القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

بداية الحكومة الجديدة بين شعار الانجاز و تحدي الارهاب

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-03-10 13:20:00 | 1290 مشاهدة

المقدمة:

بعد أسبوع من تولي الحكومة الجديدة برئاسة السيد إلياس الفخفاخ مهامّها، وقبل يوم واحد من إحياء الذكرى الرابعة لملحمة بن قردان التي تلقى فيها الإرهابيون ضربة قاصمة بفضل الالتحام البطولي الشعبي مع القوّات المسلحة العسكرية والأمنية والتصدي لمؤامرة الاستيلاء على المدينة الحدودية في 7 مارس/ آذار 2016، فجّر انتحاريان نفسيهما في عملية إرهابية جبانة بمنطقة البحيرة بالعاصمة أمام دورية أمنية مرابطة غير بعيد من محيط سفارة الولايات المتحدة الأميركية. وقد أسفرت هذه العملية الإرهابية عن استشهاد ابن المؤسسة الأمنية البطل الملازم أول توفيق الميساوي وجرح أربعة آخرين من أعضاء الدورية الأمنية ومواطنة مدنية كانت بصدد المرور قرب المكان، إلى جانب الوفاة الفورية للانتحاريين.

ماهو الهدف من هذه العملية الإرهابية؟ من قام بها ومن هم المخططون لها؟ ماهي الرسائل الموجهة من خلالها إلى الحكومة والمجتمع السياسي الوطني؟ وما هو المطلوب من حكومة الفخفاخ في مواصلة الحرب على الإرهاب ومواصلة حصار القوى الإرهابية وخنق ذئابها المنفردة من جهة، والشروع في تحقيق الإنجازات والمشاريع التنموية التي تعتبر أولوية أولويات هذه الحكومة وأهم الانتظارات الشعبية في علاقة بمطالب التشغيل والتنمية المحلية والجهوية والاستثمار ومقاومة الفقر والفساد وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين وتوفير الحلول المناسبة لقضايا التضخم وانخفاض قيمة العملة الوطنية والتداين والعجز التجاري؟.. 

الإرهاب ورقصة الدّيك المذبوح:

لقد مني الإرهاب في تونس بهزيمة نكراء وتلقت القوى الإرهابية ضربات موجعة ولم تنجح في أي من عمليّاتها في تحقيق أي هدف .. بطبيعة الحال كان لابد لتحقيق هذه النجاحات من تضحيات فكان استشهاد العديد من الأبطال من أبناء القوات المسلّحة بمختلف أجهزتها واستشهاد بعض المدنيين جرّاء العمليات الإرهابية الجبانة .. وقد كان ذلك مناسبة لتأكيد كل القوى الوطنية ضرورة الالتفاف حول المؤسسة الأمنية والعسكرية وتعزيز قدراتها وسنّ القوانين الضامنة لحماية عناصرها وأسرهم.

ولكن كل هذه العمليات الإرهابية كانت معزولة ومتباعدة وجلّها جاء بعد تلقي الإرهابيين هزائم فادحة سواء في المواجهات المباشرة مع الفرق الأمنية والعسكرية أو في عمليات استخباراتية استباقية أحبطت مخططات الإرهابيين وصفّت الكثير من عناصرهم ..

لقد كلّلت الحرب على الإرهاب في تونس بنصر حقيقي لا ينكره إلا مكابر .. أمّا حدوث بعض العمليات المعزولة فهي ليست سوى رقصة الديك المذبوح ومجرّد رد فعل للتغطية عن الخسائر الفادحة والهزائم المتتالية علما بأن مثل هذه العمليات المعزولة تقع في أعتى دول العالم قوّة وتماسكا وقدرة على محاربة الإرهاب (الولايات المتحدة، أوروبا، روسيا إلخ ..).

إن نجاح التجربة الديمقراطية التونسية قد أصبح واقعا ملموسا إقليميا ودوليا وتحقيق الاستقرار السياسي أصبح مسألة معلومة وملموسة بفضل النجاح في تحقيق الانتقال السياسي الديمقراطي من خلال سن الدستور الجديد وإجراء الانتخابات الديمقراطية المتتالية والنجاح في حلقات التداول السلمي على السّلطة في جميع مستوياتها .. وهكذا فإن ثورة 17 ديسمبر/ 14 جانفي تواصل مسيرتها وتعزّز مسارها للانطلاق نحو تحقيق الانتقال الاقتصادي الاجتماعي التنموي المنشود ..

توظيف خسيس:

وبالرغم من التأكيد على هزيمة الإرهاب وأنه لا مستقبل للإرهاب في تونس بمجتمعها المتماسك ووحدتها الوطنية وتلاحم شعبها وقواتها الأمنية والعسكرية ونهجها المتسامح وتقاليدها في الوسطية والاعتدال ونبذ العنف وتفضيل الاستقرار والتوافق، فإن بعض الأطراف مازالت تحلم باستثمار الإرهاب لتحقيق مآربها وتوظيف العناصر الإرهابية في معاركها السياسية وحساباتها الضيقة.

لقد لاحظ جل المتابعين للمشهد السياسي الوطني التونسي أن جل العمليات الإرهابية كانت دوما تتم في ظرفية تتسم بالتجاذبات السياسية بين مختلف الفرقاء وخاصة بين القوى المدافعة عن أهداف الثورة وعن التجربة الديمقراطية التونسية الوليدة وبين القوى المتمسكة بولائها للمنظومة القديمة والموغلة في ارتباطاتها بقوى داخلية وإقليمية ودولية معادية للثورة وللتجربة الديمقراطية التونسية.

نعم، لاحظ المتابعون أن العمليات الإرهابية المعزولة والمتباعدة كانت تتم في لحظات تصاعد التوتر السياسي وفي أوقات تنامي الخلافات، حتى بدا للبعض وكأنها تتم تحت الطلب وتحت إذن وإشارة .. كل العمليات الإرهابية من ذات النوع تبدو كأنها موظفة وكأنها عبارة عن رسالة مشفّرة .. وتراوحت من اغتيال قادة سياسيين إلى مهاجمة دوريات ومراكز أمنية وعسكرية ..

وبطبيعة الحال كان التمني المنتظر من القيام بهذه العمليات هو فرض تراجعات أو خلق بلبلة وزعزعة الأوضاع السياسية والاجتماعية وتعكير الأوضاع الاقتصادية .. ولا تخلو العملية الإرهابية الأخيرة من مثل هذه القراءات. فقد حصلت في ظرف لاحظ فيه جلّ التونسيون اعتماد طرف حزبي سياسي معاد صراحة للثورة وللتجربة الديمقراطية خلق أجواء من التوتر والفوضى تحت قبة البرلمان وفي المشهد الإعلامي كما لاحظوا التهجمات المتتالية على طبيعة النظام السياسي التونسي ومحاولات خلق أجواء من التوتر بين مؤسسات الدولة ومساعي بث البلبلة والتخويف والكراهية وتحريض القوى الأمنية ..

لكن كل هذه المحاولات مكشوفة ومفضوحة وهي ليست سوى توظيف خسيس وسعي فاشل لتحقيق مكاسب سياسية حزبوية ضيّقة لا مجال لمغالطة شعبنا ومجتمعنا بشأن أهدافها ومآربها ومن يقف خلفها وحولها.

حكومة الوضوح والثقة والإنجاز والنجاح:

ما على حكومة السيد الفخفاخ سوى الشروع في العمل .. لا وقت أبدا لدى الحكومة الجديدة للتأمل والتشخيص، فكل شيء واضح وكل ما هو مطلوب معلوم. لقد جعلت هذه الحكومة من الوضوح والثقة شعارا لها .. أما برنامجها فهو دون شك العمل والإنجاز لضمان النجاح.

ليس أمام هذه الحكومة سوى الحرص على النجاح، ولا نجاح إلا بالإنجازات والمشاريع حسبما أقرته في وثيقتها التعاقدية من أولويات وأهداف وإجراءات. إن أكبر عناوين الإنجاز تتعلق بمواصلة الحرب على الإرهاب والفساد والفقر، وإنجاز المشاريع التنموية المحلية والجهوية والوطنية لمعالجة مشاكل البطالة وتدهور القدرة الشرائية والتضخم والعجز التجاري والتداين .. إن المطلوب بإلحاح هو دفع عجلة التنمية وتطوير النموّ عن طريق الاستثمار والإنتاج والتشغيل والتصدير مما يستدعي استعادة ثقة رجال الأعمال وطمأنة الأجراء وتشغيل العاطلين ووضع حدّ للتشغيل الهش ومحاربة الاحتكار والتهريب في خضم محاربة الفساد ومقاومة الفقر.

الحزام السياسي .. وضرورة الوحدة الوطنية:

منذ بدايات التجربة الديمقراطية التونسية إثر نجاح ثورة 17 ديسمبر/ 14 جانفي، اعتمدت تونس الشراكة والتوافق عنوانا لإدارة شؤون الحكم .. كان ذلك في تجربة الترويكا ثم خاصة في تجربة التوافق التي سادت من 2014 إلى 2019 بتحالف الحزبين الأولين برلمانيا وهما حركة نداء تونس وحركة النهضة.

وفي الانتخابات الرئاسية التي أنجزت في أكتوبر 2019 فاز السيد قيس سعيد بمنصب الرئاسة بفضل دعم مجموعة مهمة من الأحزاب والائتلافات أبرزها النهضة والتيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة وحركة الشعب.

وفي الانتخابات التشريعية التي أنجزت في نفس الشهر فازت النهضة بالمرتبة الأولى وتلاها حزب قلب تونس ثانيا ثم التيار الديمقراطي فائتلاف الكرامة.

وبعد الفشل في تأليف حكومة "ثورية !" بقيادة النهضة ومشاركة القوى التي تنسب نفسها إلى خط الثورة على غرار التيار الديمقراطي وحركة الشعب الذين كانا وراء عدم منح الثقة لحكومة السيد الحبيب الجملي، وقع تكوين حكومة برئاسة السيد إلياس الفخفاخ بمشاركة النهضة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وحزب تحيا تونس إلى جانب بعض المستقلين .. وما تجدر ملاحظته في هذا الصدد استبعاد كل حزب قلب تونس وائتلاف الكرامة من التشكيل الحكومي، رغم دعوة حزب حركة النهضة السيد الفخفاخ إلى ضرورة مشاركتهما لتكون حكومته حكومة وحدة وطنية ذات حزام سياسي قوي وفاعل مع أهمّية دعم المنظمات الوطنية المتمثلة أساسا في اتحاد الشغل واتحاد الأعراف واتحاد الفلاحين لهذه الحكومة لتتمكن من العمل في أجواء من الثقة والاستقرار.

وقد أكدت التطورات اللاحقة لتكوين الحكومة ضعف الحزام السياسي الذي تشكلت منه حكومة السيد الفخفاخ سواء في التصويت على منح الثقة لها أو في المصادقة على بعض القوانين حيث بدت الأغلبية الحاكمة مترددة وأحيانا غير موحّدة إلى جانب الثقل الذي تمثله معارضة قلب تونس والكرامة.

إن حكومة الوحدة الوطنية ضرورة سياسية وواجب وطني ومجتمعي إزاء المخاطر المحدقة بالبلاد جرّاء استفحال الأزمة الاقتصادية والتوتر الاجتماعي وتواصل خوض الحرب على الإرهاب والفساد والفقر.

وقد وعد السيد الفخفاخ بمراجعة خيارات مكوّنات حكومته، ويبدو أنه لا مفر من البحث عن سبل ما لدعم الحزام السياسي المساند للحكومة إن أريد لها فعلا العمل في ظل الوضوح والثقة والحرص على الإنجاز والنجاح..

ولا شك أن قلب تونس معني في المقام الأول بإمكانية المشاركة في الحكومة.. إن الأغلبية الحاكمة الحالية ينقصها الكثير من مناخ الثقة وينقصها الكثير من الوضوح في العلاقات وفي العمل المشترك بل وفي الأهداف سواء منها الوطنية أو الحزبية . ولاشك أن الكرة في ملعب السيد إلياس الفخفاخ وأن مستقبل الحكومة متوقف بكل تأكيد على حسم مسألة توسيع الحزام السياسي من عدمه.

الخاتمة:

كثيرة هي الملفات المطروحة أمام حكومة الفخفاخ، وكثيرة هي الرهانات والتحديات التي تتطلب العمل والنجاح ولا شيء غير العمل والنجاح.

إن الحرب على الإرهاب والفساد والفقر والانطلاق في المشروع التنموي الاقتصادي الاجتماعي ومعالجة قضايا البطالة وتدهور القدرة الشرائية والتضخم والمديونية وضعف الإنتاج والاستثمار والتصدير والنمو تتطلب تضافر جهود الجميع ومشاركة أهم القوى السياسية والمجتمعية في المجهود التنموي الوطني وبالتالي في الحزام السياسي الداعم للحكومة.

هذا هو التحدي السياسي المطروح اليوم أمام رئيس الحكومة وشركائه للخيار بين حكومة ذات حزام سياسي هش وضعيف أو حكومة قوية اعتبارا لتوفير حزام سياسي واجتماعي قوي لها يشمل شركاء فاعلين في مختلف المجالات وخاصة في مستوى الاقتصاد والإدارة والمجتمع السياسي والمدني وتحظى بدعم إقليمي ودولي مساند لنجاح التجربة الديمقراطية التونسية.

وحدة تقدير الموقف السياسي (مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك