القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تحدّيات الشّأن الدّيني في تونس بعد الثّورة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-03-28 13:52:00 | 335 مشاهدة

ملخص:

لا يزال الشّأن الدّيني منذ ما قبل الثّورة إلى اليوم موضوعا للتّجاذبات السياسويّة والأيديولوجيّة عوض أن يكون موضوعا للتّحليل والتّقويم من أجل التّصحيح والتّأسيس والبناء. ونميّز في هذا السّياق بين الدّين وهو مجال يتعلّق بحريّة المعتقد والضّمير والتّفكير، والشّأن الدّيني الذي يتعلّق بالمصالح العامّة والحقوق الجماعيّة.

مقدمة:

 إنّ الدّين فرديّ حتّى في طقوسه الجماعيّة والشّأن الدّيني جماعيّ حتّى في ما المتعلّق بالفرد. للفرد الحقّ المطلق في أن يعتقد ويؤوّل ويتمذهب بالشّكل الذي يلبّي قناعاته وليس للسّلطات العموميّة حقّ التدخّل في ضميره ومحاسبته على معتقده ولكن وليس له  الحقّ في تحويل معتقده إلى ممارسة في الفضاء العامّ دون قيد أو شرط وللسّلطات العموميّة حقّ التدخّل لتنظيم هذه الممارسة وفق معايير وضوابط ينظّمها القانون والتراتيب والأعراف. مواجهة ما يفترض أنّه معتقدات شاذّة مجاله الحوار والنقاش والمناظرة والحجاج، ومواجهة السّلوكات والممارسات الشاذّة التي تشكّل خطرا على المجموعة الوطنيّة مجاله القانون وتدخّل السّلطات العموميّة أي الدّولة.   

1 / تشخيص الوضع الدّيني بعد الثّورة

تميّز الوضع الدّيني عقيب الثّورة بـ :

*اختلال التوازن بين الدولة و المجتمع قبل الثورة لصالح الدّولة و بعد الثّورة لصالح المجتمع

انهيار سلطة الوصاية الدينية للدّولة على المجتمع و ضمائر التونسيين

*التحرر من استحواذ الدّولة علي الدّين لعجز الدّولة عن مواكبة التحوّل السّريع للفضاء الدّيني

*انفجار المكبوت الدّيني بأكثر الأشكال مشهديّة وانفلاتا و فوضويّة ممّا يحيل على فشل التّحديث القسري الفوقي.

*انفلات واضطراب في مجالات الشّأن الديني و الإعلامي و الثقافي ممّا أدّى إلى التّصادم بين المجالين الإعلامي والثّقافي من جهة و المجال الدّيني من جهة أخرى وقد أفضى ذلك إلى الانقسام وحدّة الاستقطاب ووضع الفاعل الدّيني موضع اتّهام في غياب تقاليد حوار وأهليّة لخوضه

*ضعف أطر المجتمع الأهلي العاملة في الفضاء الديني من جمعيات و مراكز بحث و قلة إشعاعها و قدرتها على التّأطير وإدارة الحوار و حسن التوسّط بين الفاعلين الاجتماعيين في المجال الدّيني وسلط الإشراف وأساسا الدّولة، وقد برز ذلك بوضوح خلال أزمات حادّة عاشت على وقعها المجموعة الوطنيّة مثل المشكل السّلفي وقضيّة التعليم الزيتوني الأصلي والجدل حول حريّة التعبير الإبداع و احترام المقدّسات بمناسبة عدد من العروض الفنيّة.

 هذه الأزمات والقضايا أديرت بعقليّة المغالبة وصراع الإرادات ممّا أدى في كثير من الأحيان إلى التدخّل الأمني وذلك مؤشّر على العجز عن فضّ المسائل بشكل حواري ضمن أطر المجتمع مدني.

*ضعف تأثير الجامعة الزيتونية عقيب الثّورة على المجتمع علميّا وثقافيّا وتربويّا وعجزها عن القيام بدور التّأطير والتحكيم المرجعي والمعرفي والعقدي والثّقافي خارج أطر طلبتها وذلك بسبب وضع الهيمنة والتضييق الذي كانت تعاني منه قبل الثّورة.

 2 / حصيلة التّشخيص

*بروز هويّات دينيّة جديدة بطريقة غير معهودة لا سند فيها للمتديّن إلا لضميره الشّخصي ووعيه والوسائط المعرفية والثقافيّة الجديدة التي فتحته على مرجعيّات جديدة من خارج السّياق الوطني.

*اختراق الفضاء الدّيني المحلّي بإرادات خارجيّة فقهيّا ودعويّا وفكريّا وسياسيّا وماليّا

*افتقاد كثير من الخطابات الدّينيّة الجديدة للأصالة التّونسيّة ومرجعيتها الفكريّة وخصوصيّاتها الثّقافيّة

*التشكيك في شرعيّة المؤسسات الدينية القائمة المطالبة بحلها والاستعاضة عنها بأخرى.

*إنشاء أشكال من التنظّم الدّيني خارج إطار أيّ رقابة أو ضبط قانوني أو حتّى انتظام معنوي ضمن المنظومة المدنيّة والضّمير العامّ وأعراف البلد تستمدّ مشروعيتها مباشرة ممّا تعدّه سلطة إلهيّة

*انفلات في الساحة الإسلامية مع الجنوح للعنف و تهديد الأمن العامّ والسّلم الأعلى والتمرد على الدّولة والقانون.

*الجديد الذي جلبته الثورة معها هو القطع مع المركزية الدينية ودولنة الدّين حيث بات كل تونسي طليق العنان، حر الكيان في الانتماء إلى المدرسة العقائديّة والمذهبية الذي يختارها و لو كان ذلك متعارضا السياق الثّقافي التّونسي والمزاج العامّ.

 وجراء ذلك برزت تدافعات ثقافات دينيّة جديدة تعبّر من خلالها فئات من المجتمع على مقاربات أخرى للمشغل الديني و قضاياه.

3 / الأسئلة التي يجب أن تطرح على هامش هذا التّشخيص :

*ما هي وظائف الدّولة المدنية الديمقراطية التي دينها الإسلام ولغتها العربيّة في إدارة الشأن الدّيني المتّسم بالتنوّع و التّصادم و الفوضويّة أحيانا إلى حدّ الانفلات ؟

*كيف نبني مفهوما و حدودا وتمثّلات جديدة لمقولة استقلالية الفضاء الديني ورعاية الدّولة للدّين؟

4 مقاربات أوليّة لتفكيك الإشكالات

من أهمّ ما يمكن التّأكيد عليه في هذا الصّدد حاجة المجتمع إلى سلطة معنوية رمزيّة موجّهة إذ من الأسباب الأساسيّة لانخرام التوازن بين الدولة و المجتمع هو انهيار السلطة المعنوية للدّولة أي مصداقيّتها الأخلاقيّة و القيميّة بفعل الاستبداد و الفساد و كذلك مشاريع التحديث القسري الفوقي الكرهي الذي شمل كلّ المجالات بما فيها الشّأن الدّيني ممّا يستدعي إعادة بناء المؤسسات الرّسميّة الرّاعية للشّأن الدّيني و المؤسسات الأهليّة التي تؤثّث الفضاء الدّيني وتقوم بدور التّأطير والتوعية والوساطة.

*المؤسسات الرّسميّة

 إعادة بناء المؤسسات الدّينيّة الرسميّة من حيث هي سلطة إشراف معنوي وإداري :

  • قادرة على الدّفع لبلورة قيم دينية موحّدة واتخاذ مواقف مشتركة في القضايا الخلافيّة والأزمات
  • قادرة على  الاضطلاع بدور الوسيط المحايد في التواصل مع الرأي العام
  • لها مصداقيّة التّشجيع على الالتزام بمبادئ دينيّة إنسانية وأخلاقية تنسجم مع مقاصد الدّين ومنظومة المواطنة
  • قادرة على القيام بدور رئيسي في تنظيم الحياة الاجتماعية و فضّ النزاعات
  • قادرة على بناء أطر التعاون والتضامن على مستوى الحياة اليومية بين الأفراد ومختلف المكوّنات الاجتماعيّة

- مؤهّلة لتكون جزء من الحلّ لا طرفا في النزاعات

 *المؤسسات الأهليّة

 ضرورة بناء مؤسسات مدنيّة مستقلة و مستقرة :

  •  لها صفة اعتباريّة وبعيدة عن المنافسات السياسية و الصّراعات المذهبيّة.
    • تساهم في التعريف بمدوّنة الحركة الإصلاحيّة في تونس باعتبارها رصيدا قيميّا و معرفيّا و منهجيّا مشتركا يعبّر عن الوعي الجمعي و الضّمير العام و تساهم في تطويره وتفعيله. 
  • مؤهلة للقيام بدور الوساطة بين الدولة و المجتمع وبين الفاعلين في الفضاء الدّيني.
  • تكون في تفاعل مباشر مع الحراك المجتمعي الروحي والفكري والثقافي بما يساهم في بلورة مشروع وسطي نابع من عمق المجتمع وتراثه الدّيني والإصلاحي.

5 / الإصلاحات 

هذا الواقع يفرض القيام بجملة من الإصلاحات الجوهرية المؤهلة للوصول إلى الرؤية الإستراتيجية :

  • إعادة بناء المؤسسات الرسميّة وشبه الرسمية الرّاجعة بالنّظر لوزارة الشّؤون الدّينيّة أو رئاسة الحكومة مثل المجلس الإسلامي الأعلى أو ما شاكله كرمز من رموز السلطة المعنوية المحققة للقدوة والراعية للقيم، بصلاحيات هامة وإمكانيات مالية وبشرية معتبرة مع ضمان تمثيل لكل الكفاءات والخبرات الدينية الفعلية المشهود لها بالنزاهة والفاعليّة و الإشعاع والأهلية لهذا الدور.
  • هذه المؤسسة (إضافة إلى مؤسسات شبيهة كالمجلس الأعلى للثقافة والمجلس الأعلى للتربية) يمكن أن تصحح اختلال التوازن الحاصل بين الدولة والمجتمع في مستوى التوجيه وبناء الرؤى والتصورات وبلورة القيم المشتركة حتى تكون نتاجا لحراك المجتمع و تضمن استقرارها و ديمومتها و حصول توافق حولها.
  • الشروع في مسار إصلاح شامل للجامعة الزيتونية بما يؤهلها للقيام بدورها كمنارة علمية ذات إشعاع عالمي والمساهمة في تطوير المضامين والخطاب الديني على أن يكون هذا الإصلاح نابعا من الإطارات العلميّة لهذه الجامعة أساسا.
  • رعاية التعليم الديني الشعبي تحت إشراف جامع الزّيتونة باعتباره تعليما تكميليّا موجها للعموم دوره التكوين والتثقيف في أساسيات الدين دون أن يكون للحصيلة المعرفية مفعول الشهادات العلمية الرّسميّة الموازية للتّعليم العمومي.
  • إعداد إطار تشريعي يعيد تنظيم الأوقاف ويعيد لها دورها المدني بما يقوي المؤسسات الأهلية الناهضة بالشأن الديني و يمنحها الحصانة المجتمعية و الاستقلال المالي
  • ضبط مصادر تمويل الأعمال المجتمعية في الجمعيات والمراكز بما يحفظ مجتمعنا من التدخل الأجنبي عبر التمويل المشروط بتنفيذ أجندات خارجيّة
  • إصلاح عميق للمضمون الديني و المحتوى التربوي ضمن المناهج الدراسية
  • سيبقى إصلاح الشّأن الدّيني شرطا للسّلم الأهلي والتّضامن والتّراحم والأمن الرّوحي والنّضج العاطفي التّوازن النّفسي والسّلوكي ومحفّزا على التنمية التي لا تحتاج فقط للبرامج والموارد والسياسات العامّة بل كذلك للقيم والأمل والدّافع للعمل
  • ويمكن للشّأن الدّيني أن يكون رصيدا للمشروع الوطني بكلّ أبعاده الوطنيّة والحضاريّة والإنسانيّة ودافعا لانتقال ديمقراطيّ وتأسيس مواطنيّ سليم إذا كان الخطاب الدّيني والفضاء الدّيني والفاعلين في المجال الدّيني قائمين على إنتاج قيم الخيريّة والصّلاح والتنوير ومواكبة واجبات الوقت وتطوّر الزّمن ساهموا في تنمية الضّمير الدّيني الجمعي والرّوح الوطنيّة على أسس سليمة غير معتلّة بالاغتراب والاستلاب والماضويّة والمسخ والانسلاخ الحضاري والنّزعة العدميّة.
  • ما تقدّم من تحليل هو لضمان حسن قيام الشّأن الدّيني بدوره الرّوحي والتربويّ والوطني ويبقى تحديد المسائل الترتيبيّة والإجرائيّة موكولا لحوار وطنيّ ضروريّ للتّوافق حول معنى ما نصّص عليه الدّستور من دور للدّولة في رعاية الشّأن الدّيني وحدود هذه الرّعاية وشكلها وما هو موكول للمجتمع خاصّة في غياب أطر قانونيّة ضابطة للشّأن الدّيني وفضاءاته ومجالاته.
  • ولامناص كذلك من التوصّل إلى صياغة تصوّر موضوعي يجنّب من يتصدّون لإدارة الشّأن من السياسيين والقائمين على مؤسّسات الدّولة التّأويلات المتضاربة لفصول الدّستور المتعلّقة بالشّأن الدّيني والهويّة من جهة ومدنيّة الدّولة من جهة أخرى حتّى يكون لمرجعيّة المشروع الوطني روح مشتركة ودستور ثقافيّ جامع.     

 

6 / دور الإصلاح الديني في الانتقال الديمقراطي:

سيبقى إصلاح الشّأن الدّيني شرطا للسّلم الأهلي والتّضامن والتّراحم والأمن الرّوحي والنّضج العاطفي التّوازن النّفسي والسّلوكي ومحفّزا على التنمية التي لا تحتاج فقط للبرامج والموارد والسياسات العامّة بل كذلك للقيم والأمل والدّافع للعمل.  ويمكن للشّأن الدّيني أن يكون رصيدا للمشروع الوطني بكلّ أبعاده الوطنيّة والحضاريّة والإنسانيّة ودافعا لانتقال ديمقراطيّ وتأسيس مواطنيّ سليم إذا كان الخطاب الدّيني والفضاء الدّيني والفاعلين في المجال الدّيني قائمين على إنتاج قيم الخيريّة والصّلاح والتنوير ومواكبة واجبات الوقت وتطوّر الزّمن ساهموا في تنمية الضّمير الدّيني الجمعي والرّوح الوطنيّة على أسس سليمة غير معتلّة بالاغتراب والاستلاب والماضويّة والمسخ والانسلاخ الحضاري والنّزعة العدميّة. ما تقدّم من تحليل هو لضمان حسن قيام الشّأن الدّيني بدوره الرّوحي والتربويّ والوطني ويبقى تحديد المسائل الترتيبيّة والإجرائيّة موكولا لحوار وطنيّ ضروريّ للتّوافق حول معنى ما نصّص عليه الدّستور من دور للدّولة في رعاية الشّأن الدّيني وحدود هذه الرّعاية وشكلها وما هو موكول للمجتمع خاصّة في غياب أطر قانونيّة ضابطة للشّأن الدّيني وفضاءاته ومجالاته. ولا مناص كذلك من التوصّل إلى صياغة تصوّر موضوعي يجنّب من يتصدّون لإدارة الشّأن من السياسيين والقائمين على مؤسّسات الدّولة التّأويلات المتضاربة لفصول الدّستور المتعلّقة بالشّأن الدّيني والهويّة من جهة ومدنيّة الدّولة من جهة أخرى حتّى يكون لمرجعيّة المشروع الوطني روح مشتركة ودستور ثقافيّ جامع.     

 

خاتمة:

كلّ ما سبق يمكن أن يصنع السّياقات الموضوعيّة لاستعادة حركة الإصلاح الدّيني واستئنافها من جديد لتكون جزء من ثورة ثقافيّة تبني الخطاب والمعنى والرّموز. ويظل السؤال الجوهري الذي نلاحق خيوطه هو كيف تكون الثورة فرصة لإعادة التوازن الإستراتيجي بين المجتمع والدولة وإنهاء احتكارها للشأن الدّيني والصّدام معه بشكل حاسم و نهائيّ وإعادة تنظيم العلاقة بينهما ؟

سامي براهم

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك