القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

المساواة ورهان الغموض والسلطة أو الأساس المعرفي الواهن للمساواة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-08-06 13:56:00 | 237 مشاهدة

ملخص

يعرض هذا المقال سؤال المساواة على ثلاثة محاور أساسية كبرى يطرح فيها السؤال: محور الإصلاح ومعنى أن تكون المساواة جزءا من تاريخ الإصلاح في تونس؛ محور علاقات السلطة وما إذا كان سؤال المساواة سؤال معرفة أم سؤال سلطة؛ محور المعرفة الخالصة ومدى علمية الفكرة الشائعة عن المساواة وكونها ذات أصل في وجودنا وكون القانون يفرض وجود المساواة. كما يؤكد المقال غموض مفهوم الإصلاح الذي يجتمع تحت مسماه الأشد تباعدا: إصلاح الحياة والثقافة على ضوء الإسلام كرؤية للعالم (مقصد التيار المتدين) أو إصلاح الإسلام نفسه (مقصد التيار المعلمن)، أي إصلاح الرؤية نفسها. فالتيار المعلمن مقصده يتجه صوب الرؤية الإسلامية نفسها بينما التيار المتدين يقصد الثقافة فحسب، ومن ثمة تقطع أسباب الحوار نفسها. والمفروض هنا توضيح المقصد: إذا المقصود الثقافة، فلنكتف بالتعايش بحسب الثقافة السائدة، وإذا المقصود الرؤية، فليست الرؤية المعلمنة وحدها من تريد التحرر من الثقافة بل الرؤية المتدينة أيضا. وأما بشأن علاقات السلطة، فإن سؤال المساواة لا يدفعه العامل العلمي الخالص والحقوقي بل العامل السلطوي: السلطة السياسية (اللجان المعينة خارج المسار الانتخابي)؛ الحقوقية (اللجوء للقانون بدل الثقافة)؛ الاقتصادية والمالية (العقوبات والتحفيزات)؛ الحضارية (سلطة العقلانية المهيمنة كونيا والتي تقدم نفسها كعلم لا ك"رؤية" ممكنة للعالم).

حينما نبلغ محور المعرفة، فإننا نفاجأ أن لا شيء مما يهيمن على الوعي العمومي والإعلامي بالمساواة تؤكده الفلسفة والدراسة العلمية الدقيقة: فالمساواة التي تهيمن في تاريخ الفلسفة ليست المساواة-التماثل التي تشيع في التداول السياسي والحقوقي والإيديولوجي، بل المساواة-التناسب التي تعني التفاوت المؤكد بين الناس. أما ما نسميه التماثل الذي يصنعه القانون، وكوننا سواسية أمام القانون، فليس تماثلا في الموضوعات نفسها، بل تماثل في المعاملة لمن هم فعليا غير متساوين، أي ليس تماثلا في وجود الناس كما نتوهمه.

مقدمة

يطرح سؤال المساواة ضمن سياقات إشكالية مختلفة نستجمعها من الأكثر عمومية إلى الأشد خصوصية كالتالي: سؤال المساواة بما هو سؤال الإصلاح الذي بدأ من القرن 19: هل أن مفهوم الإصلاح هو كما يبدو من الاسم موضوع اتفاق؟ وسؤال المساواة بما هو سؤال الصراع الإيديولوجي وعلاقات التغلب، أو بما هو سؤال سلطة: هل أن المضمون المتداول للمساواة مضمون معرفي أم مضمون سلطوي؟ ثمّ سؤال المساواة بما هو سؤال معرفي خالص: هل ثمة أصل وجودي وعلمي واضح للمساواة قابل للترجمة كحق/حقوق إنسانية لا مراء فيها؟

نناقش في هذا المقال هذه الأسئلة ونستهدف تأكيد ما يلي:

مفهوم الإصلاح مفهوم ملغز وملغم بما هو خليط لا يراد فرزه بين الإيديولوجي والثقافي.

سؤال المساواة ليس بكليته سؤال حقيقة وحق بل في جزء كبير منه سؤال سلطة.

الفحص العلمي الخالص للسؤال لا يؤكد ما يشيع واسعا عن معنى المساواة، بل يفاجئنا بنتائج عكسية.

1 - سؤال المساواة والمفهوم الملغز والملغم للإصلاح

يوضع سؤال المساواة تحت العنوان المغري للإصلاح الذي لا يبدو موضوع نزاع بين أوسع العائلات الإيديولوجية والسياسية. لكن الإصلاح يجمع شتاتا جد متنافر من المعاني تبدأ من كون تجربة المسلمين ابتعدت عن الجوهر السليم للإسلام (والإصلاح هنا يتعلق بسلوك المسلمين) حتى كون الاجتهادات الفقهية لم تعد ناجعة (والإصلاح هنا للفقه ومدونته) حتى كون الإسلام برمته من السنة إلى نصوص القرآن لم تعد مواكبة للعصر (والإصلاح هنا إلغاء للدين نفسه بطرق ودرجات متفاوتة). يجمع مفهوم الإصلاح إذن أطرافا جد متباعدة: من يرى الإسلام رؤية ومنهج حياة نصلح التاريخ على ضوئه، ومن يراه مجرد تراث وثقافة للشعب بحاجة هو نفسه للإصلاح الذي يعني بالضبط تجاوز الإسلام؛ الإصلاح على ضوء الإسلام كرؤية أو إصلاح الإسلام كمجرد ثقافة.

الثقافة بأحد تعريفاتها التي تعنينا هنا هي ما غلب من عادات تفكيرية وطباع روحية وأنماط سلوك. الثقافة لا تتحكم فيها مفاهيم الصحة والخطإ، التقدم والتخلف، الخير والشر. على العكس من ذلك رؤية العالم، الإيديولوجيات فهي فردية أكثر منها جماعية حتى لو اتسعت، محكومة بالحسم بين الصحيح والخطإ وبين الحق والباطل.

المطالبة بالمساواة في الإرث تغدو لذلك مرتهنة للإجابة عن السؤال التالي: هل نفكر المساواة على قاعدة الثقافة والمشترك من العادات، ونحفظ استقرار الحياة السياسية والاجتماعية، أم على قاعدة المختلف الإيديولوجي وتأويلاتنا ورؤانا للحياة، والسؤال الملازم هنا هو ما إذا كنا مستعدين لدفع ثمن الاختلاف.. الخلاف الفكري والسياسي والحقوقي أم لا؟

يجب التنبيه هنا إلى أن ما يسمى التجربة الديمقراطية الجديدة في تونس قد اختارت بوعي أو بغير وعي العيش بحسب الثقافة لا بحسب الرؤية والإيديولوجيات، لضمان استقرار الحياة السياسية والنظام الاجتماعي وأخيرا استقرار النفوس. باختيارنا الثقافة تنازل الجميع عن رؤاهم وإيديولوجياتهم التي لا واحدة منها (لا الإسلام كرؤية ولا الماركسية كرؤية ولا القومية كرؤية ولا الليبرالية كرؤية) قابلة لتكون قاعدة عيش مشترك بل مصدر نزاع لا ينتهي. لذلك الإسلام الذي في الدستور بكل لواحقه هو ثقافة الشعب وليس رؤية الإسلاميين وإلا تنازعنا حوله، تماما كما أن ما سوى الإسلام من أشكال وعي ثم السلوك العام مثل الخمر واللباس بأشكاله والفنون المختلفة، كل ذلك ثقافة الشعب وليس رؤية أي جهة معلمنة وإلا تنازعنا حولها. لكن مهمة لجنة الحرية والمساواة تتجاوز حدود الثقافة، وتقتحم مهمتها مجال الرؤية والإيديولوجيات. فالمساواة في الإرث ونحوها، ذلك يتعدى حدود العيش بحسب المعتاد ثقافيا ويتحول إلى رؤية للمساواة والمرأة والحرية ترى في المعتاد ثقافيا ظلما يستوجب تعديله. وبكلمة فلجنة الحريات منشغلة بالإيديولوجي والمطالب الإيديولوجية وليس بالثقافة والتنازل عن المطالب الخصوصية. وهاهنا لا يتوهمن أحد أن من يطالب بالمساواة في الميراث وحده صاحب مطالب؛ فغيره أيضا مطالبهم كثيرة: أولا عدم المساواة نفسها مطلب ورأي وفهم للنص يتصوره هؤلاء الحق تماما كما يتصور الآخرون المساواة هي الحق؛ من سيحسم آنذاك أيهما الحق الذي سنتبع؟ بعد ذلك كل القضايا المشكلة المتعلقة بتطبيق الشريعة ستطرح كمطالب حتى الحدود لأنها برأي هؤلاء هي الحق وهي حرية ضمير اختارها المتدين طواعية واقتناعا فمن سيقف بوجهه أمام مطالبه؟

إن التيار المعلمن في العالم العربي يصور الحالة كما لو أنه الحامل وحده للواء المساواة ضد سلطة الدين، استنساخا أعمى للتجربة الأوروبية الحديثة. وللأمانة، فإن القوى المعلمنة لا تجد الشروط الفعلية ميسرة للعيش وفق ما تراه من حريات فردية ومساواة مؤكدة بين الجنسين أقرتها الصورة المهيمنة على الأقل للعقلانية الحديثة. هي تجد نفسها في وضع سياسي وحقوقي يهيمن عليه ظاهرا الدين (الإسلام طبعا)، أي تجد نفسها في وضع المنتهكة حقوقه. غير أنه من الضروري التنبيه هاهنا إلى أن ما أسميناه هنا بسلطة الدين، هي بالدقة ليست سلطة الإسلام-الرؤية، بل سلطة الإسلام-الثقافة التي رسخت في تقاليد الشعب على نحو لا يقبل الضدية. الإسلام-الرؤية بالمقابل يظل مفتوحا على الضدية وعلى الرؤية المخالفة. وهذا يعني أنه ليس التيار المعلمن وحده ضحية هيمنة الثقافة بل التيار الإسلامي نفسه ضحية لها بوجه ثان إذ تفرض عليه ما لا يراه من الإسلام. من ثمة فإن التحرر المطلوب من الثقافة هو تحرر الجميع إذا كنا مستعدين للعيش المختلف، أو لنكتف بالمتاح الثقافي والمشترك.

المطلوب إذن كشف الغموض عن مفهوم الإصلاح بين الثقافة والإيديولوجيات، وعما نقصده حرفيا: هل يعني التصحيحات الإيديولوجية أم الملاءمات الثقافية؟ ولكل خيار ترتيباته المناسبة ولواحقه.

2 - سؤال المساواة بما هو سؤال سلطة

بات واضحا أن المطلوب كإصلاح ليس واضحا، بما أن الإيديولوجيا تلفّه،وإن سؤال المساواة ترك للنطاح وللغلبة، ومر مباشرة من السؤال، كيف نصلح؟ إلى السؤال، كيف نتسلط ونتغلب ونستبق فرض الخيارات؟ هي ذي الصورة التي بدت عليها المطالبة بالمساواة، أعني الرد العنيف على المنظومة الحقوقية المهيمنة بمنظومة مهيمنة على نحو مضاد. تبدأ ممارسة السلطة من كون الملف عهد للجنة من خارج المسار الانتخابي، مواصلة لسنن سابقة (لجنة صياغة دستور موازي، لجنة الحوار الوطني). بعد ذلك، فإن المطالب الجديدة لا تقدم نفسها باعتبارها "مقترحا" و"رؤية" و"مقاربة" و"خيار" صاحب حق في أخذ مكان بين الخيارات، بل تقدم نفسها بما هي "الحقيقة" و"العلم" و"العقل" و"المساواة"، التي يجب فرضها من عل، وما سواها "الخطأ" و"اللاعقل"، و"التمييز"..

وإحساسا بهذا العنف والسلطة التي نزلت بها لجنة الحريات والمساواة على الثقافة، فقد نقل عن أحد أعضائها كون اللجنة لم تدع لإلغاء الأحكام الإسلامية، بل كل ما حصل كونها "أوصت ب: - فسح المجال لاختيار المساواة بين الجنسين؛ - حق المرأة في التظلم لدى العدالة لتطالب بالمساواة، خاصة وأن ثمة نسبة ال30 حتى ال40 بالمائة تريد المساواة، فلم لا يكون ثمة نظامان حقوقيان؟"

لكن هذه لا تبدو أكثر من تخريجة تقف عند حدود صاحبها ولم تكن في سياق التفكير الأصلي للجنة، ولا مما يحتمله نمط العيش التونسي (أعنى نظامان حقوقيان مختلفان) والإيديولوجيا المهيمنة على الدولة. فإن هذا الرأي عن نظامين ممكنين في التشريع تم تداوله منذ 2011. لكن كان الرد ولا يزال أن في ذلك تفرقة بين المواطنين، ثم تشتيت لجهد القضاء، ومن ثمة لا يفيد غير الحكم الواحد يجري على الجميع.

ولقد كان السبسي قطع الطريق على ذلك باكرا، وأكد الطابع السلطوي للمنظومة الحقوقية، إذ حدد الأفق النهائي للجنة من موقع السلطة السياسية العليا، والتي يفترض كثيرا أنها هي نفسها تأتمر بأمر السلطة الأعلى، "المسؤول الكبير". كان حسم ذلك حين وضعها على خط الإصلاح والمصلحين، وكوننا بصدد المضي بالمساواة في الإرث إلى منتهاها حيث أن النسب المضبوطة في القرآن كانت مناسبة لعصر لم تكن فيه المرأة ترث أصلا. وتقتضي مواصلة الإصلاح ضمنا المضي بكلية المنظومة الحقوقية إلى المساواة التامة.

إضافة التسلط السياسي على الملف، ثمة التسلط الحقوقي. فالسؤال برمته يطرح كملف حقوقي لا كملف علمي للبحث. "ملف حقوقي" أي ملف محسوم سلفا مضمونه المعرفي، ولا يتعلق الأمر بشأنه إلا بترتيبات قانونية للتنفيذ. "ملف علمي" على العكس، يعني ملف للبحث بشأنه عن وضوح مفاهيم المساواة والحرية ومختلف تصريفاتهما الممكنة، والإشكالات المحيطة بهما مما تزدحم به نصوص الفكر وبالذات الفلسفة. ملف المساواة كما نشاهده اليوم لا تقدمه اللجان المختصة للتفكير، بل تقدمه في ثوب القرارات الواضحة: ضرورة المساواة بين الجنسين والقضاء على التفرقة. والمسكوت عنه هنا هو كون المساواة معلوم مضمونها ومؤكدة ضرورة تنفيذها بالشكل المقرر لها سلفا.

لكن من أين تستمد السلطة الخارجة عن سلطة الشعب مشروعيتها؟ من أين المشروعية غير الانتخابية؟

سياسيا فإن الإجابة واضحة، سلطة القوى الخارجية التي تواصل الوصاية على منظوريها ثقافيا واقتصاديا وماليا وسياسيا. وما شاع عن صلات للجنة المساواة بالسفارات وزيارات متبادلة دليل على عدم استقلالية القرار، وأن الأمر يتعلق بمواصلة للاستعمار بالطرق الدبلوماسية والثقافية.

غير أن الأهم من السياسي، وهذا هو الوجه الجدي للسؤال، السلطة الأعلى للعقلانية الحديثة التي تستمد منها السلطة السياسية نفسها مشروعيتها باعتبارها صاحبة رسالة لنشر قيم الحرية والمساواة في الأرض. فالعقلانية الحديثة تقرر لنا راهنا فهمنا للعالم والإنسان والمرأة والرجل ولنظام الحكم ونمط المجتمعات الممكنة حديثا. لا نتحدث هنا عن سلطة حقوقية ولا سياسية، بل عن سلطة القيم الكونية وحقوق الإنسان التي لا نزاع فيها. هاهنا بالضبط فإن سلطة داخل السلطة تستوجب تدقيقا خاصا: داخل سلطة الحقوق والقيم الكونية نفسها ثمة بالأحرى سلطة المعرفة التي لها بلا ريب اليد الطولى على الجهل. فالقيم الكونية لا تقدم نفسها ك"رؤية للعالم" من بين الرؤى الممكنة، بل هي الرؤية الوحيدة الممكنة للإنسان، وكل مخالفة لها أو تشكيك فيها ليس فقط "تخلف" و"انغلاق" و"تمييز"، أي ظلم للإنسان، للمرأة بل وأساسا "خطأ" و"وهم"، أي قول غير علمي. هي إذن سلطة الحقيقة والمعرفة، وبالذات العلم، الأخطر على الإطلاق. إنها السلطة التي يقع في قبضتها حتى أعداؤها، وذلك أطرف ما فيها. فإذا كان المعادون للمشاريع "التحديثية"، هاهنا المساواة في الإرث، يعلنون رفضهم لها من باب الهيمنة الاستعمارية وسلطة السفراء وباب الهيمنة السياسية للجان المنصبة ضد المسار الانتخابي وباب الاعتصام بالقانون وتحويل الملفات العلمية إلى ملفات حقوقية، فإن الجميع تقريبا يستسلمون للسلطة الهادئة للعقلانية الحديثة التي باتت تسري فينا مسرى الدم من العروق. وبإمكاننا أن نجد الدليل الواضح في أكثر المفترض عداؤهم للمساواة، الإسلاميون، لا يبدون على الأقل عداء عنيفا للمساواة بين الجنسين، بل ويجتهدون في تأول الآيات على نحو يتفق ومقترحات "التحديث" عامة.

بعد ذلك فإن سلطة العقلانية نفسها تعضدها جملة من السلط الداعمة التي ترسخ أقدامها على صعيد كوني: سلطة الآلة الدعائية الضخمة التي تحيط بها بدءا بكم الكتب والمنشورات التي تغزو الكوكب وتتجه رأسا إلى القراء، حتى الإعلام الذي يتجه للعامة بالحوارات السطحية والدعاية للمفاهيم (بدل تفكيرها وأشكلتها)؛ سلطة الترهيب والعقوبات والإعانات التي تسلكها الدول الكبرى، وربط ملفات ثقافية وفكرية هي من خصوصيات الشعوب وحريتها، بالعصا الاقتصادية والمالية والسياسية؛ سلطة التوجيه السطحي للعقل ومحاربة التفكير والعمق، التي تحرسها سياسة محكمة لتهيئة العقول كي تكون لقمة سائغة للدعاية والخطاب السطحي.

3 - سؤال المساواة كسؤال معرفي خالص

إذا نأينا الآن عن القول الفضفاض في المساواة والخطابات الرومانسية للإصلاح، ثم ابتعدنا عن مختلف أنماط السلطة المتحكمة بمضمون السؤال، ووضعنا سؤال الحرية والمساواة للتشريح المعرفي الخالص، وأهمه القول الفلسفي في المساواة (ماذا قرر تاريخ الفلسفة بشأن المساواة؟)، فإن المفاجأة ستكون كبيرة جدا، إذ لا شيء مما نقصده نحن في التداول السياسي والحقوقي من مساواة عامة أو مساواة بين الجنسين قررته الفلسفات الكبرى. فما نتوهمه من قولنا مساواة أمران أساسيان على الأقل:

- وجود فعلي للمساواة بين البشر وبين الرجال والنساء خاصة، وليس فقط فكريا، وجود يترجمه القانون أو يوجده القانون إذا لم يكن موجودا. هذا الوجود للمساواة واضح المعالم وهو أساسا للتطبيق أكثر منه للتفكير كإشكال. لكن ما ننبه إليه هنا هو أن لا وجود فعلي للمساواة بين الناس في القرارات الكبرى للفلسفة. فالمعنى الأساس الذي تؤكده الفلسفة منذ أفلاطون وأرسطو حتى كانط وهيغل ليس ما نتوهمه نحن من تماثل بين الناس، المساواة-التماثلressemblance ، أو المساواة العدديةégalité arithmétique، بل المساواة-التناسبproportion ، المساواة التناسبيةégalité proportionnelle، أو المساواة الهندسيةégalité géométrique . والمقصود بالمساواة التناسبية تناسب الفرد ونفسه، تناسب عمله وأجره مثلا، مع الاختلاف والتفاوت المؤكد بينه وبين غيره.

أما التماثل بين الناس، الذي قد نتوهم أن العقل البشري قرره، فلا يقصد به في الفلسفة التماثل في وجود الناس عينه، بل مماثلتهم في المعاملة، كما في معاملة القانون لهم، مساواتهم في هذا المستوى مع الحفاظ على التفاوت المؤكد بينهم في وجودهم. فالمساواة أمام القانون التي هي فعلا المساواة بمعنى المماثلة، لا يقصد بها في الفلسفة أكثر من المعاملة المتساوية لمن هم في وجودهم غير متساوين، أي لموضوعات، لأشياء هي عينها غير متساويةle traitement égal des choses inégales, des inégaux ، وقد تكون متساوية بالعرض. المساواة متعلقة إذن بالمعاملة وليس بالأشياء نفسها، إذ تبقى المساواة دائما غير موجودة.

مساواة المعاملة، المساواة بنظر القانون هي مساواة الشكل وليست مساواة المضامين. ذلك أن تاريخ الفلسفات الكبرى لم يقر بتساو عيني بين الناس، لا في قدراتهم الذهنية والجسدية ولا في أعمالهم وإنتاجيتهم. ويصدق ذلك على الكائنات عموما، إذ بعبارة الألماني لايبنتز "لا توجد ورقتا شجرة متساويتين". الأمر نفسه بين الجنسين، فالوجهة العامة لتاريخ الفلسفة لا تساوي المرأة والرجل، وبالضبط للفرق التالي: الرجل ميزته التجريد والمفهومية، والمرأة ميزتها المادية والواقعية. مع ذلك فالمعاملة المتساوية ترد على كل ما له.

خاتمة

لاحظنا بجلاء كيف يغطي الخطاب الرومانسي الفضفاض حول الإصلاح، وخطاب السلط السياسية والحقوقية والإعلامية والتربوية على المضمون العلمي الذي لا يحمل بالضبط كل ما تحمله إياه الخطابات الهلامية والسلطوية (المساواة مفهوم شكلي وما يتعلق منها بالموجود العيني معنى مختلف لمساواة لامتساوية). ندرك هنا إلى أي مدى تعاني المعرفة العلمية من أزمة، بل من اغتيال وتردم خلف ركام المعرفة العمومية وتحت أقدام السلط.

إن هذه النتيجة تفتح بعد ذلك كثيرا شهية التفكير الأعمق في أرجاء سؤال المساواة، ثم توسيع التفكير في موضوعات شتى.

الدكتور بلغيث عون

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك