القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تونس بعد 5 سنوات من 14 جانفي: "ذكرى ثورة" أم "ثورة ذاكرة" ؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2016-01-11 17:42:25 | 132 مشاهدة
 
 مقدمة :
سيكون عسيرا على الثورة أن تقنع الذين قامت من أجلهم بجدواها بعد كل الذي علق باسمها خلال خمس سنوات من مسيرتها. لن تعوزها الحجج ولا البراهين "المنطقية" للدفاع عن "جمالها"، لولا أن دخان القنابل والبراميل المتفجرة وعويل الضحايا بين موتى وجرحى ومهجرين واستباحة أوطاننا أمام القوى الأجنبية وحشرجات اليأس في صدور الشباب..كلها عوامل ستمنع أصوات الصادحين باسم الثورة من الوصول إلى الناجين من "المحرقة".سيكون من قبيل المعجزة أن نجلو قليلا من محاسن الثورات العربية لأبصار يغشيها دخان الحريق الهائل المندلع في كل بلدان الثورات العربية التي انطلقت من تونس منذ خمس سنوات.ومع هذا سنعمد إلى الاضطلاع بما يشبه المعجزة  محاولين التقاط خيوط ضوء وسط هذا الجنون الذي يضرب المنطقة العربية من أدناها إلى أقصاها. لسنا إذن بصدد "ذكرى ثورة" يبشر الكثيرون بانتهائها وبطيّ صفحتها، بقدر ما نحن في تقديرنا أمام "ذاكرة ثورة" تمور في كل طبقات الواقع وفي الصدور وفي العقول ويتطلّع خيالها إلى الغد..رغم هول العاصفة وفظاعة المشهد.
تونس : استثناء البدايات ..والمآلات أيضا
 في غياب البحوث التاريخية والسوسيولوجية الدقيقة ، لن نعدم الجرأة على القول أن انطلاق الموجة الثورية العربية سنة 2011 من تونس لم يكن اعتباطا تاريخيّا. ورغم إقرارنا بأن جزء هاما من الأحداث التي جدّت أنذاك قد تظلّ غائبة عن المؤرخين لمدة طويلة، فإن الفرضيات السوسيولوجية التي سيقت لتفسير اندلاع مسار إسقاط الدكتاتوريات العربية من تونس يمكن اختزالها فيما يلي :
- تحرّر شباب فضاءات التواصل الإجتماعي على شبكة الأنترنات من عقدة الخوف وتجرّئه على الأجهزة البوليسية القمعية بفضل هذا "الإعلام البديل" ، وخروج هذا الشباب من سجن التفكير الحزبي التقليدي الذي اكتفى آخر أيام النظام القديم بالمطالبة ببعض الإصلاحات الشكلية والحريات الجزئية بعد أن يئس من إمكانية تغيير النظام.
- أصبح الشباب المهمّش يمثّل "الطبقة" الأكثر اتساعا في المجتمع والأكثر تضرّراكثر تضرّراأ من الحيف الاجتماعي وهيمنة "الأليغارشية" العائلية والرأسمالية الطفيلية على مقدّرات البلاد الاقتصادية ، إلى حدّ فقدان الشعور بالإنتماء للوطن . لم ينتبه النظام أن هذا الشباب ليس مثقلا بمشاهد القمع والترهيب والسجون زمن بدايات الدكتاتورية سنوات التسعينات ، وليس ملزما بحسابات السياسيين المعقّدة ليؤجل موته الذي كان "يعيشه" يوميا في عرض البحر بحثا عن "حلم" الهروب الى الضفة الأوروبية من المتوسط أو في غياهب المخدّرات والجريمة . كل هذه الظروف  جعلت من الشباب التونسي طاقة تغيير تاريخي عجزت عن ضبطها أجهزة القمع ولم تتوقع الأنظمة السياسية ولا الأحزاب المعارضة قوتها ومداها.
- قيام الاتحاد العام التونسي للشغل بدور محدّد ومصيري في تأطير وتبني الاحتجاجات الشعبية وضمان استمراريتها وتوجيهها الاتجاه السلمي وضمان تعاليها عن الأحزاب واتساع قاعدتها لتشمل أغلب القطاعات العمالية وكل جهات البلاد بحكم الانتشار الجغرافي الواسع للمنظمة العمالية.
- هذا الانتشار السريع أربك أجهزة النظام وأيقظ لدى النخب السياسية التونسية ذات التكوين الثوري حلم التغيير القديم الذي تربت عليه اجيال من الشباب الطلابي وحفظته في أدراج ذاكرتها إلى أن أتاحت لها الجماهير "فرصة" عيشه و"تجريبه".
- هشاشة "الحلقة التونسية" في منظومة السياسة الدولية بسبب افتقادها لثروة استراتيجية كالبترول أو الغاز ، واطمئنان الغرب إلى قوّة النظام الدكتاتوري ونجاحه في ضبط وتدجين واختراق كل القوى السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تدفع في اتجاه تغيير راديكالي للمشهد السياسي . وهذه العوامل مجتمعة ستنضاف اليها أخرى خلال خمس سنوات من السير التونسي الواثق حينا والمترنح أحيانا اخرى نحو ترسيخ مطالب الثورة . عوامل ستجعل من التجربة التونسية مختبرا تاريخيا مهما في التدليل على فاعلية "العقل العملي البراغماتي التوافقي" الذي يميل إلى التسويات التاريخية المرنة على حساب "القطائع" الحادة والجذرية التي تعد بها الثورات ..عادة.
العوامل الجديدة التي تسوّغ لنا الحديث عن خصوصية تونسية ما ، هي :
- بروز "الحركة الإسلامية" ممثلة في حركة النهضة كقوّة سياسية منفتحة على كل الفصائل السياسية الأخرى حين دعت الى حكومة وحدة وطنية بعد فوزها في انتخابات أكتوبر 2011. ورغم كل ما يمكن أن يقال من تسرعها بإعلان ترؤسها للحكومة في ظرف سياسي لم يكن مهيّئا بعد لقبول قيادة إسلامية لتجربة حكم في بلد ذي تقاليد"علمانية" راسخة، فإن ما بشرت به الثورة من تراجع الشعار الإيديولوجي لصالح الشعار الوطني الجامع ، وحجم الفوز الانتخابي (89 مقعدا من جملة 217 ، أي 41% من المقاعد) الذي ينبئ برغبة جماهيرية جامحة في "تغيير" الطبقة السياسية القديمة ، حجب عن حركة النهضة تعقّد مهمّة الحكم في محيط وطني واقليمي ودولي يمر بمرحلة تحوّل تاريخي جذري ، ولا يمكن أن تواجه استحقاقاته إلاّ بأعلى درجات الوحدة الوطنية .
- هذه الوحدة الوطنية تجسّدت في تونس كأرقى ما يكون في ما عرف ب"الحوار الوطني" الذي انطلق في مناخ من الانسداد السياسي والانقسام الاجتماعي أشرفت معه البلاد على شفا حرب أهلية كادت تنهي مسار التأسيس الديمقراطي وتزجّ بها في أتون الفوضى والاحتراب الاهلي بعد عمليتي إغتيال سياسي وعمليات "إرهابية" طالت قوى الجيش والأمن ، وبعد اندلاع موجات من الإضرابات العمالية طالت كل القطاعات ، ومن الاحتجاجات العشوائية المطالبة بالتشغيل الفوري للجميع وبالعدالة الجهوية والتنمية ، بما عطل آلة الإنتاج بصورة شبه كلية ووضع البلاد على حافة الانهيار الاقتصادي واضطر الحكومات المتعاقبة الى التداين المفرط ومزيد الارتهان الى الخارج. و في هذا المناخ نجح رباعي من المنظمات الوطنية (بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل) في تجميع فرقاء السياسة ضمن مسار من الحوار السياسي المعقّد والهشّ انتهى بتشكيل حكومة كفاءات وطنية أشرفت على إنهاء المرحلة التأسيسية التي كانت متوقفة ، فتمّ إقرار دستور توافقي شاركت في صياغته قطاعات مجتمعية كبيرة  وحظي بشبه إجماع سياسي ، وتم تشكيل هيئة مستقلة للانتخابات أشرفت على  انتخابات تشريعية ورئاسية أواخر سنة 2014 في ظروف صعبة. وهي انتخابات أفرزت خارطة سياسية جديدة وتوازنات حزبية "معقّدة" تصب كلها في تأكيد "طرافة" المشهد السياسي التونسي واستمرار تفاعلاته المفاجئة بما يكرّس صبغة "الخصوصية" التي لازمته منذ انطلاقه.
هذه الخصوصية هي التي سوّغت للمراقبين الحديث عن "استثناء تونسي" ( رغم الإختلاف الحاصل حول معنى ومقتضيات هذا الاستثناء بين من يعتبره نتاج ذكاء تونسي جماعي ومن يراه مختبرا غربيا لإنفاذ أجندة دولية لاختراق المنطقة العربية..وهو حديث ليس هذا مجال التفصيل فيه) تمّ تثمينه دوليا بحصول الرباعي الراعي للحوار على "جائزة نوبل للسلام".  نوبل للسلام )مهما اختُلف حول خلفيات إسنادها لتونس) تظلّ رأسمالا معنويا ونفسيا وسياسيا يجب استثماره لهندسة حضور تونسي عربي اسلامي جديد في التاريخ الانساني الذي يتشكّل من جديد. حضور من بوّابة الديمقراطية المتصالحة مع هوية دينية أريد لها أن تكون نقيضا للحداثة والتقدم والعقلانية ويجري تصويرها الان على أنها منتجة ل "إرهاب اسلامي جهادي دموي".
-"الإرهاب" هو المعطى الطارئ على المشهد السياسي الوطني والدولي ، وهو النقيض الموضوعي للمسار الوطني التوافقي الذي يبحث عن شروط استمراره في محيط من التجاذب الحزبي والإيديولوجي تونسيا ومن الجنون "الطائفي الاستبدادي الأصولي" في الجناح الشرقي للوطن العربي. هذا المعطى المقحم على أجندة الثورة أصبح يهدّد كيان الدولة ويزحف على مقوّمين أساسيين من مقوّمات كينونتنا التاريخية هما : الدين والشباب. مقوّمان كانا مصدر قوّة وجذرية التحوّل الثوري الذي انطلق من تونس منذ خمس سنوات، ولكنهما يوشكان ان يتحوّلا إلى الخاصرة الرخوة و"عقب أخيل" الثورة.
الدين الذي أثبت السلوك السياسي لحركة النهضة أنه يمكن ان يكون مرجعية تفكير وسلوك سياسي ديمقراطي حداثي تنويري إنساني ، هو نفس الدين الذي تتخذه تيارات عنفية وحشية انقلابية تدميرية مرجعية إيديولوجية لها. هذا التنازع على الدين ذهب بكثير من زخمه الروحي وطاقته البنائيّة ، ولو إلى حين.
أما المقوّم الشبابي للثورة فقد وقع تحييده وتوظيفه بكثير من الدهاء الإجرامي الذي تتحكم فيه القوى المضادة للثورة. التحييد أمنته الآلة الإعلامية التي ظلت تحت هيمنة لوبيات المال والفساد القديمة ، بالإستثمار في ترويج صورة كريهة ومنفرة للسياسة والسياسيين . ونجحت في هرسلة الوعي الشبابي الهشّ بشيطنة كلّ الرموز الوطنية التي كانت تحتاجها الثورة في مرحلة التجديد السياسي ، وصوّرتهم  جميعا على أنهم وصوليين وانتهازيين ويسعون لخدمة مصالحم الخاصة . هذه الهرسلة الإعلامية أيّست الناس والشباب خاصة من السياسة وفتحت الباب واسعا أمام توظيف هذه الطاقة الديمغرافية الهائلة في مشاريع التدمير الداخلي الذي مثلته كأبلغ ما يكون الظاهرة السلفية الجهادية المتوحّشة . ظاهرة أصبحت تلعب دور "حصان طروادة" لاستهداف مشاريع البناء الديمقراطي والنهوض الحضاري الذي بشرت به الثورات العربية .
هل أصبحت الثورة ذكرى ؟ أم نحن أمام فرصة لتثوير ذاكرتنا؟
لسنا بصدد تقييم حصاد الثورة في تونس لأن الزمن الجديد لا يتيح لنا ترف الإلتفات إلى الوراء لاستعادة "ذكريات" يوميات الثورة المختلف حولها. ولكننا اكتفينا بتسجيل ما يطفح على سطح تاريخنا الحاضر من تفاعلات لا اختلاف حول عمقها وجذريتها.
الثورة التونسية غيّرت ثوابت الأدبيات السياسية الثورية الكلاسيكية ، وبزغت من قلب عجز تاريخي كاد يصبح قدرا عربيا إسلاميا أبديا. وما يحدث على امتداد خمس سنوات من تاريخنا الجديد يؤكّد أن قوى كثيرة محلية وإقليمية ودولية شحذت وتشحذ كل أسلحتها لتجعل من الثورة "ذكرى" مُرّة يخجل أعتى الثوريين من ذكرها. وهذا وحده دليل على خطورة ما بشرت به الثورات العربية الجديدة من تحوّلات جذرية في بنية التفكير والاجتماع العربي الاسلامي. كان شعار الثورة في انطلاقتها أواخر 2010 هو "الشعب يريد". تلك الإرادة التي صادرها الاستبداد السياسي الدموي والتأويل السلفي التحريفي للدين والوعي الإيديولوجي الفئوي، نجحت الثورة في إحياء جذوتها فيما يشبه المعجزة. معجزة وملحمة بما هي لحظة التقاء نادر الحدوث بين الميتافيزيقيا والتاريخ. بين الانفعالات و"الأشواق" الذاتية الغامضة المعبّر عنها ب"الحرية" من جهة، و"الواقع" العملي الذي يشهر أمامنا ضروراته وحتمياته الموضوعية من جهة أخرى.
لحظة الثورة هي تلك المسافة التي تتخلخل فيها صلابة الواقع تحت ضغط فكرة الحرية ، الفكرة الجوهرية (بالمعنى الهيجلي).
بهذا المعنى لن تكون الثورة ذكرى حدث مضى ، وإنما هي ذاكرة تمضي في اتجاه المستقبل ،هي جدل وصيرورة تاريخية عصية على التوقّع والتخطيط. لذلك نحن لا نحتفل ب"ذكرى" مضت ، وإنما " نتذكّر" ما يلزمنا لصناعة مستقبل اختلفنا حد التقاتل في الطريق اليه ، وحين دلّتنا على بابه الثورة ها هي مشاريع التدمير تتكالب عليه من الخارج ومن الداخل أيضا.
خاتمة :
قد يكون الزلزال التاريخي الذي أطلقته الثورات العربية أعنف من توقّعاتنا ومن احتمالنا (حجم الدمار الذي يحدث الان في سوريا يفوق الخيال ، وغير بعيد عنه ما يجري في العراق واليمن وليبيا وفلسطين) ، ولكن ربما كان "إجماع" ثقافات العالم كلها على "جمال" و"قداسة" الموت من أجل الحرية يحدّ قليلا أو كثيرا من عبثية المشهد العربي والانساني عموما اليوم.
قد تكون "شعرية" هذه الفكرة مثيرة للغرابة في سياق التحليل السياسي ، ولكن "احتمالية" حضور الإنسان في التاريخ فردا أو جماعة حقيقة تكاد تكون أزلية.
وليس أمامنا إلاّ أن نخوض إمكاناتها وغموضها بكثير من...الحلم والخيال.
لم يمرّ من زمن الثورة إلاّ مقدار ما يلزمها لتبدأ ، وما بقي على استكمالها هو ما  سيكفينا لنستأنف وجودنا في التاريخ.
 
عن مركز الدّراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.
 
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك