القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

توصيات صندوق النقد و تعميق الأزمة  التونسية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-04-13 09:44:00 | 13851 مشاهدة

 

خلاصة

أوصى صندوق النقد الدولي، في بيانه بتاريخ 26 مارس 2018، الحكومة التونسية بإتباع جملة من الإجراءات تخصّ السياسة الجبائية والسياسة النقدية وكذلك المالية العمومية. وقد انطلقت الحكومة التونسية في تنفيذ جزء منها في أواخر شهر مارس من هذا العام وذلك بالزيادة في أسعار الوقود كدفعة أولى من الإجراءات التي من شأنها أن تسرّع في وتيرة التضخم المالي وتدفع المنظمة الشغّيلة الى المطالبة بالزيادة في أجور الموظفين وهو ما سينعكس سلبا على موازنة الدولة ويدفع بها الى مزيد اللجوء الى الديون الخارجية.

مقدمة

تمرّ تونس هذه الأيّام بمنعرج خطير بعد صدور البيان الأخير للمكتب التنفيذي لصندوق النقد الدولي بتاريخ 26 مارس 2018 في إطار المراجعة الثانية لاتفاق "تسهيل الصندوق المدد" والذي تمّ بموجبه منح تونس مبلغ 257.3 مليون دولار أمريكي ليصل مجموع المبالغ التي صرفت 919 مليون دولار على قرض قيمته 2.98 مليار دولار وهو ما يمثل تقريبا الثلث. وبطلب من الحكومة التونسية، قرّر صندوق النقد الدولي أن تكون المراجعات ربع سنوية بدلا من جدول المراجعات الحالي والذي يقوم على أساس نصف سنوي ممّا يتطلب تسريع نسق الإصلاحات الكبرى والحال أن هذه الأخيرة أصبحت موضع جدل بين الحكومة من ناحية والمنظمة الشغيلة من ناحية أخرى.

اجراءات الصندوق تدفع الى مزيد التضخم المالي

تمحورت الإجراءات التي طلب صندوق النقد الدولي من الحكومة التونسية تنفيذها حول سبع نقاط هامة تخص سياسة الصرف والسياسة النقدية من ناحية والمالية العمومية من ناحية أخرى. فبخصوص سياسة الصرف، يطالب الصندوق المواصلة في تطبيق السياسة المرنة لسعر الصرف حيث يرى أن الدينار التونسي لا يزال فوق قيمته الحقيقية في حدود 10 أو 20 %. وفي السياسة النقدية، ينصح الصندوق بمواصلة الترفيع في نسب الفائدة المديرية كأداة للسياسة النقدية الحذرة والتي تمكّن من الحدّ من القروض المتوجهة للاستهلاك. كما ينصح الصندوق بزيادة الايرادات الضريبية وانتهاج نفس السياسة الجبائية المتوخاة في قانون المالية لسنة 2018 مع زيادات ربع سنوية في أسعار الوقود للحد من كلفة الدعم وضرورة الانتهاء من قاعدة بيانات الأسر محدودة الدخل لتوجيه الدعم الى مستحقيه. إضافة الى ذلك، يطالب صندوق النقد الدولي الحكومة التونسية بعدم عدم إجراء أي زيادة في أجور الموظفين والقيام بإصلاحات عادلة ومستدامة في معاشات التقاعد.

والمتأمل في جملة الإجراءات المطلوبة من الصندوق، يلاحظ مدى التضارب والتناقض فيما بينها أولا وبينها وبين الأهداف التي حدّدها "إتفاق الصندوق المدّد" في البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لحكومة الشاهد (2017-2020) ثانيا.  فمواصلة تراجع قيمة الدينار بمفعول السياسة المرنة لسعر الصرف وزيادة الإيرادات الضريبية، إذا أخذت شكل الزيادة في النسب الضريبية أو إحداث ضرائب أخرى والزيادات ربع السنوية في أسعار الوقود سيسرّع في وتيرة التضخم المالي الى مستوى غير مسبوق إذ أثبتت تجربة 2017 (تراجع قيمة الدينار) وتجربة 2018 (الزيادة في نسب الأداءات في قانون المالية 2018) ذلك حيث ارتفعت نسبة التضخم المالي لأول مرة بأكثر من نقطتان (من 4.2% سنة 2016 الى 7.6% في مارس 2018). وقد تتجاوز هذه النسبة حدودا غير معقولة خلال الأشهر القليلة القادمة بمفعول هذه الإجراءات والتي بدأت الحكومة في تطبيقها في نهاية شهر مارس من هذا العام. فالمحروقات مادة أولية تستعملها كل المؤسسات الاقتصادية ووسائل النقل الخاصة والعامة ويجعل من الترفيع في سعرها مصدرا مهمّا في التسريع في نسق ارتفاع الأسعار بكل أنواعها، وما إضراب أصحاب سيارات التاكسي هذه الأيّام للمطالبة بالزيادة في تعريفة النقل إلا دليل على ذلك. وقد يهدد استمرار ارتفاع الأسعار استقرار المناخ الاجتماعي ويعطي الشرعية اللازمة للمنظمة الشغيلة للمطالبة بزيادات مشطّة في الأجور تجعل من احترام الإجراء المتعلق بتجميد أجور الموظفين أمرا مستحيلا. وبالتالي فالتزام الحكومة التونسية بالتقيد بهذه الإجراءات المطلوبة من صندوق النقد الدولي قد لا يساعد على تهيئة المناخ الاجتماعي اللّازم لتأمين مسار الانتخابات البلدية في بداية شهر ماي القادم، المحطة المتبقية والهامة في مسار الانتقال الديمقراطي.

الدعم لا يشمل فقط العائلات محدودة الدخل

وإذ تعتبر قاعدة بيانات الأسر محدودة الدخل ضرورة قصوى لترشيد الدعم وتوجيهه الى مستحقيه، إلّا أنّ الأسر الفقيرة ليست وحدها المعنية باستهداف الدعم، بل أن هذه الشريحة ليست معنية بالمرّة عندما يتعلّق الأمر بدعم المحروقات، وهو الجزء الأكبر في المبلغ المخصص للدعم في موازنة الدولة. فعندما يتعلّق الأمر برفع الدعم عن المحروقات، فإن الطبقة المتوسطة تكون المتضررة الأولى خاصة وأن نظام الدعم، الذي ركّزه السيد الهادي نويرة، رئيس الحكومة التونسية في السبعينات، كان من العناصر الأساسية لمنوال تنموي يعتمد المزايا التفاضلية لليد العاملة الرخيصة والتي لا تتطلب أجرا مرتفعا وهو ما مكّن تونس آنذاك من جلب عديد المستثمرين الخواص من داخل البلاد وخارجها. ومع تزايد خريجي الجامعات والمدارس العليا، أصبحت العمالة أكثر كفاءة ولم يعد بمقدورها قبول أجور منخفضة كما كانت في السابق ممّا يتطلب مراجعة كاملة للمنوال القديم القائم على اليد العاملة الرخيصة وبالتالي لكل مكونات هذا المنوال ومن بينها الدعم،فمراجعة الدعم تتطلب مراجعة أيضا مراجعة لمستوى الأجور.

التسابق بين نسبة التضخم ونسبة الفائدة

يطالب صندوق النقد الدولي، الترفيع في نسبة الفائدة المديرية كلما ارتفعت نسبة التضخم المالي حتى تكون نسبة الفائدة الحقيقية موجبة. ومع النسق التصاعدي للتضخم المالي الذي يشهده الاقتصاد التونسي منذ بداية السنة الفارطة علاوة على الإجراءات التضخمية التي ينصح بها صندوق النقد الدولي، فإن الانعكاسات ستكون وخيمة على قدرة العائلات التونسية على استرجاع ما تخلّد لديها تجاه المؤسسات البنكية ممّا قد يجعل من قدرتها على السّداد أمرا مشكوك فيه في ظلّ هذا التسابق بين نسبة التضخم المالي ونسبة الفائدة المديرية وقد يحدث هذا التسابق أزمة سيولة قد تعصف بالقطاع البنكي في قادم الأشهر أن لم تتخذ الحكومة التونسية الإجراءات الكفيلة لتفادي ذلك. إضافة الى ذلك، فإن قطاع البناء والأشغال العامة وما يتبعه من قطاعات متّصلة كصناعة مواد البناء والخزف والبلور سيتأثر سلبا من جراء تنفيذ هذا الإجراء، وقد يكون قطاع التجارة المتضرر الأكبر وهو الذي يعتمد أكثر من غيره على نظام التسهيلات في الدفع والذي يعتمد أساسا على مستوى متدني لنسبة الفائدة.

ماذا يحدث إن لم تنفّذ الحكومة تعهداتها مع الصندوق

من المؤكد أن للإجراءات الجديدة المقترحة من صندوق النقد الدولي انعكاسات وخيمة على التضخم المالي وعلى المالية العمومية، إلا أن رفضها من طرف الحكومة التونسية قد يعرّض ميزانية الدولة الى مزيد من الهزّات قد تكون عواقبها وخيمة على التوازنات المالية الداخلية. وقد يؤثر قرار إيقاف الأقساط المتبقّية من القرض من طرف صندوق النقد الدولي على المانحين الدوليين من الاتحاد الأوروبي والبنك الافريقي للتنمية وغيرهم ويرفّع تكلفة الاقتراض من الأسواق المالية العالمية ممّا قد يسهم في المسّ من منسوب ثقة الفاعلين الاقتصاديين في التزام الحكومة بتعهداتها الداخلية والخارجية ويخلق مناخ اجتماعي متوتر وغير ملائم لتأمين مسار الانتخابات البلدية القادمة.

الخاتمة

إن قبول الحكومة التونسية بالتعهدات الجديدة لصندوق النقد الدولي الموثّقة في بيانه الأخير بتاريخ 26 مارس 2018 قد يعمّق الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس حاليا، لكن رفض هذه الاجراءات قد يعرّضها الى إيقاف الأقساط المتبقية من القرض مما قد يؤثر سلبا على موقف المؤسسات المانحة الأخرى. وبالتالي، لا بد أن تكون للحكومة قوة تفاوض مع صندوق النقد الدولي حول الأهداف المرجوة، فعندما يشترط الصندوق نسبة فائدة حقيقية موجبة، فالأجدر اتباع سياسات تحدّ من التضخم المالي كتحفيز الاستثمار الخاص والحدّ من التهريب والاحتكار ومسالك التوزيع وهيكلة القطاع الموازي عوضا عن الترفيع في نسب الفائدة المديرية والتي تؤثر سلبا على الاستثمار الخاص وبالتالي على النمو الاقتصادي. وعندما نتحدث عن التقليص من حجم الأجور من الناتج المحلي الإجمالي، فمن المفيد أن تتوجه السياسات الاقتصادية نحو دفع النمو الاقتصادي عوضا عن تجميد الأجور إذ لا يعقل مطالبة المنظمة الشغّيلة بقبول مستوى الأجور الحالية والحال أن مستوى التضخم المالي مرتفع ومرشح لمزيد الارتفاع عند التقيد بالإجراءات الجديدة المطلوبة من الصندوق.

 

الدكتور  رضا الشكندالي

 

 

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك