القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تسونامي القائمات الانتخابية المستقلة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-08-09 11:03:00 | 826 مشاهدة

 

المقدمة:

بعد انتهاء الأجل القانوني لتقديم الترشحات للانتخابات التشريعية 2019، أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أن القائمات المترشحة كانت بعد إحصائيات أولية على النحو التالي:

  • العدد الجملي للقائمات: 1592
  • عدد القائمات الحزبية: 695
  • عدد القائمات الائتلافية: 190
  • عدد القائمات المستقلة: 707

وقد بلغ عدد الأحزاب المترشحة في الدوائر الثلاث والثلاثين 10 أحزاب في حين ترشحت معظم الأحزاب في دوائر محدودة و10 أحزاب في دائرة واحدة.أما القائمات الائتلافية المترشحة في كافة الدوائر فعددها قليل وأكثريتها مترشحة في بعض الدوائر أو في دائرة واحدة.وأما القائمات المستقلة، فهي تلك القائمات غير الحزبية وغير الائتلافية والمترشحة كل واحدة منها في دائرة واحدة أي أنها لا تمثل فصيلا واحدا ولا تتقدم في كل الدوائر بلونها المستقل بل هي موجودة باسمها وشعارها ورمزها في دائرة وحيدة وتتنافس فيما بينها ولا يجمع بينها أي رابط.

وهذا بالضبط ما يلفت الانتباه ويدعونا نتحدث عن تسونامي القائمات المستقلة. فمن الطبيعي جدا أن تتنافس الأحزاب وأن تتقدم في كل أو جل الدوائر، أما أن تتقدم مئات القائمات المستقلة في الدائرة الواحدة لتتنافس فيما بينها وكذلك مع القائمة الحزبية والقائمة الائتلافية في الدائرة ذاتها، فإنها حقا ظاهرة ملفتة للانتباه وللنظر وربما للتعجب والحيرة... والأمر نفسه ربما سوف يتكرر مع قائمات المستقلين المترشحين للرئاسية فالأيام الأولى تنبئ بدورها بازدحام كبير على المنصة وبتشظي خطير للأصوات بعد تعدد المترشحين من العائلة الفكرية أو السياسية الواحدة، وما أكثرها اليوم في تونس هذه العائلات !!

قائمات مستقلة وليس قائمة المستقلين:

تجدر الإشارة أن القائمات المستقلة تتواجه على مستوى الدائرة الواحدة وليس لها أي امتداد وطني عكس القائمات الحزبية والائتلافية (رغم وجود بعض القائمات الحزبية المتقدمة بدورها في دائرة واحدة). وستكون الأصوات التي تتحصل عليها كل قائمة مستقلة محصورا بها خصيصا وتحديدا ولا يمكن تجميع أصوات المستقلين بالجملة. اللهم إذا تم من ناحية أخرى تجميع أصوات كل القائمات الحزبية للمقارنة بين الأصوات التي تحصلت عليها كل الأحزاب والائتلافات مجتمعة من ناحية وكل القائمات المستقلة مجتمعة من ناحية أخرى، وهذا عكس ما حصل في قراءات البعض لنتائج الانتخابات البلدية عندما جمعت أصوات كل القائمات المستقلة رغم تنافسها وتنافرها فيما بينها ثم استعراض نتائج القائمات الحزبية بإفراد كل حزب على حدة ثم الادّعاء بأن القائمات المستقلة جاءت في الرتبة الأولى.والحال أن القائمات المستقلة حصلت على حوالي 30% والقائمات الحزبية على حوالي 70% .وإذا أفردنا كل قائمة لحالها فإن القائمات الحزبية الخاصة بحركة النهضة جاءت أولى والنداء ثانيا وأول قائمة مستقلة جاءت بعدهما !!

من ناحية أخرى فإن القائمات المستقلة لا تضم بالضرورة مستقلين إذ نجد فيها متحزبين لم ترشحهم أحزابهم على قائماتها أو لم تترشح أحزابهم أصلا في تلك الدوائر أو شكلها حزب أو حزبان وتقدمت كمستقلة لإغراء صفة الاستقلالية عند البعض، وهي أبعد ما تكون عن الاستقلالية. ثم ما معنى قائمة مستقلة؟ المعنى الحقيقي الوحيد هي أنها غير حزبية، وهذه مسألة ذات تاريخ وجذور في الحياة الوطنية التونسية.

أسباب بروز ظاهرة القائمات المستقلة والغالب على خفاياها:

فيما عدى الانخراط في الحزب الدستوري (أو التجمع) الحاكم الذي كان الانتماء إليه مرتبطا بدوافع مصلحية واضطرارية، كان التحزب في تونس مقتصرا على مناضلين طلائعيين، وهم دائما قلة مقارنة بمجموع النخبة أو الشعب. كان الانتماء إلى الأحزاب المعارضة شجاعة ويحمل الكثير من المخاطر ويحسب لها ألف حساب. بل وكانت تخلق لصاحبها مشاكل في محيطه العائلي والمهني والاجتماعي..

وبالرغم من الانتفاخ الطفيلي "الكبير جدا بعد الثورة" فإن ظاهرة التحزب بقيت محدودة إذ أن بعض الأحزاب المنبثقة بعد الثورة لم تجمع سوى أفرادا محدودين أحيانا من عائلة واحدة.وانحصرت الأحزاب المنتشرة نسبيا في عدد لا يتجاوز عدد أصابع اليدين (من بين أكثر من 220 حزبا).

الموروث التقديري السلبي للتحزب، كان دائما يفضل النشاط المجتمعي المدني في الميادين النقابية أو الحقوقية أو الثقافية أو الخيرية أو الرياضية.وبقي الانتماء إلى الأحزاب "مخيفا" عند البعض ومكروها عند البعض الآخر للاعتبارات السياسية والاجتماعية والنفسية الموروثة من عهد الاستبداد وحكم الحزب الواحد قانونيا أو فعليا.

لذلك كانت الظاهرة الاستقلالية بديلا بل وفي الكثير من الأحيان متنفسا للكثيرين حتى من بين النخب وما يسمى بالشخصيات الوطنية المستقلة تجنبا لأي اتهام بالانتماء الحزبي "المخيف"؟ !

كذلك هناك تفسير آخر لا يقل شأنا لتنامي ظاهرة المستقلين (عن الأحزاب)، وهو المتعلق "بترذيل" العمل الحزبي وتنفير الناس من الانخراط في الأحزاب لتبقى الأحزاب ضعيفة وتبقى الدولة وحزب الدولة القوة الحزبية الوحيدة والقوة السياسية الجاذبة الوحيدة.

تواصل ترذيل العمل الحزبي بواسطة الآلة الإعلامية الأخطبوطية المرتبطة في الكثير من أركانها بدوائر المنظومة القديمة وبالمتواطئين ضد الثورة وضد التجربة الديمقراطية الوطنية الوليدة. إن العمل الحزبي هو الأساسي في الحياة السياسية وتنظيم الجماهير وتأطيرها والتدريب على المواطنة والانتظام وفي الانتخابات وإدارة شؤون الدولة. الأحزاب هي المقوم الأساسي للديمقراطية وللتعددية، وتبقى الظاهرة الاستقلالية المحدودة معقولة ومعبرة عن طموحات بعض الأفراد. لكنها عندما تطغى وتتنامى تصبح مهددة للحياة السياسية وللديمقراطية.وسنرى ماذا سيفعله هذا التسونامي الذي تمثله القائمات المستقلة في التشريعية (والشخصيات المستقلة في الرئاسية) في علاقة بتوزيع الأصوات وتفتيتها وفي مدى شرعية التمثيلية بالنسبة إلى المنتخبين وفي الانعكاسات على عدد الكتل وما يمكن أن يبرز كفسيفساء برلمانية غير ذات ثقل نيابي مما يعسّر بروز أغلبية قوية ومتماسكة تسمح بتكوين حكومة ممثلة وقوية ومستقرة.

 

أية حظوظ للقائمات المستقلة:

رغم هذا التسونامي المثير، فإن عدد القائمات المستقلة كان يمكن أن يكون أكثر بكثير لو بقي التمويل العمومي سابقا للنتائج. بالتأكيد لقد خفض هذا التعديل في تمويل الحملات الانتخابية من حجم القائمات المستقلة المحتملة!ومع ذلك يبقى العدد كبيرا حتى شبهناه بالتسونامي، لكنه ليس جديدا كليا مقارنة ب 2014 و2018. فهلستكون نتائج القائمات المستقلة هذه المرة معتبرة؟

نحن نستبعد ذلك، ونعتقد أن كثرة هذه القائمات سوف تشتت الأصوات وربما تلقم بعض الأصوات من القائمات الحزبية، لكنها سوف تبقى محصورة في المراهنة على أفضل البقايا التي سوف تتفتت كالشظايا بين القائمات الحزبية والائتلافية والمستقلة في كل دائرة مع أفضلية الأحزاب الكبيرة في تصدر الفوز بالمقاعد المحسوبة على القاسم الانتخابي وربما أيضا في أفضل البقايا.

نرى أن المشهد الانتخابي الحالي سوف يفرز كالعادة حزبين كبيرين وربما ثلاثة مع تمثيل أضعف لأحزاب أخرى وتسرب محدود لبعض القائمات المستقلة، والله وحده يعلم كيف سيتوقع أعضاؤها المنتخبون في المشهد البرلماني لاحقا!طبعا لا يمكن أن نتجاهل تميز بعض القائمات المستقلة بدعم مالي ولوجستي كبير من أطراف متخفية تسعى إلى إضعاف الأحزاب وإيجاد ممثلين لها في برلمان 2019 – 2024 مع إمكانية إلحاقهم بأحزاب أو كتل لها بها علاقات "خاصة". لكن هذه القائمات سوف تتضرر من كثرة القائمات المستقلة ومن المنافسات الحزبية والائتلافية القوية.

ومن المعلوم أن الغاية القصوى للقائمات المستقلة لا تتعدى فوز رئيس القائمة بمقعد مع توفير أعضاء لهذا "الرئيس" في قائمته ليمكن له الحصول على الوصل والمشاركة في الانتخابات. ولا شك أن الكثير من القائمات المستقلة متكونة من غاضبين من عدم ترشيحهم في أحزابهم أو من ذوي طموحات شخصية لعناصر قريبة من عائلات حزبية أو أيديولوجية لم تسعهم قائمات تلك العائلات.لكنهم جميعا سوف ينهلون من أصوات قواعد نفس العائلة التي ينتمي إليها هذا الحزب أو ذاك.فتكونالنتيجة إضعاف حظوظ ذلك الحزب مع صعوبة فوز المستقلين بالنصاب المطلوب للنجاح.

لذلك تبقى حظوظ الأحزاب القوية والمتماسكة أكبر بكثير للفوز بأصوات قواعدها وخزانها الانتخابي، وهذا الأمر ينطبق أولا على حركة النهضة وثانيا على العائلة الدستورية (التي تتمثل في هذه الانتخاباتبعدة أحزاب وتيارات من المعتدلة إلى المتطرفة، ومن الكبيرة نسبيا إلى الصغيرة جدا) وربما يستفيد حزب أو حزبان من العائلتين اليسارية والقومية اللتان تشهدان بدورهما انقساما حادا وقد تقدمت عنهما عديد القائمات التي تتنافس على أصوات نفس الخزّان.

الشعب يريد:

بالنسبة إلى الجميع، أحزابا وائتلافات ومستقلين، سوف يكون التحدي الأكبر هو إقناع المواطنين بانتخابهم، وإقناع العازفين بالإقبال على صناديق الاقتراع. سوف يكون نقد حصائل المرحلة النيابية والحكومية طاغيا كما ستكون المطالب الاقتصادية والاجتماعية مهيمنة بامتياز بديلا عن خطاب الديمقراطية والتوافق.الخطاب الجديد المطلوب هو الخطاب المؤكد على التغيير الجذري والانتقال من الديمقراطي إلى التنموي الاقتصادي والاجتماعي وأبرز عناوينه التشغيل والتنمية المحلية والجهوية ومحاربة الفساد وإنجاز الإصلاحات.

سوف يكون هناك "تصويت مفيد" كما سوف يكون هناك "تصويت عقابي".سوف توضع الحصيلة الحكومية في الميزان وتطرح المسؤوليات عن الصعوبات وعن التعطيلات وعن الأزمة المالية والاقتصادية.الشعب يريد أن يطمئن على "الخبزة" وعلى "الأمان" ... الشعب يريد خطابا جديدا وبرنامجا واضحا ودقيقا.

الشعب لا يريد وعودا براقة بل التزامات بإنجازات ممكنة خاصة في ميادين حيوية كالصحة والتعليم والفلاحة والنقل والخدمات العمومية والإصلاح الإداري والاستثمار.وأين من كل هذا قائمة مستقلة معزولة لا رديف لها ولا ضمانات عندها سوى إمكانية نجاح رئيسها ليكون نائبا في البرلمان من جملة 217 نائبا؟!

الشعب يريد التزامات بإعادة الاعتبار للدولة وضمانات بالاستقرار السياسي والاجتماعي وبمعالجة الأزمة الاقتصادية وتوفير الشغل ودعم الاستثمار.وأين في ذلك قائمة مستقلة معزولة في دائرة انتخابية لا قوة انتخابية لها سوى إمكانية نجاح رئيسها ليكون نائبا في البرلمان من جملة 217 نائبا؟!

ألم نقل أن الأحزاب هي قاعدة الحياة الديمقراطية وهي عصب الحياة السياسية.الأحزاب وحدها هي القادرة على تأسيس كتلة وازنة وبناء تحالف وازن وشراكة حكومية مهمة لتحقيق ما يريده الشعب.وكلما منح الشعب ثقته لحزب ومكنه من الفوز بأكبر عدد من النواب، كلما مكن ذلك الحزب من أكبر الحظوظ لإنجاز برنامجه وتجسيم وعوده "الواقعية".

 

الخاتمة:

إن كثرة عدد القائمات المستقلة في التشريعية وكثرة عدد المستقلين المترشحين للرئاسة، ظاهرة ملفتة في تونس لكنها ليست مستغربة في بلد عانى كثيرا من تهميش الأحزاب والتخويف من الانخراط الحزبي ويعاني من عقلية ترذيل الأحزاب والتنفير منها.

لقد كانت هناك إمكانية لبعض العقلنة الانتخابية من خلال طرح العتبة في حدود 3%لتقليص هذا التهافت في الترشح غير ذي الدلالة للغالبية العظمى من الترشحات المستقلة، ولكن التعديل الأخير للقانون الانتخابي لم ير النور، وربما سوف يكون ذلك مطروحا في أول تعديل قادم بعد انتخابات 2019 وتعميم عتبة الانتخابات البلدية والتشريعية.ومع ذلك فإن العنصر الإيجابي المحتمل من كثرة الترشحات المستقلة ربما يتمثل في التقليص من ظاهرة العزوف لأنه بالرغم من كل شيء سوف يكون للمستقلين دافع لمشاركة البعض من معارفهم وأهاليهم في الاقتراع.وهو بكل تأكيد عنصر إيجابي ومفيد!

 

مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية (وحدة التقدير السياسي) 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك