها وانتماءاتها السياسية.

4 - - العمل على ضمان وحدة مؤسسات الدولة الليبية المدنية المنصوص عليها في الاتفاق السياسي -المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة- بما في ذلك الحفاظ على وحدة الجيش الليبي وفق بنود الاتفاق السياسي الليبي، للقيام بدوره الوطني في حفظ الأمن ومكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود و الهجرة غير النظامية.

5 - - تواصل الدول الثلاث جهودها على المستوى الوزاري في التنسيق فيما بينها ومع مختلف الأطراف السياسية الليبية لتذليل الخلافات، ويتم رفع نتائج الاجتماع الوزاري إلى قادة البلدان الثلاث تمهيدا للقمة الثلاثية في العاصمة الجزائرية.

6 - - ستقوم الدول الثلاث بشكل مشترك ورسمي بإحاطة الأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لجامعة الدول العربية ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي بإعلان تونس الوزاري باعتبارها وثيقة رسمية لدى المنظمات الثلاث.

لكن المبادرة الثلاثية لم تنجح في كسر الجمود السائد في الساحة الليبية و لا في تحجيم الأزمة الليبية ولا في حلها. ولم توفق الدولة التونسية في استغلال مركزها كجهة مبادرة، ولا توظيف رصيدها الرمزي (كنموذج للانتقال الديمقراطي في المنطقة) في حشد الدعم الإقليمي و الدولي لحمل أطراف الصراع على الاحتكام إلى لغة الحوار بدل منطق القوة.

أسباب فشل المبادرة:

يرجع إهدار تونس لهذه الفرصة إلى مجموعة من العوامل يمكن اختزال بعضها في العناوين التالية:

  1.  عوامل موضوعية تخص المبادرة و تتعلق خاصة بما يلي:
  •  عوامل إجرائية تخص المبادرة:
  • غياب أو تغييب أي آليات لتحفيز الأطراف على الجنوح إلى السلم أو الضغط عليها لحملها على الجلوس إلى طاولة الحوار ومغادرة ساحات المعارك والقبول بمخرجات المفاوضات .

 – عدم تحديد سقف زمني لإجراء المحادثات ولا جدول دقيق لتنفيذ مخرجات المبادرة بما يفرغ تلك المبادرة الثلاثية من مضمونها وينفي عن أصحابها (و على رأسهم تونس) الجدية والمصداقية اللازمتين للاضطلاع بهكذا مسؤولية.

ب - عوامل سياسية تتعلق بمحدودية الدعم الإقليمي و الدولي الناجم في جانب منه عن ضعف تسويق المبادرة و التنسيق بين أطرافها اللازمين لتشكيل ضغط على فرقاء الوطن قد يساهم في نزع فتيل الأزمة.

2 – عوامل ذاتية تخص جهة المبادرة وأطرافها:

  • بخصوص أطراف المبادرة:

وقد اتسمت مواقف هذه الأطراف بتناقض رئيسي لا يمكن للبيانات و اللقاءات الدورية أن تحجبه. فإذا كانت مواقف تونس و الجزائر أكثر توازنا لاعترافهما بشرعية حكومة الوفاق الناتجة عن اتفاق "الصخيرات" و دعوتهما إلى الحل السلمي، فان نظام القاهرة ينحاز بالكلية إلى جانب "حفتر" و تحالفه الداعم (في الإقليم و العالم) المعروفين بالتنكر لمخرجات اتفاق "الصخيرات" و شرعية حكومة الوفاق المنبثقة عنها و تفضيل الحسم العسكري كخيار استراتيجي، و عدم رغبة القاهرة في إقناع معسكر الشرق بالجنوح إلى الحوار و منع تقدمه باتجاه طرابلس.

  • بخصوص جهة المبادرة:

إذا كان تحرك "حفتر" عسكريا في اتجاه الغرب قد أجهز على الهدية التي منحت لتونس لتجسيد دور الدولة المبادرة في الملف الليبي، فان المسؤولين التونسيين ساهموا لا شك في إضاعة هذه الفرصة الاستثنائية التي كان يمكن لنجاحها –كليا أو جزئيا- أن تحافظ على مصالح بلادهم الاقتصادية و الأمنية و الإستراتيجية التي تضررت كثيرا بفعل الأزمة الليبية.

لقد اتسمت الدبلوماسية التونسية بحالة من الارتباك ميزت الرئيس "السبسي" و بضعف أداء وزير خارجيته "خميس الجهيناوي" و يمكن تفسير هذه السلبية و هذا العجز الرسميين -جزئيا - بعاملين على الأقل:

– سبب بنيوي يخص الدبلوماسية : إذا كانت الدبلوماسية التونسية قد تميزت ببعض الفاعلية والإشعاع المعتبرين-إقليميا ودوليا- خلال المرحلة البورقيبية، فإن السياسة الخارجية اتسمت زمن "بن علي" بتعزيز تبعيتها لفرنسا وهيمنة البعد الأمني على العمل الدبلوماسي والقنصلي. وعلى عكس ما كان متوقعا، لم يضف حدث الثورة تغيرا نوعيا و لا راديكاليا في سياسة تونس الخارجية التي عرفت " تذبذبا في وتيرة العمل الدبلوماسي و السياسات التي اتبعتها مؤسسة الرئاسة و وزارة الخارجية في تعاملها مع الملف الليبي وباقي الملفات العربية والدولية" بل و غلب عليها "الارتجال غياب مبادرة علمية ومدروسة لحل شامل ضمن مقاربة تونسية مغاربية للأزمة" .    

– سبب سياسي يتعلق بالضغوط التي مورست على النظام: لم تتمكن الدبلوماسية التونسية من الفكاك من تبعيتها لفرنسا، رغم اعترافها مبدئيا بحكومة الوفاق الوطني و تفضيلها للحل السياسي.

لعبت فرنسا،باعتبارها المستثمر الأوروبي النشط في الاستبداد ، أدوارا غير بناءة في ليبيا و منها دور "الملاك الحارس الغربي للماريشال حفتر".

وقد انعكست العلاقات المعقدة للدولة التونسية مع فرنسا على السلوك السياسي للمسؤولين التونسيين في خصوص الملف الليبي. فإذا كان الخطاب السياسي إلى حدود عهد "السبسي" يقوم على الاعتراف بالحكومة الشرعية في طرابلس (و الدعوة للحل السلمي)، فان الضغوط السياسية الواقعة من التحالف الداعم لخيار العسكرة والحسم العسكري (و على رأسه فرنسا و معها الإمارات و مصر..)، إضافة إلى انقسام الطبقة السياسية في الداخل، كبلا حركة الدبلوماسية التونسية (المشلولة أصلا) بل و اظهرا انحرافا نحو خصوم الحكومة الشرعية حالت دون الإمساك بالملف الليبي.
لقد أضاعت تونس بالمناسبة فرصة استثنائية للاستثمار في الملف الليبي، لم تتمكن بعدها من لعب أي دور ذي قيمة (في غير المجال الأمني) ما سمح لدول أخرى (مصر، الإمارات، فرنسا، ايطاليا، روسيا، الولايات المتحدة، تركيا..) بالانخراط في الصراع الليبي و انتزاع موطئ قدم في الفضاء الليبي الغني بالموارد و المزايا.

هل يعني-ما تقدم- أن تونس ستكون فقط جهة مقر، وأن حضورها  في منتدى الحوار السياسي الليبي لن يتجاوز الجانب التنظيمي  و الإجرائي؟     

القسم الثاني – مركز المبادرة الممتنع

هل تملك تونس ،مع صعود الرئيس "سعيد"، ما يؤهلها للتأثير في مخرجات منتدى الحوار السياسي الليبي؟

نحاول الإجابة على هذا السؤال من خلال البنية الدبلوماسية للدولة التونسية زمن "سعيد" وكذا إسهامات الرئيس التونسي بخصوص الملف الليبي- إن وجدت- على مستوى الخطاب والتدخلات.

  •  البنية الدبلوماسية

هل يمكن الحديث عن سياسة خارجية مستقرة زمن "سعيد"؟ و هل يملك فريقه تصورا محددا للتعامل مع الملف الليبي ؟ 

نكتفي بالإشارة إلى غياب الرؤية الإستراتيجية و الفوضى الدبلوماسية غير المسبوقة

  1. غياب الرؤية الإستراتيجية: ظلت السياسة الخارجية في تونس صنيعة "الزعيم الأوحد" لا عملا مؤسسيا تحدده الهياكل المتدخلة في الشأن الدبلوماسي (رئاسة الجمهورية، وزارة الخارجية)، ولا يتأثر بتغير الأشخاص واختلاف الأهواء وتباين الانتماءات السياسية و الإيديولوجية. كما عرفت تلك السياسات غالبا بسلبيتها و بتبعيتها للغرب و خاصة لفرنسا.

و لم يضف حدث الثورة –على أهميته – جديدا لسياسات الخارجية التونسية إذ  لم تتوفق الأطراف الرسمية المعنية بالشأن الدبلوماسي في" بلورة رؤية جديدة للدبلوماسية التونسية تنسجم مع الواقع التونسي ما بعد إرساء الديمقراطية في الجمهورية الثانية، وتقدم خطة واضحة، لا تتأثر بتغير الأشخاص أو المناصب، ترسم معالم السياسة الخارجية على مدى عشرين إلى خمسين عاما".    
وبخصوص الملف الليبي،يمكن إضافة الحضور المهيمن للعامل الإيديولوجي وسيطرة التجاذبات السياسية و الإعلامية، الأمر الذي حال دون استثمار الدبلوماسية الشعبية في معاضدة جهود الخارجية الرسمية. كما أوقع غياب الثقافة المواطنية و خضوع الإعلام للوبيات المال الفاسد " الدبلوماسية الرسمية نفسها في مآزق جرت أو كادت أن تجر كوارث على البلاد من ذلك الموقف من الأوضاع التي تشهدها الجارة ليبيا ،وهي دولة تمثل عمقا استراتيجيا لتونس لكن التعامل مع ما تعيشه بمنطق الايدولوجيا أضاع على تونس فرصة هامة للعب دور محوري في حل الصراع الليبي والاستفادة من هذا الجهد".
وقد ازداد الوضع تراجعا في عهد "قيس سعيد". و قد سيطرت خلال توليه الحكم التركيز على تعزيز الإجراءات الأمنية و العسكرية على الحدود الجنوبية الشرقية للبلاد بما انعكس سلبا على حجم التجارة البينية (الرسمية والموازية) بين البلدين. بينما حافظت الدبلوماسية التونسية على سلبيتها إزاء الملف الليبي لاعتبارات إيديولوجية (رغم الاعتراف الرسمي بالحكومة الشرعية في طرابلس) ومؤسسية (بين أطراف الشأن الدبلوماسي الرسميين/الرئاسة، وزارة الشؤون الخارجية) وسياسية (بين الرئاسة والبرلمان،وبين الدبلوماسيتين الرسمية والشعبية).. و قد ساهم كل ذلك ،و غيره، في إفقاد الدبلوماسية دورها في تعزيز علاقات تونس الدولية وتنويعها وجذب الاستثمارات وفي تنشيط دور تونس في حل الأزمات الإقليمية خاصة تلك التي تنعكس مباشرة على أوضاعها الداخلية الاقتصادية و الاجتماعية و الإنسانية والأمنية كما هو الحال بالنسبة للازمة الليبية.

و يمكن اختزال أوجه القصور البنيوي في التعامل مع الحالة الليبية فيما يلي:

1-  عجز الخارجية عن قراءة الحالة الليبية سياسيًا اجتماعيًا اقتصاديًا،

  1.  افتقادها لأدوات التحليل لموازين قوى الفاعلين المحليين والدوليين،
  2. غياب المخططات لمواجهة تحديات هذه الحالة وتداعياتها على كل المستويات،
  3. غياب الدراسات المخصصة لديناميكية تغير موازين القوى في المتوسط،
  4. عجز الدبلوماسية عن وضع خطط تتماهى مع الفرضيات، الحل السياسي أو التقسيم،
  5. غياب الاستراتيجيات التي تحدد طبيعة العلاقات المعقدة والمتشابكة بين اللاعبين المؤثرين في الملف الليبي (روسيا تركيا إيطاليا فرنسا الإمارات قطر مصر السعودية أمريكا)".

ويمكن الاستدلال على هذا التراجع الدبلوماسي زمن "سعيد" بالفوضى الدبلوماسية غير المسبوقة و بالتدخلات الرئاسية غير الموفقة

  • فوضى دبلوماسية غير مسبوقة: تتطلب إرادة أي بلد في التعاطي بفعالية و نجاعة مع الملفات الدولية (و منها الملف الليبي الحارق) استقرارا حكوميا و دبلوماسيا نسبيا. لكن ما عرفته تونس من عدم استقرار حكومي انعكس سلبا على جودة الأداء الدبلوماسي. بل إن ما تعرفه البلاد و خصوصا مع الرئيس "سعيد" بقي عنوانه الغالب هو الفوضى ما يطرح بقوة أسئلة عمن يصنع السياسات و كيف تصنع ؟  
  •  التعيينات والإقالات المتسرّعة لوزراء الخارجية: شهد العام الأول لولاية "سعيد" تعيين خمس وزراء للخارجية ("خميس الجهيناوي" و "صبري الباشطبجي" و "نور الدين الري" و" سلمى النيفر" و "عثمان الجرندي").
  •  تغيير المندوب الدائم لتونس مرتين: كان يمكن استثمار عضوية تونس (غير الدائمة) في مجلس الأمن لمدة سنتين (2020-2022 ) لتسويق التجربة الديمقراطية الوليدة فيها وجلب الاستثمارات و تجاوز الحياد غير البناء خاصة في الملف الليبي. لكن الانفعالية والارتباك حالا دون تحقيق ذلك بل ضربا مصداقية تونس في العمق إذ تم في مناسبتين، و خلال ستة أشهر فقط، إعفاء كل من "يوسف البعتي" و "قيس القبطني" من مهامهما بالأمم المتحدة بطريقة غير لائقة و مثيرة للجدل.  

ج-  التعطيل و التجميد غير المبرر للحركة الدبلوماسية: بقيت ستة عشر سفارة حول العالم دون سفير في دول تجمعنا بها علاقات اقتصادية وثقافية كبيرة، ومن أهمها فرنسا التي بقيت بلا سفير لأكثر من تسعة أشهر قبل أن يتم في 12 سبتمبر الجاري تعيين "محمد كريم الجموسي" وزير العدل السابق. ونذكر، بالمناسبة، انه تم غلق سفارة تونس في ليبيا في بداية أكتوبر/تشرين الأول 2014 ثم القنصلية العامة في جويلية/تموز 2015 على خلفية تردي الأوضاع الأمنية و اختطاف دبلوماسيين تونسيين. و تم مؤخرا تعيين "الأسعد العجيلي"سفيرا جديدا لتونس في العاصمة طرابلس للمرة الأولى منذ عام 2014 . و هذا ما ساهم ،بقدر،في منع تونس من الاقتراب أكثر من الملف الليبي و تجاوز ما عرف عنها من سلبية و حياد سلبي، على عكس المغاربة و المصريين.

  1.  تدخلات رئاسية غير موفقة: رغم الرتابة و الجمود الذي اتسمت به السياسة الخارجية في عهده، تميزت تدخلات الرئيس "سعيد" بخصوص الملف الليبي غالبا بالارتباك و الغموض.  
  •  على مستوى الخطاب السياسي:

إذا كانت فرنسا – كما يقول الفرنسيون أنفسهم – تدعم " "التحالف الخطأ وغير الشرعي في الساحة الليبية و مازالت تصنع الفوضى (بعد الإطاحة ب"القذافي" في 2011 ) و تنتهك القانون الدولي وتربك عمل بعثة الدعم في لبيبا" ، فان لقاء باريس في 22/6/2020 كشف التقارب الكبير بين القيادتين. فقد صرح الرئيس "سعيد" بان " السلطة القائمة في ليبيا تقوم على الشرعية الدولية" لكنه أساء التعبير، و هو أستاذ القانون الدستوري، عندما أردف قائلا أن " هذه الشرعية لا يمكن أن تستمر لأنها شرعية مؤقتة ويجب أن تحل محلها شرعية جديدة تنبع من إرادة الشعب الليبي". كما تباهى "سعيد"، الذي انحنى لتقبيل "ماكرون" بحرارة على كتفيه، بدعوته القبائل الليبية لاستنساخ التجربة الأفغانية و وضع دستور للبلاد. وقد قوبلت هذه التصريحات والدعوات غير الموفقة بسخط من الحكومة الشرعية التي تدعمها الأمم المتحدة و المجتمع الدولي سواء لجهة المساواة بين طرفي الصراع دون اعتبار لمعطى الشرعية أو لجهة استبدال جهود بعثة الأمم المتحدة للحل السياسي بالقاعدة القبلية ما يشير حسب معسكر الشرعية إلى انحياز نسبي إلى جانب "المعتدي" ومغازلة للموقف الفرنسي الداعم عمليا ل"حفتر" و في أحسن الأحوال عدم مباركة حكومة "السراج" ربما لأسباب إيديولوجية وسياسوية. و كان وزير الدفاع التونسي السابق "عماد الحزقي" قد استفز بدوره جيران تونس في الغرب عندما وصف القوات المسيطرة على معبر "رأس جدير" بالميليشيات" الأمر الذي حاولت الرئاسة التونسية تداركه لاحقا.

  •  على مستوى الاقتراحات: حاول الرئيس التونسي الإسهام في اقتراح ما يعتبرها آليات قد تساعد في حل الأزمة الليبية لكنه لم يكن موفقا لأسباب اشرنا إلى بعضها سابقا.

افشل "مبادرة تونس للسلام"  التي اقترحها الرئيس التونسي عند استقباله وفدا ممثلا للقبائل الليبية في 23 ديسمبر/كانون الاول 2019 لا يمثل كل المكونات الليبية بل هو أقرب ل"حفتر". وإذا لم تكن تركيبة الوفد مقصودة (لحسابات إيديولوجية و سياسية)، فإنها في كل الحالات تنم عن نقص فادح في المعلومات والتحليل والدراسات حول هذا الملف الليبي. لذلك ولدت المبادرة ميتة بل تم تجاوزها من خلال مؤتمر برلين الذي لم مشارك فيه تونس و الذي يفترض انه يؤسس للحل المزعوم في منتدى الحوار السياسي الليبي في تونس

ب – فشل تونس و فرنسا في تمرير قرار في مجلس الأمن يفرض هدنة إنسانية في مناطق التوتر عبر العالم بداعي التفرغ لمواجهة "كورونا". و إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد عارضت القرار، فان أوساطا داخل حكومة الوفاق و حولها رأت فيه محاولة لعرقلة نجاحات قواتها في صد ميليشيات "حفتر" و طردها من الغرب الليبي و طوق نجاة قد يمكنه من استكمال تجهيزاته لمواصلة الهجوم على العاصمة عبر مشروع هدنة كان دعا إليها.

 

خاتمة:
فشلت تونس في استثمار الإعلان الثلاثي (مع كل من الجزائر و مصر) لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية و فوتت الدبلوماسية التونسية على البلاد فرصة الاضطلاع بدور الدولة المبادرة في الملف الليبي و ما سيتيحه ذلك من مزايا سياسية و اقتصادية و أمنية. والحقيقة أن  تونس لا تملك،مع صعود الرئيس "سعيد"، ما يؤهلها للتأثير في مخرجات منتدى الحوار السياسي الليبي و ذلك على مستوى البنية الدبلوماسية للدولة التونسية و كذا على مستوى تدخلات الرئيس التونسي بخصوص الملف الليبي- إن وجدت- على مستوى الخطاب و المعالجات.
وكان يمكن لتونس أن تعمل على مزيد التنسيق والتعاون في  إطار مغاربي للبحث عن مقاربة تونسية مغاربية شاملة للأزمة الليبية تضمن المصالح المغاربية ابتداء و تقطع الطريق على غيرها من القوى المتربصة بالانتقال الديمقراطي و بمخرجات "الصخيرات". 
وفي ضوء ما تقدم يمكن لتونس أن تكون، جهة مقر، لا جهة مبادرة. ولن يتجاوز دورها الجوانب التنظيمية و الإجرائية. ولكن إذا تضافرت إرادة ليبية ليبية وأخرى إقليمية و دولية في حسم النزاع سلميا خلال منتدى تونس، يمكن لهذه الأخيرة أن تستفيد بصورة غير مباشرة من صفتها كدولة مقر لهذا المنتدى.  

علي العبيدي (باحث تونسي)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك