القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تونس : الديمقراطية الجديدة تبحث عن أحزابها

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2015-03-12 12:27:00 | 166 مشاهدة

مقدّمة : في كل أطوارها ، ناشئة أو قديمة، تحتاج الديمقراطية أحزابا سياسية لتكون ، فما بالك بعد زلزال تاريخي كالذي مرّت به دول الربيع العربي و منها تونس ، مطلقة هذا الربيع . زلزال هو الآن بصدد إعادة تشكيل الهوية السياسية لهذه الدول. قد تكون نهايته دخولا نهائيا، و إن كان عسيرا ، إلى الحداثة السياسية ، و قد ينتهي بها إلى مآلات كارثية لا تعدم الدافعين إليها بإصرار حينا و بغباء أحيانا. تجاوزت تونس وحدها من بين  دول الثورات العربية الجدل الحاصل حول ضرورة الديمقراطية كجسر وحيد آمن للمرور إلى الاستقرار و الحداثة ، و لكنّها لم تنجح إلى حد الآن في توفير أدوات اشتغال الديمقراطية. فالخارطة الحزبية مضطربة و متحوّلة و هشّة ، بما يهدّد بانهيار التجربة الجديدة. فهل تتوفّر الديمقراطية الناشئة في تونس على أحزاب قابلة للحياة  في بيئة محلية و إقليمية و دولية في حالة انتقال تاريخي جذري ؟ الثورة و الولادة المتعسّرة للأحزاب : المتابع للحراك الحزبي الذي أوكلت إليه الثورة مهمة إنجاز الديمقراطية بعد 14 جانفي 2011 يقف على معطيات متناقضة : عندما احتاجت البلاد إلى إجراء انتخابات لتشكيل مجلس تأسيسي يسهر على التأطير السياسي للإنتقال الديمقراطي ، شهدت البلاد هبّة حزبية قوية.واعتقد الجميع أن البلاد فيها من الأحزاب ما يكفي ل"مئات" الانتخابات. وسرعان ما تكشّفت هشاشة هذا البنيان الحزبي، و ربما "اصطناعيّته" و عدم قابليته للصمود أمام الاستحقاقات الجديدة للديمقراطية. أفرزت انتخابات 23/10/2011 ترويكا حاكمة متكوّنة من حزب حركة النهضة الإسلامي و حزب التكتل من أجل العمل و الحريات الاشتراكي و حزب المؤتمر من أجل العمل و الحريات بزعامة المناضل الحقوقي المنصف المرزوقي. انتظرت المعارضة حتى جوان 2012 لينشأ حزب حركة نداء تونس بدعوة من الباجي قائد السبسي أحد الوجوه البارزة للمرحلة البورقيبية ، لتتشكل في "جبهةإنقاذ" ضمّت الى جانب حزب نداء تونس كلاّ من الحزب الجمهوري بزعامة نجيب الشابي ( الذي كان منافس حركة النهضة في الانتخابات التأسيسية و التي خرج منها بهزيمة قاسية)، و الجبهة الشعبية التي تشكلت من 11 فصيلا من فصائل اليسار الشيوعي و العروبي  في 07/10/2012 و حزب المسار ( الحزب الشيوعي سابقا) و حزب العمل الوطني الديمقراطي(شيوعي) و الحزب الإشتراكي. تشكلت جبهة الإنقاذ لإسقاط الترويكا الحاكمة ، و استغلّت مناخ مطلبية اجتماعية منفلتة انتهت إلى شبه شلل اقتصادي و بداية انهيار الدولة .  أصبحت البلاد في صيف 2013 على شفا حرب أهلية بعد أن رفعت "جبهة الانقاذ" شعار انتهاء شرعية كل المؤسسات التي أفرزتها انتخابات 2011 من مجلس تأسيسي و رئاسة دولة و حكومة. كانت البلاد تحبس أنفاسها عندما جاء لقاء باريس بين رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي و رئيس نداء تونس الباجي قائد السبسي.  البرنامج السياسي الجديد : مقاومة الإرهاب و تأجيل الديمقراطية :  كانت أولويات البلاد قد تغيّرت من العمل على إرساء مؤسسات الدولة الديمقراطية الحديثة إلى محاربة الإرهاب و إن اقتضى الأمر تأجيل الديمقراطية إلى حين. إرهاب أعلن عن نفسه بالإغتيال السياسي في مناسبتين، و بقتل الجنود و الأمنيين على الحدود الغربية للبلاد و في عمليّات غامضة داخل المدن. إرهاب اختلف الجميع حول هويته : من أين يأتي  ؟ من يموّله و من يدعمه مخابراتيا و لوجستيا ؟ من يستهدف ؟ و الحال أنه إرهاب صامت لا يصدر بيانات بعد العمليات التي ينفّذها. المهم أن الأجندة الوطنية تغيرت. من تحقيق أهداف الثورة إلى محاربة الإرهاب. و أصبح إصلاح المنظومة الأمنية و القضائية مجيّرا للمجهود "الوطني" لمحاربة الارهاب بعد أن كان موجّها نحو استعادة كرامة المواطن التي فقدها زمن الاستبداد.و لم تعد العدالة الإجتماعية و مقاومة الفقر و التفاوت الجهوي أولويات ملحة ، بل إعادة هيبة الدولة  و دعم حصانة رجل الأمن و توفير التمويلات لتسليح قوّات الجيش و الشرطة . و عاد الإعلام إلى رفع شعار " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". ووجدت الأحزاب نفسها تعمل تحت سقف الأجندة "الوطنية" الجديدة. (ضمن هذا السياق يمكن أن نفهم حقيقة ال"بيغ بانغ" الحزبي الذي صنع مائتي حزب دفعة واحدة عشية انتخابات 2011.كانت سياسة الإغراق الحزبي تهدف إلى خلق فوضى حزبية تشوّش الأفق أمام ناخب مطلوب منه أن يفاضل و يختار بين مئات الأحزاب لن يكفيه عمره كله للتعرّف إليها.) في تلك الظروف المشرعة على الفوضى  و على احتمال انهيار المسار السياسي برمّته ، كان على الديمقراطية الجديدة أن تستصفي أبناءها.. أو آباءها المؤسسين. الحوار الوطني و منهج التوافق : دفاع الأحزاب عن الديمقراطية.  على امتداد تاريخ الديمقراطية احتاجت هذه الأخيرة إلى آباء مؤسسين. و هي اليوم في تونس تحتاج آباء كبارا لتولد على أنقاض تقاليد تسلّطية متجذّرة في الثقافة و الممارسة التاريخية للمجتمع العربي. دور الآباء أن يرسموا حدود التمرين الديمقراطي و يضبطوا أدواته التي لا غنى عنها ، و أول هذه الأدوات هي الأحزاب التي ستتنافس سلميّا و في ظل القانون على طرق إدارة الشأن العام. هذا حديث في البداهة ، ولكنها بداهة لا تجد من يدافع عنها بعد أن وقع تحميل الديمقراطية و أحزابها مسؤولية الفوضى و العنف الذي يحاصر الناس في معاشهم فما بالك بخيالهم الذي تحتاج إليه الديمقراطية لتزدهر في مستقبلهم.يمثّل تسفيه الأحزاب و القول بعدم الحاجة إليها إحدى وسائل الدكتاتورية لتهيئة مناخ العودة بعد الثورات التي تطيح بها.و لمّا كانت بلادنا العربية تفتقد إلى التقاليد و الثقافة الديمقراطية ، فقد مثّل تنظيم التونسيين لأربع انتخابات حرّة و نزيهة  بعد ثورة 14 جانفي 2011 نجاحا لا فتا في محيط طارد للتقليد الديمقراطي. و قد احتاج ذلك إلى انتظام سياسي مدني احتكم الى المنافسة بين أحزاب عديدة مثّلت خارطة إيديولوجية لا تؤمن جميعها ب"الضرورة الديمقراطية" و لكنها اضطرّت تحت ضغط "الصدفة التاريخية" أن تمارسها ، في انتظار أن تؤمن بها.لم يكن يسيرا أن تجري الإنتخابات الأخيرة في تونس ، فقد كان المسار الإنتقالي يترنّح و على حافة السقوط ، لولا أن تفتّق عقل النخبة السياسية عن منهج "التوافق"على أرضية وطنية جامعة . نجح الحوار الوطني (من 5 اكتوبر2013 الى 29 جانفي 2014) في جمع كل الفرقاء السياسيين المهمين على طاولة واحدة و تمّ الإتفاق فيه على مصاحبة المجلس التأسيسي في كتابة الدستور الجديدو على تشكيل حكومة "تكنوقراط" تسهر على تنفيذ خارطة طريق للوصول إلى انتخابات تشريعية و رئاسية قبل موفى 2014 . كان ذلك بمثابة المعجزة في ظلّ انهيار أمني و اقتصادي و خاصّة في ظلّ انسحاب قطاعات واسعة من الشعب من الشأن السياسي ( و من ضمنه الأحزاب) و يأسها من المستقبل. و اقتضى جهد إعادة الصراع إلى دائرة السياسة أن ينتقل طرفا الصراع الرئيسيان ، حركة النهضة و نداء تونس  من التنافي المطلق إلى الإعتراف المتبادل . خفت صوت القائلين بأن الصراع في تونس هو بين قوى الثورة و القوى المضادة للثورة. و مرّت البلاد الى انتخابات أفرزت نتائج لم ينتظرها أحد من المراقبين.فاز حزب نداء تونس بأغلبية مقاعد البرلمان و بمنصب رئاسة البلاد. و لكن نتائجه لم تؤهله ليشكل الحكومة منفردا. و عوض أن يتحالف مع الأحزاب التي دعّمته في الانتخابات الرئاسية ، فاجأ الجميع بانفتاحه على خصمه القديم حركة النهضة ليشركها معه في الحكومة الجديدة. و هي التي كانت مهمة إزاحتها من الحكم و من المشهد السياسي عموما في لحظة ما ، مبرّر وجوده أصلا. هذا التقارب بين النهضة و النداء أربك الحزبين كليهما و خلّف داخلهما ارتدادات ستظلّ  تتفاعل و قد تخلّف آثارها على كليهما. حزبان سيقرّران مصير الديمقراطية : النهضة و النداء  - النداء : التحوّل من قيادة المعارضة الراديكالية للنهضة إلى تشريكها في الحكم ، و من اعتبار النهضة مسؤولة على الإرهاب ، ‘لى القبول بها شريكا في محاربته ، و التضحية بشركاء الأمس ( الجبهة الشعبية).. كل ذلك خلق أزمة حقيقية داخل حزب لم يعقد مؤتمره التأسيسي بعد . و هو يواجه أزمته من دون زعيمها المؤسس و في ظلّ احتدام أطماع مُعلنة في التموقع في مؤسساته القيادية من مختلف الوافدين اليه خاصة بعد ان أصبح في السلطة. الأمر الذي دفع أحد قياديّي النهضة إلى التصريح بأن حركة النهضة "حريصة على استقرار نداء تونس" . إنها تحتاج شريكا لإقامة التوازن الديمقراطي انتخابيا. شريك يمرّ بامتحان ديمقراطي حقيقي و هو يستعدّ لعقد مؤتمره الأول قريبا. -حركة النهضة : هي أيضا زلزلتها التطورات السياسية التي تعاقبت عليها منذ الثورة. فقد خرجت من الحكم مكرهة ، و دخلت الحوار الوطني مكرهة ،و ذهب زعيمها لمقابلة خصمه اللدود في باريس مكرها . ثمّ حلّت ثانية في الانتخابات و رضيت بموقع الشريك الثانوي في الحكومة الجديدة ( رغم إقرار المراقبين بالقيمة الرمزية العالية لهذه المشاركة). و بين إكراه و آخر كانت النهضة تخلّف وراءها بعض رموزها التاريخيين و بعض قواعده الغاضبة ممّا يرونه تنازلات لصالح أعداء الثورة. و لكن قياديّيها يرون أن محصّلة كل هذه التنازلات هي إنجاح "عملية انتقالية تاريخية معقّدة في محيط إقليمي غير مستقر و غير ملائم" . توشك النهضة هي أيضا أن تتخلّى عن زعيمها المؤسس  تحت ضغط حضوره الكثيف في تاريخها و هي تستعدّ لعقد مؤتمرها العاشر خلال أشهر قليلة. و إن أجمع المراقبون على ان كاريزما الغنوشي لا تضاهى داخل حركته ، و أن ملء الفراغ القيادي الذي سيحدثه رحيله لن يكون سهلا ، فإن حتمية التجديد و توازنات السياسة داخل النهضة قد يفرضان عليها استعجال حالة اليتم حتى لا تفاجأ بها. الفرق بين النهضة و النداء في هذا الوضع ، هو أن النهضة قد "تتيتّم " و هي في وضع نضج تنظيمي و تمرّس طويل بالسياسة ، بينما سيواجه النداء حالة اليتم و هو لا يزال غضّا . أحزاب "تأسيسية" ..قد تندثر: يتهيّأ أب آخر من الآباء المؤسسين للديمقراطية الجديدة لما يشبه المغادرة. المنصف المرزوقي أوّل رئيس زمن الديمقراطية .بعد أن فاز حزبه بالمرتبة الثانية في انتخابات 2011، وصل إلى انتخابات 2014 منقسما و منهكا ليحصل عل نتائج لا تؤهّله لا للحكم و لا للمعارضة. غير أنه نجح في الوصول إلى الدور الثاني من الرئاسيات و الحصول على أكثر من مليون صوت. بعض المحيطين به يعتقدون أن هذه الأصوات رصيد حقيقي قد يمكّنه من العودة إلى الحياة السياسية ، فأطلقوا مبادرة " حراك شعب المواطنين ". و آخرون يرون أن القسم الأكبر من تلك الأصوات هي ملك حركة النهضة  التي لم تقدم مرشحا رئاسيا. فهل يكون الزخم الانتخابي المختلف على طبيعته أرضية كافية لعودة المرزوقي إلى لعب دور ما في مستقبل الديمقراطية التي بشّر بها طويلا. كثيرون يرون أن هذه العودة تحتاج إلى أكثر من ذلك. و لكنها في كل الحالات لن تكون كافية لتبديد "يتم" حزب المؤتمر من اجل الجمهورية. المؤسسون الآخرون كان خروجهم أسرع من المتوقّع. فمصطفى بن جعفر "أب الدستور الجديد" ، يبدو أنه لن يتابع مصير الدستور التوافقي الذي أشرف على إنجازه في مناخ من التفكير الجماعي الذي ساهمت فيه قطاعات واسعة من المجتمع. و قد يغادر و في نفسه غصّة أن لم تتح الفرصة بما يكفي للتونسيين ليتبينوا حجم الجهد الذي بذلته نخبهم السياسية و المدنية في بلورة توافقات فكرية و سياسية دقيقة و معقّدةللوصول إلى دستور.. يُنتظر منه أن يقود الديمقراطية الجديدة. أما الأستاذ نجيب الشابي فقد انسحب في صمت  بعد أن  كان من أعمدة النضال الديمقراطي زمن الاستبداد. و بعد أن تزعّم منافسة النهضة في انتخابات 2011 و تقلّب في تحالفاته و ها هو يترك حزبه في مواجهة نهاية وشيكة. أما الجبهة الشعبية فلئن نجحت في تحسين تموقعها الانتخابي فإن حدّة و صدامية خطابها السياسي في مواجهة النهضة خصوصا، قد يشكّل مدخلا لعودة مناخ الحرب الأهلية التي لم تخرج منه البلاد نهائيا. لقد كانت الجبهة الشعبية خلال  حكم الترويكا الصوت الأعلى المنادي بتحويل وجهة سير البلاد  من العمل على استكمال إنجاز مهام الثورة إلى مقاومة الإرهاب. و ها هي تنتهي إلى معارضة أقلية بعد أن فشلت في إقناع حليفها القديم بتشريكها في الحكم عوضا عن حركة النهضة. خاتمة : إن التحولات العميقة التي تمرّ بها الأحزاب التونسية المكونة للمشهد الديمقراطي الجديد هي التي ستحدد مستقبل الديمقراطية في البلاد. و لو نجحت الديمقراطية في دمقرطة "أبنائها" فتستمر و تتطور. و إن عجزت عن استيعاب الحراك الذي يتفاعل داخل الأحزاب و من حولها ، فسيتوقّف محركها عن الدوران. الديمقراطية قوة دامجة حتى للذين لم يتأهلوا بعدُ لخوض غمارها. فالإرث الإستبدادي الفرداني التسلّطي  و الإرث الديني المحافظ و المنقطع عن التأويلات التنويرية للإسلام ، و الإرث الإيديولوجي اليساري المغترب عن التربة الثقافية المحلية ... هذا الإرث سيشكل عوائق حقيقية أمام الديمقراطية الجديدة. _____________________________________ المصدر : مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك