القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

المقاربة الجندرية : ما بعد نسوية أم مجرد تهويم في الإيديولوجيا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-09-28 10:21:00 | 144 مشاهدة

 

ملخّص

ما فتأت الدولة الوطنية بعد الاستقلال تنوّه بدورها في تحرير المرأة من سلطة النموذج الإسلامي وما رسمه الفقهاء من صورة للمرأة المسلمة المطيعة لزوجها والقائمة بدورها في تربية الأبناء والسهر على راحة العائلة وغيرها من الأمور التي باتت معلومة، وهو المجال الذي حاول بورقيبة اللعب فيه بتوصية غربية وفق تصوّر استعماري يسعى إلى انخرام المجتمعات المسلمة، وعلى أن بورقيبة سلّم بالمهمة التي أنيطت بعهدته مقابل الحكم لكنه لم يستطع أن يبتعد كثيرا في الإجراءات المتخذة نتيجة تصلّب المجتمع والمؤسسات الدينية في مواجهة محاولات التغريب. وقد أخذ من بعده الجنرال ابن علي المشعل لمواصلة الدور الريادي التحديثي كما كان يروّج له ولعلّ أهم مخرجاته منذ نشأة دولة الاستقلال مجلّة الأحوال الشخصية ومنشور 108 إضافة إلى بعض الإجراءات المعزولة في زمن حكم السابع من نوفمبر تمثلت في جرعات عن طريق اتحاد النساء الديمقراطيات وصل حدّ تمييع القضايا الجوهرية وإغراق البلاد بـ"الأمهات العازبات" بوهم اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات العملية من أجل النهوض بأوضاع المرأة التونسية وتمكينها من حقوقها. وقد تجلت هده التدابير خاصة على المستوى التشريعي والمؤسساتي وسن السياسات العامة مع الحرص على إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في تحليل التمييز ضد المرأة ومراعاة احتياجات هده الأخيرة في السياسات العمومية كما أكد على ذلك منهاج عمل بيجين. ولعله من الواضح تنامي الأدوار التي تقوم بها المنظمات الدولية العاملة في مجال التنمية المجتمعية في بلادنا، هذه المنظمات و إن كانت تنأى بنفسها عن أي نشاط سياسي معلن، فهي تمثل عاملاً من عوامل التأثير الثقافي القوي و المبرمج. و يتبدى هذا التأثير عبر مجموعة من المفاهيم " التنموية " التي من أهمها مفهوم "الجندر".

التقديم:

لقد بدا واضحا أن الأطروحة الجندرية كما عرضنا لها في بعض جوانبها التحليلية تقع في فوهة بركان إيديولوجي تسعى فيه جاهدة عن طريق أنصاف مثقفين سعيا بالإقناع بإستراتيجية تقوم على توسيع دراسات الجندر لتشمل مجمل قضايا المجتمع النسوي في علاقته بالذكورة عن طريق نسف مبادئ الاجتماع التي أسسها الواقع التاريخي والديني وانصهر فيها المجتمع باعتبارها محددات لهويته ومراجعه الثقافية، وقد سعى هؤلاء إلى إخراج الجندر من ثنائية الذكر/ الأنثى من منظور الجنس، أو في ثنائية الرجل/ المرأة من منظور الجندر، أو النوع الاجتماعي كما في منظور آخر الهدف منها إحداث انقطاع جذري، وشمولي في مجموع المقاربة الجندرية ذاتها وسواء على صعيد الطرح أو صعيد المنهج المعتمد.

الجندر على بساط البحث:

أنجزت للغرض دراسات أكاديمية تدخل غمار هذا البحث من ذلك مقاربة الباحثة خلود السباعي في أطروحة الدكتوراه التي نشرتها في كتابها الموسوم بـ"الجسد الأنثوي وهوية الجندر" 2006 مطبقا على المجتمع المغربي القروي، و من الكتب التي تحمل عناوين مثل مفهوم النوع والجنس والجسد والأنوثة والذكورة والعنف والهيمنة الذكورية والبطريركية والهوية الجندرية المعيارية أو النمطية المتعلقة بالعلاقة التقليدية بين الرجل والمرأة والهوية الجندرية غير المعيارية (أو الهوية الجندرية على أساس "المثلية") وهي المتعلقة بالعلاقات غير النمطية والتي شرّعت لها دراسات الجندر وأوجدت لها حيّزا من الدرس ومحاولة الفهم والتفهّم بل والتنظير لها باعتبارها واقعا مجتمعيا. ومن هذه الأمثلة نذكر من الأعمال المهمة نذكر أيضا "الجواري والغلمان في الثقافة الإسلامية: مقاربة جندرية" للباحثة التونسية وفاء الدريسي، نشر سنة 2015 وقد نشرت فاطمة المرنيسي كتابها الموسوم بـ "الحريم" سنة 2001 وكذلك كتابها الثاني بعنوان "الحريم والغرب" Le Harem et l'Occident الذي ترجم إلى العربية تحت عنوان "شهرزاد ترحل إلى الغرب" ونشر سنة 2002. نذكر أيضا كتاب"المرأة والجندر: إلغاء التمييز الثقافي والاجتماعي بين الجنسين" للكاتبتين شيرين شكري وأميمة أبو بكر دار الفكر ، سنة 2002 " وكذلك كتاب "بنيان الفحولة ــ أبحاث في المذكر والمؤنث" للباحثة المثيرة للجدل رجاء بن سلامة نشر سنة 2000 نذكر أيضا كتاب "الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية: دراسة جندرية" للباحثة آمال قرامي نشرته سنة 2007 وسعت فيه إلى رصد مظاهر الاختلاف حسب دورات الحياة من طفولة وشباب واكتهال وشيخوخة. مؤكّدة على دور الثقافة في بناء هوية الفرد الجندرية. ونذكر أيضا كتاب "الجندر: الأبعاد الاجتماعية والثقافية" للباحثة الأردنية عصمت محمد حوسو نشر سنة 2009 و "الجندر: ماذا تقولين؟ الشائع والواقع في أحوال النساء" للباحثة اللبنانية عزة شرارة بيضون وقد نشرته سنة 2012، و"جندرة النقد" من خلال "نوال السعدواي والنسويات"للباحثة اللبنانية إليزبات سوزان نشرته سنة 2012 و"نساء بابل: الجندر والتمثلات في بلاد ما بين النهرين" للباحثة العراقية زينب البحراني نشر سنة 2013 . وليس غريبا أن يكون المفهوم موضع اختلاف، يبلغ حد الاعتراض، في أكثر من ثقافة من الثقافات وسواء على مستوى تفكيك "المستويات الخطابية" للمفهوم وكشف مقولاته النظرية ومستنداته التصوّرية،وآفاقه المعرفية أو على مستوى نقله إلى اللغة العربية بـحمولتها الثقافية الحارسة للهوية والتاريخ أو بـإطارها المرجعي القائم على المحافظة أصلا . ثم إن العقود الأخيرة أكّدت صعود "الثقافة"، على سطح أحداث كثيرة، وسواء على صعيد الرجوع إلى التراث أو على صعيد فهم الثقافة ذاتها، وبما يدل على أشكال من الهويات العقدية المتصادمة والجغرافيات الثقافية المتباعدة. ولم يكن الموضوع حكرا على المرأة بل خضع إلى "الهوية الذكورية" وهي ذات مرجعيات إيديولوجية واضحة من ذلك كتاب"محدّدات البنية الأنثوية: الفوارق بين المرأة والرجل: مؤشرات إحصائية جندرية" للباحث الأردني محمد بشير شريم نشره سنة 2008 وكتاب "النقد الجندري: التمثلات السوسيولوجية للجسد الأنثوي في القصة النسائية" نشر سنة 2013 و"النقد الجندري: تمثلات الجسد الأنثوي في الكتابة النسائية" نشر سنة 2013 وكلاهما للباحث المغربي عبد النور إدريس نذكر أيضا كتاب "الجندر: المدلول، المنشأ، الأثر" للباحث العراقي مثنى أمين الكردستاني الذي نشر سنة 2005 وهو يخص "الحركة الأنثوية" (Feminism) حسب ترجمته ممثلة في نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي.

ولعله من الجدير بالذكر إن القراءة الجندرية للتراث والقرآن وقعت في عدة مزالق منهجية تفضح أساسها الأيديولوجي، وتؤكد عدم حيادها وبراءتها من رؤى قبلية ومن أهمها تحكيم الجندر على النص القرآني باعتبار الجندر مصطلحًا صحيحًا وصالحًا للتطبيق على أي نص بغض النظر عن قداسته وتطبيقه على أية ثقافة باعتبار الجندر مفهومًا عابرًا للثقافات، أي أن مصطلح الجندر نفسه وبغض النظر عن تحولات المفهوم يُنظر إليه بوصفه فكرة كونية مطلقة، وهي فكرة تتعارض مع أصول الثقافة الغربية القائلة بالنسبية والتاريخية. ويبقى الكلام في سر الاهتمام بالأطروحة الجندرية يكون وفقا لانشغالات المجتمع وقضاياه كما يعني أنه في كل بيئة تكون أدوار الرجال والنساء مختلفة بحسب الجنوسة أو النوع ، وبالتالي فإن اهتماماتهم بالاستتباع تكون مختلفة، واحتياجاتهم تكون أيضا مختلفة، والطرق التي ينظرون بها للأشياء مختلفة، وإسهاماتهم في التنمية تكون أيضاً مختلفة، ففي الماضي السحيق كان الاهتمام ينصب على " المجتمع " دون الأخذ في الاعتبار هذا الاختلاف،ولذلك فإن دور النساء غالباً ما لا يكون ذا بال في عملية التنمية على الرغم من أن مشاركتهن كانت فعالة، ولكنهم لم يروا أن التركيز على السيدات كجماعة منفصلة يمكن أن يكون منتجا لدلالة ما ولكن في جميع الأحوال يجب إيلاء الاهتمام للأدوار المختلفة للرجال والنساء، وللعلاقات المختلفة والتفاعلات بين تلك العلاقات السائدة، والأدوار في مجتمعات بشرية معينة، وهذا الإدراك هو السبب وراء ذلك الاهتمام الشديد بالمقاربة الجندرية من قبل باحثين جادين من مختلف الثقافات والأديان.

الجندر مسارات الجسد والإيديولوجيا:

عدم الفهم الجيد لهذه المقاربة التي تم تبنيها وتسويقها دون تمحيص، من قبل اليسار المتستّر بالحكم ودواليب المجتمع المدني واتحاد الشغل ساهم في فشل العديد من السياسات العمومية التي اعتمدتها مجموعة من القطاعات الحكومية، بعد الثورة خصوصا، ولعلّ تقرير الحريات الفردية الذي يربط مباشرة مع مجلة الأحوال الشخصية قد ذهب شوطا كبيرا في عملية التحديث الموهومة نتيجة إحساس اليسار بدنوّ أجله السياسي في حكم تونس المستقلة وهو إنما يرمي بهذه الصخرة العظيمة في المياه الراكدة من أجل إحراج حزب حركة النهضة ثاني أقوى شريك في الحكم ، وإنّ عدم استفادة فئات عريضة من المجتمع -خصوصا النساء- من نتائجها. ولعل من أهم أسباب سوء فهم هذه المقاربة وجود نوع من الخلط بين مفهوم النوع أو الجنس الاجتماعي "الجندر ومفهوم النوع أو الجنس البيولوجي"الجنس" .هذا الخلط تسبب بدوره في صعوبة تنزيل هدا المفهوم على أرض الواقع من قبل العديد من الفاعلين الاجتماعيين والحقوقيين والسياسيين أو حتى عند عموم الناس، لاسيما أن مرجعيته غربية وظهوره في بداية الأمر ارتبط ببعض الحركات النسائية الراديكالية التي جاءت بمنطلقات وأهداف منافية للثقافة والخصوصية الدينية للمجتمعات العربية الإسلامية كمفهوم "المساواة المطلقة بين الجنسين. وإن عدم الفهم الجيد لهذه المقاربة شكل عائقا أمام الاستفادة منها وتنزيلها على أرض الواقع وبالتالي سيعرقل رفع تحديات تونس الثورة المتمثلة، من جهة، في تفعيل مقتضيات الدستور الجديد. ولكن يبدو أن الرئاسة ضحّت بروح الدستور أمام الوفاء بالتزاماتها أمام المجتمع الدولي من خلال مصادقتها على مجموعة من المواثيق الدولية التي تلزمه بالعمل بهده المقاربة وإدراجها في مخططات سياساته العمومية وجعلها رافدا في إقرار وضعية عادلة ومنصفة للمرأة. ولا يخفى على المتابعين أن السؤال الذي ظل مطروحا هو ما الهدف من إدماج هذه المقاربة في السياسات العمومية؟ وكيف يمكن تنزيل هذه الأطروحة والعمل بها بما يتماشى مع الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع التونسي؟

خاتمة

لقد فتحت الدراسات في هذا المجال تساؤلات لا تزال في طور الإخصاب منها هل يعتبر " الجندر " فعلا مفهوما غربيا، يرمي لنشر موجة من الغزو الثقافي الغربي لمجتمعاتنا العربية والإسلامية ؟و هل هو ترويج للمثلية الجنسية ؟ هل يقتصر الرفض على مجتمعاتنا العربية والإسلامية، أم هناك ثقافات أخرى ترفض هذه المقاربة؟ ما الفرق بين مصطلح الجندر، ومصطلح الجنس؟ أم أنهما مترادفان؟ وإذا كانا مترادفين فلماذا الإصرار على استخدام الجندر وترك الجنس؟ وما الفارق بين الجندر والدعوة للمساواة بين الرجل والمرأة التي ظهرت منذ عدة عقود؟ هل هما وجهان لعملة واحدة ؟ لماذا الإصرار أساسا على استخدام كلمة الجندر من دون تعريب؟ ولماذا التعصب الواضح للمصطلح؟ أم أنها مجرّد موضة ثقافية؟ لماذا تعددت الترجمات العربية للمصطلح ولم نصل إلى الآن إلى ترجمة موحدة ومتفق عليها؟ لماذا الاختلاف الشديد حول تعريف المصطلح، والتباين الشديد بين تلك التعريفات،حتى أنه لا يجمعها جامع؟

 

الدكتور محمد التومي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك