القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

المؤتمرات الحزبية والحسابات الانتخابية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-05-02 14:15:00 | 287 مشاهدة

المقدمة:

شهدت الساحة السياسية في الآونة الأخيرة انعقاد عدة مؤتمرات حزبية.

ولا شك أن انعقاد هذه المؤتمرات يندرج ضمن الاستعداد لخوض الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2019 رئاسيا وتشريعيا.

بعض هذه المؤتمرات كانت تأسيسية مثل مؤتمر حركة نداء تونس ومؤتمر حركة إلى الأمام التي يتزعمها السيد عبيد البريكي النقابي السابق والمعروف سياسيا بانتمائه إلى حركة الوطنيين الديمقراطيين (الوطد)، وآخر هذه المؤتمرات التأسيسية مؤتمر حزب تحيا تونس الذي انطلقت أشغاله يوم 27 أفريل 2019  في حين كانت المؤتمرات الأخرى عادية مثل مؤتمرات أحزاب المسار والتيار الديمقراطي والتيار الشعبي.

ومن المهم التساؤل عن مدى تأثير انعقاد هذه المؤتمرات على مسيرة الأحزاب المعنية وعن دورها المنتظر في آفاق انتخابات 2019 الرئاسية والتشريعية، كما تطرح بعض التساؤلات عن انعكاسات هذه المؤتمرات سواء عبر مجرياتها أو من خلال مخرجاتها على المشهد السياسي الوطني وخاصة على العائلات السياسية ذات العلاقة وأساسا على العائلة الدستورية والعائلة اليسارية أو ما يمكن توصيفه بالعائلات الوسطية يمينا أو يسارا؟!

خطوة إلى الأمام ... خطوة إلى الوراء:

يمكن أن تكون مؤتمرات الأحزاب التأسيسية أو الدورية العادية خطوة إلى الأمام في مسيرة الأحزاب المعنية وفرصة للبروز ودعم التموقع، كما يمكن أن تكون خطوة إلى الوراء ومحطة فارقة للتصدع واهتزاز الصورة وبوابة لتأجيج الخلافات والصراعات مما يؤدي إلى الانقسامات وحتى الانسحابات والانشقاقات...

الحالة الأولى يمكن أن يلاحظها المتابع اليقظ لمؤتمرات بعض الأحزاب المنجزة مؤخرا على غرار كل من التيار الديمقراطي وإلى الأمام، في حين تبرز الحالة الثانية في مؤتمر حزب المسار وبشكل أكثر مأساوية في مؤتمر حركة نداء تونس، أما مؤتمر الحزب الجديد – القديم (؟!) تحيا تونس فإن هدف مؤسسيه هو بكل تأكيد السعي إلى استثماره من أجل الدفع نحو الانطلاق القويّ والفاعل لتحقيق الانتشار والإشعاع المطلوبين .. في انتظار مزيد تبلور المشهد واتضاح الصورة وبروز التفاعلات المحتملة قاعديّا وقياديّا، وكل شيء ممكن بالنسبة إلى حزب يختلط فيه القديم بالجديد وتتداخل فيه المكونات من مشارب حزبية وإدارية وبرلمانية مختلفة وبناء على حسابات إطارات حكومية وإدارية ومجموعات مال وأعمال وشخصيات سياسية ومجتمعية غيرت جلودها وملابسها ولكنها دون أدنى شك مازالت تحافظ على عقولها وقلوبها وأرواحها التي شاركت بها وما بالعهد من قدم في تجربة أخرى سابقة وتكاد تكون نسخة مطابقة للأصل من التجربة الجديدة التي تخوضها فيما يشبه حالة الراقص الذي انتقلت به القدم من مربع إلى آخر على أرضية نفس الرّقعة. تغير موقع الرقص ولكن الراقص هو نفسه والرقصة كذلك (؟!).

حزب تحيا تونس: حزب السلطة أم سلطة الحزب؟

من المهم ونحن نتحدث عن مؤتمر حزب تحيا تونس، أن نتحدث عن الحزب في حد ذاته لأن المؤتمر لم يكن إلا تظاهرة منظمة بدقة وفي كل تفاصيلها للشروع في العمل المحدّد والمنتظر من قياديين قرّروا تأسيس حزب لتعويض حزب آخر بنفس الخصائص وبنفس الأسس مع فارق التخلّص مما يعتبرونهم من المنغصات والمعرقلات.

إن مؤسسي هذا الحزب يستفيدون من وجودهم في السّلطة حكومة وبرلمانا وإدارة عموميّة. كما أن جل المؤسسين الكبار ينتمون إلى الحاضرة وهم يريدون بأي ثمن إيجاد امتداد نحو الساحل .. والداخل! ولكن هل من مستجيب؟!

كذلك فإن تحيا تونس أوجدت زعيما جديدا بديلا عن الزعيم القديم (المؤسس). إن يوسف الشاهد يعوض الباجي قايد السبسي وتحيا تونس يعوض نداء تونس. هذا هو بالضبط حزب تحيا تونس (الجديد القديم) مع الحفاظ على نفس أرضية الهندسة لتكوين حزب إطارات ومصالح يستفيد من التموقعات في السلطة والإدارة وفي فئة رجال المال والأعمال وفي شبكة الصلات الداخلية والعلاقات الخارجيّة ومن دائرة الحسابات الانتخابيّة والمصالح الفئوية والشخصيّة: نداء تونس سنة 2014 لتحيا تونس سنة 2019؟ !

لكن السؤال الذي سوف يؤرق بكل تأكيد القائمين على شؤون هذا الحزب حول "الزعيم الشاهد" يتمثل في معرفة مدى القدرة على تحمل التبعات الحكومية باعتبار تولي زعيم الحزب قيادة هذه الحكومة منذ ثلاث سنوات مع غلبة التقييم السلبي للعمل الحكومي لدى أوسع شرائح الرأي العام الوطني. كذلك هناك حيرة بشأن المتابعين لشؤون حزب تحيا تونس تخصّ مدى تفاعل القاعدة الدستورية العريضة التي صوتت للنداء وزعيمه الباجي قايد السبسي سنة 2014. فهل ستنقل بدورها أصواتها لصالح من خرجوا من "ندائهم" الأصلي وحوّلوا وجهتهم إلى "المنادي" الجديد، وبالتالي تبدوالحيرة فيما يتعلق بمدى تمثيلية "الإطارات" الزاحفة نحو "تحيا تونس" للقواعد الحزبية والانتخابية التي صوتت لنداء تونس وزعيمه الباجي قايد السبسي وليس للأسماء المؤثثة لقائمات النداء سنة 2014 مهما كانت قيمة هذه الأسماء آنذاك.. ولكنها بكل تأكيد فإنها سوف تتساءل عن مدى قيمتهم الآن وعن مدى "وفائهم" للراعي الجديد.

نداء تونس: تمخض المؤتمر فولد ...

لقد كُتب الكثير وقيل الكثير عن "الأحداث" الكبرى التي عرف بها حزب نداء تونس منذ تأسيسه وفوزه في انتخابات 2014، ثم الانشقاقات والانقسامات التي شهدتها مسيرته وتشكل "أحزاب" وليدة من رحمه على غرار المشروع وتونس وبني وطني ... ثم خروج المجموعة التي حوّلت وجهتها إلى مشروع جديد هو حزب تحيا تونس ... وكيف كانت كل الخلافات تقريبا تتمحور حول عدم القبول بقيادة حافظ قايد السبسي .. وبالرغم من ذلك فإن كل الذين غادروا تقوقعوا حول ذواتهم وتفرقعوا إلى كيانات منفصلة عن الحزب الأم وعن بعضهم بعضا كالفقاقيع، ولم يشكل ابتعادهم عن قيادة حافظ قايد السبسي دافعا لتوحّدهم ... بل العكس تماما هو الذي كان دائما يحصل، وكل فصيل يعدّ نفسه البديل .. وآخر العنقود هو مشروع تحيا تونس.

لكن الجديد في النداء الأم هو انعقاد مؤتمره التأسيس، أخيرا، والذي كان ينتظر منه وضع الأساس على السكة والإعداد لانطلاقة جديدة لقطار 2014 بعد تخلصه من كلّ "الفرامل". كان المنتظر من المؤتمر ضبط الأمور أخيرا وخاصة أن المتبقين كانوا جميعا يلحون على دور المؤتمر في رصّ الصفوف وتوحيد الجهود وتجديد الشرعيّة.

ولكن ما حصل كان فاجعة بأتم معنى الكلمة، أو ربما كان ملهاة تراجيدية. انتهى المؤتمر بانفجار النداء وتصدّعت أساساته. أفرز المؤتمر ندائين اثنين وقيادتين اثنتين ..وأفقين جديدين متوازيين .. وظهر بالمكشوف أن الأحزاب لا تبنى على مجرد حسابات آنية ورهانات شخصية ومصالح فئوية ضيقة. الأحزاب أفكار ورؤى ومشاريع.

أحزاب التنشئة وأحزاب التعبئة:

لقد أكدت تجارب الحياة الحزبية في تونس هذا التناقض الصارخ بين نوعين اثنين من الأحزاب لا ثالث لهما باستثناء المسائل المتعلقة بالحجم والفاعلية والانتشار والتمثيلية.

النوع الأول يتمثل في الأحزاب المؤسسة على مرجعية فكرية ومشروع مجتمعي ووحدة تنظيمية وبرنامج سياسي واقتصادي واجتماعي.

أما النوع الثاني فذاك القائم على مصالح أشخاص سرعان ما تنتهي بانتهاء تلك المصالح أو بتضاربها. إنها أحزاب اللحظة فقط لا غير، مهما كانت فاعلية الإبهار التي يشكلها فعل التأسيس، فإن مآلها هو الانطفاء والتلاشي، "وما يبقى في الواد كان حجره".

أحزاب التنشئة هي الأحزاب العقديّة الفكرية والسياسية تندرج ضمن مشروع مجتمعي متكامل، أما أحزاب التعبئة فهي أحزاب المصالح الآنية وتشكلات تنظيمات اللحظة فبقاؤها مرتهن بتلك المصالح وتلك اللحظة، والفاهم يفهم !

لقد انتهى مؤتمر نداء تونس بانقسام عمودي حادّ انشطر فيه ما تبقى من الجسم الأصلي للنداء إلى نصفين والرأس إلى رأسين !ودون الخوض في تفاصيل هذا الانقسام الجديد، فإن الأمور على ما يبدو تتجه نحو احتفاظ السيد حافظ قايد السبسي بقيادة ما تبقى من النداء اعتمادا على "الشرعية" القانونية بقطع النظر عن عدد المنشقين الذين بدورهم يعتبرون أنفسهم هم الأولى بالاعتراف القانوني .. ولكن القضية بقيت مرتبطة على ما يبدو "بالباتيندة" وبالضغوطات الفوقيّة التي لا يمكن تجاهلها.

لقد غلبت حسابات الحقل حسابات البيدر .. وبقيت الحسابات الانتخابيّة مؤجّلة في انتظار معركة مآلات المجموعة الثانية بقيادة الثنائي المتناصف طوبال – الحطاب.  ومآلات علاقات المشروع والمبادرة بتحيا تونس ومعرفة مخرجات مؤتمر تحيا تونس ومدى ارتباطات مجموعة طوبال – الحطاب بالشاهد الزعيم ؟!

الانتخابات تجمّع وتفرّق:

لاشك أن كل المؤتمرات، بل وكل الاجتماعات الحزبية العادية والاستثنائية في الفترة الحالية مرتبطة إلى حد كبير بالاستحقاقين الانتخابيين لسنة 2019.

مؤتمر التيار الديمقراطي أفرز عودة السيد محمد عبو إلى الأمانة العامة للحزب وترشحه إلى رئاسة الجمهورية. ومؤتمر إلى الأمام أفرز انتخاب السيد عبيد البريكي أمينا عاما ومراهنا جديدا على قيادة جزء من اليسار ربما فيه بعض الذين كانوا في الوطد وفي الجبهة الشعبية .. مع إمكانية استثمار الخلافات المعلنة والخفية بين الوطد وحزب العمال ومن أبرزها مسألة ترشح كل من حمة الهمامي والمنجي الرحوي للاستحقاق الرئاسي.

أما مؤتمر المسار فقد سجل انسحاب الأمين العام السابق سمير بالطيب المنتقل بدوره إلى تحيا تونس والاصطفاف خلف رئيسه "الحكومي" ساحبا معه بعض وجوه المسار. إنها نفس الملهاة الشكسبيرية. كذلك الشأن بالنسبة إلى ائتلاف "قادرون" وهذا المولود الجديد باسم "الاتحاد الوطني للمستقلين" الذي يضع حدا لاستقلالية المنضوين في صلبه باعتباره تنظيما وليس مجرد قائمات انتخابية بمسمّى مشترك لقائماتهم.

الحقيقة أنه لا يمكن التمتع في نفس الوقت بالزبدة وبثمن الزبدة كما يقول المثل الفرنسي .. بمعنى الحفاظ على حق الامتياز بصفة المستقلين وفي نفس الوقت التمتع بحق الصفة التنظيمية المشتركة التي تميز الأحزاب ؟!

أما تحركات الحزب الحر الدستوري بزعامة أمينته العامة عبير موسي فليست سوى أصداء لتجمع منحل يصدح بعزف متفرد معاد للثورة وللمسار الديمقراطي وللدستور في حنين جارف لعودة منظومة الاستبداد والفساد التي أسقطتها ثورة الحرية والكرامة وغسلت أدرانها دماء الشهداء الأبرار وسوف تطمس آخر معالمها أصوات الناخبين الأحرار.

من المؤكد أن أوسع فئات شعبنا وجلّ مكونات الطيف السياسي وشرائح الرأي العام الوطني لم تعد تستسيغ ولم تعد تقبل خطابات الشعبوية والعنف والتطرف والحقد والغلو ولغة التهديد والوعيد.

إن شعبنا يتطلع إلى معالجة الأوضاع الاقتصادية المتأزمة وإيجاد حلول لغلاء المعيشة وتدهور القدرات الشرائية ومحاربة الفساد وإرساء العدالة الاجتماعية وتوفير الشغل وإنجاز المشاريع التنموية.

الخطاب الانتخابي المنتظر لحركة النهضة:

إن حركة النهضة، وهي الحزب الحقيقي الوحيد المنظم والمشعّ والمطلع على حقيقة الأوضاع والعارف الجيد بحقيقة المعرقلات وبخلفية المزايدات والاتهامات التي تطاله، مدعوّ إلى مخاطبة الشعب بكل الحقائق وإطلاعه على كل الأسباب والخلفيات التي تعطل المسيرة التنموية الاقتصادية والاجتماعية والتي لا تخفي حرصها على تأزيم الوضع السياسي وتوتير الوضع الاجتماعي لمآرب انتخابية ولحسابات حزبية وفئوية ضيقة.

إن حركة النهضة مدعوة إلى الاتجاه نحو كافة مكونات خزانها الانتخابي وتعبئة كافة طاقاتها الحيوية بخطاب ثلاثي الأبعاد:

  • البعد الأول: هو البعد الاقتصادي المتضمن مقترحات عملية لمعالجة الأزمة الاقتصادية وخلق الظروف المناسبة لتحقيق التنمية المنشودة. إن حركة النهضة مدعوة بقوة إلى مزيد التعريف بالمنوال الاقتصادي الاجتماعي التضامني الذي تدافع عنه في مواجهة الاختيارات الاقتصادية الليبرالية المشطّة والارتهان الكلي لخيارات المنظومات العالمية الليبرالية المشطة.
  • البعد الثاني: هو البعد الاجتماعي باعتبار انتماء أكبر شرائح قواعد الحركة للفئات الشعبية والطبقة الوسطى. إن الحركة في تناغم تام مع المطالب الشعبية العريضة الطامحة إلى العدالة الاجتماعية.
  • البعد الثالث :هو البعد السياسي الوطني المدافع عن سيادة البلاد واستقلالية قرارها وعن هوية شعبها وعن علاقاتها التاريخية والوطيدة بمحيطها الجغراسياسي وبشكل أخص وأدق محيطها المغاربي باعتباره الفضاء الأكثر ملاءمة لتحقيق التنمية المنشودة والذي يتمتع بكل المكونات المناسبة لإنجاز ذلك في كنف التعاون والتنسيق ووحدة المصير، مع التفتح أكثر ما يمكن على الفضاءين العربي والإفريقي ومواصلة التعاون القائم مع الفضاء الأوروبي..

الخاتمة:

لاشك أن مخرجات مؤتمر تحيا تونس وتطورات أزمة مؤتمر النداء سوف تشكل جزءا من خصوصيات المشهد السياسي الوطني في الفترة القريبة المقبلة قبل الوصول إلى المحطة الانتخابية.

كما أن تطورات أخرى منتظرة في صفوف الجبهة الشعبية وربما في دائرة "قادرون" واتحادالمستقلين  إلى جانب ما يمكن أن تعبر عنه الساحة النقابية من مواقف وتفاعلات بدأت بعض معالمها ومؤشراتها تظهر بين الحين والآخر.

الأيام القادمة من غير شك سوف تكون حبلى بالتطورات .. وما تتمناه أغلب القوى الديمقراطية وأغلب شرائح الرأي العام الوطني هو الوصول إلى الاستحقاقين الانتخابيين في موعدهما بكل سلام ليكون بوابة الانطلاقة الجديدة نحو شاطئ الأمان لإرساء الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي والنهوض الاجتماعي ولتتقدم مسيرة التجربة الديمقراطية التونسية خطوات كبرى إلى الأمام.

مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية (وحدة التقدير السياسي)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك