القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تونس و التّغييرات القادمة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-04-30 12:28:00 | 394 مشاهدة

ملخّص                                                  

          ينتظر أن تعطي مصادقة مجلس نواب الشعب على قانون مجلة الجماعات دفعا إيجابيا للحملة الانتخابية التي توشك على الانتهاء، دون أن تتوقف مظاهر إرباك سياسي واجتماعي، لئن لم تؤثر على إنجاز الانتخابات في موعدها، فإنّها تساهم في  تعكير المزاج السياسي العام، ولا تساعد على مواجهة خطر العزوف عن المشاركة. وفي الوقت الذي ينظر فيه البعض إلى ما يحصل من حالات استهتار وتمرّد يومي على الدولة، وما تعيشه بعض مؤسسات الحكم، وما يعرفه المجتمع من تنامي مظاهر الجريمة، مؤشرات بالغة السلبية على تعثّر التجربة الديمقراطية وتضييق الخناق عليها. يرى آخرون أن إنجاز الانتخابات البلدية والتغييرات التي ستليها في الحكومة والدولة، ستكون عنوان أمل في وقف الانحدار وتغيير المعادلات ووضع البلاد على طريق التعافي، في أفق الاستحقاق الانتخابي التشريعي والرئاسي نهاية 2019.

مقدمة     

صادق مجلس نواب الشعب يوم الخميس 26 أفريل 2018 على قانون/مجلة الجماعات المحلية، وسط أجواء احتفالية وتوافق واسع بين الكتل البرلمانية. وينتظر أن تعطي هذه الخطوة، التي تمّ التشكيك بقطعها قبل الانتخابات، دفعا إيجابيا للحملة الانتخابية، التي بدأت يوم 14 أفريل وتستمرّ إلى غاية الجمعة 04 ماي. ولا تخطئ العين في الواقع أو في الفضاء الافتراضي، مظاهر عُرس يجوب طول البلاد وعرضها استعدادا لموعد الاقتراع الحاسم يوم 6 ماي 2018. لكن الذي لا يخطئه المراقب للوضع أيضا، أنّه بالتوازي مع العرس الانتخابي، تستمرّ مؤشّرات إرباك سياسي واجتماعي، لئن لم يؤثر على إنجاز الانتخابات في موعدها، فإنّه يساهم في  تعكير المزاج السياسي العام، ولا يساعد على مواجهة خطر العزوف عن المشاركة، الذي يظلّ تحدّيا رئيسيا، بعد التقدّم على بقية المستويات. فنسبة المشاركة ستكون حاسمة في مصير الانتخابات ومستقبل المسار السياسي عموما. لكن أخطر ما في ذلك الإرباك أنّ تونس التي طالما تمّ التأكيد على عراقة فكرة الدولة  في نخبها وشعبها ونظامها، وحصانتها من أيّة انقسامات دينية أو طائفية أو إثنيّة أو غيرها، تبدو الدولة فيها خلال هذه المرحلة مهدّدة حقيقة لا مجازا، بأخطار جمّة تعدّ الفوضى أهمّ عناوينها. فهل يساهم إنجاز الانتخابات وما يعقبها من تغييرات، أهمّها التغيير الحكومي، في وقف الانحدار وتحصين الدولة وتحسين الأوضاع؟

 الوضع  بين الانفجار  والاستقرار  

عاشت تونس بعد الثورة حالات استعصاء عن الحكم، كان بعضها تلقائيا ومُتفهّما في سياق مرحلة انتقالية لا تخفي مصاعبها، وكان بعضها مصطنعا ومستهدفا للثورة من جهات داخلية وخارجية. أضرّت تلك الحالات التي بلغت حدّ النيل من رموز الدولة والاستهتار بالقانون، بمسار الانتقال الديمقراطي ورفعت منسوب الشك في نجاح التجربة التونسية، بعد تهاوي التجارب المماثلة والموازية، في بلدان عربية أخرى. واجتازت تونس مصاعب جمّة لتصنّف اليوم على أنّها الديمقراطية الاستثنائية في المنطقة. وفي الوقت الذي ينظر فيه البعض إلى الانتخابات البلدية على أنّها خطوة نوعية في تثبيت الديمقراطية بانتخاب أكثر من سبعة آلاف حاكم محليّ، يرى آخرون فيما وصلت إليه البلاد  من أزمة اقتصادية واجتماعية حادّة، وما تمرّ به أوضاع التعليم العمومي بمختلف مستوياته من أزمة غير مسبوقة، وما يحصل من حالات استهتار وتمرّد يومي على الدولة، وما تعيشه بعض مؤسسات الحكم، وما يعرفه المجتمع من تنامي مظاهر الجريمة، مؤشرات بالغة السلبية على تعثّر التجربة الديمقراطية وتضييق الخناق عليها. فالمؤشرات الاقتصادية في تراجع الإنتاج وانخفاض الدينار وسلبية التصنيفات الاقتصادية الدولية والارتفاع القياسي للمديونية والصعود الصاروخي لنسبة التضخم واستمرار الاختلال في المالية العمومية وصعوبات الاقتراض الداخلي والخارجي، وتأخّر الإصلاحات المتأكدة أوتعطيلها، والإخلالات بالجملة في مجالات التصرف العمومي ومزيد انهيار المؤسسات العمومية وتدهور القدرة الشرائية وغيرها من المؤشرات التي يتداولها المحلّلون والإعلاميّون صباحا مساء، باتت كافية وحدها لبثّ الإحباط واحتمال انهيار الوضع. تضاف إلى ذلك أزمة حادّة بين نقابات التعليم الثانوي والعالي ووزارتي الإشراف، استعملت فيها صيغ احتجاجية ووسائل لليّ الذراع غير مسبوقة، على غرار حجب الأعداد وعدم إجراء الامتحانات والإضراب المفتوح، زادت في حيرة الأولياء وبلبلة الرأي العام. ولئن أشاع انتهاء أزمة التعليم الثانوي مؤخرا، بعد تدخّل حاسم وشجاع من المركزية النقابية، ارتياحا واسعا، فإنّه  خلّف  مرارة لا تخفى بسبب الأضرار التي لحقت بالتلاميذ جرّاء إطالة الأزمة، وخاصة بسبب التخوّف عن مستقبل التعليم العمومي.  كما يشهد قطاع الصحة العمومية، ذو الحساسية المميزة إلى جانب التعليم، حالة من الاضطراب والإضرابات وسوء الخدمات وانتشار الإشاعات. فملفّات الفساد مُذهلة بالصيدلية المركزية ومختلف مؤسسات الصحة العمومية، والأدوية مفقودة بالمستشفيات، والإقامة والعيادات الخارجية صارت قصصا يومية في المعاناة، والعجز في الصناديق الاجتماعية والصندوق الوطني للتعويض عن المرض، تلقي بضلالها السلبية على خدمات الأطبّاء والصيدليات الخاصة.

وفي الوقت الذي يُشيد فيه الجميع بالمجهودات الجبارة والنتائج الحسنة التي تسجّلها قوّات الجيش والأمن الوطنيين في محاربة الإرهاب الأيديولوجي بالأسلحة النارية، الذي روّع المواطنين واستهدف استقرار الدولة وكيانها أصلا، ويثمّن الجميع الانتصار المُحرز على هذه الجبهة، التي لازالت تحتاج إلى مزيد اليقظة والبذل، في ذات الوقت تتواتر الأحداث والمؤشرات على أنّ الجريمة الاجتماعية الفردية والمنظمة، وخاصة تلك المرتبطة بترويع المواطنين، والاعتداء على ممتلكاتهم وما بحوزتهم، تكاد تفوق الخطر الإرهابي المشار إليه. فالإرهاب الاجتماعي بالأسلحة البيضاء، من خلال عمليات السرقة للمواشي والمنازل والسطو والنشل بالطريق العام ووسائل النقل، بات رعبا حقيقيا للتونسيات والتونسيين، وخطرا يتهدّدهم بجميع شرائحهم العمرية والاجتماعية. ولعلّ أوضاع الرياضة، وخاصة كرة القدم ذات الشعبية الأولى، تقيم مثالا آخر صارخا على التسيب ومخاطر الفوضى. فالعنف بلغ منسوبا قياسيا وصار متعدّد الأطراف والأبعاد. وكانت وفاة المرحوم الشاب عمر العبيدي من أنصار النادي الإفريقي في ظروف غامضة بعد اشتباكات مع الأمن في نهاية مقابلة بملعب رادس، صفّارة إنذار ونقطة سوداء في الموسم الحالي، الذي صارت أغلب المقابلات فيه تجري دون حضور الجمهور. وبلغ الأمر في المدّة الأخيرة مهاجمة النادي الرياضي البنزرتي أثناء التمارين وترويع اللاعبين والمسؤولين وإلحاق أضرار بالغة بممتلكاتهم. في ظلّ هذه الأوضاع التي لم نبالغ في توصيفها باختصار، تتداول وسائل الإعلام أخبار الاعتداء بالعنف اللفظي والمادي على فريق رقابي أثناء إنجازه مهمّة رقابية  بالوكالة العقارية للسكنى، وافتكاك ملفات التدقيق في شبهات فساد بحوزته، من قبل موظفين بالوكالة من بينهم نقابيين، ومن قبلُ تتواتر الأخبار عن تعنيف مراقبي وزارة التجارة أو مراقبي البلديات أو غيرهم. وتنقل التلفزة الوطنية صورا ومداخلات مباشرة بالبرلمان لحالات هستيرية في قذف المسؤولين التنفيذيين بالدولة أو التلاسن بين نواب الشعب أنفسهم أو الاعتداء على الأخلاق الحميدة أو الإسفاف في الكلام أو التنكّر لمبادئ الدستور وقيم الديمقراطية. يتمّ ذلك من مختلف الأطراف، ولا أستثني أحدا، ويتكرّر في أكثر من جلسة أو موضوع. كما يشاهد التونسيات والتونسيون حالة التسيّب بالبرلمان، رمز سيادة الشعب، ويعاينون الحضور الضعيف بالجلسات والتأخر في موعد انطلاقها بسبب تعذّر النصاب. وقد  صارت الأزمة بالبرلمان مفتوحة أيضا، بعد ملابسات جلسة التصويت الشهيرة على التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة.وبالتوازي مع الأزمة المفتوحة بالبرلمان، يستمرّ موضوع تغيير الحكومة مفتوحا أيضا. فالتسريبات تفيد أنّ لجنة الخبراء لوثيقة قرطاج 2 تقدّمت بصعوبة في التوافق على برنامج تفصيلي للإصلاحات المتأكدة في أفق نهاية 2019 تلتزم مختلف الأطراف بدعمه. وبدأ التداول في موضوع التغيير الحكومي المطلوب والمؤجل إلى ما بعد الانتخابات، بما في ذلك تقييم الحكومة الحالية وحجم الحكومة القادمة وطبيعتها؟ وهل سيشمل التغيير رئيس الحكومة وأعضاءها؟ أم سيتم الاحتفاظ بالسيد يوسف الشاهد مع فريق جديد وضمن تعهّدات محدّدة؟ والذي لا يجب إغفاله في سياق حديثنا هو تاثير هذا الحوار على إرباك حكومة الشاهد الحالية وأدائها، والتي ليست طرفا في الحوار،  وانعكاسات ذلك على الإدارة ومؤسسات الدولة في ظرفية حساسة. مما يبين  حجم المخاطر ومسؤولية مختلف الأطراف. والخلاصة ان  المطلوب الآن هو تفكيك هذه الملفات المتداخلة، وحسن ترتيب أولويات تناولها، وبناء الثقة التي لا غنى عنها بين الفاعلين السياسيبن والاجتماعيين لمواجهتها، ومصارحة الشعب بالتضحيات العاجلة المستوجبة من أجل أوضاع أفضل آجلة. وقبل ذلك كلّه، صرف الاهتمام والجهد حاليا لإنجاح البلديات، بالتعاون على مناخ إيجابي للتنافس بين القائمات، وتحفيز الهمم للحدّ من العزوف وتعبئة الناخبين والناخبات، والعمل على إرساء دعائم حكم محلي يبدأ بهذه البلديات، ولا يعدم فوائد ونجاعة في تقاسم الأعباء والمسؤوليات في كسب مختلف التحديات.فكم يحتاج التونسيات والتونسيون اليوم إلى معرفة تفصيلية لبرنامج الإصلاحات الكبرى المتأكدة، ومعرفة مواقف مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين منها بوضوح، ومصارحة المسؤولين لهم بالكلفة الاجتماعية العاجلة لهذه الإصلاحات التي توصف بالموجعة، وضمانات نتائجها الإيجابية الآجلة. فالمشهد السلبي الذي تقدم عرضه، والذي يغذّي نسبة التشاؤم المرتفعة في استطلاعات الرأي، وخاصة في صفوف الشباب والنساء، يمكن التعاطي معه إيجابيا من باتجاه تحسينه والحدّ من مضاعفاته وتداعياته الخطيرة، من خلال كسب ثقة المواطنين في المسؤولين وفي البرامج المستقبلية المعتمدة. فليست المشكلة في المرور بأزمات مهما كان نوعها، بل المشكل في إنكار الأزمات أصلا أو تجاهل أسبابها أو العجز عن وضع الحلول المناسبة لها والنجاح في تنفيذها.والمشكلة الأكبر في عدم ثقة المواطنين بالقائمين على الدولة والمتعهدين بمعالجة الأزمات.

خاتمة

قد تكون الانتخابات البلدية فاتحة لحكم محلي غير مسبوق، سيختار فيها الناخبون شخصيات قريبة منهم، تعهدت بالحوكمة التشاركية والشفافة، وخدمة الناس دون مقابل. وقدموا فيها برامج من أجل مدن أنظف وأجمل، وخدمات اجتماعية وإدارية ورياضية وثقافية أفضل، وتنمية محلية شاملة وعادلة. وقد صار ذلك مكفولا بالقانون من خلال مجلة حكم محلي تعدّ مكسبا بالغا في تكريس الباب السابع من الدستور، مهما كانت نواقصها التي يمكن تداركها لاحقا. وإذا تزامن ذلك مع تغيير حكومي يضخّ دماء جديدة في جسم الدولة، ويعقبه تغيير في مسؤوليات أخرى في مفاصل الدولة، من أجل تنفيذ برنامج الإصلاحات المتفق عليه، والتزمت مختلف الأطراف التي وضعته أو ستنضم إليه، بدعمه وإسناده، فإنّ كل ذلك سيكون عنوان أمل في وقف الانحدار وتغيير المعادلات ووضع البلاد على طريق التعافي، في أفق الاستحقاق الانتخابي التشريعي والرئاسي نهاية 2019، ليكون المنعرج نحو غد أفضل.

 

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك