القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تونس في عين إعصار الانهيارات العربية : من يعيد بناء المعاني الكبرى للمجتمع والدولة ؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2015-07-27 10:48:00 | 128 مشاهدة
مقدّمة :
هل تفتقد تونس ، نخبا ومجتمعا ، الى الحدّ الادنى من الاتفاق الوطني حول ملامح مشروعها المستقبلي ؟ هل توشك الدولة والمجتمع في تونس على الانهيار والسقوط في الفوضى الشاملة، على غرار ما يحدث في كثير من بلدان الربيع العربي ،ليعاد تشكيل كيانها السياسي على قاعدة ما دون الدولة الوطنية التي استقرّت شكلا وحدودا منذ نهاية المرحلة الاستعمارية؟
الذي لا شك فيه ان تونس اليوم تتعادل فيها مؤشرات الانهيار ومقوّمات النهوض ، وتتصارع على أرضها أجندات سياسية محلية واقليمبة ودولية لم تعد خافية على احد.
 مصير البلاد ستقرره القوى التاريخية الفاعلة في الميدان ايجابا أو سلبا رغم حجم حضور الأجندات الدولية في تونس ، والتي ستفقد فاعليتها ان هي فقدت وكلاءها او حلفاءها في الداخل . القوى السياسية والمنظمات الوطنية والنخب الاكاديمية كلها مطالبة بإنتاج المعاني الكبرى الموحّدة للشعب بكلّ فئاته ، او راس المال الثقافي الوطني الذي يشكل الهوية الجامعة، رغم صعوبة المهمة في سياق الانتقالات التاريخية الكبرى.
 
الثورة : بين فاعلية الحلم واستراتيجيات التخريب :
لم يتعرض مفهوم للتشويه والهرسلة والتبخيس والامتهان والاستهتار... منذ انطلاق الربيع العربي كما تعرض له مصطلح الثورة.بما جعل منه مصطلحا مسخا فقد تقريبا كل زخمه المعنوي وكل فاعليته التاريخية . أجيال شبابية عربية وعالمية عديدة تربت على حلم الثورة بما هي أفق تغيير تاريخي تتحقق فيه كل ممكنات الحلم الانساني كالعدالة والحرية والمساواة والديمقراطية. ولم تفلح خيبات التجارب الثورية الحديثة في قتل الحلم في خيال وضمير الشعوب المضطهدة . مآلات الثورة الروسية و الصينية و الايرانية وانحرافها جميعا نحو نماذج حكم دكتاتورية قمعية دموية لم تفلح في قتل حلم الثورة /الطوبى في خيال الشعوب. ولكن نجاح الثورة التونسية والمصرية والليبية واليمنية في الاطاحة بدكتاتوريات راسخة كانت تستعد لارساء اليات التوريث الابدي لسلالاتها ، هذا النجاح الذي كان الخطوة الاولى الضرورية لانطلاق "مشروع النهوض الحضاري العربي" ( وقد نجح مركز دراسات الوحدة العربية في حشد اهم الطاقات الفكرية للأمة العربية في مشروع فكري وسياسي رائد تحت هذا العنوان وانجز نجاحات عظيمة في التوصل الى تسويات فكرية وسياسية بين مختلف تيارات الفكر والسياسة في البلاد العربية..ونجح في صياغة برنامج عمل عربي وطني ، قبل ان يتعرض المشروع كله الى الحصار والتهميش) أيقظ كل شياطين التخريب في المنطقة .
-الثورة المستهدفة في الواقع وفي الوعي :
كان لا بد أولا لبدء مشروع التخريب من استهداف مقولة "الثورة". فقد اكتسب المصطلح زخما معنويا وثقافيا وروحيا جديدا والتفت حوله الشعوب العربية بعد مرحلة التيه واليأس التي مرت بها على امتداد عقود الاستبداد المظلمة. استعادت الشعوب الثقة في قدرتها على التغيير ، وتلك كانت عملية تاريخية نفسية معقدة لم يقع تفكيك اسرارها الى الان علميا ، واكتفى الجميع بالذهول امام الانفجار الشعبي المفاجئ في وجه الاستبداد. في حين انصرف اخرون الى تبني نظرية المؤامرة الخارجية لينتهوا الى ان الشعوب كانت ساذجة حين طالبت بالحرية وقد  كان عليها ان تؤجل حريتها الى ان يحين موعدها التاريخي (الذي قد لا يأتي) معها  حين تنضج ظروف الثورة التي لا يعرف ساعة قيامها الا "الطليعة الثورية" التي أوتيت علم الثورات!!!  
مقولة الثورة تعرضت لتخريب ممنهج من قبل الة سياسية واعلامية شاركت فيها تمويلا وتخطيطا وتنشيطا مؤسسات ورموز النظام القديم وكذلك كثير ممن كانوا يحسبون في صف قوى التغيير وممن أمضوا اعماره السياسية في انتظار الثورة . هؤلاء لم يغفروا للثورة انها "حدثت" من خارج أجهزتهم الفكرية( النصوص الداخلية و كثير من تصريحات ناشطي التيارات اليسارية والقومية لا يعترفون بان ما حدث في تونس كان ثورة..وانخرطوا في "تشخيص" ميكروسكوبي ايديولوجي سخيف للحدث).
ظروف موضوعية أخرى ساهمت في تشويه صورة الثورة حين انطلقت موجة من المطالبة الشعبية بنصيبها من الحلم، وقد صور لها الاعلا م ان ساعة تقسيم الريع المادي للثورة قد حان..ولا يحتمل التاجيل ( نذكر كلنا البرنامج الذي يثته التلفزة الوطنية على حلقات مثيرة حول الاموال والممتلكات التي تم العثور عليها في قصور الرئاسة وحجم الاموال المهربة. حتى ان البعض شرع في تقسيمها على المواطنين الذين امنوا ان ساعة الثراء المعمّم أزفت وان لا حاجة لهم بعد اليوم الى العمل ).
 وانخرطت المنظمة النقابية الاولى في البلاد"الاتحاد العام التونسي للشغل" في مسار من المطلبية "العنيفة " و"الفوضوية"، حيث تم استسهال اللجوء الى الاضراب وايقاف العمل لابسط سبب وبمزاجية نقابية شخصية احيانا، بما ادى الى توقف الانتاج وانهيار الخدمات الاساسية(النقل والصحة والتعليم والاتصالات ..) وتعطل مصالح المواطنين الذين نقموا على الثورة وعلى الشهيد البوعزيزي الذي سولت له نفسه التضحية بنفسه في سبيل كرامته . وانتهى الامر بالتونسيين الى التهجم على أيقونة الثورة التونسية ورمزها ، والى استنكاف كثير من السياسيين عن استعمال مصطلح الثورة امام الناس خوفا وخجلا.
 لا يمكن فهم السلوك السياسي لاتحاد الشغل بعد الثورة الا ضمن الحسابات المعقدة التي اقتضتها توازناته الداخلية الدقيقة وموقعه الجديد في ثورة أطرتها هياكله الجهوية والمحلية والتحقت بها مكرهة هياكله العليا . لا أحد ينكر ان اتحاد الشغل قام بدور ايجابي وتاريخي في تأطير التحركات الشعبية التي واجهت الة القمع وانتهت الى فتح باب الحرية امام الشعب. ولكن انخراط الاتحاد في اجندة سياسية بعد انتخابات اكتوبر 2011 تستهدف اسقاط حكم الترويكا لم يعد محل جدل ايضا.
الاتحاد منظمة اجتماعية تتحرك في قلب العملية التاريخية في تونس. ساهمت في انتاج المعنى الجديد. معنى الثورة وامكانية التغيير . ولكنه ساهم ايضا في تبديد جزء كبير من هذا الحلم حين تعطلت مصالح الناس الاساسية بفعل الاضرابات العشوائية( الاتحاد أعلن اضرابين عامين وخمس اضرابات عامة جهوية خلال حكم الترويكا وطالب رسميا بحلّ الحكومة يوم 20جويلية 2013 منخرطا بذلك رسميا في برنامج جبهة الانقاذ. قبل ان بقود الحوار الوطني الذي أفضى الى خروج الترويكا وقدوم حكومة التكنوقراط).
ما يعنينا من كل هذا هو الانفصام في الاداء السياسي لاتحاد الشغل بين الاستثمار في حلم الثورة حينا ،والانخراط الواعي  والاضطراري في استراتيجيات تخريب الثورة حينا اخر . ولسنا نقول هذا في سياق اتهام بل في سياق متابعة لأداء منظمة موكول لها تاريخيا انتاج المعنى الاجتماعي في سياق وطني. الاتحاد مطالب اليوم ايضا ان يعيد تشكيل ملامح المشروع الاجتماعي للمجتمع. ليس من منطلق الصراع الاجتماعي التقليدي المطلبي باعتباره ممثلا لقوة العمل في مواجهة  مالكي وسائل الانتاج من دولة وخواصّ ، بل باعتباره أكبر تنظيم اجتماعي تتهيكل في صلبه اوسع فئات المجتمع واكثرها فاعلية سياسية وقدرة على انتاج التغيير . التغيير في الاتجاهين : في اتجاه التقدّم واستكمال الانجاز الثوري ، او في اتجاه الفوضى واجهاض الحلم الذي تربى في احضان المنظمة النقابية زمنا طويلا.
الدولة الجديدة والديمقراطية : خطر الانهيار وفرص النهوض :
يحتدم الان على أرض تونس صراع تاريخي بوسائل مختلفة وعلى واجهات عديدة حول شكل الدولة . الثورة فتحت امام التونسيين باب التاريخ من جديد ، واتاحت لهم فرصة اعادة تشكيل كيانهم التاريخي  والبدء بدمقرطة وجودهم السياسي ، بعد ان شكلوا حالة"استثناء ديمقراطي" كوني (اصبحت فكرة عجز العرب عن انجاز الديمقراطية معطى فكري في ادبيات استشراقية منتشرة).   هذا الصراع يُخاض في عمومه بوسائل سياسية مدنية سلمية. فقد تم اجراء انتخابات تأسيسية سنة 2011 أفرزت مجلسا تأسيسيا عكست تركيبته بدقة عجيبة فسيفساء الفكر والسياسة للمجتمع التونسي. نجح المؤسسون في ظروف محلية واقليمية ودولية متقلبة ومتفجرة في انجاز دستور توافقي شكل ولا يزال سقف العملية السياسية برمتها. ولولاه لما استمرت عملية الانتقال المترنحة نحو الديمقراطية في تونس الى الان . الدستور هو النص القانوني الاعلى الذي "قنّن" الثورة ، ونجح في صياغة تسويات دقيقة وذكية للانقسامات التاريخية التي شقت ولا تزال المجتمعات العربية وحالت دون تقدمها في معارك الاستقلال السياسي والاقتصادي والحضاري.
الدستور التونسي انجاز تاريخي رائد ، ولا يحضر في وعي قطاعات كبرى من المجتمع بالحجم الذي يستحقه.فقد تعرض هو أيضا ، تماما كالثورة ،الى حملة تبخيس ممنهجة قادتها احزاب ومنظمات شككت في جدوى الدستور !! وصورته لدى الرأي العام على انه ترف لا حاجة لنا به ، وانه كلّف المجموعة الوطنية أكثر من طاقتها. كانت عملية تزييف للوعي انخرطت فيها احزاب اليسار الشيوعي خاصة ضمن صراعها مع التيار الاسلامي الحاكم ، والتحق بها اتحاد الشغل حين طالب بحل التأسيسي(بيان 20-07-2013) قبل استكمال الدستور. ولولا صمود الترويكا الحاكمة واصرارها على استكمال كتابة الدستور  لكانت البلاد الان غارقة في الفوضى الشاملة.
وتم من جرّاء هذه الشيطنة الممنهجة للدستور "تزهيد" الشعب في الديمقراطية  والحرية . وكاد الناس ان يخرجوا في مظاهرات للمطالبة بسقوط الديمقراطية !! وانتشر في صفوف قطاعات مهمة من الشعب كره معلن للديمقراطية والحرية (وخاصة في صفوف النخب المحسوبة عبثا على العقلانية والتنوير ، والتي اسفرت عن وجه معاد للحرية وعن قناعات فاشية قاتلة. ولا ننسى ان النازية والفاشية والاستعمار الوحشي للشعوب ...كلها ظواهر نشأت في سياق اوروبي "عقلاني " "تنويري") .
"ادغار موران" (فيلسوف المعنى الانساني الكلي المنفتح على كل قروع الفلسفة ، في زيارته الأخيرة الى تونس ) قال ان ما يحدث في العالم اليوم "لعبة جهنمية"تراوح بين النظام والفوضى ، وان العولمة الزاحفة الة كوكبية تبشّر بالنظام ولكنها تعزّز كل شروط الفوضى والدمار. مع ذلك  يرى- بخبرة فعل فلسفي ممتد على اكثر من نصف قرن – ان الديمقراطية فقط  تضمن سلمية هذا الصراع المجتمعي الباحث عن نقطة توازن في التاريخ .. توازن لن يوجد ابدا الا في حده الخيالي والنظري . تفعل الديمقراطية ذلك رغم هشاشتها الظاهرة، باعتبارها مسالمة ومتسامحة وتؤمن بالانسان جوهرا للتاريخ-
ضمن هذا السياق الكوني المتفجر ، نجحت الثورة التونسية في اقتناص فرصة "عشوائية " من التاريخ وفتحت ثغرة في جدار الظلمة التي رانت على تاريخنا العربي، وطرقت باب الديمقراطية بقوة فاجأت قوى الهيمنة والاستعمار والتغريب والتبعية . وها هي تونس الان دولة  تمتلك الاطار الدستوري المنظم للعملية السياسية وسلطات الحكم . وهو نجاح تاريخي للنخبة والمجتمع التونسي لا يجب ان تطمسه النقائص مهما كان حجمها.
 غير ان مسار بناء الدولة الجديدة ما زال يتطلب استكمال بناء المؤسسات الدستورية التي نصّ عليها الدستور: المحكمة الدستورية ، المجلس الأعلى للسلطة القضائية ، القانون الانتخابي الذي سينظم السلطة المحلية والجهوية ، قانون الانتخابات البلدية ، الشروع في انفاذ العدالة الانتقالية عير هيئة الحقيقة والكرامة، انتخاب الهيئة العليا للاتصال ... كل هذه الاستحقاقات ضرورية لترسيخ الخيار الديمقراطي في تونس نهائيا واستقرار الدولة، ولكنها استحقاقات معقدة ضمن السياق السياسي الحالي  غير المستقر، في ظل حكومة ذات وضع فريد . فهي حكومة ائتلاف حزبي رباعي  مزكّاة من 166 نائبا (من جملة 217 نائب برلماني) وهي أعلى نسبة تحظى بها حكومة منذ الثورة ، ولكنها لا تجد السند السياسي العلني المطلق، ن أي حزب. فحزب نداء تونس الفائز الاول في النتخابات الاخيرة منقسم في موقفه من الحكومة . كل مؤسسات الحزب من تنسيقيات محلية ومكتب سياسي وهيئة تأسيسية وكتلة برلمانية وقيادات ..كلها منقسمة حول الموقف من الحكومة بين اعتبارها خيارا صائبا راعى المصلحة الوطنية العليا وضمن الحد الادنى من الاستقرار الحكومي بضمان تزكية اصوات نواب حركة النهضة للجكومة (والتي لم تكن لتمر دونها) ، وبين من يرى ان التحالف مع النهضة كان خيانة لبرنامج النداء الانتخابي، والذي وعد ناخبيه باخراج النهضة من الحكم فاذا به يتحالف معها في الحكم.
حركة النهضة اكتفت بتمثيلية رمزية في تشكيلة الحكومة(وزير وثلاث كتاب دولة) ، ولكنها تساند الحكومة سياسيا في الملفات الكبرى (مقاومة الارهاب ، المفاوضات الاجتماعية ، العلاقات الخارجية ...) دون ان تغض طرفها عن الانحرافات الممكنة في اداء الحكومة ، والذي  يتأتى من عدم الانسجام في التشكيلة الحكومية وحضور بعض الوزراء بصفتهم الايديولوجية . تدرك النهضة ان سقوط هذه الحكومة سينتج وضعا سياسيا غير قابل للضبط ، فلن تحظى اي حكومة جديدة بتزكية برلمان اكبر كتله منقسمة. والانتخابات المبكرة لا تتحملها البلاد لا ماديا ولا سياسيا ، إذ انها قد لا تجد احزابا مستعدة لخوضها الان ، ولا شعبا يقبل على عملية انتخابية في ظروف اقتصادية واجتماعية حرجة. الحفاظ على التوازن الحالي على هشاشته هو خيار النهضة وربما أغلب عقلاء البلاد.
حتى الأطراف السياسية التي فكرت في لحظة ما في اسقاط الحكومة(وثيقة الجبهة الشعبية) ، فانها لا تمتلك تصورا لما بعد هذه الخطوة المغامرة. لذلك ما لبثت ان عادت الى مربع المعارضة البرلمانية الهادئة ، ربما في انتظار ظرف افضل قد يسمح  باعادة تشكيل تحالفات حكم جديدة تضمن استبعاد النهضة من الحكم..وهو مبلغ "برنامجها".
الدين : معنى تأسيسي ..على حافة اللامعنى :
موقع الدين من تاريخ الانسان عموما ومن التاريخ العربي هو موقع القلب من الجسد. الدين هو المنتج الاول للمعاني الوجودية الكبرى : معاني الأصل والمصير .لن يكف الانسان عن طرح سؤال المصير وعن البحث عن صيغة يعيش بها تفاصيل تاريخه (المعاش)في انسجام مع نداءات روحه المتطلعة الى غيب لا زمني.
أن يُسجن هذا النزوع الروحي للانسان في اشكاليات سجالية عقيمة من نحو العلمانية واللائكية من جهة ، أو تطبيق الشريعة واقامة الخلافة من جهة اخرى ..فهومصادرة لوجود الانسان الحرّ. الانسان المطالب بابداع اشكال "تديّنه" أو "لا تديّنه" في ضوء ميراثه التاريخي ( ومن ضمنه ميراث النبوة) وضمن افق سعي دائب نحو كمال انساني ممكن وواقعي وتاريخي"يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه".
نجح دستورنا في انجاز تسوية واقعية ومتقدمة لموقع الدين في الدولة والمجتمع. استكمال هذه التسوية يقتضي  ان يتحرّر الدين من المقاربات الايديولوجية المتعصّبة في الاتجاهين : نزعة الاستبعاد العنيف التي جربتها مجتمعات كثيرة(الدول الشيوعية التي قاومت التدين بالعنف والقتل، والعلمانية الفرنسية اليعقوبية التي تقصي الدين من الفضاء العام ) ، ونزعة ال"تديين"الشكلاني  الحرفي السلفي للوجود الفردي والجماعي ، بما يعنيه ذلك من استدعاء اشكال قديمة في اللباس والهيئة والقوانين لا علاقة لها بالدين كأفق أخلاقي تتقدم الانسانية في اتجاهه بهدي من عقل وبصيرة. وعندما يصبح الدين بفعل جهد تزييفي تحريفي معقد منجا شديد الفعالية للموت المجاني البشع يصبح مقيما على حافة اللامعنى. ويتطلب جهدا خرافيا لتحريره واعادة المعنى اليه.
خاتمة :
الثورة والدولة والديمقراطية والحرية والدين... ليست مفاهيم معلّقة في سماء المعنى . هي "حاجات" كبرى يتشكل حولها اجتماعنا التاريخي الانساني ..هنا ..والان. تحتاج فاعلين تاريخيين للاضطلاع بمسؤولية تعبئتها بالمعنى ، وتعبئة الناس من حولها.
"كل التحوّلات الكبرى في التاريخ هي عمليات خروج على النظام، لا تفهمه القوى المهيمنة عند حدوثه..اذاك فقط يتبلور التغيّر".(ادغار موران).
في تونس اليوم فرصة للتغيّر والتقدّم. ولكنها فرصة تكتنفها الأخطار من كل الجهات. أخطار الاجندات الدولية الحاضرة بكثافة بفضل العولمة المعلوماتية والمالية الموحدة للعالم ، وهي عولمة لا تستنكف عن ممارسة ابشع انواع العنف والتدمير ان اقتضت  مصالحها ذلك . (والغريب ان بعض محترفي السياسة والكتابة في تونس يتعمدون اغفال هذا المعطى الموضوعي في سياق توظيفهم للظاهرة "الارهابية" في الصراع السياسي والفكري. فيكتفون بتفسير العنف "الارهابي" المعقد تفسيرا تبسيطيا احاديا سطحيا - وهم بذلك يثبتون عجزا معرفيا أو سقوطا سياسيا واخلاقيا لا يتحمله الواقع الهش - فينتجون قراءات عرجاء للواقع تسهم فقط في تغذية الانقسام الاهلي وتخدم موضوعيا اجندات الاستعمار ..بغباء مجاني) .أما أخطار الداخل فتتمثل في اليات التفكير المنتجة  للعنف المدمر من داخل الدين . لنجد انفسنا ، بعد ثورة وحّدت الشعب وعبّأت الشباب تحت شعار الحرية ورفض الاستبداد ، في مواحهة نمط من التديّن المدمّر  نجح في غفلة من الجميع  في استلاب وعي قطاعات واسعة من الشباب وتوظيفها في مشاريع تدمير داخلي تستهدف الثورة والدولة والديمقراطية ..والدين.
ولكن مخاطر التحولات الكبرى لا يجب ان تحجب عنا أفق التاريخ الرحب وأفق المعنى الانساني الذي يغري بالمحاولة ..والفعل. 
 
عن مركز الدراسات الاستراتيجية و الديبلوماسية 
 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك