القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

انتخابات 2019: الآفاق والسيناريوهات

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-03-05 10:05:00 | 175 مشاهدة

 

المقدمة:

هذه هي الحياة الديمقراطية: انتخابات متتالية واحتكام متواصل للشعب صاحب السيادة عبر صناديق الاقتراع.

الديمقراطية تقتضي دائما العودة الدورية لصاحب السيادة لإضفاء شرعيته ومشروعيته على ممثليه وحكامه عبر انتخابات عامة حرة ديمقراطية نزيهة وشفافة.

هذه الانتخابات بالمواصفات التي تتطلبها النزاهة وتستدعيها الديمقراطية الحقيقية وتقتضيها التعددية الفعلية، مارسها شعبنا لأول مرة في تاريخه المعاصر بعد ثورة الحرية والكرامة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي (2011) ومجلس نواب الشعب (2014) ومجالس الحكم المحلي (البلديات 2018).

وبعد بضعة أشهر يحل موعد الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية والتشريعية لسنة 2019 كما يقتضي ذلك الدستور والقانون الانتخابي. وهي استحقاقات ينتظرها الشعب بفارغ الصبر لمواصلة تثبيت الانتقال الديمقراطي والحرص على الشروع في تحقيق الانتقال التنموي الاقتصادي والاجتماعي المنشود وخاصة لإنجاز مشاريع التنمية والتشغيل وإنجاز الإصلاحات الاقتصادية المستوجبة.

فماهي آفاق انتخابات 2019 في علاقة بموعدها والإقبال عليها؟ وما هي أهم السيناريوهات والاحتمالات المتصلة بالانتخابات الرئاسية والتشريعية من حيث المترشحين المحتملين وحظوظ الأحزاب ومختلف القوى في الفوز بثقة الشعب وبالتالي من حيث تموقع هذه القوى في الدورة النيابية والرئاسية المقبلة والتي سوف تمتد على الخمس سنوات المقبلة؟

  1. آفاق الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2019:

لئن كان هناك بعض التشاؤم حول مدى الالتزام بالموعد المحدد دستوريا وقانونيا (القانون الانتخابي) لإجراء الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية والتشريعية لسنة 2019 بسبب ما عرفته البلاد سنة 2019 من تجاذبات سياسية وتوترات اجتماعية وصعوبات اقتصادية وضغوطات إقليمية ودولية، فإن الغيوم بدأت فعلا تتقشع ويحل التفاؤل بديلا عن التشاؤم وأصبح الجميع تقريبا مقتنعا بضرورة انعقاد الانتخابات في إبانها وصار الكل مهيأ سياسيا ونفسيا لخوض غمارها.

لقد أصبحت أغلب المؤشرات تؤكد ضرورة الالتزام بالموعد الانتخابي لما فيه من مصالح والتزامات في علاقة بالتجربة الديمقراطية وبالمناخ السياسي والاجتماعي وبمتطلبات المعالجات الاقتصادية وبما تستوجبه ضرورة الرسائل الإيجابية للمحيطين الإقليمي والدولي المتابع بحذر ولكن بتشجيع مؤكد للتجربة الديمقراطية التونسية الناشئة والتي مثلت الاستثناء العربي المشع وسط غابة من الظلمات.

ومن هذه المؤشرات الوطنية نذكر خاصة التأكيدات المتتالية الصادرة عن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والأحزاب الفاعلة والشخصيات الوطنية البارزة والقوى الاجتماعية الفاعلة التي عبرت عن التمسك بإنجاز الانتخابات في موعدها والحرص على نجاحها. كذلك من بين هذه المؤشرات، وهي مهمة للغاية، نذكر انتخاب رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات واستكمال انتخاب أعضائها لتعويض المغادرين حسب قانون هذه الهيئة، إلى جانب الاتفاق بين الحكومة من جهة والاتحاد العام التونسي للشغل والجامعة العامة للتعليم الثانوي من جهة أخرى لتجاوز إحدى أكبر الأزمات الاجتماعية التي عرفتها البلاد في السنوات الأخيرة والتي تمثلت في قرارات الإضراب العام ومقاطعة الامتحانات مما كان يهدد بسنة دراسية بيضاء.

وعمليا لم يبق سوى انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية والمصادقة على التعديلات المقترحة في القانون الانتخابي وأبرزها مقترح العتبة ليصبح الطريق مفتوحا وسالكا للشروع في أولى الخطوات على الدرب الانتخابي ليتوج في الموعد المحدد بانتخاب الرئيس والمجلس النيابي الجديدين.

وبخصوص موضوع العتبة بالذات هناك اقتناع واسع لدى الطيف السياسي الأكثر تمثيلية والأكبر فاعلية بأنها ضرورة تقتضيها المشروعية السياسية لممثلي الشعب المنتخبين وتتطلبها عقلنة المشهد النيابي حتى لا يكون فسيفساء تجمع المتحصلين على نسب العشرات بالمائة والذين تتراوح تمثيليتهم من الواحد إلى أقل من الثلاثة بالمائة !لذلك هناك اقتراح الخمسة بالمائة كعتبة انتخابية ويمكن تنزيلها إلى الثلاثة بالمائة في كنف التوافق. ويعتقد جل الملاحظين أن هذه النسبة لن تضر أبدا التعددية ولن تغول الأحزاب الكبرى كما أنها سوف تشجع الترشحات الصغرى والمتفرقة على لم شمل قواها وتوحيد صفوفها بتجميع أصواتها المتفرقة من جهة والتقليل من نسب التشتت والتوزع العشوائي من جهة أخرى.

وبالرغم من أن انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية ليس شرطا لا مندوحة عنه لإجراء الانتخابات ولا يعد عدم انتخابها مانعا قانونيا تماما مثلما حصل للانتخابات البلدية ل 2018، فإن الالتزام السياسي والمعنوي بالدستور والحرص الوطني على استكمال إرساء الهيئات الدستورية يتطلبان الإسراع بانتخاب المحكمة الدستورية .. وهو أمر يبقى منتظرا لو تنازل جميع الفرقاء عن الشروط المسبقة وغلبوا روح التوافق والنوايا الحسنة.

وفي كل الحالات نعتقد أن جميع القوى السياسية الوطنية وجل المتابعين الإقليميين والدوليين حريصون على إنجاز انتخابات 2019 في موعدها.

ومما يؤكد هذا التوجه ما نلاحظه من انشغال الجميع الآن على الأجندة الانتخابية والشروع عمليا في الاستعدادات لمتطلباتها سواء من طرف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أو من طرف الحكومة والأحزاب والشخصيات الوطنية والمجتمع المدني.

  1. سيناريوهات الانتخابات الرئاسية:

لعل أبرز حدث يمثل عنوانا للانتخابات الرئاسية لسنة 2019 يتعلق بموقف الرئيس الباجي قايد السبسي وإمكانية تجديد ترشحه من عدمه.

لقد تولى السيد الباجي قايد السبسي رئاسة الجمهورية طيلة الخمس سنوات التي استغرقتها الدورة الرئاسية 2014-2019 وكان في جل فتراتها رئيس التوافق الوطني بامتياز. وكان كذلك الرئيس المرشح من حزب نداء تونس الذي أسسه في غمرة تطورات 2013 وبفضل التصويت الضروري أو الموجه أو المفيد (le vote utile). وكان بمثابة الأب لرئيسي الحكومات اللذين توليا كرسي القصبة منذ انتخابه (السيدين الحبيب الصيد ويوسف الشاهد) وبالتالي كان هناك انسجام بين رأسي السلطة التنفيذية.

وقد كان هو بالأساس المبادر بتغيير السيد الحبيب الصيد بالسيد يوسف الشاهد عندما بدا أن خلافا قد أصبح يعصف بعلاقة رئيس الجمهورية برئيس "حكومته" وبحزب النداء. والعجيب أن الأمر نفسه تجدد سنة 2018 بين السيد الرئيس وحزب النداء "الحاكم" من جهة وبين رئيس الحكومة السيد الشاهد من جهة أخرى وعادت حليمة لعادتها القديمة في محاولة قرطاج تغيير أوضاع القصبة. ولكن هذه المرة لم تنجح المحاولة لأنه بدا أن الاستقرار الحكومي أصبح في خطر وأن الحياة السياسية سوف تدخل في غمار نوع من العبثية مما فرض على حركة النهضة أساسا التمسك ببقاء الحكومة برئيسها مع إمكانية التعديل والتصويب وإلزامها بتبني النقاط الثلاثة والستين التي مثلت مخرجات وثيقة قرطاج2 . غيرأن النداء والرئيس واتحاد الشغل تمسكوا بالنقطة 64 المطالبة بتغيير رئيس الحكومة.

إذن نرى أن المشهد السياسي الآن تغير والموازين تغيرت نظرا للتطورات الحاصلة صلب "نداء تونس" والتطورات المتمثلة في بروز أغلبية برلمانية جديدة متكونة من كتلة النهضة وكتلة الائتلاف الوطني ثم الإعلان عن قرب تأسيس حزب جديد "تحيا تونس" بزعامة السيد يوسف الشاهد وبتركيبة تضم أعضاء "الائتلاف الوطني" وجزءا كبيرا من قواعد وكوادر حزب النداء !

في هذه الحالة هل سوف يجدد السيد الباجي قايد السبسي ترشحه؟!

لا نتحدث هنا عن سن ولا عن تصويت موجّه محتمل بل عن موقف الرئيس شخصيا وهو السياسي المحنك المعروف بحكمته ودرايته ورؤيته الثاقبة.

السؤال شرعي وواضح ولكن الجواب غامض وربما مستبعد قبل حلول أوان الترشحات.

ولكن في جميع الحالات يبدو الأمر مختلفا تماما هذه المرة داخل ما يسمى بالعائلة الدستورية-البورقيبية وقد تعددت رمزياتها وتشتت صفوفها وظهر مرشحون آخرون محتملون صلبها.

وبقطع النظر عن احتمال ترشح السيد الباجي قايد السبسي إلى رئاسة ثانية من عدمه، يبرز اليوم على الساحة العديد من المترشحين أو المرشحين المحتملين وأغلبهم معروفون وتتردد أسماؤهم بكثرة على غرار السادة كمال مرجان والمنصف المرزوقي ومنذر الزنايدي ومحسن مرزوق وأحمد نجيب الشابي والمهدي جمعة وقيس سعيد وحمادي الجبالي وحمة الهمامي ومحمد عبو ومصطفى بن جعفر وبالتأكيد الكثير من الآخرين والأخريات...

وما يهمنا في هذا السياق هو المرشح الأكثر حظوظا. إنه بكل تأكيد المرشح "التوافقي" أي الذي يمكن أن تتفق عليه عدة أطراف من اتجاهات مختلفة فمن المعلوم أنه لايوجد أي طرف قادر لوحده على توفير أكثر من 50%من الأصوات شخصية كان أم حزبا خاصة في ظل وجود أكثر من مترشح من بين صفوف الأطراف المتنافسة وخاصة الفاعلة منها.

إن المرشح التوافقي هو ذلك الذي تقبل به خاصة العائلة الدستورية الأكثر تمثيلية (تحيا تونس/النداء) وحركة النهضة والاتحاد العام التونسي للشغل. إنه لا يمكن أن يكون مرشح الدساترة وحدهم ولا مرشح النهضة وحدها ولا مرشح الدساترة واتحاد الشغل أو مرشح النهضة واتحاد الشغل بل ذلك الذي يحظى بدعم النهضة والدساترة مع عدم معارضة الاتحاد العام التونسي للشغل.

ولمزيد التوضيح لا نرى مرشح التوافق ممثلا بمرشح تحيا تونس أو النداء أو كليهما وتدعمه النهضة واتحاد الشغل كما لا نراه مرشح النهضة ويدعمه الدساترة والاتحاد بل لا بد أن يكون مرشحا باسم التوافق الوطني مع ترك المجال مفتوحا وفسيحا للمنافسة الانتخابية التشريعية.

وبمزيد التوضيح لا يمكن للنهضة أن تنافس تحيا تونس أو النداء أو كليهما وهي تساند مرشحه والعكس صحيح. لذلك إما أن يكون المرشح التوافقي باسم التوافق أو لا يكون.

وبالرغم من أن هذا الاحتمال ممكن، لكنه يبدو صعبا قليلا في هذه الظرفية. لذلك يمكن أن تكون المنافسة الرئاسية حادة في الدورة الأولى وأن تختار مختلف القوى دعم أحد الفائزين في الدورة الثانية.

هذه الوضعية الأقرب للممكن في اللحظة الراهنة يمكن أن تلغيها فكرة اختيار مرشح توافقي. ولكنها بدورها قد تفرض على القوى الأكثر فاعلية مزيد الحوار خلال الفترة القريبة للاتفاق فيما بينها على مرشح مقبول من الجميع حتى ولو كان مدعوما في الدورة الأولى من بعضها دون البعض الآخر.

ولكي يتحقق ذلك لا بد أن لا يكون للعائلة الدستورية الموسعة وخاصة من تحيا تونس والنداء أكثر من مرشح. وهو أمر يبدو اليوم صعبا بدوره اللهم إذا اتفق الطرفان على فكرة إعادة ترشيح الرئيس الباجي قايد السبسي أو شخصية دستورية أخرى معتدلة ومقبولة من الطرفين. ولكن من المؤكد في هذه الحالة أن هذا المرشح لن يكون المرشح الرسمي باسم الطرف الأكثر منافسة لها ولن تقبل قواعد النهضة دعم من يكيل الاتهامات للحركة ومن يحاول الركوب على الاختلاف معها أو من يكون رمزا فاعلا من رموز النظام السابق.

بالتأكيد سوف يكون للنهضة مرشح في الانتخابات الرئاسية القادمة. لكن من يكون هذا المرشح؟

هذا هو السؤال الغامض بالنسبة إلى أبناء النهضة وكذلك بالنسبة إلى منافسيها.

لقد أكدت حركة النهضة أنها معنية هذه المرة بالانتخابات الرئاسية وبالتالي سوف يكون لها مرشح. والمفروض حسب قانون الحركة أن يكون رئيسها هو مرشحها الطبيعي. ولكن رئيس الحركة الأستاذ راشد الغنوشي أعلن أنه ليس له الطموح لذلك. وبالرغم من أن هذا التصريح لا يعني القطع نهائيا مع إمكانية الترشح إذ يبقى القرار دوما للمؤسسات وهي في هذه الحالة مجلس شورى الحركة. لكن مع ذلك أصبح ترشح الأستاذ راشد الغنوشي مستبعدا أم تصبح إمكانية اختيار مرشح آخر من قيادات الحركة مطروحة. كما يمكن للحركة ترشيح شخصية مستقلة، وفي هذه الحالة سوف تعامل هذه الشخصية كمرشح باسم النهضة وبالتالي سوف يعتبر نهضاويا خالصا بالرغم من عدم انتمائه!

أما الفرضية الأخرى فهي دعم مترشح آخر باسم حزب آخر أو باعتباره مترشحا مستقلا. وهذه الفرضية أيضا صعبة لأن دعم مترشح رسمي لحزب آخر وخاصة إذا كان من المنافسين البارزين في الانتخابات التشريعية غير مقبول قاعديا وربما حتى من قيادات الحركة وكذلك نفس الأمر لمترشح قدم نفسه كمترشح مستقل ثم تبنت الحركة ترشيحه، اللهم في الدورة الثانية حيث تصبح الخيارات ذات معنى ودلالة.

لذلك يبقى الخيار الأفضل لحركة النهضة دعم مترشح توافقي بالشروط التي ذكرناها أعلاه أو تقديم مرشحها الخاص ثم التصرف حسب مقتضيات الدورة الثانية.

ولا بد هنا من طرح إمكانية ترشح السيد يوسف الشاهد لرئاسة الجمهورية سواء باسم تحيا تونس أو باسم التوافق الوطني.

إننا نستبعد هذه الإمكانية لأننا نعتقد أن عيون يوسف الشاهد مازالت باتجاه القصبة ورئاسة الحكومة الموقع الأقوى للسلطة التنفيذية مقارنة بموقع قرطاج ورئاسة الجمهورية.

  1. سيناريوهات الانتخابات التشريعية:

تعتبر الانتخابات التشريعية لسنة 2019 الأهم في الاستحقاقين القادمين ورهانها هو التموقع في مجلس نواب الشعب صاحب السلطة التشريعية وصاحب سلطة منح الثقة لرئيس الحكومة ولأعضائها. وفي هذا السياق يبدو التنافس مازال قائما بين حركة النهضة من جهة والقائمات المحسوبة على التيار الدستوري وخاصة من الفريقين "المتخاصمين" حاليا نداء تونس وتحيا تونس مع إمكانية تقدم حزب التيار الديمقراطي على الجبهة الشعبية وكذلك إمكانية ترشح عدد مقبول من قائمات التيار المستقل الذي أعلن عن نفسه منذ فترة وجيزة وأعلن عن تقديم مرشح باسمه للرئاسية وتقديم قائمات موحدة في التشريعية.

المنافسة بين قائمات النهضة التي تضعها استطلاعات الرأي حاليا في المقدمة بعيدا عن قائمات النداء (في المركز الثاني) وبين القائمات الدستورية الموحدة (تحيا تونس – المشروع – المبادرة – النداء) ومعها ربما قائمات البديل سوف تكون هي العلامة البارزة للانتخابات التشريعية. هذان التياران يمكن اعتبارهما أبرز ممثلين لتيار الثورة المعتدل (النهضة) والتيار الدستوري المعتدل أو كما يحلو للبعض بين تياري المنظومتين الجديدة والقديمة. ولاشك أن تطور العلاقة بين النداء وتحيا تونس سوف تحدد إلى درجة كبيرة آفاق تكوين القائمات الدستورية الوسطية. ويبدو أنه من الصعب جدا إمكانية "التوافق" بين النداء وتحيا تونس في حين أن إمكانية مواصلة تحيا تونس استنزاف كوادر النداء هي السيناريو الأكثر احتمالا. وفي كل الحالات فإن القاعدة الانتخابية المستهدفة من قبل التيارات الدستورية الوسطية هي العائلة الدستورية أما اليسار والقوميون والتيار والحراك فبكل تأكيد لهم قواعدهم "المتحزبة". وسوف توزع أصوات المستقلين بين الجميع وخاصة بلين النهضة و "الدساترة" والقائمات المستقلة.

هنا نجد مربط الفرس بالنسبة إلى الرهانات الانتخابية التشريعية.

إن افتكاك القاعدة الدستورية من قبل تحيا تونس ليس مؤكدا. وإلى الآن مازال نداء تونس هو الثاني في استطلاعات الرأي. وليس مستبعدا معاقبة القاعدة الدستورية لنواب الائتلاف الوطني ولأعضاء "تحيا تونس" بتهمة انقلابهم على النداء وخيانتهم للأب المؤسس.

كما أن التجاذبات السياسية التي حصلت في تزامن مع فترات التحويرات الوزارية وحوارات قرطاج2 ومواقف مختلف الأطراف من موضوع الاستقرار الحكومي وكذلك ما خيم على الوضع الاجتماعي من توترات وما تعرفه الأوضاع الاقتصادية من صعوبات سوف يلقي بثقله في الحملة الانتخابية وسوف تبرز مسؤوليات و حسابات كل طرف للرأي العام الناخب.

كذلك لاشك أنه ستكون هناك مضاعفات وتداعيات للاتهامات ضد حركة النهضة "بالجهاز السري" وللمعارك الأيديولوجية والخلفيات الفكرية التي ازدحمت بها الساحة الوطنية في الأشهر الأخيرة وأبرزها قضايا المساواة في الإرث والمدارس القرآنية وهوية الناشئة في رياض الأطفال وغيرها من "المعارك المصطنعة".

سوف يراهن اليسار ممثلا في الجبهة الشعبية على المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وعلى الفشل الحكومي، لكن الرأي العام غير غافل عن دور هذا اليسار في التأجيج الاجتماعي وفي التصعيد النقابي نظرا لتموقعه صلب المنظمة الشغيلة. كما أن الرأي العام أدرك بعد سنوات أن لليسار قدرات معارضيّة مرموقة ولكن بلا بديل سياسي واقتصادي واجتماعي فعلي وممكن.

ويطرح نفس الأمر تقريبا بالنسبة إلى القوى القومية وحتى القوى التي تعتبر نفسها الأكثر تماهيا مع أهداف الثورة، ولكن ممارساتها الشعبوية لم تعد خافية على أعين الملاحظين والمتابعين.

أما رهان حركة النهضة فهو استعادة أوسع قواعد حزامها الانتخابي واسترجاع أصوات الغاضبين والمتغيبين سنتي 2014 و 2018 لتأخذ الحجم الحقيقي الذي تمثله على الساحة الوطنية والذي يمكنها من لعب الدور المحوري الذي اختارته كقوة وطنية مدنية ديمقراطية إصلاحية ذات مرجعية إسلامية تمثل شريحة كبيرة من الشعب التونسي لا يمكن إقصاؤها ولا يمكن لها بدورها الانفراد لوحدها في الحكم أو إقصاء القوى الأخرى الممثلة لشرائح مجتمعية هامة وذلك مهما كانت نتائج الصندوق.

هذه هي فلسفة التوافق التي أكدت النهضة التمسك بها وهذه هي روح الشراكة التي ما فتئت تدعو إليها ولا تستثني منها إلا من يقصي نفسه بنفسه.

إن رهانات الانتخابات التشريعية الأكثر انتظارا في إمكانيات الفوز بالمرتبة الأولى لتولي منصب رئاسة الحكومة ومهمة تكوينها للعرض على البرلمان، وكذلك إمكانيات تحقيق أغلبية نيابية مطلقة ومريحة. هذا هو الرهان الذي يعلن عنه اليوم صراحة حزب تحيا تونس الجديد والذي يكاد يعيد تجربة نداء تونس القديم بنفس الشعارات ونفس التوجهات. إنه يرفع شعارات البورقيبية والحداثة والمدنية والرفع من سقف الاختلاف الفكري مع النهضة ويقدم زعيمه (يوسف الشاهد) كالمنقذ السياسي والاقتصادي. ولكن ما اصطدم به الباجي من ضرورات الواقع ومستلزمات الديمقراطية والمتطلبات الدستورية وما اصطدم به الشاهد من عراقيل اجتماعية وصعوبات اقتصادية وكيف سيتم تقييم حصيلته الحكومية تبقى الحائل الأكبر أمام هذا الرهان. كما أن مثل هذه الرغبة في الفوز بالأغلبية المطلقة بشكل منفرد تدل على غياب الحرص على التوافق المستقبلي خاصة مع النهضة وهو يمكن أن يكون عائقا انتخابيا شعبيا قد يزيد في إقبال القاعدة العريضة للنهضة وفي انقسام القاعدة العريضة الدستورية لأن هناك دستوريون معتدلون حريصون على "الوحدة الوطنية" وعلى التوافق الوطني وعلى مواصلة تجربة التعايش والشراكة بين أكبر قوتين في البلاد: النهضة والطرف الدستوري، دون إقصاء ولا احتواء. ومن العوائق الأخرى أمام "تحيا تونس" المخاوف التي أصبحت متداولة من إمكانيات توظيف أجهزة الدولة ومؤسساتها والزج بالإدارة في معركة انتخابية تتنافى مع روح الدولة المدنية والعقلية الجمهورية وربما تزيد من رفع وتيرة الأصوات المطالبة بحكومة محايدة إلى موعد إنجاز الانتخابات.

الخاتمة:

تعتبر الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2019 من أهم المحطات السياسية في مسيرة الثورة التونسية المباركة باعتبارها خطوة كبرى على درب مزيد إرساء التجربة الديمقراطية والعمل على تحقيق أهداف الثورة.

لقد كانت دورة 2014-2019 دورة التوافق الوطني السياسي بامتياز رغم ما شابها من تجاذبات في بعض الأوقات وخاصة في السنة الأخيرة.

أما دورة 2019-2024 فنرجو أن تكون دورة الإقلاع التنموي والانطلاق الفعلي في الإصلاحات المستوجبة وإرساء العدالة الاجتماعية وتعزيز الديمقراطية.

لقد دخلنا عمليا بالفعل في الزمن الانتخابي وأصبحت مختلف القوى المعنية بهذه الاستحقاقات معدلة ساعاتها عليها.

في هذا السياق، ومن أجل خوض غمار هذين الموعدين الانتخابيين الرئاسي والتشريعي، تنكب الآن كافة القوى السياسية على تعديل أوتارها سواء بعقد المؤتمرات أو بتجديد الهياكل أو بعقد التحالفات أو بالرفع من وتيرة التهجّمات والمناكفات!...

سوف يكون الاختيار الشعبي وحده هو الحاسم. ونرجو حقا أن يكون التنافس قائما فقط من أجل خدمة المصالح الوطنية العليا وحدها. هذا ما نرجوه وهو ليس بعزيز على المخلصين من أبناء هذا الوطن إذا أرادوا الخير لتونس. ومن أجل تقديم الخير لتونس فليتنافس المتنافسون.

مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك