القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

اللامركزية في تونس: بين الفرص والتحديات

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-02-05 16:28:00 | 1526 مشاهدة

ملخّص:

صنفت المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات تونس ضمن 25% الأفضل في العالم في سبع سمات فرعية للديمقراطية لسنة 2018.[1] وهو مؤشر نجاح مسار الانتقال الديمقراطي في تونس إذ أن من معايير الديمقراطية: حكومة منتخبة بحرية ونزاهة ومراقبة برلمانيا وقضائيا وإعلاميا، وإدارة محايدة، وحقوق أساسية مضمونة، وعمل تشاركي مشاركة مباشرة وعبر المجتمع المدني والانتخاب والجماعات المحلية، وقد عزز دستور 2014 اللامركزية وأفرد لها الباب السابع الذي احتوى على اثني عشر فصلا إلى جانب الفصل الرابع عشر من الباب الأول الخاص بالمبادئ الأساسية، احتوت هذه الفصول على مبادئ أساسية ترتكز عليها اللامركزية منها مبدأ الانتخاب ومبدأ الرقابة اللاحقة على شرعية الأعمال ومبدأ الاستقلالية المالية ومبدأ التدبير الحر ومبدأ التضامن والتعاون بين الجماعات المحلية ومبدأ الحوكمة المفتوحة ومبدأ الديمقراطية التشاركية ومبدأ التفريع ومبدأ ضبط الاختصاص من طرف المشرع في إطار وحدة الدولة. اللامركزية الترابية نظام سياسي تنقل فيه الصلاحيات من السلطة المركزية إلى جماعات محلية تسيرها مجالس منتخبة محليا تتمتع باستقلالية مالية وإدارية. أما المركزية فهي نظام سياسي تتركز فيه سلطة القرار السياسي والإداري والمالي في أعلى هرم الدولة.

مقدّمة:

عرفت تونس تاريخيا نظاما مركزيا مشددا فلا وجود لجماعات محلية مستقلة مختصة في إدارة الشأن المحلي إلى حين تأسيس بلدية الحاضرة سنة 1858 ثم تأسست خمس بلديات في عهد الحماية. لم يتضمن دستور 1959 سوى الفصل71 للجماعات المحلية. ضلت الجماعات المحلية تابعة تعمل في ظل سلطة مركزية مشددة. ورغم تعدد محاولات تطوير اللامركزية وتعدد النصوص القانونية الخاصة بها ضلت الأخيرة صورية مقيدة بإرادة السلطة المركزية إلى أن قامت ثورة الكرامة والحرية التي انطلقت من جهات محرومة ومهمشة والتي كان من دوافعها الهوة السحيقة بين الجهات في حظوظ التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فقد استجاب المجلس الوطني التأسيسي لمطالب الشعب في تأسيس نظام جمهوري ديمقراطي تشاركي، تكون اللامركزية أحد ركائزه.

 

   1/ اللامركزيّة: بين المحلّي والدولي:

تم تكريس اللامركزية في تونس في إطار مسار دولي يتجه نحو تعميم اللامركزية وانتشار الديمقراطية ويجد هذا المسار أصوله في المعاهدات الدولية حيث نص كل من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل شخص المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلاده، إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارهم بحرية، كما أن لكل مواطن الحق في أن ينتخب وينتخب في انتخابات نزيهة تجري دوريا وأن تاح له، على قدم المساواة عموما، مع سواه فرصة تقلد الوظائف العامة. كما تطرقت العديد من الهيئات الدولية إلى موضوع اللامركزية.

تندرج اللامركزية في إطار تفكيك أسس نظام مركزي آحادي استبدادي، من خلال تشريك المواطن في القرار ونقل الصلاحيات إلى الجماعة المحلية الأقرب للمواطن. لم يكن باب السلطة المحلية موضوع جدال بين المؤسسين ولم يطرأ على مسودة الدستور الأولى تغييرات جوهرية عبر نسخ الدستور العديدة إلى أن نال الموافقة عليه بالإجماع تقريبا. وتكتسي المركزية أهمية بالغة في الانتقال الديمقراطي وبناء دولة القانون وهو ما يتطلب جرأة سياسية لنقل الصلاحيات مع ما يناسبها من موارد من السلطة المركزية إلى الجماعات المحلية وكذالك استكمال بنا المؤسسات المحلية ومراجعة هيكلية وقانونية شاملة للمنظومة الإدارية القائمة على ضوء مبادئ وأحكام دستور2014.

إن دعم اللامركزية مسار ملزم للجميع دستوريا وواقعيا ودوليا من أجل تحقيق التنمية الشاملة والعادلة على غرار دول من أوروبا الشرقية إثر سقوط الأنظمة الاستبدادية. ولا يمكن الحديث عن التحديات التي تعترض تكريس اللامركزية قبل الحديث عن الفرص المتاحة لتكريسها.

2 / الفرص المتاحة لتكريس اللامركزية:

لم يكن تكريس اللامركزية في دستور 2014 مسقطا ولا منعزلا عن السياق الدستوري بل كان منسجما مع التوجه نحو بناء نظام جمهوري ديمقراطي تشاركي قائم على العدل بين الجهات وتحقيق العدالة الاجتماعية والاستجابة إلى إرادة الشعب. كما أن تكريس اللامركزية دستوريا يجعلها تتبوأ المكانة العليا في سلّم القوانين ومعيارا لمراقبة احترام التشريعات له حيث يمكن للمحكمة الدستورية إيقاف العمل بتشريعات مخالفة لمبادئ اللامركزية عند النظر في القوانين النافذة عن طريق الدفع بعدم الدستورية أو عن طريق طلب احالة مشاريع القوانين إلى المحكمة الدستورية.

إنّ إصدار مجلة الجماعات المحلية ودخولها حيز النفاذ أدخل أحكام الباب السابع من الدستور حيز النفاذ بعد أن كانت معلقة بالأحكام الانتقالية المضمن في الباب العاشر من الدستور. كما أنّ إنجاز أول انتخابات محلية بعد صدور الدستور ومجلة الجماعات المحلية يعتبر اقتحاما مهما في مسار تنزيل أحكام ومبادئ اللامركزية في الواقع وتأسيس علاقات جديدة بين المواطن والشأن العام المحلي وتكريس ديمقراطية القرب وتراجع الأمل في تحقيق التنمية ولو بحجم محدود.

نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية تدعم التوجه السياسي نحو الالتزام بالدستور والتعجيل باستكمال المرحلة الانتقالية في بناء المؤسسات الدستورية وسن التشريعات وتعديل القوانين وفقا للدستور.

تونس دولة منفتحة على العالم ومنخرطة في الموجة الثالثة لانتشار الديمقراطية وحازت على المراتب الأولى عربيا في الترتيب الدولي للدول الديمقراطية كما أنها صارت مصنفة كأول دولة عربية ضمن الدول الحرة وهو ما يجعلها محل رعاية ودعم دولي لمسارها في تكريس اللامركزية التي هي ركن من أركان الديمقراطية، وقد برز هذا الدعم من خلال الدعم المادي واللوجستي الدولي واهتمام مراكز الدراسات والمنظمات الحكومية بمسار اللامركزية بتونس. ومن المعلوم أنّ المموّلين الدوليين يربطون نجاح البرامج التنموية بنجاح اللامركزية، وقد خصص البنك الدولي سنة 2014 على سبيل الذكر 300 مليون دولار لدعم اللامركزية وأردفها ب 130 مليون دولار إضافية سنة 2018 موجهة إلى برنامج التنمية الحضرية والحوكمة المحلية الممتد إلى سنة 2023.

تعمل المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني على دعم اللامركزية بتونس سواء بالتأطير أو بالقيام بالدراسات وتقديم المقترحات لإنجاح المسار اللامركزي ومن ضمن هذه المنظمات USAID ;GIZ ;AFD ;ICG ;CF ;FHB ;ACDI ;DRI ;CGLU ;CUF ;PNUD ;

وغيرها من المنظمات الحكومية وغير حكومية. ويبرز اتساع شبكة المجتمع المدني ومشاركته المعتبرة في مسار اللامركزية على مستوى التعبير عن إرادة المواطنين وعلى مستوى الرقابة وتقييم مسار اللامركزية في تونس ومن ضمنها على سبيل الذكر لا الحصر منظمة البوصلة. كما يمثل ال7000 مستشار بلدي المنتخبون مباشرة من قبل المواطنين، قوة ضغط إيجابية في دفع مسار اللامركزية، فقد قامت كونفدرالية رؤساء البلديات حديثة التكوين بعديد التصريحات المطالبة بدعم اللامركزية وحماية المصالح البلدية من تجاوزات السلطة المركزية. وإنّ كل العوامل السابقة تدعم مسار تكريس اللامركزية تشريعا وتنفيذا ولكن هذا لا يحجب عنا التحديات الجسام التي تعترض مسار اللامركزية في تونس.

 

2 / تحديات تكريس اللامركزية في تونس:

أثبتت تجارب الديمقراطيات الحديثة أن الانتقال من نظام شديد المركزية إلى نظام لامركزي عملية تحتاج زمنا قد يطول حتى تتشكّل أساساته، وتحتاج إلى إرادة سياسية جادة وفعالة. فالتراخي في دعم مسار اللامركزية يبعث اليأس لدى المتساكنين ويضعف حماسهم في المشاركة في تحمل المسؤولية في تنمية مناطقهم. إن التحديات التي تواجهها اللامركزية في تونس عديدة وجسيمة ومنها نخصّ:

الصراع بين المذهب اليعقوبي الذي انبنت عليه الإدارة التونسية والمذهب التفريعي الذي كرسه دستور 2014، حيث يذهب الأول إلى مركزة المسؤوليات والصلاحيات والاختصاصات عند الدولة ويذهب الثاني إلى تفريع المسؤولية ولامركزية السلطة وتوزيع الصلاحيات بين الدولة والجماعات المحلية كما يعتبر المذهب اليعقوبي أن تدخل الدولة ضمانة لوحدتها بينما يعتقد أنصار مبدأ التفريع، المكرس في الدستور، بأن تُدخل الدولة ضرر يجب الحد منه. وتولد العقلية اليعقوبية المنتشرة في أوساط الماسكين والموجهين للسلطة الإدارية التراخي في دعم اللامركزية ونقل الصلاحيات فبقدر ما كان الدستور سخيا في تكريس اللّامركزية كانت مجلة الجماعات المحلية شحيحة في تكريس المبادئ الدستورية المتعلقة باللامركزية. وتتجسد اللامركزية في دستور 2014 في جماعات محلية تتكون من بلديات وجهات وأقاليم، وهي جماعات تتكامل ادوارها فلكل صنف منها صلاحيات ذاتية خاصة بها ممنوعة عن غيرها، حددتها مجلة الجماعات المحلية كما أن لكل صنف من الجماعات صلاحيات مشتركة مع السلطة المركزية وصلاحيات منقولة منها. لم يتم بناء سوى المجالس البلدية ولا تزال المجالس الجهوية تسيرها نيابات خصوصية، كما أن الأقاليم لا تزال اسما بلا مسمى لم يصدر فيها أي مشروع قانون يحدد عددها ومجالاتها الترابية. وإنّ المجلس الأعلى للجماعات المحلية هيكل دستوري يمثل مجالس الجماعات المحلية لدى السلطة المركزية يدلي برأيه في مشاريع القوانين المتعلقة باللامركزية ويمكنه حضور مداولات مجلس نواب الشعب غياب هذا الهيكل خلل كبير في مسار اللامركزية في تونس فمجلة الجماعات المحلية توجهت إليها عديد الانتقادات وأهمها أنها أعدت في غياب هيكل رسمي يمثل الجماعات المحلية ولا تزال التشريعات والقرارات ذات الصلة تصدر دون أن يبدي المجلس الأعلى للجماعات المحلية رأيه فيها وهو ما يجب تداركه. وتحتل ميزانية الجماعات المحلية في الدول الديمقراطية نسبة تصل الى نصف ميزانية الدولة احيانا بينما لا تتجاوز ميزانية الجماعات المحلية في تونس نسبة ال 4 في المائة وهو مؤشر يدل على استئثار السلطة المركزية بالصلاحيات وتواصل تهميش الجماعات المحلية وتعثر مسار اللامركزية. ولم يجد مبدأ التفريع المكرس في الفصل 134 من الدستور الاحترام المطلوب رغم أنه من أهم المبادئ التي يرتكز عليه نجاح اللامركزية حيث يقضي بأن تنقل الصلاحيات من السلطة المركزية إلى الجماعة المحلية الأقرب للمواطن والأقدر على تحقيق الهدف المرجو، احترام مبدأ التفريع يستوجب إعادة النظر في كل الصلاحيات الغير ذاتية وإعادة توزيعها بين أصناف الجماعات المحلية الثلاث وجعل القرار يتخذ على المستوى الاقرب من للمواطن.

خاتمة:

أحالت مجلة الجماعات المحلية عديد المسائل إلى نصوص ترتيبية تصدر عن السلطة التنفيذية ولا تزال أغلبها رهن الانتظار لتوافقات سياسية تفعّله. والحقيقة إنّ اللامركزية خيار سياسي لم يقع حوله خلاف ولا جدال بين المؤسسين وهو يعبر عن روح الثورة وإرادة الشعب في أن يقرر مصيره ويرسم مستقبله وأن يكون شريكا فاعلا لا مفعولا به، يدبر شأنه المحلي ويتحمل مسؤوليته. وسيضل تقدم مسار اللامركزية رهين الإرادة السياسية وموازين القوى داخل السلطة.

صلاح الدين كمون (باحث تونسي)

 

     

 

 

 "الحالة العالمية للديمقراطية والانتخابات 2019: معالجة العلل، إحياء الوعد «، منشورات المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، نوفمبر 2019.ص28. [1]

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك