القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تونس وامتحان التوافق

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-07-20 14:45:00 | 737 مشاهدة

المقدمة:

يتواصل الغموض في المشهد السياسي التونسي وتبدو ملامح الانفراج "متلبدة بالسحب" التي لم تنجح حرارة صيف تونس الاستثنائية في تشتيتها !

فالغموض مازال سائدا حول مستقبل الشاهد وحكومته، والأمر ذاته بالنسبة إلى تطورات الأوضاع داخل حزب نداء تونس. وتبدو السحب متلبدة في آفاق التوافق الوطني الذي ميز الحياة السياسية الوطنية منذ 2014 وأبرز أطرافه حركتي النداء والنهضة تحت رعاية الرباعي اتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة وعمادة المحامين ومنظمة حقوق الانسان .

طال الغموض أيضا الوضع داخل مجلس نواب الشعب بسبب مآل الأغلبية البرلمانية بالنظر إلى "التوقف" الوقتي لقطار التوافق ولحالة الانقسام "الظرفي" داخل كتلة نواب النداء.أما عن علاقة الاتحاد العام التونسي للشغل بالحكومة فحدث ولا حرج: غموض وسحب مع إطلالات "أقواس قزح" محتشمة تظهر بين الحين والحين ربما بفعل أشعة شمس تونس الساطعة والحارقة ! ويبقى الغموض الأكبر كامنا في قصر قرطاج حيث يتطلب توضيح النوايا والمقاصد تفكيك ألغاز من أعلى طراز.

ولأن تونس تقع في قلب العالم القديم وسط حوض المتوسط وبين القارات الثلاث ومتفتحة جدا على الحضارات واللغات والأنماط، فلا مفر لها من استقبال رياح وأمواج وأمطار وخطوط ضغط من مختلف الاتجاهات ما يستوجب سبر أغوار تأثيرات "الأجواء" الإقليمية والدولية على الساحة الوطنية ومدى تفاعلها مع مكونات المشهد السياسي الداخلي.

يؤكد الملاحظون أن إجراء الانتخابات البلدية مؤخرا وما تمثله من أهمية سياسية في مسار تركيز الحكم المحلي وإرساء اللامركزية كان لها أثر كبير في "لخبطة" المشهد السياسي بعد تغير موازين القوى في المشهد السياسي التونسي الجديد إثر الفوز الكبير الذي حققته حركة النهضة في هذه الانتخابات مع التأكيد على بروز ظاهرة جديدة وهي ظاهرة المستقلين.وكنتيجة حتمية وطبيعية لذلك بدأت استحقاقات 2019 تلقي بظلالها على الوضع وتفسر إلى حد بعيد "تهافت" الكثير من المواقف وإعادة خلط و"تشابك" الكثير من الأوراق.

وما زاد في تأزم الوضع السياسي في تونس  أن حالة الغموض هذه لم تقتصر على الحياة السياسية فقط ، بل انضافت إليها أزمة اقتصادية مستفحلة وأوضاع اجتماعية متوترة .. ولا شك أن التدهور السياسي كان في الكثير من جوانبه وأبعاده نتيجة حتمية للتدهور الاقتصادي والاجتماعي (ارتفاع نسبة التضخم – انخفاض قيمة الدينار – غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية – تواصل ارتفاع البطالة – المديونية ...) كذلك ولع النخبة التونسية بصب الزيت على الازمة بطرح ملف حارق وخطير على الاستقرار الاجتماعي يتعلق ب"الحقوق الفردية والمساواة" وتكوين لجنة قدمت تقريرا في الغرض إلى رئاسة الجمهورية يمس ببعض الثوابت المجتمعية والثقافية والدينية مما من شأنها لدفع نحو مزيد من "تلبيدسحب" المشهد وخلق بعد أيديولوجي من شأنه دفع المجتمع إلى صراعات غيرمحسوبة.

وفي الآونة الأخيرة تعفن الوضع بحدوث عملية إرهابية في منطقة عين سلطان بولاية جندوبة واستشهاد 6 من الحرس الوطني قد تكون من تداعيات الوضع السياسي المتأزم. لكن في الأخير يبقى الملف السياسي هو المحك وهو العنوان الأول لانفراج الازمة وعلاجها.

ويبقى السؤال الرئيسي المطروح:

إلى متى سيتواصل الغموض؟ وأما آن للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الوطنية أن "تتزحزح" وللأزمة أن "تنفرج"؟ استلهاما من الحكمة الشعرية الشهيرة للشاعر الحصري الاندلسي

اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن صبحك بالبلج

أولا- مميزات المشهد ومظاهر الأزمة:

هل كانت الدعوة في شتاء 2018 لعقد لقاءات "قرطاج 2" بداية لمسار أم تتويجا لخيار؟المسار هو البحث عن حلول للأزمة الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي .. وكان المطلوب هو الاتفاق على برنامج عاجل للإنجاز خلال عامي 2018 و 2019ينتهي بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في نهاية سنة 2019، أما الخيار فهو البحث عن بديل لحكومة يوسف الشاهد تكرارا لتجربة قرطاج 1 التي أدت إلى تغيير حكومة الحبيب الصيد.

يدخل اتفاق شركاء قرطاج 2 على 63 بندا للإصلاح والإنجاز دون شك في خانة البحث عن حلول للأزمة واقتراح برنامج عمل حكومي مسنود من الموقعين على الوثيقة ومدعوم بمناخ سياسي واجتماعي مساند لحكومة "الوحدة الوطنية" . ولكن السؤال الذي طرح عند الانتهاء من الوثيقة ولحظة التوقيع عليها أية حكومة معنية بتطبيق حزمة الإصلاحات؟

ولئن كان التوافق على ال63 بندا في الوثيقة حاصلا وغير ذي إشكال، فإن البند 64 قد "فجر" الاتفاق وعلق العمل به وهو "يهدد" إلى حد كبير التوافق؟ جاء  البند 64 يحمل إجابتين عن سؤال الحكومة  ويعبر عن الاختلاف القائم بين مكونات الحزام الحكومي القديم  وتشتت الموقف من حكومة الشاهد .

الإجابة الأولى تجسم في الحقيقة روح الخيار الذي تحدثنا عنه أعلاه، وهو بكل اختصار تغيير الحكومة برمتها وتغيير رئيسها تحديدا. فالكثير من الملاحظين ومن الفاعلين في الحياة السياسية الوطنية قدروا منذ البداية أن الدعوة إلى اجتماعات قرطاج 2 كان القصد الحقيقي منها هو بكل تأكيد تغيير حكومة يوسف الشاهد وبكل تأكيد أكبر تنحية الشاهد من رئاسة الحكومة. الجواب الثاني المضمن في مطة ثانية في البند 64 من الوثيقة هو خيار المحافظة على حكومة الشاهد بما يضمن الاستقرار الذي تحتاجه البلاد .

إن تغيير حكومة يوسف الشاهد ورئيسها ليس بالمسألة البسيطة لذلك لا يمكن للأمر أن يكون بعيدا عن نوايا قصر قرطاج، ولا على حسابات مبنى البحيرة( مقر حركة النداء ) ولا على توجهات ساحة محمد علي ( مقر اتحاد الشغل ) ولا على ردود فعل مقر مونبليزير ( مقر حركة النهضة ) أو قصر باردو حيث البرلمان أو القصبة ( مقرالحكومة ).الأمر يهم إذن وإن بأشكال مختلفة رئاسة الجمهورية والحكومة والنداء والنهضة والاتحاد العام التونسي للشغل ومجلس نواب الشعبمع أطراف أخرى بكل تأكيد وإن بأقل فاعلية.

إذن، هكذا يكون موضوع تغيير الحكومة هو السمة الأساسية المميزة للمشهد السياسي الوطني الراهن. وقد تواصل هذا الوضع منذ بداية 2018 فطغى على شتاء 2018 وعلى ربيعه وخيم بظلاله على استحقاق الانتخابات البلدية وظل يراوح مكانه مع بداية الصيف.

وثيقة قرطاج 2 أفضت إلى "اتفاق" (لم يتم الإمضاء عليه) على الالتزام بالثلاثة وستين بندا الخاصة بالإصلاحات.أما البند 64 والذي كان وراء عدم الإمضاء فقد كان مطلب النداء والاتحاد الوطني الحروالاتحاد النسائي واتحاد الشغل خاصة مع قبول اتحاد الصناعة والتجارة به إزاء عدم موافقة حركة النهضة واتحاد الفلاحين عليه.

من المميزات الأخرى للمشهد السياسي التونسي خطورة شبح توقف التوافق الذي بدأ يطل بملامحه منذ إجراء الانتخابات التشريعية الجزئية في ألمانيا ثم أصبح أكثر حضورا بعد الاختلاف في الموقف من تغيير حكومة الشاهد (بين التغيير الجزئي والتغيير الكلي) وكذلك في أثناء إجراء الانتخابات البلدية وبعد صدور نتائجها. ومن مميزات المشهد أيضا كما أسلفنا سابقا تواصل الأزمة الاقتصادية وازدياد المخاطر باحتمال تصاعد الاحتقان الاجتماعي. وجاء تقرير "لجنة الحقوق الفردية والمساواة" ليزيد في احتمالات التوتر سياسيا واجتماعيا بسبب ما طرحه التقرير من قضايا تمس المرجعيات الدستورية والثقافية والدينية للمجتمع التونسي.

لقد جعلت هذه الوضعية الملاحظين يسجلون شللا في العمل الحكومي حيث أصبح الوزراء لا يعرفون مآل وضعياتهم وشللا في الحياة البرلمانية حيث وضعية الأغلبية غامضة وغير مستقرة إذ العمل النيابي يتوقف على توفر شرط النصاب دستوريا لتمرير قوانين والمصادقة عليها أو استكمال البناء الديمقراطي مثل اختيار أعضاء المحكمة الدستورية أومعالجة الخلافات داخل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات اختيارا لرئيسها أو تسديدا للشغور الحاصل فيها.

 ولقد أصبح المراقبون للشأن السياسي التونسي يخشون كذلك من تهاطل تدخلات أطراف خارجية متربصة بمسار التجربة الديمقراطية التونسية الباحثة بكل الوسائل عن نسف تجربة التوافق الوطني والحريصة على فك االارتباط بين النهضة والنداء.

ولئنبقيت التجربة الديمقراطية التونسية "محصنة" و "محمية" بتوافقها الداخلي الذي يبقى بكل تأكيد فوق الاختلافات المؤقتة والتشنجات الطارئة وخاصة بفضل توافق "الشيخين" الحكيمين على ضرورة الحفاظ على الشراكة وعلى حماية الانتقال الديمقراطي، وكذلك بفضل ما تحظى به التجربة التونسية من دعم القوى الفاعلة إقليميا ودوليا على غرار الجزائر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة... وكذلك بفضل تفهم صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ، فإن التجربة تحت تهديد الإرهاب وخلاف الطبقة السياسية على تقدير المصلحة الوطنية والانجذاب المبكر للاستحقاقات الانتخابية 2019 قد تربك مسار الانتقال الديمقراطي التونسي وتنكص التجربة الاستثنائية الفتية  في عالم الحريات والديمقراطية .

وكان للعملية الإرهابية الأخيرة في بلدة عين سلطان بولاية جندوبة يوم 8 جويلية 2018 واستشهاد 6 من الحرس الوطني ما يشبه صيحة الفزع لاحتمال عودة الإرهاب ولإمكانية اشتغاله على توظيف الأزمة واستثمار حالات الاحتقان السياسي والاجتماعي وخدمة الأجندات الداخلية والخارجية المتربصة بالتجربة الديمقراطية التونسية الوليدة وبأهداف الثورة وبروح التوافق الوطني.

ثانيا- المكونات والمواقف:

يطغى على المشهد السياسي الوطني حضور العديد من القوى الحزبية والاجتماعية إلى جانب مؤسسات الدولة  المحورية في المشهد.

  1. القوى الحزبية وموازين القوى الجديدة :

 أبرز القوى السياسية الان في الساحة التونسية هي حركةالنهضة وحركة النداء إلى جانب أحزاب أخرى تدور في الدائرة الثانية شاركت في لقاءات قرطاج 2 وهي الاتحاد الوطني الحر والمبادرة والمسار وأخرى لم تشارك ، واللافت للنظر اليوم ان موازين القوى الحزبية في تونس ما قبل 6 ماي يوم الإعلان عن نتائج الانتخابات البلدية ليست كما قبل هذا التاريخ.

تحصل النداء في الانتخابات التشريعية لسنة 2014 على نسبة  37.56 من التصويت بعدد نواب 86 في البرلمان ما أهله أن يكون الحزب الأقوى والأول في البلاد وترجم ذلك بحصوله  على الرئاسات الثلاث الجمهورية والبرلمانية والحكومية  بينما تحصل في الانتخابات البلدية في ماي 2018.على نسبة .20.85ما قابلها 77 رئاسات بلدية من 350 أي بنسبة وهذا ما يجعله يفقد مركز الأول في ترتيب حجم الأحزاب في تونس.

في المقابل تصدرت حركة النهضة الانتخابات البلدية وتقدمت على غريمها حركة النداء بفارق كبير في الأصوات وفي عدد البلديات التي تحصلت على رئاستها. تحصلت حركة النهضة في الانتخابات التشريعية 2014 على نسبة 27.79 من الأصوات وعدد 69 من نواب في البرلمان ولم تحصل على أي من الرئاسيات بل لم تحصل إلا على النزر القليل من الوزراء في كل الحكومات اللاحقة للانتخابات التشريعية. أما في الاستحقاق البلدي فلقد تقدمت الحركة في النتائج وحصلت على 28.64 نسبة من الأصوات ترجمتها من خلال تحالفات و مفاوضات ناجحة إلى رئاسة 139 بلدية بنسبة .39.71 من 350 بلدية في كامل التراب التونسي فيها بلديات أكبر الولايات التونسية مثل قابس وصفاقس وبنزرت ومنوبة وبن عروس والعاصمة تونس ذات الرمزية العالية.

يعتقد كثير من المراقبين أن نتائج الانتخابات البلدية كان لها دور كبير في تحديد المواقف السياسية للحزبين من حكومة الشاهد، ربما لأن هذه النتائج يمكن أن تعطي صورة قريبة عن اتجاهات الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة سنة 2019 ما جعل الحسابات والتكتيكات تنطلق بصفة مبكرة .

  1.  الموقف من حكومة الشاهد

موقف النداء

 أبدى حزب حركة النداء بقيادة مديره التنفيذي حافظ قايد السبسي تمسكا شديدا بتغيير حكومة الشاهد كليا بما معناه أساسا تغيير رئيس الحكومة. هذا الموقف جعل الملاحظين يطرحون بعض الأسئلة المهمة جدا في محاولة فهم موقف النداء وخاصة معرفة مدى قدرته على فرض موقفه منها :هل هناك تنسيق خفي بين النداء ورئاسة الجمهورية؟هل هناك التزام كامل من كل مكونات النداء وخاصة من أعضاء كتلته النيابية؟

وقد بينت التطورات بأن هناك خلافات حادة حول المسألة داخل النداء ،كيف ستنعكس الخلافات الندائية المعلنة والخفية على مستقبل الحزب وعلى مستقبل قيادته بالخصوص وكيف سيكون رد فعل وزرائه في الحكومة خاصة،وأن هذه الخلافات تعبرعن اختلافات في تقديرموقف القيادة الرسمية من حكومة الشاهد وفي تقييم سياسة الحزب وفي نتائجه الانتخابية في تشريعية ألمانيا وفي البلديات وفي موقفه من سياسة التوافق مع حركةالنهضة ومده لجسورالتواصل ومع "الشقوق" الحزبية التي غادرته سابقا في محاولة لإيجاد ائتلاف بديل ؟ وأخيرا برزت مجموعة من أعضاء الهيئة السياسية ومن نواب الكتلة أعلنت تمسكها بالاستقرار السياسي، وبالتالي ببقاء حكومة الشاهد... وحددت هذه المجموعة موعدا لمؤتمر النداء واختارت ناطقا رسميا جديدا له (أنس الحطاب).

وتبقى الأسئلة المحيرة للشارع التونسي من قبيل ؛أليس يوسف الشاهد ابن نداء تونس ومرشحه ل رئاسة الحكومة عقب "استقالة" حكومةالحبيب الصيد ؟ فلماذاإذن يطالب النداء برحيله وهوالذي جاء به رئيس الجمهورية وزكاه النداء باعتباره "الحزب الحاكم" وله أكبرعدد من الوزراء في حكومةالشاهد ؟

موقف حركة النهضة

 في مقاربة مختلفة تماماتدافع حركة النهضة عن بقاء حكومة الشاهد حرصا منها على ضمان الاستقرار السياسي لأن البلاد عانت الكثير من التغييرات السريعة في تكوين الحكومات بما لم يسمح لها بإنجاز المشاريع والإصلاحات التنموية وعطلت نجاح الانتقال الاقتصادي المنشود بعد النجاح النسبي للانتقال الديمقراطي.

وتؤكد حركة النهضة من خلال تصريحات قياديها على أنها لا تدافع عن يوسف الشاهد شخصيا فهو ابن نداء تونس وقد جلبه إلى رئاسة الحكومة رئيس الجمهورية بالذات. وهي عندما تساند حكومة الشاهد باعتبارها حكومة الوحدة الوطنية فإنها تعبر عن تمسكها بروح التوافق وبالشراكة الواسعة لمختلف الأطياف السياسية والاجتماعية الوطنية.

وتقر حركة النهضة في ذات الوقت بوجود نقائص في العمل الحكومي وبأهمية إجراء تعديلات جزئية على تركيبتها وعلى برنامجها، دون أن يحدث بالضرورة تغييرا كليا لأن ذلك سيزعزع حالة الاستقرار وسيتطلب من الحكومة الجديدة فترة اطلاع واختيار سرعان ما سوف تطل عليها فترة إنجاز استحقاقات 2019. وقد وافقت الحركة في إطار البحث عن الحل الوسط  في بياناتها الأخيرة على مبدأ الزام رئيس الحكومة وأعضاده بعدم الترشح لاستحقاقات 2019 وبضرورة التزام الحكومة بالبنود ال63 لوثيقة قرطاج 2. وهكذا كان موقف حركة النهضة مجسما في دفاعها عن ثالوث الاستقرار والتوافق والإصلاح.

كما تؤكد النهضة على أن التوافق الوطني ضرورة تدفع إليها المصلحة الوطنية وليس الحسابات الحزبية أو الشخصية وكل ما يدفع إلى المصلحة الوطنية يتم التوافق حوله بحماس والتزام وكل ما يضر بالمصلحة الوطنية يجب التوافق على تجنبه. كما تعتقد حركة النهضة أن التوافق ضرورة وطنية وليس اضطرارا سياسيا كما يريد البعض ربطه بنتائج الانتخابات التشريعية، فالحركة ترى أنه حتى لو توفرت أغلبية كبيرة (75% مثلا) لأي حزب، فإنه لا يمكن حكم تونس بأغلبية الصندوق بل بأغلبية التوافق      وبأوسع شراكة سياسية حزبية ومجتمعية ممكنة أي من خلال الديمقراطية التوافقية .

ويبقى السؤال المطروح من قبل المتابعين والملاحظين متعلقا بآفاق تطور موقف حركة النهضة من التغيير الحكومي، خاصة وأنها قد عبرت دائما عن استعدادها للحوار مع باقي الشركاء والاستماع إلى مختلف الاقتراحات بكل تفتح وبكل مسؤولية خاصة فيما يتصل بالبديل والبرنامج المقترحين.

 

موقف القوى الحزبية الأخرى المنخرطة في قرطاج 2:

         هي حاضرة ولكن تأثيرها أقل بكثير وإن كانت تدعم موقف التغيير الكلي للحكومة (الاتحاد الوطني الحر) أو تدافع عن الاستقرار وبقاء الحكومة مع تعديل جزئي (المبادرة والمسار).

ومن المهم الإشارة إلى أن موقف المسار فيه اختلاف نسبي بين اتجاه رئيسه الوزير سمير بالطيب (الدفاع عن بقاء حكومة الحكومة) والاتجاه الذي يمثله جنيدي عبد الجواد الذي يتولى حاليا إدارة المسار نظرا لمشاركة رئيس الحزب في الحكومة، حيث يبدي هذا الاتجاه تقاربا مع موقف الاتحاد العام التونسي للشغل المطالب بالتغيير الكلي  للحكومة.

موقف أحزاب ضد التوافق

يغلب عليها الاستعجال على نسف مسارالتوافق الوطني والسعي إلى الاستفادة من الفراغ المحتمل بأن تكون هي بديل النداء وبديل رئيس الجمهورية عن حركة النهضة ومن هذه الأحزاب المشروع وتونس أولا وبني وطني المنشقة جميعها عن النداء.كما نجد حزب آفاق تونس الذي انسحب سابقا من الحكومة دون أن يلتزم بذلك الوزراء الذين يمثلونه فيها (؟!)كما انسحب أيضا من وثيقة قرطاج 1 الذي كان أحد أطرافها.

 

موقف القوى الاجتماعية: هي تتمثل في المنظمات الوطنية الأربعة المعروفة:

  • الاتحاد العام التونسي للشغل
  • الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية
  • الاتحاد الوطني للفلاحين
  • الاتحاد الوطني للمرأة التونسية

بالتأكيد فإن دور الاتحاد العام التونسي للشغل في المشهد أكثر بروزا وحضورا وأهم فاعلية دون إغفال دور باقي المنظمات المذكورة في تعزيز هذا الاتجاه أو ذاك.

الاتحاد العام التونسي للشغل:

منذ الشروع في لقاءات قرطاج 2 كان واضحا تمسك اتحاد الشغل برحيل حكومة الشاهد. وواصل الاتحاد هذا التمسك طوال مسار قرطاج 2 وحرص على تحقيق التغيير الكامل للحكومة منذ انطلاق مسار قرطاج 2 إلى يوم توقفه المؤقت بعد عدم التوافق على البند 64. وقد ظل الاتحاد ينتظر تغيير موقف حركة النهضة بالخصوص قبيل الانتخابات البلدية ثم بعدها دون طائل مما جعله في النهاية يعلن عدم التزامه بالبنود الثلاثة والستين في ظل عدم الالتزام بالبند 64. وأصبح الاتحاد يهدد بالعودة إلى التحركات الاحتجاجية وبالتمسك بالمطالب النقابية التي كان مستعدا لتأجيل بعضها والتفاوض على فترة تنفيذ بعضها الآخر تفاعلا مع أجواء البحث عن تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية وخاصة المالية منها وإزاء ما تتعرض له البلاد من ضغوطات داخلية وخارجية لا مفر من التعامل معها بمسؤولية.

الملفت للانتباه في موقف الاتحاد هو هذا التغيير بنسبة 180 درجة لموقفه من حكومة الشاهد ومن الشاهد نفسه. فقبل ما يمكن أن نسميه القطيعة قبل الاتحاد بأن يكون حاضنا ليوسف الشاهد وحاميا له من "الضغوطات الحزبية" التي يقف وراءها - حسب رأيه- النداء والنهضة وصار الأمين العام للاتحاد يجاهر علنا بضرورة التضحية من أجل المصلحة الوطنية وباستعداد الاتحاد ليتحمل نصيبه من التضحية إلى جانب الأطراف الأخرى وضرورة إجراء إصلاحات جوهرية خاصة في مجال الجباية ودعم الاستثمارات... بعدما اطمأن الشاهد إلى دعم الاتحاد ودفاعه عن حقه كمواطن في الترشح إلى رئاسية 2019 عندما طالبه الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة بالانكباب على العمل الحكومي والتفرغ لإنجاز المشاريع والإصلاحات وعدم الانشغال باستحقاق 2019 وياحبذا إعلانه عدم الترشح حتى لا يكون أسير أجندة شخصية ومثيرا لقلق أطراف أخرى تدعمه كرئيس حكومة وحدة وطنية وليس كمرشح رئاسي يمكنه توظيف رئاسته للحكومة في مشروعه الشخصي.

فجأة تحول الاتحاد وأمينه العام من حاضن للشاهد ومدافع عنه إلى أعتى معارضيه متحدثا عن الخطوط الحمر وعن "لا مجال" لمس المؤسسات الاجتماعية الوطنية وللتفويت في بعض المؤسسات الاقتصادية إلى القطاع الخاص ومعبرا عن رفضه لشروط وإملاءات المؤسسات النقدية الدولية ثم الانتقال استتباعا لذلك إلى المجاهرة بمطلب ضرورة رحيل حكومة الشاهد ونعتها بالفاشلة وبعنوان الأزمة وبأن رحيلها هو بوابة الحل.

لقد بدا الاتحاد في موقفه هذا بمثابة القوة الأساسية المتزعمة للمطالبة بتنحية الشاهد وكأنها هي التي جرت النداء واتحاد الصناعة والتجارة إلى صفها (؟!).

المثير في الموضوع أن الأمين العام للاتحاد قد أصبح في ما يشبه حالة التحدي الخاص وأن موضوع رحيل الشاهد وحكومته قد أصبحت بالنسبة إليه مسألة بقاء (لكي لا نقول مسألة حياة أو موت) . الخطوط الحمراء في وجه الحكومة تكاثرت والممنوعات من "المس" تفاقمت .. وصارت أجندة الاتحاد سياسية بامتياز ومطلب تغيير الحكومة أصبح في قلب "المطالب النقابية" للمنظمة الشغيلة، وبعد نجاح قيادة الاتحاد تفاعلا مع نقابة التعليم الثانوي في فرض إخراج ناجي جلول من وزارة التربية.. بدا للمتابعين بأن الاتحاد قد تحول إلى ما يشبه الحزب الاجتماعي بامتياز وبأن أصحاب مقولة "الاتحاد أكبر قوة في البلاد" يريدون توسيع مجالات تحركاتهم وخريطة طريقهم من ساحة محمد علي إلى القصبة وقرطاج وباردو ولفرض الحكومات والأوامر والتشريعات وتوسيع مجالات اهتماماتهم من النقابي المحض والوطني العريض إلى تفاصيل تسيير الوزارات وإدارة المؤسسات وتعيين المسؤولين وتحديد السياسات..

هذا الامتداد في مجالات التحرك وفي مجالات الاهتمام جعل الملاحظين والمتابعين للحياة السياسية يتساءلون عن حدود الاهتمامات الوطنية عند المنظمة الشغيلة: هل هي تتعلق بالتوجهات الكبرى وبالمصلحة الوطنية العامة وصيانة استقلال البلاد والسيادة الوطنية ضد كل التهديدات الخارجية وضد كل تهديد للديمقراطية في بعدها الشامل أي في بعد التمسك بقيم الحرية والجمهورية وعلوية الدستور وتفريق السلط وسيادة الشعب التي يمارسها عبر صناديق الاقتراع والتداول السلمي على السلطة، أم أنها مفتوحة على كل الجوانب السياسية بما في ذلك تلك التي هي من طبيعة عمل الأحزاب ومن خاصيات العمل السياسي الصرف.ومن الأسئلة التي فرضها موقف الاتحاد من موضوع تغيير الحكومة:

هل هناك تنسيق ما بين ساحة محمد علي وضاحية قرطاج؟هل هناك تأثر كبير بتجربة الاتحاد بقيادة حسين العباسي في مسار الحوار الوطني وحرص على إعادتها في مسار قرطاج 2 بقيادة نور الدين الطبوبي ليكون كل واحد منهما قد سجل له التاريخ أنه قد أسقط حكومة وأقام أخرى (!!)إلى أي حد سوف يبقى الاتحاد متمسكا بموقفه غير قابل لتعديله تحت أي ظرف ووفق أي طارئ؟لماذا هذا الإصرار على التغيير الكلي للحكومة والرفض المطلق لبقائها، وفي نفس الوقت كيل كل أنواع التهم لمن يختلف موقفه عن موقف الاتحاد وتحميله مسؤولية تواصل الأزمة بل ومسؤولية الفشل السياسي لمسار قرطاج2؟

هي مجموعة من الأسئلة لم يخفف من حدتها عودة الاتحاد إلى التفاوض مع حكومة الشاهد في الأسبوع الماضي  والتوصل معها إلى مجموعة من الاتفاقات وتحقيق بعض المطالب النقابية والالتزام بتنفيذ اتفاقات سابقة وحل الكثير من الإشكالات التي كانت قائمة بخصوص الآلية 16 وعملة الحضائر والأجر الأدنى الصناعي ومطالب المتقاعدين .. ذلك أن قيادة الاتحاد قد أكدت أنها سوف تواصل التفاوض مع الحكومة إلى آخر يوم من حياتها (أي حياة الحكومة) وستظل تطالب برحيلها بلا هوادة إلى آخر يوم أيضا عملا ربما بمبدأ: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا (!)

باقي المنظمات الوطنية تنقسم بين مساند للمتمسكين بتغيير الشاهد وحكومته (الاتحاد الوطني للمرأة) وداعين إلى التغيير الجزئي فقط مع الالتزام بالمبادئ الثلاثة وسيتن لوثيقة قرطاج 2 وعدم ترشح رئيس الحكومة وأعضائها لاستحقاقات 2019 (اتحاد الفلاحين) وبين موقف متردد بين هذا وذاك (اتحاد الصناعة والتجارة) مع ميل للتفاعل حسب تطورات المواقف وخاصة موقف رئاسة الجمهورية.

 

موقف رئاسة الجمهورية : من المهم التطرق إلى موقف ودور رئيس الجمهورية لما لشخصيتهمن اعتبار في المشهد السياسي الوطني.

فرئيس الجمهورية هو الداعي لاجتماعات قرطاج 2 والراعي لها ورئيس الحكومة هو المعني الأول بالتغيير المقترح سواء كان جزئيا أم كليا. رئيس الجمهورية بقي حريصا على موقف الحياد في موضوع التغيير لكن كل المؤشرات تؤكد تفهمه للداعين إلى رحيل حكومة الشاهد. ويرى الملاحظون أن دعوة رئيس الجمهورية إلى لقاءات قرطاج 2 تندرج دون شك في تبني مسار التغيير الكلي وخاصة تغيير رئيس الحكومة بالذات.المسألة بلا ريب ذات صلة باستحقاقات 2019 وبالخلافات داخل نداء تونس.

وأهم الأسئلة المطروحة بخصوص رئيس الجمهورية والحكومة هي التالية:

ماهي مساحة المناورات التي يملكها رئيس الجمهورية؟ وما مدى تأثيره على العائلة الدستورية عامة والنداء.ما هو موقف رئيس الجمهورية من احتمالات نسف التوافق الحالي؟ وماهي قدراته على نزع فتيل التضاد والاحتقان؟هل للرئيس القدرة على تجميع شتات النداء والدساترة في ظل حالة الانقسام السائدة في صفوفهم؟

عتبرهذه الأسئلة  التحدي الكبير للرئيس في المرحلة القادمة ، حسب المعطيات والتاريخ نعتبر ان الرئيس مازال في جعبته الكثير ويملك من الفعل السياسي ما يحقق به التوازن المنشود رغم أن بعض الملاحظين يرون خلاف ذلك . ننتظر مبادرة من الرئيس قد تنهي الأزمة في المدة القريبة جدا .

ثالثا- الانعكاسات والآفاق:

لمظاهر الأزمة ومميزات المشهد الوطني الراهن انعكاسات مؤكدة على الواقع السياسي وعلى العلاقات بين مختلف مكونات المشهد وعلى نجاعة العمل الحكومي والتضامن بين أعضاء الحكومة وعلى الحياة البرلمانية. من هذه الانعكاسات طرح استحقاقات 2019 مبكرا على أجندة أهم القوى السياسية الفاعلة. وقد زاد في تعجيل هذا الطرح ما أفرزته الانتخابات البلدية. كذلك من هذه الانعكاسات ما هو مطروح بشأن مستقبل التحالفات السياسية الممكنة و "المتخيلة". وفي هذا السياق يطرح سؤال هام حول مستقبلا التوافق الوطني الحالي بين النهضة والنداء ورئاسة الجمهورية.

ما هي التحالفات السياسية الأساسية الممكنة سواء بالنسبة إلى حركة النهضة أو إلى رئاسة الجمهورية والنداء لتثبيت التجربة الديمقراطية وبناء علاقة ثابتة في الحكم تنسجم مع أهداف الثورة ومستلزمات الدولة وتضمن تواصل نجاح التجربة الديمقراطية وتقطع مع التحالفات "الضدية" والظرفية وتركز على التنمية وعلى الإصلاحات وعلى حسن إدارة شؤون الدولة وجعل المصلحة الوطنية العليا أساس التوافق وغاية الغايات؟

الخاتمة:

من خلال تحليل مميزات الوضع الوطني سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وإبراز مظاهر الأزمة ومكونات المشهد الوطني وتأثيرات الوضع وانعكاساته على الحياة الحزبية والنقابية والبرلمانية والمجتمعية، يتأكد لنا ضرورة تحمل مختلف الأطراف وخاصة الفاعلة منها على غرار رئاسة الجمهورية وحركتي النداء والنهضة واتحاد الشغل مسؤولياتها الوطنية ولما ينتظره منها الشعب "الكريم" للخروج من حالة التأزيم والاحتقان والتجاذبات إلى حالة البناء والتنمية وإنجاح الانتقال الاقتصادي والاجتماعي المنشود.إن التوافق ليس غاية، فالغاية هي المصلحة الوطنية. التوافق الوطني وسيلة تبدو ضرورية ولا مفر منها لضمان الاستقرار واتخاذ الإصلاحات وتحقيق التنمية.

المطلوب اليوم بإلحاح أكثر من أي وقت lمضى التحلي بالمسؤولية وتجاوز الحسابات الضيقة الحزبية و الشخصيةإلى ما ينفع الناس ويغلب المصلحة الوطنية. هذا المطلوب اليوم بإلحاح عبر عنه رئيس الدولة في الحوار الذي أجرته معه قناة تلفزية مساء الأحد 15 جويلية 2018 بقوله: "الوضع الآن لا يمكنه أن يستمر بما هو عليه اليوم فهو يتطور من السيء إلى الأسوأ" وقوله في سياق تأكيده على ضرورة تواصل التوافق والوحدة الوطنية: "المطلوب حكومة متماسكة مع القوى السياسية التي هي من حولها، ويجب أن يرجع الحزام السياسي حول الحكومة" .. و"التباين الموجود اليوم بين القوى الحية في تونس لا يجب أن يدوم.. "داعيا رئيس الحكومة والأحزاب المختلفة إلى تجاوز الانشغال باستحقاقات 2019 والاشتغال عليها والانكباب على معالجة الأزمة وحل القضايا الاقتصادية والاجتماعية الشائكة المطروحة مع تأكيده على أنه لا بديل للتوافق بين المكونات الأساسية للحياة الوطنية والمتمثلة بالخصوص في النداء والنهضة والاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية.

ولعله في اتجاه البحث عن "الحل" المنشود والحرص على تواصل التوافق كضرورة وطنية حتمية جاءت دعوة رئاسة الجمهورية إلى جلسة حوار بتجمع أهم الفاعلين سياسيا واجتماعيا صبيحة الاثنين 16 جويلية 2018 للجلوس حول طاولة الحوار وتحمل المسؤولية في التوصل إلى حل توافقي لا مفر منه.

وحدة التقدير السياسي 

مركز الدراسات الاستراتيجية و الدبلوماسية 

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك