القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تعليق " قرطاج 2" واستباق  انتخابات   2019

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-05-31 13:41:00 | 387 مشاهدة

ملخّص

لم يتوفّق رئيس الحكومة يوسف الشاهد في طمأنة التونسيين وفتح أبواب الأمل أمامهم في تجاوز الأزمة السياسية التي تمرّ بها تونس بعد قرار رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، في اجتماعه برؤساء الأحزاب والمنظمات الوطنية، تعليق النقاش حول وثيقة قرطاج2. وزادت كلمة الشاهد مساء الثلاثاء 29 ماي 2018 على ما يبدو، في تعقيد الأمور وتوتير الأجواء. ممّا يضيف الأزمة السياسية إلى الأزمة الاقتصادية، وتجعل المشهد السياسي التونسي على صفيح ساخن، تدلّ مؤشرات عديدة على أنّ تعقيداته ذات علاقة غير خافية بنتائج بلديات 2018 وبالزمن الانتخابي لاستحقاق 2019 الذي بدأ مبكّرا. 

مقدّمة

  لم يكد التونسيون يتنفّسون الصّعداء بعد إنجاز الانتخابات البلدية، ولم يهنأوا بعد بهذا الإنجاز الهام في تعزيز الديمقراطية، حتّى تفجّرت أزمة سياسية حادّة ، أعادت مناخ الشك  حول المستقبل. فقبل أن تعلن الهيئة العليا للانتخابات النتائج النهائية للبلديات ليبدأ الشوط الثاني وهو الأصعب في تركيز مجالس بلدية تأكد أنها ستكون تعددية وستخضع رئاستها وتوزيع المسؤوليات فيها للتحالفات، أفاق التونسيون على خبر تعليق العمل بوثيقة قرطاج صباح الإثنين 28 ماي 2018 بعد تعذّر اتّفاق أطرافها حول طبيعة التغيير الحكومي المطلوب. ثم جاءت كلمة رئيس الحكومة  مساء اليوم الموالي لتزيد الأمور تعقيدا، بعد تعرّضه إلى مشكل قيادة حزب نداء تونس وعلاقته بالأزمة السياسية في البلاد ومهاجمته للمدير التنفيذي حافظ قائد السبسي. وتشهد الهيئة العليا للانتخابات بالتوازي بوادر أزمة حادة بعد مطالبة أعضاء مجلسها بإقالة رئيسها محمد التليلي منصري. وهكذا تجمّعت في وقت وجيز عناصر أزمة سياسية تضاف إلى الأزمة الاقتصادية، لتجعل المشهد السياسي التونسي على صفيح ساخن تدلّ مؤشرات عديدة على أنّ تعقيداته ذات علاقة غير خافية بنتائج بلديات 2018 وبالزمن الانتخابي لاستحقاق 2019 . 

 الشّوط الثاني من البلديات

باحت صناديق الاقتراع للانتخابات البلدية ليوم 6 ماي 2018 بأسرارها، وبعد إعلان الهيئة العليا للانتخابات عن النتائج الأولية في انتظار النظر في الطعون، استمرّ الجدال في المنابر الإعلامية والسياسية حول تحديد الفائزين والخاسرين. ويبدو أنّ هذه المفارقة التونسية بامتياز، تعكس حجم الانقسام المستمر في صفوف النخب خاصة. فرغم مبادرة جهات وازنة في الداخل والخارج بالإشادة بالمُنجز التونسي على طريق الاستثناء العربي، وتهنئة رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي بتصدّر حزبه وفوزه المستحقّ في هذه الانتخابات، رغم ذلك يستمر الخصوم الأيديولوجيون والسياسيون في التشكيك في فوز النهضة والاستنقاص منه، أو محاولة تحويله إلى هزيمة. وبعد معركة تأويل أرقام النتائج باحتساب النسب من الأصوات والمقاعد، تبدو معركة انتخاب رؤساء المجالس البلدية وأهم المسؤوليات بها، شوطا ثانيا ساخنا من الانتخابات البلدية، وهو شوط سياسي بامتياز، تدلّ المؤشرات الأوّليّة على أنّه سيكون اختبارا صعبا للحكم المحلي في خطواته الأولى. جاءت المجالس تعدّدية، لا غلبة فيها لطرف، كما يقتضي ذلك النظام الانتخابي المعتمد، عدى حالات استثنائية، وهذا خيارمحمود في تجارب الانتقال الديمقراطي. وبسبب قوانين استبقت النتائج، على غرار القانون الانتخابي الذي لا يجعل رئاسة البلدية آليا للقائمة المتصدّرة، بل يفرض في الفصل 117 منه، انتخاب المجلس للرئيس من بين المترشحين من رؤساء القائمات الفائزة. كما ينتخب المجلس في جلسته الأولى مساعدي الرئيس على أن لا يتجاوز عددهم الأربعة كما نصّ على ذلك الفصل 145 من مجلة الجماعات المحلية. واشترط الفصل 7 أن " يكون الرئيس والمساعد الأول من جنسين مختلفين.  ويكون سنّ الرئيس أو أحد المساعدين الأوّلين أقلّ من خمس وثلاثين سنة". وهذا مكسب آخر. واعتبارا لهذه المقتضيات القانونية انطلقت اتصالات ومفاوضات محمومة بعد ساعات من إعلان النتائج، لإبرام التفاهمات حول رئاسة البلديات والمساعدين وحتى رؤساء بعض اللجان. ورغم الطابع المحلي للمجالس البلدية، فقد سارعت أحزاب سياسية إلى إعلان شروط أو خطوط حمراء لإدارة المفاوضات وإبرام التفاهمات. وعادت أجواء التجاذبات والمزايدات ولم تخل بعض التصريحات والبيانات من تشنّجات ردود أفعال عن النتائج. وقد زاد موقف نداء بعدم التحالف مع النهضة المشهد تعقيدا، خلافا لما كان متوقعا قبل الانتخابات.  وستكون للتفاهمات حول البلديات تداعياتها على المفاوضات حول التغيير الحكومي المؤكد والعكس بالعكس. ويبدو الخلاف الجديد بين النهضة والنداء حول الموقف من تغيير رئيس الحكومة عنصرا إضافيا في تعقيد التفاهمات حول المجالس البلدية. ومهما احتدّت التجاذبات فإنّ ما يجب أن ينتبه إليه من نالوا ثقة الناخبين هو أنّ رئاسة البلدية ليست أهم ولا يجب أن تتم عل حساب ضمان الاستقرار والنجاعة بالمجلس ليكون على أكبر قدر من التفاهم والفاعلية في اتخاذ القرارات الخادمة لمصالح المتساكنين مهما اختلفت آراؤهم واختياراتهم الانتخابية. وأنّ رئيس البلدية أو المجلس البلدي لا يحتفظان بنفس الدور والصلاحيات والصورة القديمة، في ظلّ حكم محلي يعتمد التشاركية والشفافية. كما أنّ صيغ التفاهم والتعايش والتعاطي داخل المجالس البلدية المنتخبة ستكون محدّدة في النتائج العاجلة للبلديات ووقعها على حياة الناس اليومية وستؤثر في نظرة عموم المواطنين للحكم المحلي الجديد ولمدى إقبالهم على الاستحقاقات الانتخابية القادمة سواء الجهوية أو الوطنية، وخاصة التشريعية والرئاسية في 2019 ومستقبل المتنافسين عليها.

مأزق قرطاج 2

 حافظ المشهد الحزبي على ملامحه العامة بعد بنتائج بلديات 2018، كاشفا الفجوة بين حزبي النهضة والنداء المتقدّمين بفارق شاسع عن بقية الأحزاب. وكان التصويت إليهما تصويتا مجدّدا للتوازن الحزبي ولسياسة التوافق التي يفرضها النظام الانتخابي نفسه. وأكّدت النتائج بعد مرحلة الترشّحات، الحاجة الأكيدة إلى مراجعة الخريطة الحزبية التي لم تعد تتّسع لهذا العدد المعلن على الأوراق فقط، ولهذه المشاركة التي لا تعكس منافسة جدية. وكانت المفاجأة الأهمّ في عدد القائمات المستقلة المشاركة وفي حصول بعضها على نتائج باهرة في بعض الدوائر البلدية، بما يبعث برسائل هامة للمشهد الوطني عموما، وبما يعزّز الأمل  وقد يشجّع على مشاركة أرفع في الاستحقاقات التشريعية والرئاسية لسنة 2019. حقّقت حركة النهضة مكاسب نوعيّة في هذه البلديات قد تكون لها آثار أفضل فيما يليها من انتخابات إذا أحسنت متابعتها واستثمارها. إذ كانت للشروط القانونية الموضوعية في إشراك النساء والشباب خاصة، وللقرار الذاتي  بالانفتاح على الكفاءات المستقلة في نصف قائماتها، آثارا واضحة في تغيير الصورة النمطية عن النهضة وتوسيع شرائحها الانتخابية وتقدّمها في أغلب المدن الكبرى التونسية، وكسبها النتائج في مواقع غير تقليدية لها، بما أظهرها أكثر من أي وقت مضى كحزب وطني. فكان التجديد للنهضة من جديد بعد تجربة صعبة في الحكم  في ظروف انتقالية استثنائية. وفي المقابل تأخّر حزب نداء تونس، لكنه صمد وحلّ ثانيا في بلديات 2018 وحافظ على التوازن مع حزب حركة النهضة الحائز على المرتبة الثانية في انتخابات 2014، والمرتبة الأولى في بلديات 2018. فقد تشقّق النداء وتفرّق رصيده الانتخابي بين شظايا أحزابه والمتمرّدين عليه، وبدا تراجعه مفهوما. اعتبارا لما عاشه من ظروف صعبة جدّا.

تأجّل النظر في التغيير الحكومي الذي طالبت به أطراف عديدة وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل، إلى ما بعد الانتخابات البلدية. وتمّ الاتفاق في الأثناء على إعداد برنامج إنقاذ للوضع الاقتصادي والاجتماعي الخطير في أفق الاستحقاق الانتخابي لسنة 2019. وتشكلت لجنة من خبراء ممثلين لمختلف الأطراف الحزبية والمنظمات الوطنية المشكّلة لحكومة الوحدة الوطنية للتكفل بذلك، واستغرقت نحو شهرين لإنجاز المهمة، فكانت وثيقة قرطاج 2. لم يحصل اتفاق على توقيع الوثيقة بعد استكمال صباغتها. إذ بعد تذليل الخلافات حول المسائل الاقتصادية والاجتماعية، تبيّن أنّ خلافا سياسيا حادّا حول طبيعة الحكومة المطلوبة لتنفيذ المقترحات ومصير يوسف الشاهد كان وراء الـتأجيل المتكرر. ففي حين استطاعت لجنة الخبراء تذليل الخلافات حول مقترحات الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية المتأكدة، والتي بدت كثير منها حثّا على تنفيذ مشاريع معطلة أو تفعيل قرارات اتخذتها الحكومة الحالية ولم تمض فيها بعيدا، فإنّ اللجنة وجدت صعوبة حقيقية في المرحلة الأخيرة في الاتفاق حول المسألة السياسية. فبعد التوافق على التنصيص على عدم ترشح أعضاء الحكومة المقبلة لانتخابات 2009 التشريعية والرئاسية، وأنّهم سيتفرغون لإنجاح برنامج الإنقاذ الاقتصادي، أصرّ اتحاد الشغل وحزب نداء تونس على إضافة ما يفيد ضرورة تغيير رئيس الحكومة، وهو ما لم يجد توافقا  مع حركة النهضة. فكان مأزق قرطاج2.  وهكذا نتبيّن مرّة أخرى أنّ المسألة السياسية، على صغر الحيز الذي أخذته بالوثيقة، تظلّ ذات أولوية. فقد تضمّنت وثيقة قرطاج2 64 نقطة ، كانت 63 منها مقترحات عملية هامة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي أساسا، لتحسين مناخ الاستثمار والحدّ من التضخّم وغلاء الأسعار، وتحقيق التوازن للمالية العمومية ومحاربة الفساد وجودة الحوكمة وإنجاح الإصلاحات المتأكدة في المؤسسات العمومية خاصة. وكانت النقطة الأخيرة 64 سياسية متعلقة بالحكومة القادمة .

         وإن بدا الشرط الأوّل  بعدم الترشح المتّفق عليه، غير ديمقراطي ولا متعارف عليه في العالم، فإنّه يظلّ معلّلا منطقيا في تجربة انتقال ديمقراطي مخصوص بتونس.  وقد سبق اعتماد هذا الشرط في حكومة الباجي الأولى سنة 2011 وفي حكومة المهدي جمعة في سنة 2014. فالحاجة متأكدة إلى تفرغ الحكومة لإنجاح برنامج الإنقاذ الاقتصادي خاصة، وهذا ما سبق أن أشار إليه خلال الصائفة الماضية  الشيخ راشد الغنوشي في تصريح مشهور له حول رئيس الحكومة الحالية، حين اقترح أن يعلن النأي بنفسه عن الأجندة الانتخابية لسنة 2019، جوابا على ما دار آنذاك من احتمال تغييره على رأس الحكومة. وها أنّ ما أثار ضجة آنذاك قد صار مقبولا الآن بل وتوسّع ليشمل كافّة الأعضاء وليس رئيس الحكومة فقط. وفي كل الأحوال لا تخفى العلاقة بين هذا الشرط وأجندة الاستحقاق الرئاسي لسنة 2019. أمّا الشرط الثاني المختلف فيه المتّصل بضرورة تغيير رئيس الحكومة، فيبدو غير معلّل بما يكفي، ويرى فيه البعض مسّا بالاستقرار السياسي الذي تحتاجه البلاد  في هذه المرحلة الدقيقة، لتحسين شروط التفاوض مع الجهات المالية المقرضة والمانحة، والمضيّ في الإصلاحات الكبرى التي تأخّرت كثيرا، واستخلاصا من تجارب سابقة في تغييرات متتالية للحكومات، أضاعت وقتا على البلاد دون أن تحقّق المأمول منها. فقد تغيّر رؤساء الحكومات ولم يتغيّر الوضع إيجابيا بل ازداد سوءا. ومهما كانت الانتقادات لأداء حكومة الشاهد، فإنّه يُسجّل لها بعض النجاحات لا سيما في أولوية مكافحة الإرهاب وهزمه، وتحسين مؤشر التنمية الوطني الذي تجاوز مؤخرا 2.5 %  لأوّل مرة منذ سنة 2015، إضافة إلى النجاح في تأمين الانتخابات البلدية.

  لكن من جهة أخرى فإنّ الاستقرار المطلوب قد لا يضمنه بقاء الشاهد، إذا تصدّع التوافق بين أطراف وثيقة قرطاج. فقد هدد الاتحاد العام التونسي للشغل باحتمال خروجه من وثيقة قرطاج 2، فضلا عن أن تحذو بعض المنظمات الأخرى حذوه. فلطالما ردّد رئيس الجمهورية نفسه في أكثر من مناسبة، أنّ مشاركة اتحاد الشغل ضرورية ولا معنى لحكومة وحدة وطنية في غياب دعمه لها. وقد تأسّست سردية الاستقرار بعد تغيير حكومة الحبيب الصيد، على  حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة على وثيقة قرطاج، مما يجعل انسحاب الاتحاد بعد انسحابات حزبية سابقة أقل وزنا، ضربة موجعة لفكرة الوحدة الوطنية والاستقرار. فضلا عمّا سيسبه ذلك لاحقا من احتمالات تصادم بين الحكومة والاتحاد، ستكون لامحالة من أهم نتائجه تعطيل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تظل أولوية وثيقة قرطاج 2.وكان على راعي حوار قرطاج السيد الباجي قائد السبسي ، في اجتماعه برؤساء الأحزاب والمنظمات الوطنية، أن يعمل بحنكته المعهودة،على تطويق الخلاف حول رئاسة الحكومة خاصة وإخراج الوثيقة من المأزق الذي تردّت فيه وإيجاد التوافق المطلوب لاستمرار حكومة الوحدة الوطنية. ففي تونس تشتدّ الأزمة لتنفرج لاحقا. لكن ذلك لم يحصل مع الأسف فكانت الأزمة السياسية المفتوحة.

أزمة مفتوحة  وإصلاحات ملحّة

 لم تنجح الأطراف المشاركة في وثيقة قرطاج2 خلال التمديد الذي مُنح لها ، في التوصّل إلى توافق حول بقاء يوسف الشاهد رئيسا للحكومة أو استبداله. وكانت نصف ساعة تقريبا كافية صباح الإثنين 28 ماي 2018 ليستخلص رئيس الجمهورية خلال اجتماعه برؤساء الأحزاب والمنظمات، أنّ التوافق متعذّر وليعلن تعليق النقاش حول الوثيقة. وبذلك انتهى مأزق قرطا2 حول النقطة 64 إلى أزمة مفتوحة في الزمان والمسار. بدا تصريح مستشارة الرئيس  سعيدة قراش مقتضبا وغامضا في آن. إذ أعلنت "تعليق العمل بوثيقة قرطاج"، وهي التي لم يتمّ توقيعها ولا بداية العمل بها أصلا. فضلا على أنّ "وثيقة قرطاج" آلية سياسية غير رسمية (موازية) لها تعبيرات ودلالات متعدّدة تفوق الوثيقة ذاتها التي تضمنت في نسختها الأولى مجرّد إعلان مبادئ وأولويات وطنية دون تفاصيل في البرنامج. ولذلك قد يكون التعليق إنهاء لمسار بأكمله وفتح الاحتمالات على مسارات جديدة. كما أنّ التعليق غير محدّد في المدّة، بما يجعله قابلا للاستئناف السريع أو إطالة المدة التي قد تصل إلى إنهاء المسار أصلا.من جهة أخرى أفادت تصريحات  الغنوشي و سمير بالطيب أن التعليق "مؤقت". وبالعودة إلى تجارب سابقة نعرف أن مصطلح التعليق يعني ترك الباب مفتوحا لتغيير القرار. فقد تم تعليق الحوار الوطني في 2013 و2014 أكثر من مرة ثم استئنافه، كما تمّ تعليق الدروس مؤخرا بالتعليم الثانوي ثم استئنافها، فضلا عن تعليق الحوار النقابي مع الحكومة ثم استئنافه. لذلك خفّف الغنوشي من وطأة قرار رئيس الجمهورية واعتبره طبيعيا في مسار المفاوضات. في حين قرأ متابعون في تصريح نور الدين الطبوبي، وإشارته إلى أنّ الاتحاد لم يعد ملزما بشيء، ضربا من التهديد واحتمالات تصعيد. ولا نستبعد أن تنشط وساطات ولقاءات ثنائية بين الأطراف الفاعلة خاصة لتطويق الأزمة.كما استشعر الغنوشي تداعيات الأزمة المفتوحة، فأبرز في تصريحه أنّ الخلاف ليس مبدئيا ولا عقائديا، بل مجرد خلاف في تقدير المصلحة. وهذا مفيد لكنه لا يحجب الوضع الدقيق والخلاف بالغ التعقيد. وإذا لم تحسن  الأطراف الفاعلة إعلاء ما هو مشترك ووطني، فقد تتعرّض التجربة الديمقراطية إلى انتكاسة. فهدم القائم دون وضوح في البديل الأفضل مغامرة لا تتحملها البلاد. كما أنّ التشبث بالوحدة الوطنية والتشديد على الإصلاحات واستمرار التوافق  أنفع من التشبّث بالأشخاص.

خاتمة

 إنّه من العبث حقّا أن يتمّ التخلي على مقترحات خبراء  وقضوا وقتا طويلا  في جلسات عديدة لصياغة وثيقة قرطاج2، وتضييع المصلحة عن التونسيين.  لذلك يبدو الضرر الأكبر في عدم التوافق حول قرطاج2، هو تعطيل الإصلاحات التي يتعذّر إنفاذها في ظلّ خلافات حادة بين الحكومة واتحاد الشغالين أو عدم التوافق في البرلمان بين كتلتي الحزبين الرئيسيين. والخطر الأكبر أيضا في انتقال الخلاف من قرطاج إلى باردو بما يؤثر سلبيا على استكمال المؤسسات الدستورية ويعطّل مشاريع القوانين في البرلمان، لا سيما العاجلة منها، بما يؤدي إلى تعطيل العمل الحكومي. لذلك تذهب القراءات المتفائلة إلى أنّ رئيس الجمهورية قد قد يكون استشعر تعقيدات المشكل، وصعوبات إنهاء مهام رئيس الحكومة دستوريا في ظل الانقسام في البرلمان، والتداعيات السلبية لتعميق الخلاف على الوضع الاقتصادي وصورة تونس لدى المانعين والمقرضين، فقرّر تلطيف الأجواء ، ليمنح المعنيين فرصا أوسع لبداية حوار من نوع آخر، والوصول إلى تفاهمات  قبل العودة إلى اجتماع قرطاج مجدّدا.

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك