القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تونس، إرساء هيئة الإتصال السمعي البصري بين " هيمنة" الأحزاب و" ديكتاتورية" المهنيين

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2016-10-18 09:22:58 | 305 مشاهدة

 


ملخص : 

-34 شهرا مرت و " هيئة الإتصال السمعي البصري " التي نص على إنشائها دستور الجمهورية التونسية الثانية ( 26 جانفي 2014 ) لم تَر النور. استحقاق دستوري تأخر تجسيده ،فكان الغُنم والخراج وإطالة العمر والأنفاس من نصيب الهيئة العليا المستقلة للإتصال السمعي البصري المحدثة بمقتضى المرسوم 116 لسنة 2011، والمعلن عن تركيبتها في ماي 2013. إحداث الهيئة الدستورية الجديدة مشروط بالمصادقة على مشروع قانون أساسي ما يزال موزعاً بين كواليس وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني والهيئة العليا للاتصال السمعي والبصري. ورغم أن مشروع القانون مايزال في مرحلة التشكل والإعداد فإن " التلصص" يشغل الأحزاب والهيئات المهنية والنقابية ونخب الإعلام والإتصال والإشهار وقياس الآراء وسبرها والمشتغلين في مجال تقنيات البث من خبراء وموزعين . ويزول العجب من التلصص والتحسس عندما نعلم أن الهيئة المنتظرة على غرار الحالية - رغم أنهاغير دستورية- تقضم من الحكومة بل من السلطة التنفيذية عموما جزءًا من صلاحياتها وسلطتها وسطوتها. فهذه الهيئة لها الكلمة الفصل في حوكمة قطاع الإذاعات والقنوات التلفزيونية بمنح الرخص وسحبها وتعليقها، ومن مهامها مراقبة مدى احترام الإذاعات والقنوات التلفزيونية ومواقعها الإلكترونية للمبادئ الدستورية وللقانون والمواثيق والاتفاقيات الدولية، بل وأكثر من ذلك تشرف على ضبط قواعد تغطية الإنتخابات إعلاميا ( مع الهيئة الدستورية المختصة في الإنتخابات ) ، والهيئة التي بيدها سلطان المراقبة تمتلك كذلك عصا المعاقبة حيث تنتصب كهيئة قضائية في مجال تخصصها. هيئة الإتصال السمعي البصري توصف بأنها تعديلية ،وفي الواقع هي أكثر من ذلك بكثير فهي تتمتع بصلاحيات " التشريع" بفضل سلطتها الترتيبية وفق الفصل 127 من الدستور. هيئة تعديلية وبصلاحيات إدارية وتشريعية وقضائية مؤهلة للتأثير في المشهد الإعلامي والسياسي بل والمساهمة في تغييره حتى لا نقول تشكيله. وبناءً على ما تقدم من الطبيعي أن يتهافت الجميع للمساهمة في صياغة النص المحدث لها لضمان موطئ قدم أو خطوط تواصل واتصال سيكونون في حاجة إليها مرارا وتكرارا.


المقدمة:

إلتأم في الثاني والعشرين من سبتمبر الفارط أول إجتماع للجنة المشتركة بين وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والهيئة العليا للإتصال السمعي والبصري للنظر في مشروعي قانون إحداث الهيئة الجديدة أعد كل طرف منهما مشروعه الخاص. وتهدف اللجنة المشتركة الى الخروج بمشروع قانون موحد يحال بصيغته النهائية على مجلس الوزراء ومنه إلى مجلس نواب الشعب للمصادقة. مشروع القانون لا يستمد أهميته من أنه تنزيل لبعض أحكام الدستور ، أو أنه يتعلق بحرية الإعلام والإتصال السمعي والبصري وبتنظيم القطاع وحوكمته فقط ، بل كذلك من أنه محرار أو إختبار لنجاعة الإئتلاف الحكومي المبني على مفهوم الوحدة وفلسفة التشارك كما تقول وثيقة قرطاج ويردد أنصار الحكومة ، وهو إختبار كذلك للحكومة في علاقة برؤيتها للإعلام ومدى قبولها بتجسيد استقلاليته كمكسب ثوري تمت دسترته وعدم الالتفاف عليه بواسطة القانون، وهواختبار لها في مدى جدية التعاطي التشاركي مع الهيئات والمنظمات النقابية والمهنية. ومشروع القانون هو اختبار كذلك لهيئة الاتصال الحالية التي تجد نفسها أمام فرصة ذهبية لتبرئة نفسها من سيل الإتهامات على غرار الخضوع لهيئات نقابية ومراكز نفوذ وضغط وكيل بمكاييل متعددة بل وشبهات فساد كما ورد في رسالة استقالة عضويها الأستاذين الجامعيين رشيدة النيفر ورياض الفرجاني.

 انتهاء المشروعية، والتأويل سلاح للتمدد وإفتكاك الصلاحيات:

ولادة الهيئة العليا المستقلة للإتصال السمعي والبصري كانت عسيرة. نص التأسيس جاء في شكل مرسوم صاغته هيئة الإصلاح السياسي والإنتقال الديمقراطي برئاسة عياض بن عاشور ( هيئة شكلتها حكومة فؤاد المبزع/ الباجي قايد السبسي سنة2011 ) وتمت المصادقة عليه بحضور ثلث الأعضاء فقط . ولم يتخذ الوزير الأول حينذاك الباجي قايد السبسي قرار إمضائه ورفعه إلى رئيس الجمهورية فؤاد المبزع بإعتباره الرئيس الفعلي للحكومة وفق النظام المؤقت للسلط إلا بعد صدور نتائج إنتخابات أكتوبر 2011 وتأكد عدم بقائه في منصبه ، دون أن ننسى نضالات ومطالبات الهيئة المستقلة لإصلاح الإعلام والإتصال برئاسة كمال العبيدي والنقابة الوطنية للصحفيين، ليكون الإمضاء يوم 02 نوفمبر والنشر في الرابع منه . عسر النشر في الرائد الرسمي ( الجريدة الرسمية لنشر القوانين) أعقبه عسر في الإعلان عن التركيبة وتسمية الأعضاء التسعة للهيئة ،والأسباب متعددة أبرزها رفض بعض الهيئات المهنية والنقابيةعلى غرار نقابة أصحاب المؤسسات الإعلامية ونقابة الثقافة والإعلام الراجعة بالنظر للإتحاد العام التونسي للشغل لعدد من فصول المرسوم ، ومن الأسباب المعطلة أيضا التجاذب السياسي وعملية الإستقطاب في اختيار أعضاء الهيئة والاتهامات المتبادلة بين الأحزاب الحاكمة والهيئات النقابية بالتخطيط للسيطرة لتركيع الإعلام بالنسبة لهؤلاء وتوظيفه بالنسبة لأولئك. وكان الإنفراج بالإعلان عن التركيبة يوم 03 ماي 2013 تزامنا مع الإحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة. تاريخ أنهى نظريا وضع السلطات الحكومية يدها على المؤسسات الإعلامية السمعية والبصرية بمافي ذلك العمومية منها،لتنطلق رحلة جديدة في مسار الإنتقال من الإعلام العمومي إلى الإعلام الحكومي. أعطى المرسوم 116 للهيئة المعروفة ب" الهايكا" صلاحيات واسعة ، فهي تعديلية بمعنى التنظيم والمرافقة والتكوين والإستشراف ، ولها صلاحيات ترتيبية أي بإمكانها" التشريع" علما وأن الهايكا توسعت في إستثمار هذه الصلاحية عند إصدار كراسات الشروط وحولتها من صلاحية ترتيبية إلى سلطة تشريعية . وللهايكا صلاحيات إدارية بمنح رخص بعث قنوات إذاعية وتلفزيونية وإسداء رخص إستعمال وسائط البث الفضائي بمختلف أصنافها. وقد وجدت هذه الهيئة نفسها في مرمى سهام أصحاب المؤسسات الذين اتهموها بالكيل بعدة مكاييل في إسناد الرخص إضافة إلى صمتها أمام انتهاك مستثمرين( إعلاميون وسياسيون) للمرسوم من خلال تغيير تركيبة رأسمال بعض القنوات الإذاعية والتلفزيونية والتفويت فيها في صفقات مشبوهة ماليا وسياسيا. ومن صلاحيات الهايكا الإستشارية إبداء الراأي المطابق للحكومة عند تعيين الرؤساء المديرين العامين للمؤسسات الإعلامية السمعية البصرية، أي أن رئيس الحكومة لا يمكنه تعيين هذا الصنف من المسؤولين إلا بعد موافقة الهايكا. وقد كانت هذه الهيئة محل نقد وتشكيك في علاقة بهذه الصلاحية التي يمكن وصفها بأنها إدارية سياسية وليست إستشارية فقط . من ذلك أنها توسعت في التأويل فطالبت زمن حكم الترويكا ( أحزاب النهضة والمؤتمر والتكتل ) بمراجعة التعيينات السابقة لبعثها ولم تكتف بهذا التوسع في التأويل بل طالبت ب" حقها"في إبداء الرأي المطابق عند إقالة المسؤولين ،ثم طالبت بتكوين لجان متناصفة مع الحكومة لفحص الترشحات ،وكان لها ما أرادت لكن بمجرد تغيير سكان القصبة وقدوم مهدي جمعة رئيسا للحكومة ( ونفس الامر مع يوسف الشاهد) قبلت الهايكا مبدأ تقديم الحكومة لمرشح وحيد وتمت التزكية دون ضجيج ،مما جعل الملاحظين يخشون عودة الإعلام الحكومي من الشباك بعد إخراجه من بوابة الثورة وباب المرسوم 116 . وتبقى الصلاحية الأهم والأكثر إثارة للجدل هي ما يمكن وصفه بالصلاحيات العقابية القضائية . وقد شهدنا خصومات عدة بين الهايكا وأصحاب المؤسسات الإعلامية سواء منها المرخص لها( تلفزيون نسمة وتلفزيون الحوار التونسي وتلفزيون حنبعل) أو غير المرخص لها ( قناة الزيتونة) ، وذلك بسبب الخطايا المالية وقرارات منع البث أو منع إعادة بث بعض البرامج، وكان ما كان من لجوء للمحاكم الإدارية والعدلية وتبادل اتهامات ... الهيئة العليا للاتصال السمعي والبصري هيئة غير منتخبة وعرفت منذ نشأتها خمس استقالات ( محسن الرياحي ،رجاء الشواشي ،رشيدة النيفر ،رياض الفرجاني ،آمال الشاهد ) ، وفقدت في فترة ما النصاب القانوني مما جعلها في حكم المنحلة لكن تم ترميمها من جديد ، ورغم ذلك واصلت التوسع في في فهم الصلاحيات وتأويلها بما يذكرنا بتعسف الحكومات في استعمال الحق أو القانون. والهايكا اليوم - وبحكم ما متعها به المرسوم المذكور من حق الإستشارة الوجوبية - جزء من ديناميكية صياغة القانون المحدث للهيئة الدستورية الجديدة .

منع التوظيف والإحتواء  وبالقانون:

التصدي لمحاولات الإحتواء والتوظيف ووضع اليد ( أو الرغبة في ذلك) ضروري حفاظا على الدستور والهيئات المنبثقة عنه ،وحفاظا كذلك على مصداقية الإعلام وعلى عدم تحويله إلى أداة تؤثر سلبا في المشهد السياسي والإنتقال الديمقراطي . ولعل أهم سبل التصدي هو القانون ذاته بجعله سدا ضد هذه النوازع ،والإقتراحات التالية يمكن أن تكون مدخلا لنقاش عمومي من شأنه أن يساهم في تحصين الهيئة ويوفر أرضية لمشهد سمعي وبصري بعيد الى الحدود القصوى عن هيمنة السلطة التنفيذية وأدران المال السياسي المحلي والدولي وكذلك بعيد عن أي ديكتاتورية قطاعية مهنية حتى ولو كانت بإسم الإعلام والإعلاميين مع المطالبة بالفصل بين مشروع قانون إحداث هيئة الاتصال السمعي البصري ومسألة تنظيم الإعلام العمومي . أي ضرورة إعداد قانون إطاري للإعلام العمومي بتنقيح القانون عدد33 لسنة 2007 المتعلق بالمؤسسات العمومية للقطاع السمعي البصري قبل عرض مشروع قانون الهيئة.بل من الأفضل صياغة قانون إطاري شامل للإعلام يحدد الضوابط التي تحكمه قبل إحداث الهيكل المكلف بالتعديل. - مراجعة آليات الترشيح لعضوية الهيئة بعدم جعلها من اختصاص أو احتكار الهيئات المهنية بل جعلها مفتوحة لعموم الكفاءات وفق شروط وضوابط - مراجعة قائمة الأعضاء من حيث التخصصات حتى لا تكون حكرا على الاعلاميين ورجال القانون بل ضرورة الانفتاح على الخبراء التقنيين والمساهمين في عملية الانتاج السمعي البصري عموما - إنشاء هيئة مساعدة اختصاصها استشاري ورأيهاملزم للهيئة التنفيذية. - مراجعة آليات التمويل وذلك بمنع الهبات والعطايا وذلك حفاظا على استقلاليتها - إعطاء دور أكبر للديوان الوطني للإرسال والوكالة الوطنية للترددات في منح التراخيص - طرح الإشكال الدستوري المتعلق بالثروات الطبيعية ( الذبذبات ) وضرورة الرجوع إلى مجلس نواب الشعب في مسألة الاستثمار في الثروات الطبيعية - ضبط كيفية ممارسة حق او صلاحية السلطة الترتيبية حتى لا تتحول الى سلطة تشريعية لقوانين أساسية - النظر في السن القصوى للترشح - إعادة النظر في الصلاحيات ذات الطبيعية القضائية في اتجاه إعطاء دور أكبر للقضاء الإداري والعدلي ،وذلك من باب توفير الضمانات للمؤسسات - مزيد توضيح آليات المحاسبة - توضيح دور الهيئة الجديدة في التسميات على رأس المؤسسات الإعلامية العمومية السمعية البصرية.

خاتمة:

تنزيل الدستور وخاصة في ملف الهيئات المنصوص عليها مسار مايزال بطيئا ومتعثرا، مسار تحيط به الحسابات السياسية والمهنية والتجاذبات والبحث عن التموقع. لكن مهما يكن من أمر فإن لتنزيل الدستور كلفته ،وللإنتقال من الإعلام الحكومي إلى الإعلام العمومي كلفة كذلك ومحاذير . الحذر ليس بالضرورة من السلطة التنفيذية فقط بل كذلك من السلطة الرابعة ذاتها . وحماية الهيئة المنتظرة للإتصال السمعي البصري من الانزلاقات تنطلق من لحظة إعداد مشروع القانون ،هذا الإعداد الذي ينبغي أن يكون تشاركيا ومفتوحا وأن يتحول إلى النقاش في الفضاء العمومي ،لأن الإعلام ليس قضية سلطة أو مهنيين فقط بل هو كذلك قضية دولة وشعب ومبادئ كونية.

عبد السلام الزبيدي

عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك