القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تونس: صراع الحكم في انتظار الحسم

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-06-20 13:05:00 | 590 مشاهدة

 

ملخّص

تبدو قراءة مختلف مكوّنات المشهد السياسي التونسي محددة  لمحاولة قياس حجم تأثيرها الممكن في تحديد اتجاهات ومآلات الصراع السياسي المفتوح الذي تشهده تونس قبل انتخابات قريبة ستكون مصيرية على مستقبل الديمقراطية التونسية المترنحة. صراع شامل يشقّ كل مؤسسات الدولة وينخرط فيه فاعلون كثر باستراتيجيات مختلفة تتقاطع وتتناقض، بعضها مصاغ داخليا ومرتبط بفاعلين وطنيين يمتلكون امتدادا اجتماعيّا وشعبيا مؤثرا، وبعضها يمثل إرادات إقليمية ودولية لم تعد تخفي رغبتها في التدخّل والتأثير في الشأن التونسي بكلّ الوسائل. هذا التجاذب خلق لدى الرأي العام حالة انتظار سلبي مشوبة بخوف قد تتحوّل في أي لحظة إلى غضب لا أحد يعرف مداه.        

مقدّمة

على بُعد أشهر من الاستحقاق الانتخابي التشريعي والرئاسي المقرّر لسنة 2019، تعيش تونس على وقع صراع سياسي معلن ومفتوح وشامل يطال كلّ أجهزة الحكم التنفيذية ومؤسسات الدولة والأحزاب فيما بينها وداخلها، وتصل أصداء هذا السباق المحموم بين الجميع نحو الحكم إلى كل الأوساط الاجتماعية والشعبية ليفاقم حالة انهيار ثقة المواطن في قدرة الطبقة السياسية الحالية بكلّ أطيافها على الالتقاء حول حلول سريعة وفاعلة للأزمة الاقتصادية الحادّة، بدل التدحرج اللاواعي إلى توفير كلّ شروط انفجار اجتماعي شامل قد يأتي على كلّ مكاسب التأسيس الديمقراطي المتعثّر والهشّ على امتداد سبع سنوات من الثورة.

من يملك القدرة على توجيه هذا الصراع السياسي المفتوح وحسمه حتى لا يفلت الأمر من أيدي الجميع؟ وما هي الاتجاهات التي يمكن أن يتطوّر نحوها وضع سياسي بمثل هذا التعقّد والهشاشة والسيولة والغموض ؟

مفاتيح لقراءة خريطة الحكم

تتغيّر معادلة الحكم في تونس باستمرار، وبشكل يفاجئ كل الفاعلين في حقل السياسة أنفسهم، سواء كانوا فاعلين من أجنحة الحكم التنفيذية من رئاسة وحكومة وأجهزة أمنية ومنظمات عمالية ومهنية، أو أحزاب حكم ومعارضة كشفت الانتخابات البلدية الأخيرة تراجع تمثيليتها الشعبية بما يهدّد وجودها ووجود الديمقراطية الحزبية برمّتها، ولوبيات مال وسياسة محلية وإقليمية ودولية تغيّر استراتيجيّاتها على ضوء متغيّرات المصلحة وعلى ضوء توفّر أدوات فعل في واقع متحوّل.

واقع الحكم في تونس يمكن تلخيصه في مفارقات لافتة تصنع خصوصية وفرادة المشهد السياسي التونسي بعد الثورة:

ديمقراطية انتخابية "معدّلة" توافقيّا

تشكّل المشهد السياسي الحالي في تونس بناء على ما أفرزته انتخابات 2014  من فوز أشبه بهزيمة لحزب نداء تونس ( فوز "كبير/صغير" لم يمكنه من الحكم دون النهضة، مما اضطره للتضحية بمسوّغات نشأته وهي مقاومة مشروع الإسلام السياسي ممثلا في النهضة والتحالف معها في الحكم على حساب وحدته الداخلية ورغبة داعميه الإقليميين)، وهزيمة أشبه بفوز لحزب حركة النهضة ( مرتبة ثانية مكنتها من الاختباء خلف حليفها الجديد بما يضمن لها مشاركة "محدِّدة" في الحكم دون تحمّل أعباء وتبعات قيادة تجربة ديمقراطية مستهدفة إقليميا ودوليا).انتخابات 2014 صنعت لتونس مسارين سياسيّين متوازيين، واحد دستوري قانوني مؤسساتي، وآخر توافقي ما فوق مؤسساتي ممثلا فيم يعرف بوثيقة قرطاج (1) المنتهية ووثيقة قرطاج ( 2) المعلّقة. مساران  يتعايشان حينا ويتقاطعان آخر ويتصادمان أغلب الأحيان، لكنه صدام صامت عموما ويُدار ببراغماتية ناجعة أو مانعة إلى حد الآن لانهيار كلّي لتجربة انتقال ديمقراطي في الحدّ الأدنى. و لا أحد يستطيع توقّع كيفية القفز على البناء الدستوري الذي أقامته الثورة بمشقة كبرى خلال سبع سنوات. ورغم تعثّر تركيز الهيئات الدستورية الدائمة الضامنة لاشتغال الديمقراطية الجديدة، وعلى رأسها المحكمة الدستورية التي تأخر تركيزها ثلاث سنوات كاملة ولا علامة في الأفق على إمكان حصول توافق على تشكيلها، فإنّ الحكم في تونس يدار اليوم من قبل مؤسسات منتخبة لا نزاع حول شرعيتها: رئاسة جمهورية بصلاحيات ناقصة ولكنها فاعلة ومؤثرة، لا فقط بمقتضى الفصل 99 من الدستور (الذي يعطي لرئيس الجمهورية في حالة حصول أزمة حكم صلاحية الطلب من البرلمان تجديد الثقة في الحكومة أو سحبها منها وتكليف رئيس حكومة جديد) بل لأن رئيس الجمهورية الحالي لا يزال يمتلك شرعية سياسية اعتبارية على حزب"ه" النداء الذي أسسه من عدم، شرعية تمكنه من حسم التنافس داخل هذا الحزب حول وظائفه القيادية وحول مرشحيه المحتملين للحكم في المرحلة القادمة. فضلا عمّا كوّنه الرئيس الحالي من رصيد "توافقي" سلّمت له به أطراف عديدة لم تمكّنها العملية الانتخابية من دور يناسب ما تراه لنفسها من "وزن" اعتباري وتأثير حقيقي على القرار السياسي. كلّ هذا يجعل لرئاسة الجمهورية دورا مركزيا في رسم اتجاهات المأزق السياسي الحالي، دون أن تمتلك لوحدها كلّ أوراق لعبة سياسية معقّدة. بعض هذه الأوراق يمتلكها فاعلون "ثابتون" ومعروفون، وبعضها الآخر تأتي بهم رمية نرد مفاجئة على رقعة حدودها متغيرة امتدادا وتقلّصا. يتبيّن هذا الأمر بوضوح في علاقة رئاسة الجمهورية برئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد.

يوسف الشاهد: صدفة السياسة ومرشّح الفراغ

دخل يوسف الشاهد السياسة بفضل رئيس الجمهورية الحالي، فهو مرشّحه "المضمون" منذ أوت 2016 باعتباره من العائلة سياسيا وبيولوجيّا، قبل أن يفاجأ هو نفسه قبل الرئيس و حزبه بفراغ سياسي في قيادة حزب النداء الذي غادرته كل الوجوه الكبرى المؤسسة، فراغ أطمع الشاهد في ملئه ليكون مرشّح الحزب للانتخابات الرئاسية القادمة. وهو طموح تقدّر قيادة النداء الحالية انه أكبر كثيرا من مقاس الشاهد الصغير على الرئاسة، ويتناقض مع الترتيبات الداخلية الجبارة التي بذلها المدير التنفيذي الحالي لحزب النداء حتى يوفّر شروط وراثة مشروع والده السياسي. حدث الصدام علنيا بين الرجلين ليجد الشاهد نفسه على بين خيارين جذريّين كبيرين: تحقيق اختراق سياسي فريد أو انسحاب نهائي من المشهد السياسي. هو اليوم ممزّق بين مواصلة الاستثمار داخل الحزب الذي أوصله للحكم، ومحاولة إقناع رئيس الجمهورية بأن مصلحة المشروع الذي أسسه سنة 2012 تقتضي وقف استئثار ابنه بالحزب وإفراغه من كل طاقاته القيادية والتعامل معه على أنه إرث عائلي خاصّ، بما يعنيه ذلك من استثمار "نجاحات" الشاهد في الحكم والنفخ فيها لضمان استمرار حزب الرئيس في الحكم واستفادة الجميع. لكنه يعلم أن كل جهوده قد تتبخّر في آخر لحظة أمام شبه إجماع داخل النداء على رفض رفعه إلى موقع زعيم مشروع يسيل لعاب كثيرين يرون أنفسهم أجدر وأكفأ وأولى منه بذلك الموقع. خيار يوسف الشاهد الثاني هو الانخراط في تأسيس شرعية سياسية جديدة تقوم على تجيير "نجاحاته" تلك لصالحه الخاصّ ببعث ديناميكية حزبية جديدة يراهن فيها على فريقه الحكومي الحالي من الشاردين عن أصولهم الحزبية والمتمسّكين بمواصلة الحكم بأي عنوان متاح، وعلى ما يمكن أن يكون قد شرع في تحصيله من تأييد شعبي لما يسوّق له من نجاح في تحقيق نسب نموّ "غير مسبوقة" منذ 2015 ومن "جدية" في محاربة الفساد، ويراهن فيه بالخصوص على دعم مفترض من أطراف دولية فاعلة ترى في خطوات اللبرلة الاقتصادية الجريئة التي شرع فيها تحت عنوان" الإصلاحات الكبرى" سببا كافيا لتثبيت تجربته ودعمها كما لو أنه "ماكرون تونسي". هذا الخيار محفوف طبعا باحتمالات فشل كثيرة بالنظر أوّلا إلى افتقاد يوسف الشاهد لمقوّمات الشخصية القيادية الجامعة وضعف قدراته الاتصالية وعدم انسجام الأسماء التي تشاركه الآن فكرة هذا الحراك الجديد لغلبة طموحاتها الفردية الزعاماتية، وهشاشة ما يراهن عليه من "نجاحات" لا أثر لها على معيشة المواطن حتى تصبح قابلة للصرف سياسيا وانتخابيا، والأهمّ أن خيار الاستقلال خيار "انتحاري" لأنه يضعه في مواجهة الجميع: رئاسة دولة وحزب واتحاد شغل حسم أمره في العمل على إزاحته ومعارضة سعيدة بما يحدث من تآكل داخل أجنحة الحكم وتستعدّ لجني ثمار هذا التآكل.

مواجهة الشاهد لكل هؤلاء لا أحد يراه قادرا على تحمّل مقتضياتها، وإن لاحت منه خطوات جريئة تبدو ذكية في المناورة التكتيكية إلى حدّ الآن، بما مكّنه من وقف مسار إزاحته التي بدت وشيكة منذ أشهر ولو إلى حين، ومن خلخلة موقف الرئاسة من ابن الرئيس المتحكم الفعلي في حزب النداء بما يشي بإمكانية تحجيم هيمنته على الحزب في اتجاه تشكيل قيادة جماعية تعيد للحزب بعض وجوهه القديمة الوازنة وربما تشكيلات حزبية انشقت عنه، بما يعيد للحزب بعضا من القوة على أبواب استحقاق انتخابي مصيري. فضلا عن أنه ضمن ولو وقتيا مساندة حركة النهضة القادرة على منع عملية إسقاطه برلمانيا ما لم تتضح لها طبيعة البدائل المقترحة لخلافته. ولكنها مساندة هو أكثر من يعلم أنها وقتية لأن النهضة لا تستطيع أن تذهب بعيدا في فكّ الارتباط  بحزب النداء وبخيارات رئاسة الجمهورية وما يعنيه التمسك بالشاهد من مواجهة وشيكة قد تكون شاملة مع اتحاد الشغل، إضافة إلى أن النهضة ليست بالغباء الذي يجعلها ترهن مستقبلها لدى الشاهد وهي تعلم أنه يحصد لسلّته الخاصّة التي لا تسع استراتيجيّا حصادها هي.. مهما قلّ. إذ لم يعد بإمكان الشاهد أن يخفي ما كشفه سابقا من رهانه على "المعسكر" الحداثي لتحجيم مشروع النهضة استراتيجيّا، دون أن يمنعه ذلك من طلب مساندتها حاليّا لتبلغه موعد 2019 ، ووقتها لكلّ حادث حديث.

حركة النهضة و"عقدة غوردياس" 

بهذا المعنى لا تزال حركة النهضة محور كل السيناريوهات المحتملة لحكم البلاد في المرحلة القادمة، خاصّة بعد تصدّرها لنتائج الانتخابات البلدية الأخيرة بفارق كبير نسبيا عن أقرب ملاحقيها (بصرف النظر عن نتائج المستقلين الذين لا يمثلون كتلة سياسية واحدة حتى يقع اعتبارهم فائزين بالمرتبة الأولى). وضعية تصدّر المشهد السياسي لا يمكن الجزم بأن النهضة ترغب فيها فعلا، أم أنها أمر واقع فرضته عليها التحوّلات المتسارعة التي شهدتها الساحة الحزبية الهشة وعلى رأسها حزب نداء تونس المهدّد بالانهيار بين لحظة وأخرى. لقد قامت استراتيجية النهضة السياسية منذ قبولها ب"الحوار الوطني" سنة 2013 على تجنّب تحمّل أعباء الحكم منفردة والانخراط في سياسة توافق وطني شامل يضمن لها الاندماج النهائي في منظومة الحكم من موقع "الشريك الضروري". هذا الوضع المريح نسبيا الذي أدارته بنجاح منذ انتخابات 2014 توشك أن تفسده نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة. نتائج دفعتها رغما عنها إلى المركز الأول، الأمر الذي دفع شريكها الأكبر في الحكم إلى التفكير جديا في استعادة خطابه الصدامي معها لاستعادة جزء من شرعيته التأسيسية، ودفع خصومها الجذريين الذين يئسوا من منافستها انتخابيا إلى التفكير في بدائل ممكنة عن هذا المسار الديمقراطي "الضيّق" الذي يضطرّهم إلى المرور الحتمي بحركة أصبحت تمثّل "عقدة غوردياس" أمام طموحاتهم السياسية ( العقدة التي استحال على سكان فريجيا القديمة حلّها وتفكيكها مع الحفاظ على الحبل، فقطعها الاسكندر الأكبر بضربة سيف واحدة).

في هذا السياق تأتي الفرقعة الأخيرة لبالون "كشف" انقلاب "مزعوم" كان على وشك إنهاء المسار الديمقراطي برمّته وفي القلب منه حركة النهضة باعتبارها أهمّ مكوّن من مكوّنات المشهد السياسي التونسي الحالي. نقول "مزعوم" لأن لا شيء يؤكّد الخبر ويثبته بالدليل، فضلا عن أن مصدر الخبر مشكوك في نزاهته. ورغم أنّ ريع هذه القنبلة السياسية المفاجئة لم يتضح مآله بعد، فإنها نجحت في توجيه الرأي العام إلى فكرة أن الديمقراطية التونسية لا أفق لها، وأنها ستؤول عاجلا أم آجلا إلى "طرف" قويّ يستطيع وقف حالة الانتظار والذهول التي تسود البلاد. الفرقعة كشفت أيضا تحفّزا واستنفارا تلقائيا، لا يمكن قياس فاعليّته الواقعية، للدفاع عن القليل الديمقراطي المتحقّق في تونس (صفحات التواصل الاجتماعي التي لعبت دورا مركزيا في تحشيد الناس أيام الثورة استعادت حماسها رغم اختلافها في درجة تصديق الخبر). ورغم تكذيب حركة النهضة للخبر وهي المستهدفة الأولى به، وتقليلها من قيمته، فإن البعض يقول أن كشف "المخطّط المفترض" بتلك الطريقة المسرحية لا يعدو أن يكون مناورة من طرف غرفة سرية/علنية عربية وإقليمية ودولية تعمل بدأب وإصرار على إسقاط الثورات العربية، بغاية تشويش الرؤية أمام الجميع للتغطية على سيناريو مماثل أكثر جدية. دليل هؤلاء أن هذه الغرفة هي نفسها التي تعمّدت القيام بتغطية إعلامية مكثفة لزيارة وزير الداخلية التونسي المتهم بمحاولة الانقلاب إلى السعودية ونشر صور للزيارة والترويج إلى أنه لم يستشر لا رئيس الحكومة ولا رئيس الجمهورية في زيارة رسمية معلنة. بمعنى أن من "كشف" مخطّط الانقلاب كان يستهدف "حرق" ورقة الوزير المتهم ليشغل بدخانه المخطّط الأهمّ. طبعا لا يمكن الاطمئنان كليا لمثل هذه القراءة "التآمرية"، ولا نفي فرضية تنافس غرفتين أو أكثر في الإعداد الحثيث لسيناريوهات بديلة في تونس خلال المرحلة القريبة القادمة، باعتبار أن آثار خبر إحباط المخطط المزعوم أصبحت واقعا. فقد سارع يوسف الشاهد إلى إقالة وزير داخليته المختلف حول وزنه الحقيقي مستبقا دعوات التحوير الوزاري الذي يرفعه في وجهه حزبه أولا واتحاد الشغل بحسم أكبر، ليضع المطالبين بإقالته أمام أمر واقع جديد يكسب فيه وقتا أطول لتحسين وضعه التفاوضي داخل حزبه وخارجه، مستغلاّ تعليق الرئاسة للعمل بوثيقة قرطاج بما يفيد أن الرئيس لم يحسم أمره بعد بخصوص تفاصيل التسوية النهائية للصراع المفتوح على حكم البلاد، صراع يبدو أنه يهمّ كثيرين، بعضهم معلوم وبعضهم ستكشف عنه الأيام القادمة.

كلّ هذا لا ينفي استمرار الحاجة إلى المسار الانتخابي وعلى رأسه الهيئة العليا للانتخابات التي يجري العمل على ترتيب وضعها الداخلي بما يلائم احتمال الحاجة إليها لضمان تأثير ما على نتائج الانتخابات القادمة. لذلك، وإلى حدّ الآن، لا أحد من الفاعلين السياسيين البارزين يجاهر بالدعوة إلى إنهاء المسار الانتقالي برمّته رغم عمل جزء من هؤلاء فعليا على تعطيله أو توجيهه أو حتى وقفه إن استدعت مصلحتهم ذلك، فهؤلاء يدركون جيّدا أن أي خطوة غير محسوبة لوقف مسار الانتقال المدني قد يدفع البلاد في نفق مجهول لا أحد يستطيع توقّع تداعياته وأثمانه على الجميع. ولكن ماذا لو اهتزّ البناء السياسي كلّه من خارج المسارين الانتخابي والتوافقي على حدّ سواء بسبب انفجار اجتماعي مفاجئ تتراكم كلّ شروطه يوما فيوما، انفجار قد يغيّر قواعد اللعبة برمّتها ويسحب البساط من تحت أقدام الجميع؟

اتحاد الشغل وسيناريو الانفجار الاجتماعي

المنظمة العمالية ستكون محدّدة في الدفع نحو سيناريو الانفجار أو في الحدّ منه، ولكنها لا تملك أن تمنعه هي أيضا. فلئن بدا اتحاد الشغل وكأنه حسم موضوع علاقته بوثيقة قرطاج "التوافقية" برفضه الإمضاء عليها في نسختها الثانية مشترطا إزاحة الشاهد والتشاور التفصيلي مع الحكومة القادمة حول المؤسسات العمومية المعتزم خوصصتها، فالأرجح أنه فعل ذلك من باب المناورة ليحسّن شروط استمراره في لعب الدور الأكبر والمحدّد في توجيه دفة الحكم الذي تبوّأه منذ الحوار الوطني، والدليل أنه يراوح في نفس المسافة بينه وبين مؤسسات الحكم مكتفيا بالاستنجاد "الخفيّ" بشخص رئيس الجمهورية حتى يحسم أمر إزاحة يوسف الشاهد ليكفيه شرّ معركة كسر عظم مع الشاهد، الشاهد الذي يبدو وكأنه بالمقابل يعتزم خوض معركة "تحجيم" ضدّ اتحاد الشغل- كأكبر ورقة قد يقنع بها داعميه لاستمراره في الحكم- ليستطيع المرور إلى ورشة "الإصلاحات الكبرى" بأقل معارضة ممكنة. يعتزم الشاهد فعل ذلك لأنه يدرك، أو الغرفة التي تدعمه في هذا، أن اتحاد الشغل لا يستطيع الذهاب بعيدا في استعادة دوره القديم السابق للثورة المتمثّل في رفع لواء المطلبية الاجتماعية الحادّة ك"نقابة حمراء" تمهّد الطريق للثورة كما تنظّر بقايا فصائل اليسار المهيمن على مؤسسات المنظمة. لن يستطيع ذلك لأن قيادته تدرك أن الاتحاد فقد كثيرا من قدرته التعبوية نتيجة أخطاء كارثية ارتكبتها نقابات قطاعية أثرت على مكانته الاعتبارية لدى الشعب آخرها ما أحدثته نقابة قطاع التعليم الثانوي من رعب في صفوف العائلات التونسية حين كادت تتسبب في خسارة سنة دراسية كاملة بدخولها في إضراب مفتوح وحشي بسبب مطالب غير وجيهة. إضافة إلى أن الاتحاد يدرك أيضا هشاشة الوضع الإجتماعي الذي لم يعد يسمح بمطلبية مجحفة أصبحت سلوكا عامّا لدى قواعده، مطلبية قد تستفزّ جحافل البطالين والمهمشين بما قد يفجّر موجات من الغضب الشعبي المدمّر لكلّ شيء، فضلا عن أنه قد يكون مدخلا مناسبا لقوى تتربّص بتجربة الانتقال السياسي التونسي المترنّح. لذلك سيفكّر اتحاد الشغل أكثر من مرة (رغم بيانه "السياسي" الأخير شديد اللهجة وهو أمر يحدث لأول مرة منذ سنوات) في التخلّي كليّا عن دوره السياسي التعديلي التوافقي في غياب كيانات حزبية وازنة، مثلما ستفكّر كل حكومة قادمة في ضريبة استهداف منظمة عمالية تنجح إلى حد الآن بأقدار مهمّة في ضبط الحراك الاجتماعي الذي لا مصلحة لأحد في انفلاته.

خاتمة

تخيّم حالة انتظار كبرى على جميع الأوساط السياسية والشعبية في تونس، وسط وعي الجميع بأن لا أحد من فاعلي الداخل والإقليم والخارج يمتلك لوحده خيوط التحكّم في اتجاهات وضع سياسي مفتوح على احتمالات كثيرة تتراوح بين احتمال استمرار التدرّج البطيء في بناء "ديمقراطية انتخابية معدّلة توافقيّا" تعتمد على أحزاب بعضها في طور التشكّل أو التحوّل وبعضها في طريقه إلى الزوال، وعلى رموز سياسية تآكلت مصداقيتها ويصرّ بعضها على معاندة التاريخ، وبين احتمال حصول انفجار اجتماعي يسحب المبادرة من تحت أقدام الجميع ويخلط أوراق اللعبة السياسية رأسا على عقب. 

   

    

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك