القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تركيا : انتخابات مبكّرة  و رهان الحكم والمعارضة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-06-02 09:48:00 | 391 مشاهدة

                                                                            

ملخّص :

تستعد تركيا لاجراء انتخابات تشريعية ورئاسية  مبكرة يوم 24 جوان القادم بدلا من موعدها الاصلي في نوفمير 2019. هيكلت المعارضة نفسها في أربعة أحزاب يمينية ويسارية بزعامة غريم "العدالة والتنمية "كمال كاليغدار اوغلو ا ،رئيس "حزب الشعب الجمهوري" اليساري العلماني. بينما شكل تحالف "دولة بهشتللي" من الحركة القومية والعدالة والتنمية ثنائي المواجهة  الرئيسي في الانتخابات  القادمة. استثمرت المعارضة المادة 21 في التحوير الدستوري الاخير  وهبوط سعر الليرة التركية في مواجهة الدولار لاجراء انتخابات سابقة لاوانها تطيح فيها باردوغان من عرشه، و تُضيّق من كتلة  نوابه المعارضين في البرلمان، بينما يستثمر أردوغان مناخات  وطنية واقليمية وشعبية متصاعدة لشخصه وحزبه الذي ظهر في إهاب تنظيم سياسي وطني أحسن استعمال أدوات الحكم في  حماية مكاسب الشعب و تحسين ظروف عيشه والوقوف  على الثغور  في عملية "غصن الزيتون" ، و مناصرة القضية الفلسطينية.

مقدمة

تصاعدت الدّعوة في تركيا لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة بدلا عن موعدها الاصلي في 19 نوفمبر 2019. وبعد ان كان الحزب الحاكم "العدالة والتنمية "يرفضها رفضا قطعيا مستمسكا باجرائها  إِبّان زمانها  كدأْب الديمقراطية الدورية في اي بلد ديمقراطي. وبعد نفي قاطع للقبول بها ، وافق الرئيس التركي رجب الطيب اردوغان على انجازها مستجيبا لدعوات حليفه الأساسي في الحركة القومية "دولة بهشتللي" في 24  جوان  المقبل، مربكا صفّ المعارضة  مجتمعة بتقصير المدة. فتحرك "حزب الشعب الجمهوري" غريم "العدالة والتنمية" الاول ليجمع الى جانبه "حزب السعادة"و"حزب الجيّد" و"حزب الشعوب الديمقراطي" في اجتماعات ماراطونية للحشد لحدث جديد. والرهان الاستراتيجي للتشكيلة  هو الإطاحة باردوغان وزيادة عدد النواب المعارضين له في المجلس عن 301 نائبا، بتكتيك يرنو الى هيكلة المعارضة واجتزاء ما يمكن اجتزاؤه من رصيد" العدالة والتنمية" وخزّانه الانتخابي وخضد شوكته  في حسابات دقيقة لكسب المعركة في نهاية اللعبة.

استثمار التعديل الدستوري ورؤية "العدلة والتنمية"

ليس الحدث بدعا من السياسة في شيئ، بل هو من صميم  النص الدستوري و التحويرات الاخيرة التي جرت فيه، وصُوّت عليها في 16 أفريل في سنة 2017 ، والتي غيرت النظام السياسي في تركيا من البرلماني الى الرئاسي. إذ  تنص  المادة 21 على إمكانية تقديم مقترح من البرلمان او الرئيس ايضا، لاجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة سابقة لاوانها. ولكن وجه الفجْأة في ما وقع، تمثل في مباغتة  اردوغان  الجميع  بتقديمه الانتخابات  بشهرين عن الموعد المقترح  اي من شهر اوت 2018 الى 24 جوان القادم. وما تواضع عليه عُرف الانتخابات  في تركيا ان تقدم الاحزاب مرشحين من احزابها، وهو ما سيُقدم عليه "حزب الحركة القومية" في الانتخابات التشريعية، مع استثناء  جديد يتمثل  في  الاتفاق مع العدالة والتنمية  على اسم اردوغان في الرئاسيات.

  بين المغنَم والمغرَم، تدخلت في القرار فيه عناصر كثيرة. فرؤية "العدالة والتنمية" ترى ضرورة  استثمار مجموعة من المكاسب الاخيرة، ان كان من الانتخابات بُدّ، واولها  الانتصار في عملية "غصن الزيتون" العسكرية و قدرة الدولة على الحسم فيها والظهور بمظهر القوي القادر على حماية الوجود والحدود،  واستباق الخطر ووأد الداء في مهده. تزيدها متانة مواقف اردوغان الاخيرة بدعوته الى قمة استثنائية  لمنظمة المؤتمر الاسلامي لجمع ما تفرّق من كلمة المسلمين ضد  الغطرسة الاسرائيلية في مواجهة مسيرات العودة في غزة، واجتماعه الحاشد بالاتراك في "سراييفو" واصراره على عقده، رغم معلومات استخباراتية عن نية اغتياله، حتى وصفته صحيفة " التايمز" بالشجاع و" حامي مسلمي اوربا" الذين صوت منهم  المان تركيا الجالية  الااكبر ، بنسبة 68 %  لصالح النظام الرئاسي. لتفيد استطلاعات الراي التي قام بها  "العدالة والتنمية" تنامي  شعبيته  وحزبه الذي يعول في قراراته السياسية على الوسائل العلمية والعملية،كسبر الآراء، ويقيم له وزنا ويشتغل على هَديه بدقة كبيرة. بل يمكن للانتخابات  الجديدة -حسب قياداته- ان ترتد الى نحر المتحمسين لها، عكسية النتائج ، و تجنب البلد مشاكل  وتساعد الاقتصاد على ان يربُوَ في اتجاه النماء والرّخاء. ويرى الحزب في ما سيقع فرصة أخرى لتثبيت أرجوحة نظام سياسي لازال يَنوس بين البرلماني والرئاسي في غموض  من الاستقرار الدستوري لا يسمح  حاليا بالانتقال من النظري الى العملي بين النظامين السياسين. كما يمكن للموعد الانتخابي ان يساهم  في مزيد من الاستقرار و يدفع بعجلة الاقتصاد ويحسن وضع  اللِّيرة التركية المتراجع امام الدولار الامريكي، و ويزيل الغبش  عن المشهد السياسي المؤثر على الاستثمار في محاولات دورية لارباك البلد والتداعي على قصعته واسقاطه بوضوح في مناسبات عديدة، سنة 2013 في أحداث ميدان التقسيم، ومحاولة انقلاب 15 تموز 2016 الذي انكسرت بالارادة الشّعبية وعمق الوعي بخطر الانقلاب على مكتسبات شعب اكتوى برمضاء 4 انقلابات عسكرية في تاريخه الحديث. ورغم ان المقترح الدستوري لم يخرج عن اطار اللعبة الديمقراطية و مجالها  الدستوري والقانوني الذي تواضعت عليه الصَّفوة السياسية في تركيا، لكنّه في عُرف "العدالة والتنمية" ليس الا كناية  لقول علي بن ابي طالب "كلمة حق اريد بها باطل". ولم تتوان  فيه  قيادات العدالة والتنمية عن  توجيه أصابع الاتهام  الى الكيان الموازي وجماعة "فتح الله غولن"  بهندسة السياسة و محاولات الاختراق من الداخل او الخارج كلما أمكن لها ذلك.

المعارضة وحسابات  الحقل والبيدر

 وفي موسم سياحة حزبية ، وخضم  صراع التكتيكات الانتخابية و مفارقة فاقعة  بين المبدا والمصلحة والقول والفعل ، ولتجاوز عائق العتبة الانتخابية الذي يفرض 10 % على الاحزاب، ولكنه يجيزها للتحالفات الانتخابية في التعديل الدستوري الاخير، خطت احزاب المعارضة خطوة مباغتة ايضا بنقل 15 برلمانيا من حزب الشعب الجمهوري "اليساري" اتاتوركي الرؤية علماني التصور، الى حزب الجيد "المحافظ" اليميني  لتصير كتلته البرلمانية قادرة  على خوض غمار الانتخابات في مواجهة  اردوغان وتعزيز الجبهة المناوئة له. ثم تبدي استعدادها لايجار ناخبيها  الى "حزب الشعوب الديمقراطي". كان ذلك  بالرغم من تصريح زعيما الحزبين بلا اخلاقيّة تنقل النواب الى احزاب اخرى ،و متهمين "العدالة والتنمية" بمحاولة نقل برلمانييه الى حزب الحركة القومية. ولكنهما كانا اول من مارس ما كان يستهجنانه من سلوك سياسي. ليواجه "تحالف الشعب" بمكونه الثلاثي : "العدالة والتنمية" و "الحركة القومية" و"الوحدة الكبرى" بزعامة "مصطفى دستجي"، أربعة  احزاب من المعارضة متمثلة في "السّعادة"  اليميني المحافظ و"حزب  الجَيّد" المنشقّ حديثا عن الحركة القومية و"حزب الشعوب الديمقراطي" القومي و كردي الهوى و القريب من العمال الكردستاني، والغريم السياسي "حزب الشعب الجمهوري"و الهدف هو اسقاط اردوغان في الانتخابات وليس شيئا غيره لتغيير المعادلة السياسية وانهاء التفوّق البرلماني لحزب المحافظين المعتدلين على المشهد. ولكن في المقابل يبدو عدم اتفاق المعارضة على شخصية مرشحة تمثلهم، هو ما سيُذهبُ ريحهم ويفُتّ من عضدهم في تحقيق هدف تليد  منذ صعود اردوغان  الى الحكم سنة 2002 والتماع نجمه. ويتارجح التكتيك بين الطور الاول في الانتخابات بترشيح كل حزب شخصية على حدة ، ثم يقع التوحد في الدور الثاني بدعم مرشح  يجدا له ظهيرا ونصيرا من كل احزاب المعارضة. وهو ما صرح به  رئيس "حزب الجيد" اخيرا.  وتواضعت المعارضة بدءا على شخصية "عبد الله غول" الذي شغل منصب الخارجية و رئاسة الوزراء  و الجمهورية.  وهو  واحد مؤسسي "العدالة والتنمية" و الشخصية المحافظة ايضا. و الهدف هو الرّهان على مرشّح يقطف الاصوات من الاحزاب المختلفة وضم روافدها الى نهر المعارضة ، ولمَ لا يمتد الى غور قصيدة  العدالة والتنمية فيضيف من ابياتها شعرا الى ديوانه؟ في  سيناريو يرنو الى اسقاط التجربة بالقوة الناعمة بعد ان الاستياس بالقوة الصلبة في مناسبات واضحة. ولكن  ما خلص اليه المراقبون ان الاحزاب التي تواضعت على منافس لاردوغان لا تمتلك خصائص المعارضة بل تنهض على معاداته فقط والرغبة الجَموح في استبداله. و هي على صعيد واحد فقط في أردوغان الذي  صار يلقب باتاتورك الجديد ونازع الكمالية في رمزيتها الغائرة، بما ان اتاتورك هو الغازي والمحرر الذي يملك ألق التاريخ وعبق الامجاد وشرف تاسيس الجمهورية الاولى. وظل  اختلاف المشارب الايديولوجية بينها محيرا ، بينما تشير استطلاعات الراي ان اردوغان قادر على المباغتة وحسم الامور منذ الجولة الاولى، فانجازاته اكبر من منقلبيه وهو ما اثبته تاريخه في السلطة سواء في رئاسة البلدية او رئاسة الوزراء او رئاسة الدولة. ولا يمكن لحزب الشعب الجمهوري، اشرس معارضيه، ان يستبدل اردوغان بعبد الله غول ، فحينئذ سيكون التغيير في الدرجة وليس في النوع  ومجرّد  استجارة من الرَّمضاء بالنار. اذا ان الرجلين ينهلان منبع محافظ واحد وثقافة متجانسة اساسها قومي تركي اسلامي محافظ. و في هذا الصدد، صرح القيادي في حزب الشعب الجمهوري "مُحرّم انجة" منافس كمال كاليغاردو في الحزب والشخصية التي  يشكل وزنها  ثلث انصار الحزب، انه لا فرق بين عبد الله بين الزعيمين ، خاصة بعد وصف اردوغان لعبد الله غول ب"الاخ". ولكن المعارضة تصر انه باستطاعتها استثمار  تآكل شعبية بعد سياسات خارجية  تعتبرها خاطئة ، وانها ستصوت لعبد الله غول في حال المرور الى الدورة الثانية وهو ما ذهب اليه المحلل السياسي "محمد خيري  كرباخ اوغلو" في استشرافه  الاحداث موضحا "ان الرئيس اردوغان قد زج بالبلاد في جو من التوتر،  بينما ما يريده المجتمع التركي هو  الخروج من الظغط في اسرع وقت ممكن". و تظل الاحزاب العلمانية مثل حزب "الشعب الجمهوري العلماني" و"حزب الشعوب الديمقراطي" ماركسي القاعدة النظرية، حيرى  امام ثابت  المحافظة في المجتمع التركي. فلم  يقدر رئيس الحزب كمال  كليجدار أوغلو يرشح نفسه لولاية رئاسية ولم يفكر في ذلك يوما، لانه يدرك ان هزيمته حتمية وبفارق فادح حين يصطدم بكاريزما اردوغان. وفي مفارقة تاريخية وسياسية ترشح الأحزاب العلمانية واليسارية  اسلاميين، رغم علمانيتها الشديدة ، حتى لا تصطدم بهوية الشعب و ثقافته وتثير حفيظته وتتجنب تعكير  مزاج النّاخب التركي. وقد كان ذلك  في مناسبات سابقة  بمحاولة ترشيحها كمال الدين احسان اوغلو رغم محافظته.  ولهذا فكرت في عبد الله غول من جديد. و عمليا، لا يمكن لحزب السعادة اليميني ان  يكون فاعلا قويا، بل ان نوايا التصويت لرؤيته الكلاسيكية لمجتمع تطوّر و تجاوزه ، لا تتجاوز 1% من نسب التصويت.

 فعليا، لم يكن عبد الله غول نسخة من اردوغان بل كان يختلف معه في التصورات السياسية والرؤى الخارجية بحكم ممارسته التنفيذية في الدولة ايضا. ومنذ خروجه من قصر  الرئاسة سنة 2014 بعد انتخابات فاز بها اردوغان، اتسمت مواقفه بالتباين مع "العدالة والتنمية" ،إذ عبّر منذ اشهر عن تحفظه على قوانين سُنت وراى فيه شططا  اثر المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز 2016 ،  ولكن اردوغان  رد عنيفا على تغريديته المنتقدة  على" تويتر" دون ان يسميَّه. يوصف "عبد الله غول"  بالمرشح الذكي، وهو يدرك ان عدم توافق  المعارضة صفا واحدا متراصا خلفه لا يمكّنه من مناجزة الرئيس اردوغان الذي صَلُب عوده. ليواجه تكتّل "العدالة والتنمية " الحزب المترامي الاطراف، الذي اجتمعت قياداته بعد ان استنفرها الخطر وطارئ السياسة معولة على الاسماء الثقيلة فيه  والمحافظة والملتزمة بخطه رغم تحفظها على التعديلات الدستورية الاخيرة. ولكنها استمسكت بالبيت الحزبي  العتيق وخيمته. ليبقى رهان  الخصوم واضحا:  سحب الاصوات  من خزّان حزب لم ينهزم في اية مناسبة انتخابية بلدية او تشريعية واو رئاسية  منذ وصوله السلطة سنة 2002 .  بل حسم الامر في 3 اسفتتاءات  شعبية  لصالح توجهاته: الاولى سنة 2007 بنسبة 68.98 %، والثانية سنة 2010 بنسبة 57.88 %  ، والثالثة بنسبة .451  %لصالح تغيير النظام من برلماني الى رئاسي. ويبقى الحزب المنفرد الذي مارس السياسة باخلاق ووفاق، مثل عودة الله الى السياسة، واضفى عليها جرعة حضارية وادخل مصطلحات جديدة على عالم قاموسها  كالصدق والأمانة و قراءة حساب اليوم الآخر و "ما نقص مال من صدقة في انفاقه على الاجئين السوريين حين ادار الغرب الاوربي  ظهره لمأساة انسانية فادحة. بينما تتقدم مرشحة الرئاسة اليسارية  لناخبيها ببرنامج  لطردهم في حال وصولها الى الحكم.  

خاتمة

قطعت جَهيزة قول كل خطيب، ورفض عبد الله غول الترشح بعد ان استقر الرأي عنده ان ما سيقع مغامرة وقفز في المجهول، وأنه لن يكون مرشح المعارضة مجتمعة التي علا زبد  تناقضاتها موج توافقاتها  بعد عدم حصولها على مرشح تُجمع عليه  للرئاسة. وقرر ردَّ القوس باريها قبل ان ترتد اليه، وامتنع عن مغامرة غير محسوبة النتائج. لتثبت التجربة السياسية في تركيا مآزق الجمود النظري وتحجر الراي لدى الاحزاب العلمانية والاسلامية في المنطقة، على السواء، و عدم قدرتها على جمع الكلمة واظهار علة الوجود الحقيقية من العمل السياسي،  خادمة للشعب  وليست نقيضا لمن خدمه وارتقى بعيشه ووعيه، وأعاده الى دورة الحضارة بعد ان كان حاشية على متن العالم والسياسة. ستشتد  المواجهة لمنع النظام الرئاسي من انجاز أهداف يرنو اليها  بحلول سنة 2023. وتتعدد رهانات المعارضة في يوم فصل ستعود فيه الكلمة الى الشعب سريعا في ديمقراطية ثبتت اركانها. ويوم الرّهان تُعرف السَّوابق.    

سليم حكيمي   

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك