القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الملتقى الإسلامي المسيحي في تونس: أسس الحوار بين الثقافات والأديان

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-08-05 11:47:00 | 305 مشاهدة

ملخص:

يندرج هذا العمل في نطاق البحث الدّؤوب عن جسور التواصل والتحاور بين الأديان والحضارات والثقافات والسّعي إلى تفعيلها بطريقة تمكّن من صياغة علاقات بين البشر تقوم على المحبّة بدل الكراهية والتّفاهم بدل التباغض وتساعد على إعادة النظر في المتصوّرات الّتي رسّختها الأفكار المسبقة أو الأفكار المؤسسة على اعتبارات عقديّة متكلّسة وكّنها الجهل بالأحر حينا أو القصد إلى تجاهله لغائيات إيديولوجية- دينية أو لأهداف نفعيّة دنيوية حينا آخر.

تطرح اليوم في العالم العربي-الإسلامي وفي الفضاء الإسلامي وغير الإسلامي عامّة بقوّة لاحتداد الاستقطاب بين الشرق والغرب احتدادا ضاعفته التحوّلات متسارعة الوتيرة الّتي يشهدها العالم وتعرفها العلاقات الدولية الّتي لم تعد تحكمها صلات الرغبة والرهبة الّتي كانت تميّز مراحل الاكتشافات الأولى والاستعمار الجديد والحرب الباردة بل تحكمها علاقات المنافسة والمضايقة الناشئتين عن تغيّر في موازين القوى تغيّرا تعبّر عنه مؤشرات عديدة منها وعي الأقلّي بحقوقه وفقير الأمس يبسر حاله اليوم وما يترتّب على ذلك من استحقاقات وتابع البارحة بذلّة التبعيّة وضرورة الثورة عليها وجوب اطراح الدونية ظهريّا إلخ...

وقد اخترنا الملتقى الإسلامي المسيحي في تونس منطلقا لمحاولة الوقوف عند أهمّ الأسس التي يقوم عليها الحوار بين الثقافات والأديان لأنّ المعالجة النظرية لمسألة مثل الّتي نعالج لا تفي وحدها بالحاجة لأنّها تبقى تأملية في وجه، طوباويّة مثالية في وجه آخر وكذا الأمر بالنسبة إلى المقاربة التاريخيّة التي لا تمكن أن تكون إلاّ اختزالية استطرافية لأنّها قد تضفي إلى تغييب مراحل وإبراز أخرى على أساس من الهوى واستجابة لرغبات ومقاصد.

ونعني بالملتقى الإسلامي المسيحي تلك "المنتديات" الّتي التأمت في تونس في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي والّتي جمعت نخبة من الانتلجنسيا الغربية والعربية حول حوار يعبّر عن "أحلام" و"رؤى" هذه الفئة من المجتمع الحاملة لوعيه بحكم تميّزها المعرفي والعلمي. وتنتمي هذه النخب إلى الجامعة والمجتمع المدني والمذاهب الدينية الإسلامية والمسيحية المختلفة.

وهذا الملتقى هو في حقيقته متعدّد فقد خصّص لقاء نوفمبر 1974 للنّظر في "الضمير المسيحي والضمير الإسلامي في مواجهتها تحديات النموّ" واحتفل ملتقى ماي 1982 "بحقوق الإنسان" واهتمّ ملتقى أفريل 1986 بالحياة الروحية مطلبا يقتضي العصر تحقيقه . وإذ لا يمكننا الوقوف عند محتويات النصوص وتحليل جميعها فإنّنا سنختار ما يمكن أم يكون منها ممثلا لوجهات النظر المختلفة خادما لغرضنا.فما هي أسس الحوار بين الثقافات والأديان؟

1) المعرفة والاعتراف

أ) اعتبارات نظريّة عامّة

معلوم أن "المعرفة الّتي تضمّ جميع أنواع المعلومات والمهارات الّتي يكتسبها الإنسان بالتحقيق والاختبار والأساليب الّتي يمارسها لصنع حاجاته وتنظيم شؤونه وترقية عقله ونفسه"36 قد رسمت في مرحلة من مراحلها وفي فرع من فروعها صورة "للمغاير" شرّعت لانتقاصه وبرّرت دونيته وفتحت المجال لأسباب سلبه واستلابه وصاغت فكرا مركزيّا غربيّا يلغي الآخر ويؤسّس لدونيته العقليّة والنفسيّة مقابل إعلاء "الأنا" الإنّي المركزي عقلا وقدرات.

فالإنتروبلوجيا في مراحلها الأولى أسّست لتمايز المجتمعات والثقافات وابتدعت مفهوم "المغاير" وما يحمل من مدلولات حافّة تكرّس دونية المغاير واختلافه عن "الأنا" بجهله وبدائيته وفوضى حياته وتعصّبه وميله إلى العنف ممّا أدّى إلى تصوّر عاملين متقابلين عالم الأنا وعالم المغاير. لكنّ تطوّرا نوعيّا حدث مع كلود شتراوس CLS والأنتروبولوجيا النقديّة. فبعد أن كانت الأنتروبولوجيا بحثا في المغاير (الآخر- المحلّي) يستكسف طقوسه ودياناته و"ثقافاته" ونواميسه الاجتماعيّة ويروم إحراز دونيته ويكون القول فيه للكلّي في حين يظلّ المحلّي (المغاير) صامتا خاضعا لنظر الآخر الّذي يفحصه فحص الأشياء أصبحت الأنتروبولوجيا نظرا في كلّ الثقافات وأعطت حق الكلام لكلّ الثقافات البشريّة. وكسّرت طوق الثقافة الأوروبيّة المتمركزة المستأثرة بالرأي المخرسة للثقافات الأخرى. وهكذا ساوى كلود شتراوس بين الثقافات فلا أرقى ولا أدنى- وأدّى هذا إلى "تأسيس نظام معرفيّ شامل لجميع الثقافات مرتكز على فرضيات العقل المستنير" 37.

وقد عاضد عمل الأنتروبولوجيين الأوائل الإستشراق الكولونيالي الذي نظّر ونشر وبشّر منذ القرن الثامن عشر بسيادة الثقافة الأعلى وهيمنتها وأرسى أفكار المركزيّة الأوروبية وإطلاقيتها وعنصريتها وإقصائيتها. فالعالم قائم في نظرها على طرفين طرف خلاّق مبدع معطاء متسامح وطرف مصاب بالعقم والكسل والتعصّب يعيش في غياهب التوهّم والجهل والظلمات. فكان الرفض وإخراس الألسن الّتي قعدت عن التحاور لا لعجز فيها بل لصمم أصاب آذان أهل الرفض والاستعلاء.

أمّا الإرساليات التبشرية فقد يسرّت بتعاليمها وتعليمها وخدماتها اختراق المجتمعات المستهدفة للسلب والاستلاب ومهّدت بتضافر ما تراكم من فكر الأنتروبولوجيين الأوائل ونظريات الاستشراق الكولونيالي ومركزيته الأوروبية السبيل إلى هيمنة الأقوياء بعتادهم وفكرهم واقتصادياتهم على الضعفاء الّذين أريد لهم أن يكونوا ضعفاء. وأدّى هذا إلى محاولة طمس الهويات وإذابتها بالمثاقفة المغالية بعد رفض الاعتراف بها هويات لأقوام قادرين على العطاء والإبداع فالإسهام في بناء الحضارة الإنسانية.

وتبعا لذلك قامت المعركة من أجل الاعتراف بعد أن خمدت نيران المعارك من أجل تقرير المصير والتحرّر السياسي والاستقلال الاقتصادي وثقافة أصيلة ترفض ما علق بها من هجانه ويقدّم ويكي بيديا Wikipédia في دائرة المعارف الحرّة ضمن مقال مخصّص لأكسال هونات Axel Honneth تعريفا جامعا للاعتراف في صلته بالصراع من أجل الاعتراف يقول "إنّ الاعتراف في النموذج الّذي يقترحه هونات مفهوم إجرائي ومفهوم ذو مضمون معياري في الآن نفسه. ويعرّف هونات هذا المفهوم بكونه فعلا إنجازيّا يتعلّق بإقرار الآخرين بقدرات وخصال أخلاقية يتحلّى بها أفراد وأشخاص أو مجموعات تنتمي إلى فضاء اجتماعي معيّن. وهذا الإقرار يكون بينشخص (بين شخصين) ويبدو مفهوم "الاعتراف" حسب هونات "مرتبطا وثيقا بصراع لا يكون من أجل مصالح بيولوجية أو مادية قصد البقاء بقدر ما هو عمليّة تكوّن لعلاقة عملية مع الذات من خلال انتظارات المرء الاعتراف به من قبل الآخر في ردّ فعله الإيجابي" 38.

ب) في تاريخيّة مفهوم "الاعتراف":

إنّ فلاسفة العصور القديمة مثل أرسطو وأفلاطون وكبار الأخلاقيين من يعدهم في العصر الكلاسيكي مثل مونتاني (Montaigne) أو لاروش فوكو (A Roche Foucault) لم ينكروا الخصيصة الاجتماعية للكائن البشري لكنهم يعتبرونها نقطة ضعف فيه فالبحث عن "قبول" الآدميين الآخرين إسقاف مرذول: إن الحكيم (أو الفيلسوف) ينبغي أن يدرك اكتفاء ذاته بذاته. لذلك كان علينا أن ننتظر منتصف القرن الثامن عشر الّذي اقترن بانحسار الامتيازات وظهور فكره كرامة الفرد.

شدّد روسو (1779-1712) على فكرة الاعتبار. فهو لم يختزل الحاجة إلى العلاقات الاجتماعية في مشاعر التنافس. فهو يصف ما يسمّيه فكرة الاعتبار الّتي تمرّ عبر النظر يقول "إنّ كلّ واحد منّا يبدأ بالنظر إلى الآخرين ويرغب في أن ينظر إليه الآخرون وبهذا يكون الآخرون ضروريين لاكتماله.

ويقترح آدم سميث (1790-1723) أنّ نشيد "ملاحظا محايدا على علم بكلّ ما يجري داخل ذواتنا. وهو ما يعني أهمية نظرة الآخرين داخل ذواتنا.

ويعدّ هيغل (1830-1770) أهمّ فلاسفة الاعتراف. وقد يعود ذلك إلى كونه أوّل من استعمل هذه العبارة. ويعتبر هيغل أنّ الصراع من أجل الاعتراف الّذي هو الصراع حتّى الموت وقصد الحظوة هو أسّ ما أحرزت الأخلاقيات من تقدّم.

ويعتبر شارب تايلور (1931) أنّ لا وجود لفرد بين آخرين وأنّنا على الدوام نحدّد هويتنا في إطار حوار يكون قائما على التضاد والتقابل حينا وعلى التماهي حينا آخر مع الآخرين من ذوي الاعتبار.

أمّا أكسال هوناث (1949) فيرى أنّ الاعتبار والاحترام يمثلان أسس عالم العلاقات القانونية والاجتماعية وإن احترام فكرة لأن كلّ فرد من أفراد المجتمع مفيد والاعتراف بها يمثّلان أسس تضامن المجموعات.

ويميّز هوناث ثلاثة أنماط أساسيّة من الاعتراف المتبادل: الاعتراف بالحبّ والاعتراف القانوني والاعتراف الثقافي.

ج) "المعرفة" موضوع معرفي منطلقا للاعتراف:

حظي التراث العربي الإسلامي باهتمام الدّارسين غربا وشرقا وتباينت مقارباتهم له بتباين مقاصدهم وأسبابها الدّافعة. فكانت الدراسات التمجيدية الاحتفالية وكانت الدراسات الأكاديميّة الّتي لا تعدو كشف المغطّى وكانت الدراسات التهجينيّة الّتي لا ترى في هذا التراث سوى مصارف تنشر الظلام وتلغي العقل وتكبّل قدراته وتقيّدها ممّا يشرّع الإنكار والاستكبار وما يرتبط بهما من ذرائع للسلب والاستلاب. وقد نهض بهذا النوع الأخير من الدراسات لفيف من المستشرفين لخّصوا توصيفهم للمجتمعات العربيّة الإسلاميّة في عبارات التوهميّة والعشائريّة والخرافية والتعصّب والشبقيّة... والكسل والتسليم وغياب الإدارة إلخ... ومعلوم أنّ النخب الجامعيّة العربيّة الإسلامية واعية بأنّ رفض ''المجتمعات الغربيّة" "المجتمعات العربية والإسلاميّة" ناتج عمّا ترسّخ في الأذهان من أدبيات الاستشراق الكولونيالي المتشبّع بالروح  "الأوربية- المركزية" الّتي تنفي احتلال المجتمعات الشرقية "معرفة" بالمعنى الّذي تتصوّر لذاك قرّرت  إبقاءها خارج دائرة الإبداع  وبالتاي خارج دائرة فكر الإنسانية وتاريخها. (ويمثل مقال المأسوف عليه الأستاذ محمد سويسي "المعرفة: قيمتها وحدودها في نظر علماء العرب" المقدّم في ملتقى سنة 1974 وجها من أوجه المعرفة بالتراث لغرض الاعتراف). ومن الأمثلة المبنية عن هذه المتصوّرات الموغلة في الإنكار والعنصريّة قول بعض غلاة المستشرقين "إنّ تعاليم الإسلام تتنافى مع البحث والنظر الطليق. وإنّها تبعا لهذا لم تأخذ بيد العلم ولم تنهض بالفكر ولم تنتج إلاّ انحلالا موغلا واستبدادا ليس له مدى في حين أنّ المسيحيّة" كانت مهد الحريّة ومنبت النظم النيابية وقد صانت ذخائر الفنون والآداب وبعثت العلوم بعثا قويّا ومهّدت للفلسفة الحديثة وغدّتها..."39.

ويتّضح هذا الموقف الاثني العنصري في مقارنة يعقدها بعض المستشرقين بين العقل السامي والعقل الآري "أنّ العقل السامي لا طاقة له إلاّ على إدراك الجزئيات والمفردات منفصلا بعضها عن بعض أو مجتمعه في غير تناسب ولا تناسق ولا ارتباط فهو غفل مباعدة وتفريق (Esprit séparatiste) لا جمع ولا تأليف ومن العبث أن نلتمس لديهم أراء علميّة أو دروسا فلسفيّة وقد ضيّق الإسلام أفاقهم وانتزع من بينهم كلّ بحث نظري وأضحى الطفل المسلم يحتقر العلم والفلسفة" 40.

ويقابل هذا الإنكار العدمي الناتج عن غياب المعرفة بالإسهام العربي- الإسلامي في بناء حضارة الإنسان وإثراء ثقافته العلميّة حضور للمعرفة الدّقيقة بالتراث الإسلامي في هذا المضمار. وإذ ليس غرض عملنا الحجاج والاحتجاج بل بيان دور الجامعيين في "الجهاد" من أجل الاعتراف بالمعرفة فأنّنا سنختار مقالين يمكن أن نعتبرهما شاهدين على بطلان مقالة من أسلفنا الإشارة إليهم من المستشرقين وبالتالي دعوة إلى الاعتراف ما جحد الجاحدون. وأوّل هذين المقالين المقدّمين في الملتقى الإسلامي المسيحي المنتظم سنة 1974 من قبل الجامعة التونسية مقال الأستاذ محمد سويسي بعنوان "المعرفة: قيمتها وحدودها في نظر علماء العرب "أمّا المقال الثاني فهو بقلم المصري الدكتور عبد العزيز كامل بعنوان "الإسلام ودوره في بناء الإنسان المعاصر".

نذكّر الدكتور كامل بما هو متعارف من تبجيل للعلم والعلماء في الإسلام واعتبار الدين الإسلامي طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة وذكّر بحضّ الإسلام معتنقيه على الرحيل والهجرة في سبيله وبالثّواب الّذي يناله المسلم على كلّ خطوة يخطوها في هذه السبيل وبأنّ الإسلام يرفع من شأن العلماء فيجعل ميدان العلماء كدماء الشهداء، 41 وقد حشد للتدليل على ذلك شواهد من النصّ المؤسّس الذي يعتبره الكثيرون مصدر تسييج الفكر ودغمائيته. ومن هذه النصوص قوله تعالى:

1- "ولا تقف ما ليس لك به علم، إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا" (الإسراء، 36).

2- "هل يستوي الّذين يعلمون والّذين لا يعلمون" (الزمر، 9)

3- "وقالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السعير، فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير (الملك، 11)

ويستدعي محمد سويسي شاهدا من حياة النّاس اليومية دليلا بليغا على توطّن حبّ العلم في نفوس النّاس "ولكن أكانت هذه النّظرة التطبيقيّة العلمية ترمي إلى أن يمدّ العالم يده على الكائنات وأن يحوز ما في الأرض من مادّة؟ كان القصد منها المنفعة والغنم؟ كلاّ بل إنّ الغرض من هذا السعي "كان حياة القلوب من الجهل ومصباح الأبصار من الظلم" وحسبنا شاهدا ما كان لأبي الريحان البيروني من موقف إزاء السلطان مسعود حين أهداه كتابه القانون المسعودي فأرسل إليه حمولة فيل من الفضّة فردّ عليه الهدية قائلا إنّما قصده من عمله مجرّد العلم وكشف الجلباب عن غياهب الجهالة ويكفي أيضا للدلالة على هذه الروح العلمية الصادقة أن ننقل ما رواه ياقوت الحموي عن القاضي أبي الحسين الولواجي النيسابوري حيث زار البيروني على فراش موته فسأله عن مسألة كان ذكرها له وطلب منه إعادتها فأشفق عليه القاضي وقال: أو أنت على هذه الحال؟ فقال ويحك أليس خيرا ليي أن أفارق الدنيا وأنا أعلمها؟ 42.

وإذ يعتبر الاستشراق الكولونيالي العنصري الثقافة الإسلاميّة ثقافة النقل والخرافة والتوهّم فإنّ الجامعيين المشاركين في الملتقى الإسلامي الأوّل قدّموا شواهد من التراث تفيد هذه الأحكام الحصريّة ودعّموا وجاهتها وآنيتها بمقارنات تقيم بينها وبين ما توصّل إليه جهابذة الفكر العربي نسبا في المضمار وإضافة إلى بعض الاعترافات المنسوبة إلى أعلام الفكر العربي المعترف للسلف بالنّزاهة والإنصاف.

إنّ التسليم هو رفض للشكّ واقتناع بالمأثور والمنقول منبوذ وقد نذر العديد من علماء العرب أنفسهم لترسيخ "الشك طريقا إلى اليقين. يقول محمد سويسي مستشهدا بأحد كبار العلماء المسلمين مقارنا بينه وبين أب العقلانية الحديثة في الفكر العربي والوريث الشرعي للآباء المؤسّسين: "فموقف ابن الهيثم إذن هو موقف العلم الحديث منذ أن جعل ديكارت "الشك بين أقدام الحقيقة" وليس هذا الشك سلوكا سلبيّا شك الرافض النافي بل هو حافز على البحث وعلى سير الحقيقة وكشف المغطّى وتغيير الزائف من الخالص الابريز. وكان الرائد الأوّل لعلماء العرب إتباع العدل لا الميل مع الهوى وإعمال العقل والتأمّل والنظر، فقال قائلهم: "إذا تعارض العقل والنقل في مطلوب فتبع العقل".

بل إنّه يتطرف ويجازف ويخضع المحسوس للعقل فيواصل قوله على هذا النّمط: ويتبع المخلص في المنقول ليوافق المعقول إن أمكن وإلاّ يعدّ المنقول من قبيل المتشابهات" أو على الصيغة التالية:

"القول بترجّح الظواهر النقلية على القواطع العقليّة محال لأنّ النّقل فرع على العقلي فالقدح في الأصل لتصحيح الفرع يوجب القدح في الفرع والأصل معا" أو يقول قول جابر بن حيّان في كتاب أسطقس الأس الأوّل "إنّ هذه الصناعة ليست كائنة بالبحث ولا كيف جاء واتّفق لكن إنّما تكون لذي الرأي الصحيح والقياس الواجب والدرس الدائم للعلم الحق الواضح فاتّقوا الله عزّ وجلّ يا قوم في أنفسكم ولا تسلكوا طريقا لا تعرفوه ولا تركبوا مركبا لم يتقنوه..وتسكنوا إلى الإطلاع عليه والمشاهدة له والبرهان أصدق شاهد وأعدل حاكم"43. ويورد سويسي شواهد عديدة لتأكيد ما أراد الاحتجاج له من نبذ للتقليد واحتكام إلى الشك والعقل ومن هذه نذكر شاهدين "يقول أبو الريحان البيروني في مقدّمة القانون المسعودي: ...وإنّما فعلت ما هو واجب على كلّ إنسان أن يعمله في صناعته من تقبّل اجتهاد من تقدّمه بالمنّة وتصحيح خلل إن عثر عليه بلا حشمة وخاصّة فيما يمتنع إدراك صميم الحقيقة فيه من مقادير الحركات وتجليد ما يلوح له فيها تذكرة لمن تأخّر عنه بالزمان وأتى بعده وقرنت بكلّ عمل في كلّ باب من علله وذكرت ما توليت من عمله ما يبعد به المتأمّل عن تقليدي فيه ويفتتح باب الاستصواب لما أصبت فيه أو الإصلاح لما زللت عنه أو سهوت في حسابه".

وهذا ضياء الدّين بن البيطار العشاب المالقي يجعل من أعراض كتابه "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" صحة النقل فيما أذكره عن الأقدمين وأحرّره عن المتأخّرين فما صحّ عندي بالمشاهدة والنظر وثبت لديّ بالخبرة لا الخبر ادّخرته كنزا سريّا وعددت نفسي عن الاستعانة بغيري فيه سوى الله غنيّا، وما كان يخالف في القوى والكيفيّة والمشاهدة الحسيّة في المنفعة والماهية للصواب والتحقيق وإن ناقله أو قائله عدلا فيه عن سواء الطريق نبذته ظهريّا وهجرته مليّا وقلت لناقله أو قائله لقد جئت شيئا فريّا ولم أحاب في ذلك قديما لسبقه ولا محدثا اعتمد غيري على صدفه" 44.

وهكذا تكون البرهنة على توطّن العقلانية والاعتداء بالتجربة والمشاهدة والموقف النقدي في التراث العربي الّذي يرتبط إنكار اعتراف الغرب بالشرق بتصوّر له مشوب بالانحراف قائم على الاستطراف والانتقاء.

وفي مضمون الحرص على مزيد الإبانة على أنّ التمشي العلمي العربي الإسلامي جزء من الموروث الإنساني ومرحلة من مراحل تطوّر الفكر العلمي الإنساني يضيف الأستاذ محمد سويسي في سياق مقارني قائلا "وإنّما يكون الوضوح في رأيهم في صميم العقل البشري والحقّ ما أقر العقل أنّه حقّ". وهكذا كان رأي إخوان الصفاء وهكذا كان من بين المتأخٍّين رأس الفيلسوف Alain... وهذا ما ترمي إليه الديكارتية الحديثة ومدرسة Husserl إذ يرى هذا الأخير مثلا أنّ الرياضيات لا تصل حقيقتها ولا تجد مبرٍّها إلاّ عند التطبيق الواقع..."45

ويبدو أنّ الجحود والإنكار لا يمثّلان القاعدة فعبد العزيز كامل يورد اعترافا لأحد كبار المستشرقين بسبق العرب في مضمار علميّ إذ يقول "في اتصال المسلمين بالحضارات السابقة أخضعوا نتائجها لتجاربهم واستطاعوا تصحيح أخطاء سابقة. كما حدث في قياس محيط الأرض بتوجيه من الخليفة المأمون وذكر القضيّة ابن يوسف المصري (المتوفّى سنة 399 هــــ/ 1009 م) في الباب الثاني من كتاب الزنج الحاكمي الكبير نسبة إلى الخليفة الحاكم الفاطمي. وقد كلّف المأمون فريقين من العلماء كلّ فريق من اثنين ليقوما في مكانين مختلفين بالقياس في وقت واحد وجاء القياسان متّفقين" ويعقّب نالينو على ذلك بقوله في كتابه علم الفلك تاريخه عند العرب في القرون الوسطى ط روما ص ص 191-284. "قياس العرب لمحيط الأرض هو أوّل قياس حقيقي أجرى كلّه مباشرة على كلّ ما اقتضته تلك المساحة من المدّة الطويلة والصعوبة والمشقّة واشتراك جماعة من الفلكيين والمساحين في العمل فلا بدّ لنا من إعداد ذلك القياس في أعمال العرب العلمية المجيدة المأثورة" 46.

2) مفاهيم وآليات تفكير حداثية مترسّخة في الحضارة العربية الإسلاميّة:

أ) رفض الدغمائية

إن كلّ معالجة للمفاهيم تستدعي الحذر لأنّ مزالقها كثيرة وأخطرها الإسقاط والتلبيس لذلك سنتحدّث في هذا المضمار عن المنحى العامّ دون أن نروم إقرار وجود الفلسفة الحاضنة للمفهوم عند العرب والمسلمين. ومرامنا كذلك نقض فكرة التسييج والانغلاق. فالرسول (ص) كان يأنف الانشداد إلى الدغمائيّة وتحجّر الفكر وكان يقف من بعض القضايا موقفا "براجماتيا" يحدوه فيه "الحرص على منافع النّاس" وفي هذا المضمار يقول الحبيب الفقيه مستندا إلى أحداث تاريخيّة ذالة "كان الرسول يراعي في الأحكام التشريعيّة السهولة واليسر وينظر إلى المصلحة نظرة اعتبار لارتباطها بقضيّة تعميم النفع وضرورة يقتضيها الاجتماع فقد كان الرسول يولي الأنفع للمسلمين على من هو أفضل منه كويلاته لخالد بن الوليد على حروبه لمعرفته بالسياسة الحربيّة ولم يول من هو أسبق منه في الإسلام... وكانت المصلحة تقتضي أن يبقى خالد بن الوليد على رأس الجيوش حتّى ولو ارتكب ما يثير حنق الرسول... وكانت المصلحة تفرض على الرسول أن يتجاوز عن بعض الأحكام الشرعية فقد نهى أن اقطع الأيدي في الغزو وعند السرقة خشية أن يترتّب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبا رغم أنّ عدم إقامة الحدّ يعتبر تعطيلا لحدّ من حدود الله وانتهاكا لحرمة الشريعة. ولما كان صادرا من الرسول اعتبر يحكم جديد وبنى عليه الصحابة الحكم التالي: أنّ الحدود لا تقلم في أرض العدوّ" 47

ب) مسألة التقدّم

أمّا عن مسألة التقدّم فإنّنا سنعتمد نصا بدا لنا طريفا بمقاربته التاريخيّة وبمنحاه في التأويل والاستنتاج إذ لم يعمد سعد غراب في بحثه بعنوان "فكرة التقدّم عند المفكرين الإسلاميين القدامي" إلى المقاربة الفجّة المباشرة الّتي تقوم على الإسقاط والتعسّف والانتقاء. وفضل هذا العمل عدم تصدّيه للرد على قوله رينان الّتي صدّر بها الباحث بها عمله والّتي جاء فيها بأنّ "الإسلام لا يشجّه على التقدّم والعلم وأنّه في جوهره حافظة وأنّ القيم كلّ القيم بالنسبة إلى الفكر السامي هو في الابتعاد عن خصائص الفكر السامي بصفة عامّة" 48.

وأوّل ما لا حظ المؤلّف: أنّ لفظة التقدّم غير موجودة في النصوص العربية القديمة.. لكن عدم وجود اللفظ لا يعني حتما عدم وجود المفهوم أو المتصوّر (Concept) ثمّ إنّ المفهوم قد يعبّر عنه إن قليلا أو كثيرا بألفاظ أخرى قريبة منه. وقد عبّر فعلا عن بعض جوانب هذا المفهوم باصطلاحات مثل إجماع، اجتهاد، استحسان واستصلاح، عرف، إصلاح، تجديد، تطوّر، 49 وقد أحال على كلّ المراجع الّتي تفصّل اللفظ وتبيّن صلته بالتقدّم ثمّ طفق يجري مسحا لتاريخ الإسلام محاولا تحسّس  مكامن التقدّم دون تعسّف فقد رأى أنّ الدين الجديد الّذي يكوّن الحلقة الأخيرة وقد أتى مجدّدا للحنيفية السمحاء أي لديانة إبراهيم ومصلحا لما اعترى اليهودية والنصرانية من تحريف.. كلّ ذلك أحدث بدون شك وعيا تاريخيّا هو الأساس في كلّ شعور بفكرة التقدّم" 50 ويستعرض المؤلّف اختلاف الآراء في تقويم عهد الحلفاء الراشدين الأربعة باعتباره "العصر الذهبي" ويشير إلى المفاضلة بين الحلفاء عند السنّة والشيعة والخوارج، يرى في هذه المفاضلة بصفة ضمنية ضربا من تنسيب الأمور واطراح الإطلاقية ممّا يعدّ مؤشّرا من مؤشرات التقدّم. وينتهي به المطاف في هذا المضمار إلى القول بأنّ "بعض المعتزلة ستكون لهم فيما بعد بعض المطاعن على الصحابة بل أنّ بعضهم لا يقبل هذه الهالة من التقديس والاحترام الّتي يحيكهم بها المسلمون بصفة عامّة ولا يرون مانعا من نقدهم والطعن في بعض تصرّفاتهم ولم لا يكون ذلك وهم جدّدوا بالطعن في بعضهم بعضا" 51.

ج) التوسّط ورفض الجمود:

ويحاول المؤلّف سنّ قانون عامّ ينطوي على نزوع الفكر الإسلامي إلى التوسّط وتميّزه بالحركيّة ونبذه الجمود والسكونية إذ يقول "نعم كلّما بالغ تيّار مت في اتّجاه ما إلاّ ووجد في الحضارة الإسلاميّة تيّار معاكس له أو معدّل من غلوائه إلى أن نصل إلى وسط كان في الغالب هو المميّز لمذهب أهل السنّة والجماعة والإسلام بصفة عامّة الّذي كان دينا وسطا خاصّة وأنّنا نجد في القرآن كلّ ما نشاء وبذورا لكلّ النظريّات والتيارات الّتي اجتاحت العالم الإسلامي 52

ويذهب المؤلف إلى أنّ وجود الآيات المتشابهات من شأنه كسر كل جمود وتحجّر ومن آياته فتح باب النظر والاجتهاد باعتبارها سبيلا من سبل التقدّم يقول: "واعتبر الزمخشري أنّ في وجود الآيات المتشابهات حكمة بالغة لأنّ في ذلك دعوة إلى الفحص والتأمّل من النظر والاستدلال واعتبر فخر الدين الرازي أنّه لو كان القرآن محكما كلّه مطابقا لمذهب واحد منه المذاهب الأخرى وبذلك يكون اختلاف المسلمين رحمة ويكون الإسلام يسرا لا عسرا" 53.

ويتوغّل المؤلف في البحث والنظر إلى أن يصل القرن الخامس مع الهلال الصابي (توفي سنة 448 هــــ/ 1056م) فيقول "وسيجد أبو الحسن الهلال الصابي لنصرة الجديدة حجّة أخرى دامغة بالنّسبة للقدامى إذ يقول ""إنّه لو كان التأخّر مقعدا عن ذروة في الخير باسقة وغلوة في الفخر سابقة ورتبة في الجدّ مبلوغة وغاية في المجد مرفوعة لما جعل الله محمدا (ص) آخر المرسلين أوانا وأذكرهم زمانا وأظهرهم في معجزاته حجّة وأعلاهم في جنّاه درجة وأجرأهم إلى طاعته خطوة وأولاهم بكرامته حظوة ثمّ نسخ به ما شرعوا وفسخ به ما وضعوا ونقض ما بنوا ودحض ما قرّروا حتّى صار دينه المرفوع وشرعه المتبوع وعقده السديد وبناؤه المشيد" 54. ويضيف غراب معقبا "ولعلّ الطريف في كلام الصابي هو إشادته بالعقل وتركيزه عليه واعتباره الأصل في كلّ فضل وتقدّم. قال بعد أن تحدّث طويلا عن ماهيته: "فقد ثبت أن الفضل فرع أصله العقل ثمّ تدعو الحاجة إلى بأن يعلي أساسه ويسقي غراسه من أدب يقتبس وعلم يكتسب ورياضة تصلح وتوفيق يلحق فإذا التقى من ذينك فرع وأصل واقترن أدب وعقل اجتمع بهما قوى العقل ولمع بينهما نور الحزم وأمكن رافع البناء أن يرتقي ذروته وغارس الغرس أن يجتني ثمرته" 55.

وهكذا نرى من خلال هذا البحث الّذي اختزلنا مضامينه أن الحضارة الإسلامية حضارة "الحركة" لا "الجمود" وأنّ المحرّك الأساسي للبيئة الإسلاميّة في الاتّجاهات المختلفة هو المذاهب والفرق الإسلامية وأنّ العقلانية مترسخة في التجربة الإسلامية باعتبارها دافعا للتقدّم مكسّرة للقيود المعرقلة لعملية التطوّر والتقدّم. ويختم غراب مقاله بفكرة لا تخلو في نظرنا من الطرافة لاسيّما عندما ترتبط بفكرة التقدّم. فالمعلوم أنّ الأمل منحاز التقدّم ودافعه لذلك يرى غراب صلة بين فكرة "المهدي المنتظر" وفكرة التقدّم إذ يقول: "المهمّ أن فكرة المهدي المنتظر مهما كانت أسبابها ومهما كانت الأوجه التي اصطبغت بها قد أثّرت تأثيرا كبيرا في الذهنيّة الشعبيّة وجعلتها تتعلّق ببعض الأمل في تغيّر الواقع المرّ الّذي تعيشه في جلّ أصقاع العالم الإسلامي ولا أدلّ على ذلك ممّا يخبرنا به ابن خلدون من شيوع هذه الفكرة في المغرب الإسلامي واعتبارها السبب في كثرة الخروج على الحاكمين إذ يكفي أن يقوم مشعوذ أو شخص تكون له بعض مظاهر الصلاح والتقوى ويدّعي أنّه المهدي المنتظر الّذي سيملأ الأرض عدلا بعدما ملئت جورا حتّى يجد بعض الأنصار يلتقون حوله" 56. وهكذا يستحيل ما يعدّه البعض خرافة وأوهاما  في التراث العربي الإسلامي علامة دالة على التوق إلى الحركة والتغيير ورمزا إلى التقدّم في مفهومه البديئي الّذي يمهّد للمفهوم الحداثي المتطوّر.

د) الاعتراف بحقوق الإنسان:

ومن المواضيع الّتي تعدّ آنية لمحرقة موضوع "حقوق الإنسان" الّذي خصّص للنظر فيه الملتقى الإسلامي المسيحي الثالث (قرطاج 24-29 ماس 1982).

وإذ لا يسع مجال هذا العمل الوقوف عند كلّ ما ذكر في المضمار فإنّنا سنختصر على ما يمكن أن نعتبره خادما للإعتراف من أفكار ومواقف إسلاميّة وما يمكن أن يعتبر ردّا على الّذين يرون في تاريخ الإسلام عبنا لحق الإنسان وانتهاكا لحرمته. وسنختار من المقالات المستوفية النظر في هذا الموضوع- موضوع المعرفة من أجل الاعتراف: مقال الدكتور عبد العزيز كامل بعنوان: حقوق الإنسان في الإسلام- نظرة في المشكلات النوعية، ومقال الشيخ موقف الإسلام من حقوق الإنسان ومقال إبراهيم القطان: التّسامح والعصبية الدينية إضافة إلى ملاحظات تمهيدية، تقتطعها من تقديم عبد الوهاب بوحديبة لأعمال الملتقى. ردّ بوحديبة عن تساؤل البعض عن سرّ اختيار "حقوق الإنسان" موضوعا للملتقى قائلا "أنّ معظم بلاد العالم قد اتّخذت منذ زمن بعيد جملة من التدابير الدّستورية والقانونيّة والتشريعية لحماية مواطنيها ولضمان العيش الكريم لهم تحت رعاية حقوق الإنسان... وهل بقي بعد كل ذلك مجال جدّي لاجتماع مثل هذا؟ بدون أيّ تردّد أجيب نهم لأنّ كلمة عمر بقي لها معنى وأيّ معنى فإنّنا لا نزال "نستعيد النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا" 57

ولا يكتفي بوحديبة بالتّنبيه إلى أنّ صيحة الخليفة عمر بن الخطاب ما تزال وكأنّها صيحة في واد ونفخة في رماد بل يشير إلى وجوب أن يتّخذ مفهوم حقوق الإنسان مفهوما شموليا ويخرج من الحصريّة التي تضيّق مجاله ومعناه. يقول في هذا: والوقت قد حان لتضافر الجهود ولتعاون العزائم الصادقة فتساهم في إيجاد نظام دولي جديد مبني أكثر فأكثر على الاعتراف بحقوق الإنسان الثابتة وعلى البحث عن أنجع السبل الكفيلة بتمكين البشر من التمتّع الفعلي بحقوقهم. وقد تمّ الإجماع أو يكاد على أن يخرج حقوق الإنسان من الميدان السياسي والمدني الضيّق الّذي حدّدت فيه. فاعترفنا في العشرين السنة الماضية بوجود حقوق أخرى في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحّية... وأصبحنا على يقين تام بأهمية الدور الخطير الّذي تلعبه التربية ووسائل الإعلام لدعم حقوق الإنسان"58. وربط بوحديبة بين مقولات ثلاث: التقوى والإيمان ووجوب احترام الإنسان واستشهد على هذا الترابط بنصوص لخصها في قوله "وكان عليه الصلاة والسلام في كلّ مناسبة يربط بين الإيمان والتقوى ووجوب احترام حقوق الإنسان فكان يقول "الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان وكان يقول "ليس المؤمن من يشبع وجاره يموت جوعا" وكان يقول المؤمن هو "الّذي يأمنه النّاس على أموالهم وأنفسهم وكان يقول "لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتّى تحابوا" 59. وهكذا يكون بوحديبة قد حدّد سياق النظر في مسألة حقوق الإنسان وهو سياق عالمي عامّ وسياق إجرائي خاص وضبط الإطار المفهومي والتاريخي الّذي يجذّر المسألة في التراث والتاريخ العربي الإسلامي. أمّا عبد العزيز كامل فينزّل هذه المسألة في صراع الاعتراف ونفي الاعتراف القائم على الجهل والانتقاء والقصد إلى إلحاق الضيم بالآخر يقول "واتّخذ الطرفان (الإسلامي والمسيحي) من الّدين وتصويره وقودا لهذه الصراعات صوّروا الإسلام دينا قام على القهر وانتشر بالسيف وصوّروا نبيه (عليه وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام) وأصحابه قوما دفعهم الفقر من قلب الجزيرة إلى الغارة على ما حولها والاستمتاع بما فيها من غنى وثروة وكتبوا عن حياتهم اليوميّة بأسلوب ينضح بالحقد وإن تستّر بالعلم"60. ويصدّر إبراهيم القطان مقاله بآية من الإسراء تشدّد على أن "الإنسان في نظر الدين الإسلامي أكرم ما في هذا الوجود فهو مكرّم عند الله ابتداء من آدم عليه السلام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وإلى هذه الكرامة للإنسان يشير القرآن الكريم بوضوح إذ يقول الله تعالى وهو أصدق القائلين "ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير من خلقنا تفضيلا" الإسراء 70". 61 ولهذا الإنسان المكرّم المفضّل مجموعة من الحقوق منها الحقّ في الحياة الّذي يشدّد عليه القطان ويجعله في صدارة الحقوق إلى جانب المساواة التامّة بين بني البشر مساواة لا تمييز فيها على أساس الجنس والعرق والدّين واللّون: يقول القطان "فلننظر إلى هذا النص القرآني العظيم: أنّه من قتل نفسا بغير حقّ أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعا ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعا" المائدة 22... فالحديث في الآية الكريمة عن النفس البشرية وعن الناس دون تفرقة بين لون أو جنس أو دين. وإنّ الآية كما يقول السيّد رشيد رضا رحمه الله: تعلمنا ما يجب من وحدة البشر وحرص كلّ منهم على حياة الجميع واتّقائه ضرر كلّ فرد لأنّ انتهاك حرمة الفرد انتهاك حرمة الجميع والقيام لحقّ الفرد من حيث أنّه عضو من النّوع وما قرّر له من حقوق المساواة في الشرع، قيام بحق الجميع..."

هذا هو الدين الإسلامي من منبعه الأصيل من القرآن الكريم.. وإذا ألقينا نظرة سريعة على السنّة الشريفة نجد الكثير من النصوص الّتي تؤكّد على وحدة البشرية والرأفة بهم، من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حجّة الوداع "يا أيّها الناس إنّ ربّكم واحد وإنّ آباكم واحد كلّكم لآدم وآدم من تراب إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على أعجميّ ولا أعجميّ على عربيّ ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر فضل إلاّ بالتقوى ألا هل بلغت اللهم فاشهد ألاّ فليبلغ الشاهد منكم الغائب"62. ويواصل القطان حشد الشواهد على المساواة والتآخي بين بني الإنسان حتّى يصل إلى حقّ الحيوانات في العيش وواجب الرّفق بهم. ومن هذه الشواهد نذكر قول المؤلّف "وقد رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحد فتية الأنصار وقد شقّ على جمله فقال له "ألا تتّقي الله في هذه البهيمة الّتي ملكك الله إيّاها"وفي مضمار التسامح يذكر القطان شواهد كثيرة منها "في صحيح البخاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قام من مجلسه تحيّة عندما مرّت جنازة أمامه فقام من كان قاعدا معه من أصحابه ثمّ قيل له: "إنّها جنازة يهوديي يا رسول الله فقال الرسول الكريم عليه السلام: أليست نفسا؟ أليس إنسانا من خلق الله" 63. وتكتما الحقوق في مقال مصطفى كمال التارزي الّذي يضيف إلى كلّ ما ذكر من حقّ في الحياة حقّا ناشئا عن قدسيّة هذه الحياة:

- الحقّ في الحريّة: وهي تنقسم إلى:

* الحرية الدّينية الّتي تقوم في الإسلام على ثلاثة مبادئ:

1) هو أن لا يكره أحد على الدّخول في العقيدة:

"وهذا الجانب يقرّره القرآن الكريم في كثير من آياته من ذلك قوله تعالى (لا أكره في الدّين قد تبيّن الرشد من الغيّ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع علم (الجنائز 91) ويروى عن ابن عبّاس رضي الله عنهما في سبب نزولها أنّها "نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما فقال للنبي صلّى الله عليه وسلّم ألاّ استنكرهما فإنّهما قد أبيا إلاّ النصرانية فأنزل الله الآية".64

2) هو أمر المسلمين لمجادلة غيرهم من أهل الأديان الأخرى بالمنطق والعقل والحسنى "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن" المائدة 5. 65

3) أن لا يكون الإيمان عن اقتناع ظاهر لا عن تقليد ولذلك نهى القرآن الكريم على أولئك لا يستعملون عقولهم في اختيار الدّين الصحيح وإتّباع العقيدة السليمة ويقتصر على تقليد أبائهم في عقائدهم قال تعالى (وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون". العنكبوت 46. 66

- الحريّة الفكرية الّتي هي حرية العقل:

"يدعو الإسلام في نصوص كثيرة من القرآن والسنّة العقل الإنساني إلى التفتّح والنموّ والتحرّك حتّى يبتعد عن الخرافات والأباطيل ويتمكّن من النظر في هذا الكون في نفسه وما حوله من قريب وبعيد ليدرك الحقّ ويتمتّع بنور الله وهدايته قال الله تعالى: "وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون" البقرة 170. 67

ومن الحريّة الفكريّة حرية الرأي: "والرسول الكريم يرشد النّاس إعمال الرأي والاجتهاد عند عدم وجود النصّ من القرآن والسنّة وذلك ما جاء في حديث معاذ من جيل رضي الله عنه عندما أرادان يبعثه قاضيا على اليمن فقال له: كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟

قال: أقضي بكتاب الله

قال: فإن لم تجد في كتاب الله

قال: فبسنّة رسوله

قال: فإن لم تجد

قال: اجتهد رأيي ولا ألوي

فضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صدر معاذ وقال: الحمد لله الّذي وفق رسول الله لما يرضي الله ورسوله" 68.

- الحقّ في الكرامة:

إنّ كرامة الإنسان ثابتة له بصفته إنسانا حتّى يعامل بما تقتضيه الحرمة الّتي أعطاها الله للإنسان وميّزه عن سائر المخلوقات إذ جعله الله في الأرض خليفة... والكرامة فيي الأصل حقّ لكلّ أحد بوصفه شخصا برّا أو فاجرا تقيّا كان أو عاصيا لكنّ الجزاء الّذي يترتّب على الأعمال قد يحرمه من بعضها إذا أجرم أو ارتكب ما يخالف به أوامر الله أو ما يضرّ به المجتمع وفيما عدا هذا ليس لأحد أن ينال من كرامته بتعبيره أو التّشنيع عليه والله تعالى يقول "يا أيّها الّذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرا منهنّ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب" الإسراء 70. 69

- حق العدل: لقد أشرنا إلى ما ورد في حجّة الوداع من إقرار لحق المساواة الّتي هي جزء من أجواء العدل.

"لقد جاءت جميع تعاليم الإسلام متماشية مع العدل بكلّ ما شرعه الله تعالى من أحكام المعاملات وقواعد السلوك الاجتماعي وتحديد العلاقة بين المؤمنين بعضهم ببعض وبينهم وبين غيرهم. كلّ ذلك يرمي إلى العدل ويرمي إلى تحقيقه حتّى في العقائد والمبادئ... وعلى هذا الأساس يوجّه الإسلام عناية المسلمين إلى الصدقة والتعاون.. فلا يمكن أن يقبل العقل أن يكون أحد أعضاء المجتمع متخما بالمال والنعيم وبجانبه من هو مستحقّ بعض ذلك ليعيش قال تعالى: يا أيّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء الله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين". النساء، 134. وقال تعالى "يا أيّها الّذين آمنوا كونوا قوامين لله، شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنآن ثوم على ألاّ تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى واتّقوا الله إنّ الله خبير بما تعلمون" المائدة 9. والقوام هو المبالغ في القيام بالشيء المضطلع به اضطلاعا قويّا فهو شديد الحرص عليه، شديد الوفاء له، شديد الغيرة على تمامه وصلاحه 70.

- حقّ التعلّم:

ينقل التارزي عن الترمذي قول رسول الله صلّى الله عليه وسلم في إحدى خطبه: "ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعطونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟ وما بال أقوام لا يتعلّمون من جيرانهم ولا يتفقهوم ولا يتعظون؟ 71.

- حق الملكية:

أورد التارزي شواهد عديدة من شرعية الكسب ورفض أن تستأثر بخيرات الدنيا فئة من النّاس دون أخرى كما ذكر أنّه لا يجوز انتزاع ملكية نشأت عن كسب حلال إلاّ للمصلحة العامة ومع تعويض عادل لصاحبها. وينقل التارزي عن البخاري حديثا في المضمار يقول فيه "من أخذ الأرض شيئا بغير حقّه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين" 72. وهكذا تكون المعرفة بحقوق الإنسان كما وردت في النصّ المؤسّس وفي سيرة الرسول وأحاديثه أداة لنشره بين جمهور من يعلم بها فيكتشفها. ومن هنا تزول المسبقات إن وجدت ويزول الجهل إن وجد لقد آثرنا في هذا العمل الاقتصار على تجربة مخصوصة وظف فيها التراث العربي الإسلامي توظيفا أراده الجامعيّون غائبا لأنّه يستهدف أطرافا غريبة جاءت لتعرف قصد ترسيخ معارفها أو لتعرف قصد مزيد من المعلومات يحملها إلى الاعتراف أو لتزيل التباسات ومسبقات عطلتها عن الاعتراف. وهذه الأطراف الغربية بدورها تحمل رسائل تروم نفس المقاصد والأهداف. ومسألة الاعتراف بالمعرفة أوسع من أن يحيط بها بحث كهذا. فللجامعات التونسية اتّفاقيات تربطها مع جامعات غربيّة يتّم بمقتضاها تبادل الخبرات والطلبة والأساتذة الّذين يحملون معرفة تساعد على الاعتراف بكفاءتهم والإفادة من علمهم وهو أمر يتطلّب عملا مستقلاّ بذاته يقع فيه استعراض هذه الاّتفاقيات وتحليلها والرجوع إلى المخابر والمعنيين بها لمساءلتهم عن درجات الاعتراف الّتي انتهت إليها مساعيهم العلمية وأعمالهم في الدّول الّتي زاروها أو مع الأطراف الّذين تعاملوا. وهذا العمل ميدانيّ يتطلّب سنة من الدراسة والبحث بل أكثر من ذلك. ورغبة منّا في فتح آفاق البحث في المضمار فإنّه قمين بنا أن نشير إلى ما قام به الجامعيون في الشيلي في مضمار معركة الاعتراف بواسطة المعرفة لذلك فإنّنا سنقتصر على ذكر المقال المخصّص لهذه المسألة بعنوان : La reconnaissance de l'autre, condition essentielle de la citoyenneté moderne et l'éducation aux droits de l'homme.

in Revue des sciences de l'éducation vol XXIII n° 1 1997 pp. 133-143

وخلاصة ما يمكن أن نقول إنّ سياسة حقيقته للاعتراف بالفروق بين النّاس وبالناس يجب أن تدمج نظام المجتمع لأنّ الاعتراف هو أساس الروابط الاجتماعيّة. فالعدالة الاجتماعية لا تمرّ عبر إعادة توزيع الثروات فحسب بل كذلك عبر الاعتراف. والاعتراف لا يكون إلاّ بمعرفة الآخر وهذه لا تكون إلاّ بنشر المعرفة الّتي ينتجها الآخر لأنّ تلك المعرفة تعكس حقيقته التاريخية والآنية لأنّ الآني ابن التاريخي إذ لا وجود لحاضر دون ماض كما لا وجود لحاضر دون ماض كما لا وجود لمستقبل دون حاضر. فالإنسان ابن ماضيه مهما حاول التنصل منه والتنكر له. لذلك فإنّ ما كان مقاما على الخير لا يمكن إلاّ ان يثمر خيرا وما بني على صلب لا يمكن إلاّ يكون صلبا.

هــــــ) رفض الاستمرارية

نعني بالاستمراريّة حضور الماضي في الحاضر وتصوّر التاريخ والمجتمع تصوّرا يقوم على التجانس التامّ وحدة غير مغايرة ولا متمايزة. وهي وحدة مستمرّة في التاريخ استمرار جوهريّا وإنّ ما يعتري هذه الوحدة من اختراقات يعدّ أمرا طارئا خارجا عن هذا الجوهر. وهكذا تبدو الاستمرارية في معنى من المعاني إطراح فكرة التطوّر الحتمي والتقدّمي الكامنة في جوهر ديناميّة التاريخ. وقد اخترنا نتفا من محاضرة كلود جوفري CLAUDE GEFER حيث يقارن بين التماميّة المسيحيّة والتماميّة الإسلامية اللّتين تمثّلان نموذج الاستمرار ويبيّن التشتيت بحرفيّة النصوص لمؤسّسة والتقاليد والخوف في كلا الديانتين من الاجتهاد في تفسير هذه النصوص كما يقف عند رفض هاتين التماميتين المجتمع الحديث وباعتباره مجتمعا تعدّديا إباحيا متساهلا، وضربا من المرض الّذي يقول "وكان من الطبيعي أن يتملّك النزوع التماسي بعد مجمع الفاتيكان الثاني وما نجم عنه من انقلابات أولئك الّذي كان يسكنهم حنين أبدي إلى النظام الروماني باعتباره نظاما صفريّا متشدّدا.. وبعد فترة من المفاوضات والتفاهمات مع العالم الحديث ترانا نشهد مع ولاية البابا يوحنا الثاني علامات ومؤشّرات تدلّ على الرغبة في إحياء الحقيقة الكاثوليكية التام والرجوع إلى الهوية المسيحية. أمّا في الإسلام فإنّ التشدّد التماسي بقوم دليلا على صعوبة ملائمة الحضارة الإسلامية مع متطلّبات الحداثة. وهذا التشدّد يأخذ في بعض الأحيان شكل نضالية معادية للغرب. ففي إيران مثلا يصل نقد الحداثة من قبل الدّين إلى خلق أشكال من التيوقراطية والتعصّب الديني موغلة في القدامة والتأخّر"73. ويؤدّي رفض المؤلف الاستمرارية في العالم المسيحي إلى اتّهام أولياء الأمر من رجال دين وسياسيين بالتّشجيع على ذلك خدمة لمصالحهم ورغبة في الحفاظ على السائد وتشييد الآن نفسه ببعض علماء الدّين الّذين رفضوا ذلك "وإن علماء الدّين في مرحلة التحرّر يعود إليهم الفضل في فهم الدّور الإيديولوجي الّذي لعبه خطاب مسيحي ظلّ في العديد من بلدان أمريكا اللاّتينيّة يخدم مصالح أولى الأمر ومصالح أولئك الّذين يحرصون كلّ الحرص على الحفاظ على الوضع الاجتماعي الجائر" 74.

و) ضرورة الروحانيات:

خصّص الملتقى الرابع مثلما ذكرنا للحياة الرّوحية باعتبارها مطلبا من مطالب العصر. ومعلوم أنّ هذه القضيّة قد طرحت خارج هذا الإطار فبرقسن BERGSON (1941-1859) قد نادى بضرورة المكمّل الروحي ودرج على نهجه العالم ورجل الدين تيلار دي شردان T. DE CHRDIN في بداية ستينات القرن الماضي. وقد حلّل كلودجفري حدود العقلانيّة والحداثة وبيّن وعي أهل العصر بذلك رغم ما حقّقت تلك الحداثة والعقلانية من إنجازات ومكاسب في كلّ الميادين وذهب إلى حدّ القول بأنّ عودة الديني في عالمنا المعاصر لا تعزى فقط إلى أزمة الحداثة ولا نمثّل ردّ فعل ضدّ هذه الزاهرة بل "يمكن أن تفسّر بأنّها تعبير عن الحداثة إذا لم نعتبر الحداثة مجرّد صورة تاريخية للإنسان الغربي تزامنت مع الثورة الصناعية والعلمنة وظهور المجتمع الليبرالي". 75

ويضيف في هذا المضمار وكأنّه يحلّل قوله برقسن "أنّ عودة الديني تدلّ  على صلابة الإنسان واستعصائه على أن يختزل {في شيء من الأشياء} ذلك الإنسان الّذي لا يمكن أن نقتصر على تعريفه بأنّه كائن ذو حاجات أو مكان تبادل بل يتعيّن تعريف بأنّه كائن له رغبات وتوق إلى المغايرة" 76. وبعد أن يشير إلى ما يمكن أن تنهض به مختلف المعتقدات الدّينية من دور في شخصية الإنسان واعتباره محور نظر وتساؤل بالنسبة إلى الخطاب الثقافي والسياسي والاقتصادي الرسمي. يقول "وفي هذا العالم الّذي يقوم على فكر واحد قائم على الحسابات يمكن أن تلعب دور الوسائط الاجتماعيّة المحدّد لمعنى الإنسان" 77. ومن هنا تكون ضرورة الروحانيات الّتي تحملها الأديان السماوية خاصّة لأنّ أبناءها هم أبناء إبراهيم وقد تتّبع ستيورات- براون Stuart. E. BROWN في مقال بعنوان "أهمية الحياة الروحيّة في الحوار بين الأديان" هذه المسألة ظهورا وضمورا من خلال الحوار الّذي جرى بين رجال مسلمين ورجال دين مسيحيين أثناء عديد الملتقيات الّتي نظّمتها اللّجنة المركزية للمجلس المسكوني للكنائس سنة 1972 (12-18 جويلية) في لبنان وسنة 1974 (17-21 جويلية) في غانا وسنة 1975 (4-10 ماي) في أندونيسيا وسنة 1976 (19-22 أكتوبر) في سويسرا. وقد لاحظ من خلال ما جرى من نقاش بين مختلف الأطراف المشاركة في هذه الحوارات أنّ الحياة الروحييّة وأهميتها تظلّ ثابتة حاضرة وإن كان حضورها متخفّيا ضامر. لكنّه مع ذلك يخلص في نهاية البحث إلى القول "بأنّ الحياة الروحية عامل أساسي من عوامل تقدّم الحوار بين الأديان بعيدا عن تعايش "متهجّم" وإنّ الحوار يعدّ بدوره عنصرا ينير سبيلنا نحو روحانية حقيقة" 78.

ذ) تعدّد اللقاءات ورفع الحواجز بين الأديان:

إنّ هذا الأساس رغم بداهته يعدّ أساسا متميّزا من أسس الحوار بين الثقافات والأديان لذلك سنكتفي بإيراد خاتمة البحث الّذي أشرنا إليه آنفا والمخصّص لاستعراض ما دار من حوار بين المسلمين والمسيحيين أثناء اللّقاءات الّتي نظّمتها اللجنة المركزية للمجلس المسكوني. يقول صاحب المقال "إنّ عددا كبيرا من الأيمّة والمسؤولين على الكنائس في بلدان افريقية وآسيويّة قد عبّروا عن رغبتهم الشديدة في التّفاهم أمام التحديات الّتي تواجهها المؤسّسات الدينية في كلّ المجتمعات" المختلطة... في عصرنا هذا وإنّه بإمكاننا أن نجرؤ على الأمل في أن تتحقّق هذه الرغبة المشتركة في الزيادة زيادة هامّة من عدد العوامل المنتمية إلى جيل جديد من أجيال التسامح والحريّة الدينية. وإنّنا نتمنّى كذلك أن يكمّل هذا اللقاء البسيط بتعميق أفضل للمبادلات في مضمار الدراسات الدينية وخاصّة بتوق متبادل إلى حياة سليمة خدمة لله وأمانه. إنّ التيارات الثلاثة المؤسّسية والدّينية والحدسيّة (الروحيّة) الّتي تسعى إلى مقاومة الأفكار المسبقة والصلف والقمع الّتي تواصل إعاقة بحثنا المشترك تتيح لنا إمكانية أن يعيش كلّ واحد منّا عيشا هادئا مع أجواره وأمام الله سيّد الكون". 79

خاتمة

تلك هي أهمّ الأسس الّتي حاولنا استخراجها من النّصوص الّتي اعتمدنا وهي غير حصريّة لأنّه بإمكاننا أن نضيف إليها أخرى تجنبناها إمّا لفرص استعمالها مثل التسامح أو لقربها من الشعارات ذات المنحى الأيديولوجي الكفاحي الجهادي الممجوح مثل الإعراض عن الإستعمار الثقافي أو مقاومة الإمبريالية الثقافية والمركزية الثقافية إلخ... وإنّ أهمّ عائق يحول دون إقامة "حوار عالمي" وحوار بين المجموعات البشرية يتمثّل في إنكار حقّ الآخرين في المغايرة وحقّهم في شقّ طريقهم بحريّة. والرّأي عندنا من داخل النصوص المعتمدة ومن خارجها أنّ لكل الثقافات والحضارات والدّيانات قابلية للتعايش مع بعضها البعض تتفاوت درجاتها. وإن أسّ الأساس لأيّ حوار بنّاء الاعتراف بالآخر خصوصيات ومميّزات والاعتراف لا يحصل إلاّ بالمعرفة أي معرفة الآخر لأنّ الجهل بالآخر هو الدّاء الوبيل والجدار العازل الّذي لا يرجع صدى ولا يبيّن عن حقيقة ولا يكشف عن واقع.

د. عبد المجيد البدوي ( أستاذ الحضارة بالجامعة التونسية )


 

المراجع

36- قسطنطين زريق: نحن والمستقبل ص 148.

37- أركون (محمد): قضايا في نقد العقل الديني ص 220

38- Axel Houneth: un article de wikipédia, l'encyclopédie libre 

39- أنظر Cousin (U): Cours d'histoire de la philosophie. Paris 1841. 11 pp 48-50

Schmidt: origine et évaluation de la religion. Gresset. Paris 1913. P14

40- ذكره محسن العابد في: الملتقى المسيحي: الضمير المسيحي والضمير الإسلامي في مواجهتهما لتحديات النموّ: مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية سلسلة الدراسات الإسلامية 5. تونس 1974 ص 107 نقلا عن:

Gauthier: Introduction à l'étude de la philosophie un musulmane, l'esprit scientifique et l'esprit aryeu paris 1923 p66.

41- الملتقى الإسلامي المسحي، سلسلة 5- ص35 

42- محمد سويسي: الملتقى الإسلامي المسيحي. سلسلة 5 ص 90

43- محمد سويسي: مرجع سابق ص ص 87-88

44- نفس المرجع ص ص 68-87

45- نفس المرجع ص 81

46- عبد العزيز كامل: مرجع سابق ص ص 36-37

47- الحبيب الفقيه: الصور الأولى للمذهبية في الدين الإسلامي ونشأة الفقه: الملتقى الإسلامي المسيحي: مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية سلسلة الدراسات الإسلامية 5 ص ص  138-139.

48- نقلا عن سعد غراب: فكرة التقدّم عند المفكرين الإسلاميين القدامي: سلسلة الدراسات عدد 5 ص 207

49- نفس المرجع ص 211

50- نقل غراب هذه الفكر  عن R. ARNALDEZ في Histoire et prophétisme dans le christianisme et an Islam in les Maradis de Dar El Islam pp 21.54

51

52

53- المرجع السابق، ص 225

54- نفس المرجع، ص ص 224-228

55- نفس المرجع ص 228.

56- المرجع السابق، ص 236

57- عبد الوهاب بوحديبة: دعم المؤمن في دعم حقوق الإنسان: الملتقى الإسلامي المسيحي الثالث ما 1982. مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية سلسلة الدراسات الإسلامية (9) ص 22

58- المرجع السابق، ص 23

59- المرجع نفسه، 25

60- عبد العزيز كامل: حقوق الإنسان في الإسلام. نظرة في المشكلات النوعية.. نفس المرجع، ص 33.

61- إبراهيم القطان: التسامح والعصبية الدينية. نفس المرجع، ص 53.

62- المرجع السابق، ص ص 55-56

63- نفس المرجع، ص 573

64- مصطفى كمال النارزي: موقف الإسلام من حقوق الإنسان نفس المرجع ص 77

65- نفس المرجع ص ص 78.

66- المرجع السابق، ص 79

67- نفس المرجع، ص 79

68- المرجع السابق، ص 83

69- المرجع السابق، ص 87

70- نفس المرجع، ص 92

71- نفس المرجع، ص 94

72- المرجع السابق، ص 95

73- Claude Geffré: La signification du retour du religieux dans le monde contemporaine: in IV rencontre islamo-chrétienne: La spirimable: une exigence de notice temps. CERES Tunis 1988 p34.

74- نفس المرجع: ص 39

75- المرجع السابق، ص 44

76- نفس المرجع، ص 37

77- نفس المرجع، ص 38

78- المرجع السابق: ص 359

79- نفس المرجع ص 359

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك