القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

المارد الصّيني بإفريقيا : الاقتصاد يفتح الأبواب المغلّقة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-09-28 10:25:00 | 190 مشاهدة

 

الملخّص

    شهد التعاون الصّيني -الإفريقي مؤخرا تناميا ملحوظا تجسد فعليا خلال المنتدى الاقتصادي الصيني- الإفريقي الذي انعقد بالعاصمة الصينية بيكين. وكان هذا الحدث الاقتصادي الأكبر من نوعه في الصين فرصة لتبادل الآراء بين الطرفين من اجل التعامل المشترك في شتى المجالات لاسيما الاقتصادي منها. ونتيجة لذلك تمخضّت عن هذا المنتدى إجراءات عديدة تعهدت الصين بتفعيلها بغية فرص هيمنتها على قارة وجدت فيها معطيات تخدم دون شكّ  تصدرها المشهد الاقتصادي العالمي. ومن هنا يمكننا أن نبرر تخوف المنافس الغربي  من الزحف الصيني المتسارع بإفريقيا.

مقدمة

     منذ مطلع القرن التاسع عشر ،طغت النزعة الاستعمارية على البلدان القوية حينها ولاسيما أوروبا وأمريكا  التي فرضت هيمنتها على عدة دول ولاسيما الإفريقية منها لتدني الحياة فيها وإيهام زعمائها بمشروع الحماية والتنوير الذي تحمله. وبعد أكثر من قرن تعالت الأصوات المنادية بالاستقلال وخلال موجة عارمة تم منح هذه المستعمرات 'استقلالها"  الذي هو في الحقيقة مجرد ذر رماد على العيون إذ أن هذه البلدان مازالت مكتوية إلى الآن بنار الاستعمار الذي أخذ ملامح جديدة مرتبطة أساسا بالاقتصاد الذي بات يتحكم فيه طرف استعماري جديد فرض نفسة بسرعة فائقة ألا وهو العملاق الصيني الذي اخرج القارة السمراء من بوتقة العالم الغربي ليجعل منها شريكا له وبذلك للقارة الآسيوية ككل موظفا في ذلك مصالحه.

آفاق المنتدى الصيني الإفريقي

    ترأس الرئيس الصيني شي جي بينغ المنتدى الاقتصادي الإفريقي السابع (كوفاك )  الذي احتضنته مؤخرا العاصمة بيكين بحضور الأمين العام للولايات المتحدة انطونيو غورينيس و 53  زعيما إفريقيا   جسد هذا المنتدى مصير العلاقة الصينية-الإفريقية مسندا  إياها ملامح وتقاسيم جديدة وان كانت موجودة منذ فترة حروب الاستقلال ضد المستعمر إلا إنها برزت حديثا واتخذت بدا آخر منذ ظهور المعجزة الصينية واحتلالها مكانة مرموقة في الاقتصاد العالمي  . وقد كانت بالأساس قمة اقتصادية حيث ارتكز النقاش على سبل التعاون التجاري بين العملاق الآسيوي ودول القارة السمراء مستغلا في ذلك ظروف متعلقة بإفريقيا وأخرى تنأى عنها. ففيما يتعلق بإفريقيا فقد ساعدت الأزمات الاقتصادية والسياسية المختلفة  الناتجة  عن الصراعات المسلحة من جهة وعن التراجع الملحوظ لأسعار النفط من جهة أخرى  الصين في فرض وجودها ،وخارجيا ، كان الجمود النسبي منذ أعوام في مجال التجارة بين  أوروبا والولايات المتحدة و إفريقيا حافزا للصين . ومن جهة أخرى تزامن هذا المنتدى مع قرار ترامب منع مواطني بعض الدول الإفريقية من الدخول إلى الأراضي الأمريكية فضلا عن عائق الهجرة الذي بات يعرقل توازن البلدان المستقطبة للمهاجرين .

ويجب الإشارة إلى أن هذه القمة على  أهميتها لا تمثل افتتاحية هذا التعاون  فقبلها قام الرئيس الصيني بجولة في كل من السنغال  ورواندا وجنوب إفريقيا وحظيت زيارة السنغال أهمية واضحة وهذا طبيعي إذ تمثل الصين شريكا تجاريا ثانيا للسنغال بعد فرنسا. وترجمة لهذه الأهمية أفرزت هذه الزيارة توقيع اتفاقيات شملت مجالات جمة  اتصلت بالتعاون الاقتصادي والتقني و أيضا بالبنى التحتية وكذلك بالطيران المدني . كما أشاد الرئيس الصيني ب"حيوية "القارة الإفريقية على حد تعبيره ولم يخف الرئيس السنغالي من جهته في مؤتمر صحفي مشترك جمعه بنظيره الصيني إعجابه بالمعجزة الصينية مؤكدا بأنها "احد اكبر اقتصاديات العصر الراهن " وبأن إفريقيا من الضروري أن تتحرر من براثن التخلف  وان تعلن الحرب على الفكر الرجعي الذي ماانفك ينخرها نخرا. كما أثمرت هذه المحادثات تأسيس حلبة مصارعة في العاصمة داكار نزولا عند رغبة الشعب السنغالي الذي تجذبه هذه الرياضة وكذلك في إطار الاستعداد لهذا ألمنتدى أطلقت وسائل الإعلام الصينية حملة  يومية احتفت فيها بالتعاون الصيني الإفريقي. إن الحضور المتنامي للصين في إفريقيا يحمل معه وجها جديدا لطالما انتظره الأفارقة خصوصا أمام هول المشاكل التي يعانون منها  وأمام شبح المجاعة والموت الذي مافتئ يمتص طموح الشباب هناك الذي غدا يرى في الهجرة الحل  الوحيد لتحسين وضعه بمفرده لاسيما أمام عجز الحكومات عن إيقاف ذلك.  وكانت القمة فرصة للزعماء الأفارقة من اجل التعبير عن سعادتهم نحو الشريك الأسيوي من ذلك قال الرئيس الليبيري بان " الصين تعد شريكا هاما جدا "  وأشاد بالانجازات التي ستفعلها في بلاده مثل بناء الطرق وبناء شبكة التنوير إضافة إلى العمل على تعصير مجال الصحة.  وقد تماهى رد فعل رئيس ليبيريا مع نظيره الكيني الذي اقر بان "منتدى التعاون ألصيني الإفريقي  يقدم فرصا كبيرة لجميع البلدان المشاركة ويدر عليهم فوائدا عديدة " و خاطب الطرف الإفريقي قائلا :" نحن الأفارقة لا يمكننا الاستمرار في الانعزال والسياسة الحمائية التي ننتهجها لا يمكن إلا أن تؤذي تنميتنا". وبشهودها احتفاء الزعماء الأفارقة بشراكتها، لم تبخل الصين عن اخذ قرارات وعن اتخاذ إجراءات متعلقة بعدة مجالات جمعت بين الاستثمارات و الديون  بغية تفعيلها على الأراضي الإفريقية آملة بذلك إلى بسط نفوذها .

مخرجات المنتدى

أدى التعاون بين القارتين إلى إعلان مجموعة من الإصلاحات والمشاريع إذ تعهدت الصين بتخصيص 60  مليار دولار للمساعدات والاستثمارات  في القارة السمراء وهو مسلك اتخذته منذ  حيث يستثمر العملاق الصيني سنويا مليارات الدولارات في إفريقيا خاصة في القطاع الصناعي وفي البنية التحتية ،وهي استثمارات ترحب بها الدول الإفريقية وتأمل عبرها النهوض باقتصادياتها. إضافة إلى ذلك ،قرر الرئيس الصيني إعفاء البلدان الإفريقية ضعيفة النمو من سداد ديونها الأمر الذي بث فيهم الأمل في إمكانية البناء من جديد خصوصا بعد تخليصهم من ضغط المديونية.  بدا المجال الاقتصادي المحور الأساسي بين الصين وإفريقيا فهذا لا يحجب عنا الملف السياسي والثقافي وكذلك الإعلام حيث شرعت الصين في بناء مراكز ثقافية عديدة لتعليم اللغة  والثقافة الصينيتين بالإضافة إلى اندماج العديد من الصينيين في المجتمعات الإفريقية والعيش  داخلها.  وعلى الصعيد الوطني، كان لتونس نصيبا هاما  من الاستثمارات الصينية حيث نجح العملاق الأسيوي خلال العقود الأخيرة في تغيير وجهة التبادل التجاري بتونس و إن يكون شريكا متميزا لبلادنا ، فخلال مشاركة رئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد في فعاليات قمة المنتدى التعاون الصيني الإفريقي ، تم التوقيع الرسمي لمذكرة تفاهم من طرف كل من كاتب الدولة للشؤون الخارجية  السيد صبري باش طبجي والرئيس المدير العام  للشركة الصينية الحكومية  يوان لي  لانجاز الدراسات الفنية والاقتصادية  الخاصة بتنمية القطب الاقتصادي والمنطقة الصناعية في منطقة جرجيس  وانجاز جسر  والخط الحديدي الرابط بين قابس ومدنين.  مشاريع من شأنها تغيير  وجه الجنوب و هي مكسب لتونس مشيرا إلا أن "هذه المشاريع الواعدة ثم العمل عليها في صمت لمدة سنتين بين تونس والصين"  فيمايجري العمل على مشاريع أخرى مماثلة في منطقة الوسط والشمال الغربي.

 و  قد سبق لوفد عن الشركة الصينية الحكومية أن قام بزيارة مواقع هذه المشاريع في ولاية مدنين وترمي هذه الاتفاقية التونسية الصينية إلى بناء شراكة قوية لاسيما في ضوء التحاق تونس  بمبادرة الحزام وطريق الحرير  في جويلية الماضي . وتبدو أهمية  هذه المشاريع في كونها تقع في منطقة  محاذية للحدود التونسية الليبية على البحر المتوسط مما يساهم في تعزيز الحركية التجارية والاقتصادية بين تونس وليبيا شرط ان تستقر الأوضاع . وهناك مشاريع أخرى تم توقيعها  قبيل انعقاد هذه القمة هذا العام لعل أبرزها اتفاقية تعاون في مجال الاقتصاد الرقمي  بين المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية المتمثل في شخص  السيد ناجي جلول  و الطرف الصيني  و كان ذلك خلال الندوة العالمية التي أقيمت في الصين "حزام واحد وطريق واحد"وأثنى ناجي جلول على المكانة الهامة  التي تحظى بها الصين في تونس ومساهمتها  الفاعلة و الفعالة في الدعم الاقتصادي  للبلاد وأكد على أهمية المشروع "طريق الحرير الجديدة" التي ستسمح للعالم أن يكون أكثر ترابطا وإن هذا المشروع سوف يقوي التبادل الثقافي والاقتصادي والرقمي بريا أو بحريا .وقبل انطلاق القمة التقى كل من الرئيس ووزير أملاك الدولة والشؤون العقارية بمسؤوليين صينيين استرجعت فيها علاقات الصداقة التي تجمع البلدين منذ خمسين سنة  بحثوا فيها إيجاد إستراتيجية أقوى بين البلدين في ظل التحولات الدولية والبحث عن دعم المسار التنموي في العديد من المجالات.  و من زاوية  أخرى ، تبحث الصين مع القادة بجنوب السودان إمكانية فرض السلام وفي جيبوتي  تترأ س قاعدة عسكرية وهكذا فهي تنحت بدهاء نفوذها السياسي بالمنطقة وهذا ما أشار إليه الخبير الاقتصادي روبرت كابيل حين ذكرنا بأن الصين تؤكد دائما بأنها لا تمارس تأثيرا على القضايا الداخلية لكنها تفعل ذلك  و لو بصفة غير مباشرة"مما يؤكد على أن اختيارها إفريقيا ليس اعتباطيا وينم عن دراسة شاملة ودقيقة.

دواعي الانفتاح على القارة السمراء

على الرغم من إن الرئيس الصيني نفى إمكانية فرض شروط سياسية على البلدان الإفريقية فإننا لا يمكننا الاقتناع بهذا التصريح وانه لا يمكن الحديث عن العلاقة الصينية - الإفريقية  من منظور طوباوي  تغيب بموجبه المعطيات الواقعية و المصالح الفردية فبغية تثبيت مكانتها عالميا  سعت الصين إلى التجذر  طيلة السنين الماضية داخل الاقتصاد الإفريقي من خلال استثماراتها ومبادلاتها التجارية .هذا فان اختيارها للقارة السمراء ليس عبثا فهي ترمي بذلك إلى بعث الحيوية في اقتصادها المتنامي في قارة متعطشة الى تنشيط اقتصادي فعلي . وتدعيما لهيمنتها الاقتصادية لم يفت الصين بناء مصانع على الأراضي الإفريقية محتلة بذلك الأسواق الأوروبية وكذلك الإفريقية المجاورة مستفيدة من يد عاملة طيعة ورخيصة جدا. كما تسعى الصين إلى الحد من النفوذ الاقتصادي لأوروبا وللولايات المتحدة الأمريكية لتتصدر هي هذا المجال. كما لا يمكننا أن نتغاضى عن تتالي الاستثمارات المالية التي تقوم بها الصين  في إفريقيا رامية أن ذلك في الحقيقة الى الحصول على المواد النفطية والمعدنية التي تتميز بها بعض الدول الإفريقية كنيجيريا والجزائر والكونغو .

الصين شريك ناعم   بملامح استعمارية

   مثّلا  زحف الصين على إفريقيا قلقا كثيرا الولايات المتحدة و أوروبا وينظر الغرب إلى الاتحاد الصيني-الإفريقي  نظرة هلع و تخوف . فحضور هذا العملاق الآسيوي في إفريقيا أصبح يشكل خطرا على تعامله - أي الغرب  الاقتصادي السياسي  و الثقافي مع القارة الإفريقية و حتم هذا الحضور عليها مراجعة أو تحيين تعاملها هذا  مع الزعماء الأفارقة إذ  تزامنا مع انعقاد المنتدى الاقتصادي الصيني-الإفريقي ، أدت كل من المستشارة الألمانية أنجيلا  ماركر و رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي زيارة إلى  عدة بلدان افريقية بهدف تثبيت المكانة الأوروبية بقارة إفريقيا والبحث عن كيفية تطوير تعاونها معها أمام التنامي الفائق للتأثير الصيني. كما تعرضت الاستثمارات الصينية إلى الهجوم من الغرب لأنها تسببت حسب تعبيره في زيادة مديونية بعض الدول الإفريقية  مما يثقل كاهل صندوق النقد الدولي. نشير أيضا إلى أن قلق الغرب تعاظم خاصة  عندما  اختارت الصين جيبوتي لبناء قاعدة عسكرية والتي وان كان هدفها الطاهر تأمين سلامة الجنود الصينيين الساهرين على السلام بعدة دول افريقية فان هدفها المبطن هو مشاركة واشنطن في السيطرة على طرق الملاحة بالمنطقة ولم لا الاستفراد بذلك لصالحها الشيء الذي يعيق توصيل الموارد الأولية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. زد على ذلك فانه قد اثر وجود الصين في القارة على العلاقة التجارية الرابطة بين أوروبا وبعض البلدان الإفريقية ففي هذا الإطار أعربت فرنسا عن قلقها الشديد حيث إن نفوذها الاقتصادي يشهد تراجعا في الجزائر بعدما كانت الشريك التجاري الأول في منطقة شمال إفريقيا.أمام تخوف ألغرب لا يخفي بعض القادة الأفارقة تململهم إزاء النفوذ الصيني اللامحدود والذي يهيئ ربما حقبة استعمارية جديدة بشكل مختلف رغم إن  وجود هذه الدول بين المطرقة والسندان يجعلها تلغي -ولو حينيا- التفكير في البعد السلبي للشريك الآسيوي الصيني وفي هذا التعاون ال"لا مشروط". وفي هذا الصدد ، انتقد روبرت كابيل النفوذ التجاري للصين في إفريقيا مصيرا إلى إنها دمرت الأسواق الإفريقية وبان الاستثمارات القوية للصين في القارة يتسبب في إغراق بعض الدول  بالمديونية. إضافة إلى ذلك  يندد الكثير بطبيعة الإستراتيجيات التي تسلكها الصين خاصة فيما يخص الثروات الباطنية لإفريقيا. نتيجة لما ذكر لا يمكننا اليوم الحديث عن تعاون صيني-افريقي لا مشروط وخال من كل نزعة براغماتية وإن غلفت بأهداف تنموية بحتة. من ذلك فان المارد الصيني بات يشكل مصدر خوف وقوة عظمى قادرة على زعزعة موازين القوى العالمية .

خاتمة

صار تأثير الصين الاقتصادي والسياسي والثقافي  بإفريقيا حقيقة ملموسة  ونجحت في تعزيزه وتقويته مستغلة في ذلك عدة ظروف خولت لها تمركزا واضحا في القارة الإفريقية من خلال اعتماد استراتيجيات دقيقة وناجعة  مضيقة بذلك الخناق خاصة على أوروبا التي مازالت ترى في نفسها الوصي على هذه القارة استنادا إلى التاريخ الاستعماري الذي جمعها بها. ورغم مجهوداته الحثيثة لم ينجح الاتحاد الأوروبي في زحزحة المارد الصيني الذي لا زا ل يواصل تمدده في القارة السمراء بل في العالم بأسره..

الباحثة مروى كرعاني

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك