القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تداعيات فيروس كورونا سياسيا واقتصاديا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-03-18 13:47:00 | 1225 مشاهدة

المقدمة:

هذا التقدير ليس طبيا ولا صحيا.. لقد كتب الكثير ونشرت مقالات وإعلانات وبلاغات عديدة تتحدث عن فيروس كورونا من حيث طبيعته وخاصّياته وطرق انتشاره بالعدوى وخارطة توزّعه وأساليب الحجر الصّحي لمحاولة محاصرته قدر الإمكان..

هذا التقدير يتعلق بالأبعاد السياسية والاقتصادية لهذا الفيروس سريع العدوى والفتك وما يمثله اليوم من مخاطر في مختلف قارات العالم خاصة وأنه لم يكتشف بعد التلقيح الخاص به ولا الدواء المناسب له.. فما هي أبرز الأبعاد السياسية والاقتصادية لهذا الوباء عافى الله منه الجميع؟ وما هي استتباعات هذه الأبعاد على المستويين الوطني والدولي؟

التداعيات السياسية والاقتصادية على المستوى الوطني التونسي:

استفادت تونس دون أدنى ريب من التأخير النسبي لتسجيل أول حالة إصابة بفيروس كورونا مقارنة بالدول التي وصلها الفيروس في الفترة الأولى من ظهوره (الصين) وانتشاره (كوريا الجنوبية/ إيران/ إيطاليا .. ).

لقد سمحت هذه الفترة بالرغم من قصرها بحصول نوع من الاستعداد للخطوات الأولى التي يجب اتخاذها وحصول نوع من التعبئة الوطنية لمجابهة هذا الوباء.

  1. سياسيا:

لقد تم تكوين الحكومة الجديدة قبيل وصول الكورونا إلى بلادنا في ظل تجاذبات سياسية حادة وانقسامات في المشهد السياسي الوطني بين قوى الحكم والمعارضة، بل وحتى داخل الصّف المساند للحكومة، لكن ظهور الوباء على المستوى العالمي وسرعة انتشاره بين الدول ووصوله إلى القارة الأوروبية المجاورة وخاصة إلى إيطاليا وبعدها إلى فرنسا القريبتين جدا منا واكتشاف حالتين في الجزائر الشقيقة، دفع القوى السياسية في البلاد سواء منها الأطراف الحاكمة أو المعارضة إلى تجاوز التجاذبات وتغليب المصلحة الوطنية العليا ورصّ الصفوف لمجابهة وطنية مجتمعية موحّدة ضد هذا الفيروس الوبائي الخطير ولتجنيب شعبنا أكثر ما يمكن من المخاطر.

سوف تجد الحكومة نفسها اليوم أمام الحد الأدنى من المعارضة بل قد تلتحم المعارضة تماما مع المجهود الوطني الموحّد للتصدي للكورونا والسّعي للخروج من هذه الأزمة بأخف الأضرار.

ولا يتوقف الأمر عند الأحزاب السياسية والكتل النيابية، بل إن المنظمات الوطنية وقوى المجتمع المدني برمتها سوف تكون في مقدمة القوى الملتحمة ضد هذا الوباء الخطير .. ولاشك أن الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الأعراف واتحاد الفلاحين واتحادات الطلبة والنساء وعمادات المحامين والأطباء والمهندسين ورابطة حقوق الإنسان وسائر الجمعيات المدنية سوف تجد نفسها جميعا باسم الواجب الوطني والمصلحة الوطنية والوحدة الوطنية في ظل هدنة اجتماعية وتعاون مدني مجتمعي ومجهودات تبرّع وتطوّع وتضامن وتآزر وطنية واسعة. وقد بدا هذا الالتفاف الوطني الواسع جليّا من خلال التفاعل الإيجابي مع الخطوات المعتمدة من وزارة الصحة ومع قرارات الحكومة التي أعلنها رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ في كلمته إلى الشعب وفي بيانات الأحزاب والكتل النيابية ومن أبرزها النّهضة (في الحكم) وقلب تونس وائتلاف الكرامة (في المعارضة) والمنظمات الوطنية بمختلف مكوناتها، حيث أبدت جميعها التفاعل الإيجابي والدعوة إلى الوحدة والتضامن ورص الصفوف والتطوع والتبرع..

إنّ حسن إدارة هذه المرحلة وطنيا بصدد دعم الإعجاب العالمي بالتجربة الديمقراطية التونسية التي حققت نجاحات في محاربة الإرهاب .. فتكون النجاحات في إدارة الأزمة الصحية الطارئة عنوانا آخر للمباركة العامة إقليميا ودوليا.

كما ان معالجة هذه الأزمة الصحية سوف تكون بمثابة امتحان وتحد سياسي للحكومة وستكون بالتحديد مجالا لمعاينة مدى نجاح وقدرات رئاسة الحكومة والوزارات ذات الصلة خاصة.  

 

  1. اقتصاديا:

لعل الانعكاسات الاقتصادية هي التي تمثل الإشكال الأبرز لأن الحملة الوطنية الوقائية من وباء الكورونا سوف ترافقها بكل تأكيد تضحيات اقتصادية وإجراءات يمكن أن تمسّ الكثير من القطاعات الحيوية وفي مقدمتها السياحة والتصدير والاستثمار والنقل والبناء .. وسيتعطل الإنتاج والدراسة والتكوين .. وستمسّ من مجهودات التموين وتحد تبعا لذلك من النمو الاقتصادي مع ما يرافق ذلك من ظواهر الاحتكار والتهريب وارتفاع الأسعار ومزيد تدهور القدرة الشرائية وانخفاض قيمة الدينار مجددا ..

لذلك لابد من ضرب الاحتكار بيد من حديد وإجراء مراقبة صارمة للأسعار وخاصة للمواد ذات العلاقة بالتصّدي للكورونا، ومحاسبة كل صيادي الفرص والمستثمرين في الكوارث والأمراض والمضاربين بالغذاء والدواء. ومن المهم في هذا السياق الوعي بتجنب كل مظاهر الهلع والتكالب على المغازات، فهذا قد يشجع ظاهرة عدم الاطمئنان والخوف والإرباك.

هذا ويمكن الحديث عن احتمال حصول استفادة من تراجع أسعار البترول والطاقة عموما التي شهدت انخفاضا كاد يصل إلى النصف حيث تراجع سعر برميل النفط من ما بين 65 و 70 دولارا إلى حوالي 37 دولارا. لكن هناك الوجه الآخر للعملة، ذلك أن هذا الانخفاض سوف نستفيد منه في التوريد، لكننا كذلك سوف نتضرر منه في التصدير لأن تونس تصدّر جزءا هاما من منتوجها الوطني من البترول ذي الجودة العالية مقابل استيراد كميات أخرى من الخارج. وسوف تتأثر من هذه الاعتبارات الاقتصادية السلبية عموما الفنادق والمطاعم والمقاهي وفضاءات المعارض والندوات والمهرجانات ... ولكنها التضحيات التي تقتضيها الضرورات. وهذه التضحيات بالذات هي التي دفعت وسوف تدفع أكثر في الأيام وربما الأشهر القادمة إلى مزيد من مجهودات التبرع والتطوع والتضامن والتعاون والتآزر وتغليب جوانب المصلحة والوحدة الوطنيتين (قرار اتحاد الشغل تأجيل كل الإضرابات والاحتجاجات النقابية – مبادرات برلمانية وسياسية بالتبرع الوطني.. )

 

 

 

 

  1. على المستوى الخارجي الإقليمي والدولي:

تعتبر التداعيات ذات البعدين الاقتصادي والاجتماعي هي الطاغية على المستوى العالمي .. والملاحظ أنه بالرغم من الانتشار الواسع للوباء وإصابة عدد كبير بالفيروس خاصة في الصين وكوريا الجنوبية وإيطاليا وإيران وبلدان أوروبا الغربية والولايات المتحدة وسرعة وصوله إلى بلدان أخرى عربية وإسلامية وأمريكية لاتينية وإفريقية، فإن عدد الوفيات يبقى أقل من تلك الحاصلة جراء أمراض سارية أو معدية أخرى كأنفلونزا الخنازير أو السرطان أو حوادث الطرقات .. لكن ظاهرة العدوى السريعة والانتشار الهائل وغياب التلقيح والدواء هي الدافعة لكل ما نلاحظه من حالات توتر واحتقان وإرباك وفزع وهلع ..

لكن الانعكاسات الاقتصادية الاجتماعية على المستوى الخارجي تبقى هي الأكثر بروزا أو الأكثر حدة مقارنة بالتداعيات السياسية، لأنه على ما يبدو حتى دوليا تراجعت المناكفات السياسية والصراعات الداخلية الحزبية والبرلمانية في أغلب بلدان العالم بدواعي التضامن والوحدة ورصّ الصفوف لمجابهة وباء الكورونا.

لقد بدأت المضاعفات الاقتصادية أولا في بلد ظهور الوباء ونعني بذلك بطبيعة الحال الصين الشعبية. لقد حصل إرباك كبير في الاقتصاد الصيني .. لكن وبسرعة اتخذت الحكومة الصينية إجراءات وقائية واستباقية فاشترت بأسعار بخسة الشركات المملوكة من طرف الأجانب ثم أممتها.

وقد أعلنت الصين مؤخرا تراجع الوباء لديها ومحاصرته تماما مقابل انتشاره أوروبيا وأميركيا بالخصوص إلى جانب منطقة إيران – العراق – الكويت في الخليج ..

الآن أصبح كورونا في تراجع وتقهقر في الصين وازدياد وتصاعد في الغرب.

لقد بدأت مؤشرات تعافي الاقتصاد الصيني تلوح في الأفق وخسرت الشركات الطبية العالمية التي كانت تبحث عن الاستفادة من تقديم علاجات هذا الوباء احتمالات السبق حيث برزت لها منافسة قوية من الشركات الطبية الصينية .

لقد استعادت الصين بسرعة قوتها الاقتصادية، في حين ظلت روسيا محافظة على الوضع تحت السيطرة .. وبدا المحور الروسي الصيني متماسكا في حين أصبح المحور الأوروبي الأميركي متأثرا جدا ومهددا بمضاعفات اقتصادية سلبية على المدى القصير وربما المتوسط .. لقد عاد خطر سيطرة الصين اقتصاديا وامتداداتها في أسواق آسيا وإفريقيا وغزوها الأسواق الأوروبية – الأمريكية يخيف القوى الأوروبية والأمريكية .. وبالمقابل أسرعت الولايات المتحدة إلى إعلان اكتشافها للدواء المضاد للكورونا والقضاء عليه في ثلاث ساعات؟ !

ويبدو التأثر السلبي اقتصاديا خاصة في منطقة الخليج والانعكاسات السلبية على أسعار البترول وعلى مناسك الحج والعمرة .. وتعتبر الكويت أكثر الدول الخليجية تضررا .. كما تضررت إيطاليا بشكل كبير وكانت هي أساسا مصدر انتقال الوباء إلى باقي الدول الأوروبية .. وتبدو الأمور غامضة جدا بخصوص آفاق التجاوز .. كما تعتبر مصر من أكثر الدول العربية تضررا رغم التكتم الحكومي .. ولاشك أن بعض الدول مثل بلدان الخليج وتونس والجزائر وفرنسا قد لحقتها إصابات من الوافدين من مصر إلى جانب الوافدين من إيطاليا بالنسبة إلى تونس والجزائر. وقد أعلنت روسيا، وهو إعلان لافت، أن البلدان الأكثر أمانا سياحيا الآن هي تونس واليونان وتركيا ..

لقد رافق الكورونا ما يشبه الوباء الاقتصادي العالمي .. ويبدو أن فيروس كورونا ليس نتاجا طبيعيا بل نتاج مفتعل كيميائيا لحرب اقتصادية جرثومية ديموغرافية بما يشبه النازية الجديدة وتجسيم لنظرية القس الانكليزي مالتوس حول أهمية الكوارث والزلازل والأوبئة والحروب في الحد من التضخم السكاني في العالم مقابل ندرة أو تراجع الغذاء !

ومن الملفت في هذا الصدد تصريح أحد المسؤولين الصينيين بأن الكورونا قد تكون من تصنيع وتوزيع الولايات المتحدة وأن الجيش الأميركي وراء إدخالها إلى الصين ضمن مقومات الحرب التجارية المعلنة من الولايات المتحدة ضد الصين الشعبية؟ !

ويبدو أن الصين قد حولت هذه الحرب إلى انتصار لفائدتها مقابل هزيمة اقتصادية تجارية للغرب الأوروبي والأميركي.

إن أكثر الدول تضررا اليوم اقتصاديا هي إيطاليا وفرنسا وألمانيا وبدرجة أقل باقي البلدان الأوروبية كإسبانيا وبريطانيا وبلجيكا والبلدان الاسكندنافية .. وقد أعلنت النرويج أنها فقدت السيطرة على الوباء .. أما الولايات المتحدة ففيها إصابات مؤكدة وحالات تعتيم ومحاولات للاستفادة من الوضع مثل عرضها المساعدة على إيران؟ !

اليوم تبدو إيطاليا في وضع شلل تام وعلى حافة الانهيار.. وتبدو فرنسا مهددة بفقدان السيطرة على الوباء.. وأصبحت بريطانيا وألمانيا وإسبانيا تتوقع الأسوأ .. في حين كان الأمر في الصين بمثابة ربّ ضارة نافعة؟ !فلقد أبهر الصينيون العالم حكومة وشعبا بسرعة الإجراءات الاقتصادية التي اتخذت وبأساليب التصدي للوباء وما حصل من حملات نظافة وعزل وبحث طبي وتجاه أغلب المصابين من الموت.

ولكن من جهة أخرى، يبدي بعض الملاحظين احترازاتهم من الحديث عن انتصار صيني مؤكد ضد الكورونا وعن مكاسب اقتصادية محققة في سياق الحرب التجارية العالمية. لا يمكن التغافل وعدم الربط بين ظهور فيروس الكورونا وهذه الحرب الباردة خاصة مع بروز مصادمات تجارية سابقة في السياق الحربي التجاري بين الولايات المتحدة والصين (هواوي والجيل الخامس التكنولوجي والتجسس الإلكتروني والجزيرة الاصطناعية في المحيط الهادي و الصراع على الأسواق الإفريقية .. ). والخشية كل الخشية أن نكون قد دخلنا في نوع من الحرب الجرثومية والإرهاب الصحّي .. إن الضحايا سوف تكون الدول الضعيفة في علاقة بشراء الأدوية والأجهزة الحامية والواقية. كما أن هناك حقيقة خشية من عدم صدقية المعطيات المقدمة من دول كالصين ومصر والولايات المتحدة لاعتبارات سياسية وشعبية.

لقد وصلت الصين بمناسبة ظهور فيروس كورونا على أراضيها مرحلة مؤذية كادت تؤدي بها إلى الانهيار. لذلك يمكن للإعلان على انتهاء الوباء في الصين أن يحمي الاقتصاد الصيني ويعيد للصين وزنها العالمي وأن تستثمر تأميم الشركات التي كان يملكها أجانب والتي اشترتها بأثمان بخسة ... ويمكن لها المحافظة على سمعتها وعلى أسواقها خاصة في إفريقيا .. إن المنتوجات الصينية اليوم تكاد تكون المسيطرة كليا على الأسواق الموازية في كل البلدان... لذلك ليس أمام الصين سوى البرهنة عن تخلصها من الوباء واكتشافها الدواء المناسب وكشفه للعالم.. وفي غياب كثل هذا التوضيح، ومع وجود كل تلك الرهانات الاقتصادية العالمية الكبيرة، سوف تبقى الشكوك قائمة.

لقد تم منع كافة الرحلات بين أوروبا وأمريكا كإجراء احتياطي غربي .. لكن الصين لا يمكنها العيش بمعزل عن العالم والانغلاق اقتصاديا لأن اقتصادها يعيش خاصة من إغراق الأسواق العالمية خاصة الموازية.

الخاتمة:

لاشك أن وباء الكورونا يمثل أزمة خطيرة للغاية ولا يمكن الاستهانة بآثاره السلبية وتداعياته الخطيرة وطنيا ودوليا. ولكن ذلك لا يعني فقدان السيطرة والهلع والاستسلام.

إن إمكانات التصدي للوباء من مسؤوليات الدولة والمجتمع والأفراد على حد سواء .. وعلى كل الأطراف تحمّل دورها والقيام بواجبها بكل وعي ومسؤولية. ومن العناصر الإيجابية أنّ بلادنا بصدد محاصرة كل الحالات وأنها قد اتخذت إجراءات استباقية ووقائية فردية ومجتمعية هامّة من شأنها إحكام عمليات المراقبة والمتابعة والتقليص إلى أبعد الحدود من الخسائر البشرية ومن حالات العدوى والانتشار.

لقد اتخذت الحكومة إجراءات وقرارات مهمّة، وقد تضطر إلى اتخاذ إجراءات أخرى في صورة حصول تطوّرات سلبية في الأيام والأسابيع أو الأشهر القادمة.

لكن لابد من التأكيد على الدور الأساسي والضروري للمواطنين وللمجتمع المدني في تجنب كل مظاهر الإرباكات والاضطرابات والتطاحن الاجتماعي والفوضى.

من المهم جدّا ضبط النفس والالتزام بالتوصيات والتعليمات الحكومية وتجنب كل التصرفات التي من شأنها تشجيع مناخات العدوى والانتشار.

ومن المهم أيضا تشجيع كل مبادرات أو مظاهر التطوع والتضامن الوطنيين.

إنها أزمة عابرة إن شاء الله تمر بأقل الخسائر الممكنة .. وتكون من العوامل المؤثرة في دعم الوحدة الوطنية وتغليب المصلحة الوطنية العليا.

مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية  (وحدة تقدير الموقف السياسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك