القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تونس :الواقع واحتمالات المستقبل

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2015-03-13 12:41:00 | 99 مشاهدة

 

 

تعيش تونس في هذه المرحلة من حياتها المعاصرة في مفترق بين طريقين لا ثالث لهما  : 1- مواصلة الطريق السالكة المؤدية إلى الاستقرار وتحقيق التنمية الشاملة تجسيما للأهداف التي قامت من أجلها ثورة الكرامة والحرية والعدالة. 2- الانتكاس عن هذه الطريق والدخول في متاهات يصعب التكهّن بأبعادها. لقد خرجت  تونس  من مرحلة "المؤسسات المؤقتة " وانطلقت في مرحلة المؤسسات المنتخبة الشرعية، شرعية الانتخابات الممثلة لمطامح الشعب ولآماله في الاستقرار والتقدم. و التعايش بين نهاية المرحلة السابقة وبداية المرحلة الحالية يحوي داخله تمازجا بين مضامين كل من المرحلتين، وهو تمازج يفرض الوعي الدقيق بخصوصيات هذا الواقع والتفاعل الإيجابي معه بصورة تساهم في التخلّص من مخلّفات الماضي بشكل تدريجي والعمل على الاتجاه إلى الأمام في جميع المجالات والميادين. و مثل هذه المراحل الإنتقالية تحتاج إلى وعي وتعامل خاصين يختلفان عن المراحل المستقرة. ويزداد الوضع تعقيدا عندما نؤكد على أن هذه المرحلة الانتقالية التونسية تندرج ضمن مرحلة انتقالية إقليمية ودولية تشمل جميع المجالات دون استثناء. واقع تونس وملابساته: إن المتابع للواقع التونسي حاليا يلاحظ تحقق مكاسب هامة أبرزها : - 1التمتع بحرية التعبير شملت جميع الميادين وهو من أبرز المكاسب رغم ما يشوبه أحيانا من بعض الانفلاتات والتجاوزات. - 2صدور دستور توافقي يحدد نمط المجتمع والدولة، دولة مدنية لمجتمع عربي مسلم متجذر في هويته الحضارية متمسك بالمساهمة في ترسيخ هذه الهوية وتعميقها وإثرائها 3- انتخاب مجلس نواب الشعب بصورة سليمة وشفافة أكدت جميع الأطراف داخل تونس وخارجها على مصداقيتها. 4- انتخاب رئيس الجمهورية لأول مرة في تاريخ تونس انتخابا مباشرا،حرا و سليما. 5- تكوين حكومة توافقية تتمتع بثقة أغلب القوى الوطنية وبمساندتها ودعمها. و قد تحققت هذه المكاسب المهمة بفضل منهج التشاور والتوافق، هذا المنهج الذي بدونه لم يكن للاستثناء التونسي أن يصل إلى ما وصل إليه. إنه استثناء تسانده جميع القوى الإقليمية والدولية وترعاه حتى يحقق أهدافه ويقدم النموذج الأفضل في ساحة عربية وإسلامية يسيطر عليها العنف والفوضى وعدم الاستقرار والتقاتل والحروب الأهلية.على أن هذه المكاسب السياسية بقدر ما تؤكد نجاح تونس  في مسارها الديمقراطي التعدّدي فإنها تفرض على جميع الأطراف الوطنية بمختلف توجهاتها صيانتها ورعايتها وحمايتها من أي إنتكاس. فالديمقراطية التونسية مازالت هشّة لم تصل بعد إلى النضج المطلوب الذي يمكنها من المناعة والصمود أمام التحديات القائمة أو المتوقعة.و التحديات والأخطار تشمل جميع المجالات دون استثناء. 1- المجال السياسي : لئن كانت المؤسسات السياسية الرسمية القائمة مازالت في حالة تدريب مما جعلها لم تتمكن من التخلص من مخلفات المرحلة السابقة. مرحلة المؤسسات المؤقتة كما هو شأن مجلس نواب الشعب. فإن الفضاء الحزبي ما زال يعاني أزمة أعمق وأشمل لما يسوده من تفتت وتشتت وعدم استقرار واضطراب. ولعل أبرز مثال على هذه الحالة السلبية ما يعانيه "حزب نداء تونس" من اهتزاز واتهامات بين أبرز قيادييه، لم تسعها هياكله الداخلية مما جعلها تطفو على السطح الإعلامي بصورة ضربت مصداقية هذا الحزب في الصّميم.  ولاشك ان هذا الشرخ العميق القائم بين قياديي هذا الحزب سيكون له أبلغ التأثير على الحياة السياسية باعتباره الحزب الذي يتولى السلطة التنفيذية والتشريعية.  وكل من حزب "نداء تونس" وحزب "حركة النهضة" هما التنظيمان الكبيران اللذان يمثلان الركيزتين الأساسيتين لنظام الحكم، وبالتالي فإنهما يمثلان الضمان الأساسي للاستقرار في هذه المرحلة الانتقالية. و إن ما تحقق بينهما من تشارك وتوافق هو الذي شجع القوى الكبرى والمؤسسات الدولية على مساندة بلادنا في هذه المرحلة  . 2- المجال الاقتصادي : يؤكد جميع الخبراء الاقتصاديين، دون استثناء، أن البلد  يشهد أزمة عميقة في هذا المجال الحيوي. تبين في اختلال الميزان التجاري، وعجز ميزان الدولة بشكل مخيف، وتناقص نسبة النمو، و تزايد نسبة التضخم وغيرها من المؤشّرات .كل هذه العوامل أدت بمدير البنك المركزي للتحذير من إمكانية عجز الدولة عن توفير مرتبات العاملين بمؤسساتها، رغم ما قدمه رئيس الحكومة ووزير المالية من تطمينات. يضاف إلى ذلك الشروط الصعبة التي تطالب بتوفيرها مؤسسات الاستثمار الأجنبية والمتعلقة بالبنوك والجباية. 3- المجال التربوي : إن علاقة تونس بالمؤسسة التربوية علاقة حضارية عريقة ازدادت وثوقا بعد الفتح الإسلامي. وهي بلاد  بقدر صغر حجمها الجغرافي والديمغرافي فإنها كبيرة بتاريخها ودورها في إثراء الحضارة الإنسانية.تونس كانت في مقدمة البلدان العربية والإسلامية التي اعتنت بالمجال التربوي والتعليمي.والمؤلفات التونسية المعنية بهذا المجال تمثل مرجعا أساسيا ككتاب "آداب المعلمين والمتعلمين" لمحمد ابن سحنون "ق 3 هـ" ومؤلفات "القابسي" "ق5  ه إلى "ابن خلدون" في قرن 8ـ إلى التيار الإصلاحي الذي قاده الوزير "خير الدين التونسي" "ق19 م".  لهذه الإعتبارات التاريخية فإن المؤسسة التربوية هي التي تجسم الروح الإنسانية والحضارية لتونس، وبالتالي فإن الأزمة العميقة التي تعيشها هذه المؤسسة هي المعبّر الحقيقي والبارز عن أزمة المجتمع التونسي. إلا ان هذه المؤسسة في هذه المرحلة الحالية تشهد  تدهورا على المستوى العلمي والمعرفي وانحدارا في  مصداقيتها إقليميا ودوليا. بل صارت المؤسسات التربوية هي في مقدمة المؤسسات المصدّرة للإرهاب، إضافة إلى ما تعانيه من أمراض مثل انتشار المخدرات. والعنف و الانقطاع المدرسي. وقد انضاف لهذه المخاطر انعدام الثقة بين المربي والتلميذ وهو ما تجلى عند إصرار المدرسين خلال هذه المدة على مواصلة الإضرابات وخاصة بمناسبة الاختبارات الأخيرة .إن هذا التصعيد الاحتجاجي لاعتبارات مادية وجه ضربة قاسية للعلاقة بين المدرس والتلميذ وهو المنعرج الذي شهدته المؤسسة التربوية، إذ انحرف الصراع بين النقابة والوزارة إلى صراع بين المدرّس والتلميذ. ولا شك أن هذا الوضع الخطير الذي تعيشه المنظومة التربوية بجميع مستوياتها لن يكون من السهل معالجته وإصلاحه. وهو  من أخطر التحديات التي تواجهه  البلاد خلال هذه المرحلة من حياتنها المعاصرة بل وخلال مستقبلها القريب والمتوسط والبعيد. والحل قد يكون في مؤتمر وطني جامع لكل المعنيين بالشأن التربوي هو من أوكد الواجبات لدراسة هذه القضية. يضاف إلى هذا المجال التربوي وهو جزء منه المجال الرياضي و أزمة الرياضة  مؤكدة للجميع لإنها أزمة  مستحكمة في مستويات التحكيم وإدارة الجمعيات. وعندما تجتمع الازمات في قطاعات  التربية والرياضة فالشباب في خطر ماحق. 4- الحرب على الإرهاب : تعيش تونس حربا حقيقية على الإرهاب ،رغم محاولات بعض الأطراف التنقيص من هذه الخطورة. فقد أكدت تقارير امنية أن "داعش" طرقت الحدود  التونسية الليبية وخلاياها النائمة منتشرة في مناطق عديدة من البلاد.والدور الحاسم هو  الذي تبذله المؤسسات الأمنية والعسكرية لمواجهة العمليات الإرهابية، وخاصة في مجال استكتشاف مخازن السلاح بمختلف أصنافه. و الحقيقة الماثلة هي وجود حاضنة مجتمعية للخلايا الإرهابية بدوافعها الاقتصادية والاجتماعية والتعامل معها لن يكون خارج  مقاربة تنموية شاملة وعادلة.  تؤكد عديد الأطراف داخل تونس وخارجها على أن تونس  في مقدمة البلدان المصدرة للإرهاب.ووجود تونسيين في كل مناطق النزاع المسلح في المنطقة العربية دليل فاقع على ذلك.  إن هذه الحقيقة المزعجة والمرة لا يمكن التعامل معها بشكل ظرفي أو تجزيئي.ولكن العلاج لن يكون إلا ضمن تصور إستراتيجي شامل وعميق يطال جميع جوانب الموضوع وفي مختلف المجالات. 5- الوضع المتفجر في ليبيا : تعيش ليبيا وضعا متفجرا وانقسامات وحربا أهلية لا يبدو أن حلها السياسي ممكن وذلك نظرا لتداخل عوامل عديدة داخلية و إقليمية ودولية. والمثير للاستغراب ان تونس خارج جميع المحاولات الساعية لحل هذا الوضع، فالحوار بين الأطراف الليبية يدور هذه الأيام إما في الجزائر أو في المغرب أو بين الجزائر ومصر وإيطاليا.  والاتصالات مستمرة على قدم وساق بين أطراف عديدة إقليمية ودولية وتونس خارج كل هذا المجال مما يدل على فشل السياسة الخارجية التونسية في ملف هو من أخطر الملفات إنه ملف يتعلق بالأمن الداخلي والدور الإقليمي. تجدر الاشارة ان "الشيخ راشد  الغنوشي"  زعيم حركة النهضة قام بدور خطير في مجال الوساطة  بطلب ملحّ من عديد الأطراف المعنية بهذا الموضوع داخل ليبيا وخارجا. لكن السلطة الرسمية التونسية لم تحسن الاستفادة من هذا الدور.  6- انتشار الثقافة "الداعشية" : نعني بالثقافة الداعشية ثقافة الذبح من الوريد إلى الوريد في  ظاهرة مرعبة لم يعرفها المجتمع التونسي  طيلة مراحل تاريخه الطويل.  فتواتر الانباء في الصحف عن اللجوء الى الذبح شكلا من اشكال الجريمة والانتقام داخل المجتمع.  تنضاف إلى ذالك ظاهرة "البوعزيزي" أي إحراق الذات بسكب البنزين وإشعال النار طريقة للاحتجاج عن الوضع الاجتماعي والبائس لطبقات لم تجد حلا لمشاكلها المتراكمة .هذه الظواهر المزعجة أصبح  متواترة في وسائل إعلام مختلفة. والمجتمع صار يعيش حالة مرضية من الانفلات الأخلاقي تجلى في إنتشار الجريمة بشتى انواعها كالإغتصاب والسرقة وقطع الطريق والتحيل وترويج المخدرات  والبغاء والتهريب وتزييف العملة. 7-إنتشار ثقافة الإضرابات : إن من أخطر الظواهر التي انتشرت بتونس  بعد الثورة هي القيام بإضرابات عن الشغل بحركات احتجاجية تعطل الشغل وتمنع أصحابه من القيام به.وقد أدت هذه الأساليب إلى غلق العديد من المؤسسات مما زاد في تفاقم ظاهرة البطالة،و تناقص ثقافة العمل في  وتعويضها بثقافة العطالةوالرغبة في الربح السريع دون جهد، وهي من أخطر الظواهر والأمراض التي يعيشها المجتمع حاليا . 9- تزايد حالة التوتر: سيطرت ظاهرة التوتر والتشنج في مختلف المواطن مما يجعل حدثا بسيطا وعاديا قد يتطور من طابع شخصي إلى طابع جماعي،  تجلى ذلك في خلاف بين المؤسسة الأمنية وقطاع المحاماة وتطور بين مؤسسة القضاء والمحاماة. احتمالات المستقبل: تقديم الواقع التونسي على هذه الصورة  ليس ناجما عن نظرة سوداوية، بقدر ما هو ناجم عن وصف الواقع كما هو دون مبالغة بالزيادة أو بالنقصان. و تفكيك الواقع بظواهره المختلفة من شأنه أن يساعد على توصيف العلاج . ولا شك أن الأحزاب السياسية ذات الحضور الفاعل على الساحة الوطنية والمنظمات المجتمعية سيكون لها الدور المؤثر في هذا المجال فهل يستطيع "نداء تونس" الخروج من الأزمة التي يعانيها حتى يقوم بدوره الوطني المطلوب؟. فالتوازن الإيجابي القائم بين "النداء" و "النهضة". والدور الإيجابي الذي تقوم به"لنهضة"من أجل تحقيق المصالحة الوطنية يفرض على قيادة "النداء" الإسراع بإصلاح وضعه الداخلي ،حتى يقوم هذا التنظيم بدوره الوطني المطلوب. إن دور"الشيخين الباجي والغنوشي"في هذا المجال هو ضرورة وطنية و عليهما معا القيام بها وهما يتحملان مسؤوليات شخصية في هذه الظروف. والاسئلة الحقيقية هي هل تستطيع المنظمات المختلفة الخروج من ثقافتها المطلبية المصلحية ؟ وهل يستطيع الاعلام التونسي،  بحكم ما يتمتع به من حرية التعبير أن يتجنب الاهتمام ببعض الظواهر العارضة ليساهم في توجيه الرأي العام نحو ماهو أفضل؟. يظل الاستثناء التونسي نموذجا إيجابيا في مناخ عربي متقلب وخطر . و الأطراف الدولية تشهد بذلك، رغم كل المساوئ، في هذه الساحة العربية والإسلامية التي يسودها العنف، و نجاحه واستمراره ورسوخه وسلامته من الانحراف هو  بأيدي التونسيين وهم وحدهم المسؤولون على سلامة مصيره. _____________________________________ المصدر : مركز الدراسات الإستراتيجية و الدبلوماسية

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك