القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الوضع السياسي الوطني في ظل صراعات اللوائح والتجاذبات الحزبية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-06-25 15:56:00 | 1908 مشاهدة

المقدمة:
خلال الأسابيع الأخيرة تابع الرأي العام الوطني حالة من التوتر في مجلس نواب الشعب ارتبط بما أصبح يسمى قضية اللوائح، فقد عرضت على الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب لائحتان تتعلق الأولى بالتدخلات الأجنبية في ليبيا والثانية باعتذار فرنسا عن جرائمها في حقبة الاستعمار بتونس.
وكان هذا التوتر مرتبطا إلى حد كبير بالصراعات والتجاذبات الحزبية وبمحاولات إرباك الحياة البرلمانية أو لتسجيل نقاط بين الكتل المتصارعة.
لقد برز الحزب الحر الدستوري خاصة بمحاولات التوتير المسترسل في مختلف الجلسات العامة بل وفي كل المناسبات داخل قبة البرلمان لإشعال فتيل الخلافات والعمل على ترذيل مجلس نواب الشعب عامة والنيل من شخص رئيسه خاصة. ويأتي هذا التوتير في إطار خطة محكمة يسهر عليها الطرف الأساسي المشتغل على هذا التوتير والإرباك. وهي في الحقيقة خطته الأساسية التي ينوي اعتمادها طوال خماسية العهدة البرلمانية الحالية 2019 / 2024.

حرب اللوائح:
لقد عرضت على الجلسة العامة يوم 3 جوان 2020 لائحة تقدم بها الحزب الدستوري الحر تدعو إلى التنديد بالتدخل الخارجي في ليبيا مشيرة ضمنا وبين السطور وبالإحالة على قرار للبرلمان العربي إلى التدخل التركي في ليبيا ومن وراء ذلك أيضا التدخل القطري . وقد أسقطت الجلسة العامة هذه اللائحة لعدم حصولها على 109 صوتا.
لكن الذي فاجأ المتابعين هو حصولها على مساندة 94 نائبا اعتبرتهم رئيسة الحزب الدستوري الحر والتي لا ينتمي إلى حزبها سوى 17 نائبا، نصرا مبينا وفاتحة لسحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب. وقد صوت لصالح لائحة الدستوري الحر بشكل خاص أحزاب حركة الشعب (من الائتلاف الحاكم) وقلب تونس المعارض والذي يعتبر قريبا من حركة النهضة، إلى جانب كتل تحيا تونس والإصلاح والمستقبل ونواب مستقلين. ولم يعارضها عمليا سوى النهضة وائتلاف الكرامة في حين امتنع حزب التيار الديمقراطي عن التصويت.
وفي يوم 9 جوان 2020  عرضت على الجلسة العامة لائحة تقدم بها ائتلاف الكرامة تدعو إلى اعتذار فرنسا عن جرائمها الاستعمارية بتونس، وقد سقطت اللائحة بدورها لعدم حصولها على 109 صوتا. وقد أكد معارضو اللائحة وخاصة حركة النهضة التي أصدرت بيانا في الغرض بعد الجلسة العامة أنهم يتبنون المطالبة بالاعتذار والتعويض لضحايا الاستعمار الفرنسي، لكنهم لا يعتبرون توقيت عرض اللائحة مناسبا ولا يوجد دافع منطقي مستجد لطرح الموضوع على المجلس في وضع يتطلب أولويات ملحة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية. ويبدو الأمر كأنه تنافس في ما أطلق عليه البعض حرب اللوائح، ناهيك وأن الدستوري الحر قدم لائحة أخرى لعرضها على الجلسة العامة تدعو إلى تصنيف حركة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا.
وقد لاحظ المتابعون أيضا أن كل هذه اللوائح ذات طابع خارجي وتستدعي موقفا من رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية (ومن خلالها رئاسة الحكومة) .. لكن هذه الأطراف بقيت صامتة ولم تبد أي رد فعل وكأنها تريد توريط المجلس وتحميله مسؤولية المس بالأمن القومي للبلاد وبسياساتها الخارجية.

خطة الدستوري الحر من التكتيك إلى الاستراتيجي وبين الحسابات الداخلية والارتباطات الخارجية:
تقوم خطة الحزب الدستوري الحر أساسا على الاستهداف المتواصل لحركة النهضة والعمل الدؤوب على استفزاز رئيسها الذي هو في نفس الوقت رئيس مجلس نواب الشعب والمحاولات المتواصلة لمنع المجلس من القيام بمهامه الأساسية وبالتالي إفشاله ومن خلال ذلك إفشال رئاسة راشد الغنوشي له وضرب عدة عصافير بحجر واحد منها بالخصوص ترذيل البرلمان وضرب حركة النهضة ومهاجمة النظام السياسي وإفشال التجربة الديمقراطية التونسية. إنها خطة تقوم على الإفلات من إمكانية الوصول إلى انتخابات 2024 وعلى أساس احتمال إجراء انتخابات سابقة لأوانها يتقدم فيها الدستوري الحر انتخابيا مستغلا استقطاب زعيمته لأوسع القواعد الدستورية. إن الهدف المعلن والواضح للدستوري الحر هو حركة النهضة وزعيمها، لكن الهدف الاستراتيجي والحقيقي هو ضرب كل نفس ديمقراطي وإفشال التجربة الديمقراطية التونسية من خلال ضرب حركة النهضة باعتبارها صمام الأمان لهذه التجربة والحارس الأمين لمسيرة الثورة وأهدافها. ولن يتوقف الدستوري الحر وخاصة رئيسته عن هذه التوتيراتوالإرباكات وعن التصعيد المتواصل لأن في ذلك سر بقائها وبقاء حزبها.
كما أن تصرفات الدستوري الحر ليست ملك رئيسته وحدها بل تحديدا وبكل تأكيد ملك من يقف وراءها داخليا من القوى المعادية للديمقراطية والمرتبطة بالمنظومة القديمة وبالقوى الإقليمية المتآمرة على ثورة الحرية والكرامة وعلى التجربة الديمقراطية التونسية والتي تحبك خيوط تحريك الدستوري الحر وكل القوى المعادية للتجربة الديمقراطية ولحركة النهضة من خلال دعمها المباشر وغير المباشر بكل الوسائل المتاحة لديها. وهذا ما يفسر انخراط الدستوري الحر في الصراع الداخلي في ليبيا الشقيقة وتبنيها لسياسات المحور الخليجي بقيادة دولة الإمارات وحزنها العميق من الهزائم العسكرية التي تكبدتها حركة التمرد بقيادة خليفة حفتر أمام القوات الشرعية بقيادة حكومة الوفاق. وهذا ما يفسر محاولة نقلها للصراعات داخل ليبيا إلى تونس وزج البرلمان التونسي في هذه الصراعات. ومن المهم الإشارة إلى أن موقف الدستوري الحر يتناقض تماما مع الموقف الرسمي التونسي المعترف بحكومة الوفاق انسجاما مع الشرعية الدولية ومع موقف شقيقتنا الكبرى الجزائر ومع متطلبات مصالحنا الوطنية وأمننا القومي وروابطنا التاريخية والجغرافية والثقافية مع الشقيقة ليبيا.

بين السياسي والإيديولوجي :
مقابل الدستوري الحر نجد أطرافا أخرى مازالت تعيش وفق الغريزة السياسية أو الانتماء الإيديولوجي دون عقل نافذ ودون خطة محبكة ودون رؤية سياسية استراتيجية. إن هذه الأطراف بمثل هذا التصرف تساهم من حيث تدري أو لا تدري في مزيد توتير الأجواء السياسية.
وتلتقي في هذا المجال كل من حركة الشعب بحساباتها السياسوية الحزبية الضيقة وائتلاف الكرامة بتصلبه الإيديولوجي. ويمثل تصرف ائتلاف الكرامة خاصة إحراجا حقيقيا لحركة النهضة لأنه محسوب عليها سواء كان ذلك عن حق أو عن باطل. أما تصرف حركة الشعب الذي بدا في الأشهر الأخيرة مغاليا في استهداف حركة النهضة فهو نابع عن البعدين السياسي والإيديولوجي معا ويسعى إلى إضعاف حركة النهضة قدر المستطاع وإرباكها حتى وإن لزم الأمر إلى الاصطفاف مع عبير موسي والدستوري الحر والتحالف مع أي كان لضرب حركة النهضة بترديد مقولة أصبحت مضحكة وتتمثل في: لا يهمنا الطرف بل يهمنا الموضوع !

تصيد مشاكل النهضة وثغراتها:
منذ بداية العهدة النيابية الحالية، لاحظنا الاستعداء الواضح لحركة النهضة ولزعيمها الأستاذ راشد الغنوشي الذي انتخب رئيسا للمجلس بأغلبية ضمت نواب النهضة وائتلاف الكرامة وقلب تونس وكتلة الإصلاح وبعض النواب من كتلة المستقبل ومستقلين.
وبدا منذ أول جلسة أن الدستوري الحر مصمم على استهداف الحركة وزعيمها والتشويش على أشغال البرلمان بكل الوسائل والأساليب في تحد واضح لأسس الديمقراطية ولحق الأغلبية.. وقد استغرب الملاحظون هذا التصرف من الدستوري الحر ومن قائدته تحديدا لأن نواب هذا الحزب قد انتخبوا وفق دستور الثورة وقانونها الانتخابي الديمقراطي مستفيدا مما أتاحته له التجربة الديمقراطية من حقوق ومشاركة بالرغم من عدائه الصارخ للثورة وللتجربة الديمقراطية التونسية ولمؤسسات الدولة ونظامها السياسي.
كما لم يفت الملاحظين استثمار الدستوري الحر ومن يسايره في حملات التوتير والإرباك ما أطلقوا عليه مشاكل حركة النهضة وثغرات أدائها .. ومن هذه المشاكل والثغرات نذكر خاصة:

  • تراجع عدد نواب النهضة في مجلس نواب الشعب بالرغم من حصولها على الرتبة الأولى، حيث تنازل العدد من 89 في المجلس التأسيسي إلى 69 في مجلس برلمان 2014 – 2019 إلى 54 في المجلس الحالي.
  • فشل النهضة في نيل حكومة الحبيبالجملي ثقة البرلمان مما فرض الانتقال من حكومة برئاسة مرشح الحزب الفائز بالرتبة الأولى إلى حكومة يختار رئيس الجمهورية من يعتبره المرشح الأقدر .. وهو ما حصل باختيار الرئيس للسيد إلياس الفخفاخ لرئاسة الحكومة.
  • عدم نجاح حركة النهضة في إقناع رئيس الحكومة السيد الفخفاخبمشاركة قلب تونس وائتلاف الكرامة في الحكومة الجديدة .. وقد تم تفسير موقف السيد الفخفاخ مشاركة حليفي النهضة في البرلمان برفض رئيس الجمهورية وحزب التيار الديمقراطي وحركة الشعب مشاركة قلب تونس وائتلاف الكرامة. وقدخلق هذا الوضع من ناحية أولى حالة توتر وعدم ثقة بين النهضة وحزبي حركة الشعب والتيار الديمقراطي صلب الائتلاف الحاكم ومناخ جفاء نسبي مع رئاسة الجمهورية. ومن ناحية ثانية حالة مخاوف وشكوك لدى قلب تونس من موقف النهضة المتمسكة في نفس الوقت بتوسيع الحكومة وبعدم الانسحاب منها مما جعله يصوت مع لائحة عبير موسي في رسالة واضحة بأنه لا يستطيع أن يصبر طويلا على وضعيته كحليف للنهضة في البرلمان ومعارض لها باعتبارها شريكا في الحكومة .. كما أن علاقة النهضة بائتلاف الكرامة أصبحت مهددة بسبب التقديرات المختلفة للأوضاع وتغليب ائتلاف الكرامة حساباته الانتخابية المشروعة بالنسبة إليه بكل تأكيد على الضاغطات الوطنية الراهنة والتي لا تستطيع حركة النهضة تجاهلها. إنه من الإيجابي هذا التباين بين النهضة والكرامة لأنه يؤكد عدم ارتباطهما عكس ما يدعيه منافسو النهضة ... لكن السلبية يتمثل في تشجيع القوى المضادة على مزيد استهداف النهضة والاستخفاف بوزنها البرلماني.
  • التأثير السلبي والمؤكد لما تعيشه النهضة من خلافات داخلية في علاقة بالمؤتمر القادم للحركة (المؤتمر الحادي عشر) وما يتخلل ذلك من أطروحات تصل إلى حد التناقض بخصوص قيادة الحركة للمرحلة القادمة.

ولاشك أن لهذه الخلافات تأثيرات واضحة على وحدة الحركة وعلى أدائها وعلاقاتها السياسية برلمانيا وحكوميا.

معادلات الربح والخسارة:
من المؤكد أن الوضع السياسي الوطني اليوم يتميز بعدم الاستقرار وبانعدام الثقة بين الأطراف المتداخلة حكوميا وبرلمانيا وبين المؤسسات العليا للدولة. تعتبر الأغلبية الحكومية هشة ويسودها التنافس الحزبي وتتميز الأغلبية البرلمانية بالهشاشة.
يفتقد رئيس الجمهورية اليوم إلى روح التجميع ولم الشمل وشيئا فشيئا صار جزءا من الصراع. يبدو الرئيس كأنه يعيش على الهامش وشبه مستقيل من الحالة السياسية. إنه غامض وكأنه مازال في الحملة الانتخابية.
أما رئيس الحكومة فإنه يعيش حالة التجاذب والتنافس بين القوى المشاركة في حكومته ولا يقدر على ضمان استقرار الحكومة ولا فرض التضامن بين مكوناتها فيكون شبه أسير لمواقف رئيس الجمهورية وحزبي حركة الشعب والتيار الديمقراطي من جهة ولاضطراره الاعتماد على حركة النهضة ووزنها البرلماني من ناحية أخرى.

كما أن الصراع الإقليمي يلقي بظلاله على الوضع الداخلي ويوتره مع تنامي الاصطفاف حول المحاور التي جاءت في وضع ما بعد ثورات الربيع العربي. لقد صارت القوى الداخلية المعادية للثورة وللتجربة الديمقراطية التونسية بمثابة الانعكاس والامتداد للقوى الإقليمية والدولية المعادية للثورة والديمقراطية.
في خضم هذا الوضع تبدو حركة النهضة بمثابة الرابح المؤكد مضافا إليها ائتلاف الكرامة والتيار الديمقراطي مع تأرجح قلب تونس بين الاقتراب أكثر من النهضة أو الاندفاع نحو العائلة الدستورية وتحديدا الدستوري الحر.
تعد النهضة المستفيد الأول والأكبر لأنها تموقعت فعلا في الوسط بامتياز وهي التي تستقطب عن جدارة القوى الوسطية التي لن تجد في تقاربها مع الدستوري الحر أية أرباح كما أنها لن تجد حليفا أقوى من النهضة في البرلمان وفي الحكومة للدفاع عن حقها في المشاركة وتحمل المسؤولية في إدارة الشأن العام والمساهمة في معالجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الحارقة.
لكن النهضة مع ذلك في حاجة أكيدة إلى تجاوز خلافاتها الداخلية والوقوف صفا واحدا خلف زعيمها باعتباره رئيسا لمجلس نواب الشعب والحفاظ على تقاربها مع قلب تونس وائتلاف الكرامة وفتح حلقة جديدة مع التيار الديمقراطي على أساس تغليب المصلحة الوطنية والحوكمة ومقاومة الفساد ...
أما أكبر الخاسرين فهما تحديدا الدستوري الحر لمغالاته في عداء الثورة والديمقراطية وحركة الشعب لمغالاتها في الانغلاق الإيديولوجي والسياسوي.

الخاتمة:
مازال الوضع السياسي يعيش حالة إرباك وتوتر حادتين. وبالرغم من النجاحات النسبية والمهمة للحكومة في مجابهة وباء الكورونا فإن أمامها ملفات معقدة من أبرزها مواصلة مقاومة الفساد ومعالجة الصعوبات المالية والاقتصادية خاصة مع ظاهرة الانكماش الاقتصادي وتراجع مؤشر النمو إلى ما دون -6% كما أن الحالة في مجلس النواب مرتهنة إلى حد كبير بمدى استقرار ووضوح العلاقة بين الأغلبية الحكومية والأغلبية البرلمانية والتي لا يمكن تأمينها وتعديلها إلا بتوسيع الحكومة وتأمين حزام نيابي وشعبي قوي من حولها ولاشك أن وضوح السياسة الخارجية التونسية والتعامل الصحيح مع تطورات الوضع في ليبيا بالتنسيق الكامل مع الجزائر الشقيقة خاصة من شأنه تأمين الاستقرار السياسي المنشود والانسجام مع الشرعية ومع المصلحة الوطنية العليا ومستلزمات الأمن القومي.
ولا يفوتنا التأكيد على ما يتطلبه النظام الداخلي لمجلس النواب من تعديلات تأكدت ضرورتها وإيقاف نزيف الترذيل والمعارك المفتعلة على غرار ما سميناه حرب اللوائح.

مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية (وحدة التقدير السياسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك