القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

القضية الكوريّة وخطر الحرب النووية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2017-08-06 08:00:02 | 112 مشاهدة
ملخص
تلعب اربع قوى نووية، كوريا الشمالية  و الولايات المتحدة الامريكية وروسيا والصين ، دورا مباشرا في تطوّر الأحداث في العالم  سلما واستقرارا. ومنذ سنة 2006، تاريخ اطلاق "بيونغ يانغ "  تجربتها  النووية مطوّرة قدراتها الباليستية، مهددة الولايات المتحدة، مؤذنة بتغير  توازن المنطقة  الرعب في  المنطقة، سعت  امريكا طرائق قِدَدا  بمنع كوريا الشمالية من اتمام مشروعها النووي ولكنها فشلت. وسبق السّيف العذل ، لتجد ادارة" اوباما"  نفسها، حين وصلت الى السلطة ، امام حقيقة  اكتمال المشروع  الذي انتهى بامتلاك كوريا  لقنبلتها النووية. لينبَري "ترامب" في تطبيق وصيّة خلفِه  بمقارعة الخطر الكوري ولكن بطريقته. فقد شكّل نجاح كوريا الشمالية بتجربة لاطلاق صاروخ طويل المدى في شهر جويلية 2017 مرحلة حاسمة على طريق تامين هذه القدرة الباليستية،  وتحدي النادي النووي والعُزلة الامريكية.   

مقدمة
ان فهم المسالة الكورية الشمالية موضوعيا محفوف بصعوبات جمة. فهي حالة جيوسياسية تفرض التخلي عن النماذج التحليلية العادية في  العلاقات الدولية وفي تقدير توازنات القوة.  فنحن ازاء نظام سياسي شاذّ موروث عن العهد الستاليني وممتزج بالمسارات التوارثية للحكم . كما ان النظام الكوري الشمالي قائم على السرية المطلقة التي تقربه من الطوائف الروحية المغلقة وتجعله عصيّا على اي نمذجة كلاسيكية.  ثم ان قادته لا يهدفون الى ادماج النظام في المنظومة الدولية باي شكل من الاشكال. بل ان بقاء النظام قد يكون رهين العزلة التي يعيش فيها. وعليه ، فان الحديث عن حقيقة النظام يقوم اساسا على التخمين. اما تناول التحديات الاقليمية التي تفرضها سياساته ، فانه رهين بحسابات متضاربة تفسر استمرار الازمة وتجعل من كوريا الشمالية القادح الارجح لاي صدام نووي محتمل في المستقبل.
1-  النوَوي وغريزة البقاء لدى "بيونغ يانغ"
 ان مجهودات نظام "بيونغ يانغ" منصبّة منذ 2006، تاريخ اول تجاربه النووية الناجحة على تطوير قدراته الباليستية من اجل توفير وسائل ناجعة لحمل رؤوس نووية عابرة القارات، وجعلها قادرة على تهديد العدو الامريكي في عقر داره. وهو الهدف المعلن لنظام أقام كل شرعية وجوده على محاربة الامبريالية الامريكية باسم المُثل الشيوعية.ولذا فقد شكّل نجاح كوريا الشمالية بتجربة لاطلاق صاروخ طويل المدى في شهر جويلية 2017 مرحلة حاسمة على طريق تامين هذه القدرة الباليستية.  يؤكد المختصون على ان نشاط البحث النووي  الكوري الشمالي قد شهد حركية ملحوظة خلال الفترة الاخيرة لما يشير لاحتمال قيام "بيونغ يانغ" بتجربة نووية جديدة ستكون السائدة منذ 2006. ويندرج ذلك بلا شك في اطار سعيها الى تقليص حجم قنبلتها النووية ووزنها بما يضمن فعالية التكامل بين قوتها النووية واشعاعها الباليستي. وهو ما يعني ان الازمة   الكورية المزمنة قد وصلت بالفعل مرحلة حرجة  في ظل تصميم الادارة  الامريكية الحالية على منع "بوينغ يانغ"  في المضي  قدما في تهديدها الامن القومي الامريكي. وقد ذهب نائب الرئيس الامريكي الى حد غير مسبوق حين لوّح بامكانية استخدام القوة النووية ضد كوريا الشمالية. ويعود ذلك الى انتشار الوعي في أن الوسائل الكلاسيكية في التعامل مع هذا الملف قد اثبتت عدم جدواها.
وقد استخدمت الحكومات الامريكية المتعاقبة جميع الوسائل الديبلوماسية الاقتصادية للضغط على النظام المتمرد ولكن الفشل كان مآلها دائما. ففي خلال فترة التسعينات حاولت ادارة "كلينتون" استخدام المجاعات التي ضربت كوريا الشمالية من اجل اغراء النظام بالعودة الى صفوف المنظومة الدولية خاصة في ظل نهاية الحرب الباردة. ومن ثمة اعتماد ما يسمى بسياسة الالتزام القائمة على التنازلات المتبادلة. وعلى هذا الاساس قام النظام الكوري الشمالي، مظطرّا، بتعليق نشاطه النووي و الباليستي في مقابل الغذاء والنفط. وذلك في سياق كارثة انسانية راح ضحيتها اكثر من مليون من مواطنيها. ولكن سرعان ما تراجع النظام بمجرد تحسن الاوضاع الاقتصادية، وتجاوز حالة المجاعة. فقدأعلن انسحابه من اتفاق التعاون مع الغرب ثم أمر مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مغادرة البلاد .وهو ما اجبر واشنطن على رد الفعل لفرض عقوبات عمقت عزلة "بيونغ يانغ"، ولكنها لم تؤثر في جوهر نظام الحكم فيها .
وحين وصلت ادارة "أوباما" وجدت كوريا الشمالية  قد نجحت بالفعل في امتلاك القنبلة النووية. وهو ما اجبرها على اعتماد شكل من اشكال الترقب السلبي من اجل معرفة نوايا النظام، على امل أن يكتفي باستخدام سلاحه الجديد كورقة للتفاوض الاقتصادي و الديبلوماسي وذلك خاصة بعد موت "كِيم جُون اِيلْ" ووصول ابنهّ" كيم جون اوم" إلى سدة الحكم . ولكن الزعيم الجديد ذا الثلاثين ربيعا انذاك، لم يكن اقل حدّة من ابيه وجده. بل ان عهده قد شهد مزيدا من الانغلاق خاصة بعد اعدامه لعدد كبير من الشخصيات الاقل تشددا داخل العائلة الحاكمة. ومن أبرزهم عمه الذي قتل عام 2013 على الملإ بالاسلحة المضادة للطائرات. وهو ما يعني ان "كيم جون اون" قد واصل سياسية أبيه الذي لم يكن ينوي مطلقا استخدام القنبلة النووية من اجل المقايضة الاقتصادية كما كان يأمل العقل الاستراتيجي الامريكي.  والحقيقة ان النظام الكوري الشمالي لا يرغب أصلا في تحسين الظروف الاقتصادية للمواطنين. فسياساته الداخلية قائمة عل اعتماد الفقر وتهديد المجاعة من اجل فرض الانضباط على شعبه. أما على الصعيد الخارجي ،فقد صرح "كيم جون اُون" بنواياه حين سخِر من كل من صدام حسين و القذافي بانهما قبلا بالتخلي عن اسلحة الدمار الشامل التي كانت بحوزتهما. واعتبر انهما باقدامهما على طرح ورقة الردع التي كانت بحوزتهما قد وقعا بمحض ارادتهما على صك موت نظاميهما. وقد تعهدا بعدم ارتكاب نفس  الخطإ، وهو ما يوصلنا الى الخلاصة الاولى ومفادها تهافت الراي السائد بجنون "كيم جون اون"  و  عدم انظباط سياساته الى منطق كلي. ذلك ان هذا القول المنتشر في الاعلام الغربي مرده اعتماد المحللين على الاطر الكلاسيكية التي تعودوا عليها في تحليل السياقات الاستراتجية. وهو خطا منهجي كبير. النظام الشمالي جاد في عدم اكتراثه بالعزلة المفروضة عليه مادامت لا تؤثر في وجوده كنظام. واعتماد ادارة اوباما على النموذج الايراني كان خطا فادحا. فعلى عكس طهران ليس ل"بيونغيانغ" أي سياسية استراتيجية اقليمية يمكن التفاوض عليها. وهو ما يعني انه لن يقبل في أي حال من الاحوال التنازل عن وسائل لردع لديه ، خاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار ما وصلت اليه هذه الوسائل من تطور نوعي على الصعيدين النووي والباليستي مما يجعل اسقاط النظام امرا عسيرا وذا تكاليف لا يمكن توقع حدودها.
2-خطر الحرب بالخطإ
لقد كانت وصية "اوباما" لخلفه عند مغادرة البيت الأبيض  ان المسالة الكورية الشمالية ينبغي ان تكون على راس اولويات سياساته الخارجية. ولا شك ان ترامب قد سمع النصيحة ، ولكن بطريقته. فاراد ان يستخدم اسلوبه الخاص املا في  حسم هذا الملف. وكعادته لجا الى اعتماد ما يتقنه من "سياسة المجنون ". وهي تقوم على ضرورة ايهام العدو بامكانية الاقدام على عمل جنوني لا تحمد عقباه ، وذلك من اجل ارغام هذا العدو على توخي الحذر وتقديم التنازلات. ومثال ذلك تواتر التلميحات باقتراب العدول عن الوسائل التقليدية في التعاون على الملف النووي الكوري الشمالي والتلويح باستخدام القنبلة النووية بشكل استباقي. وفي ذلك انقلاب جوهري في سياسات واشنطن في المنطقة ترجمته الديبلوماسية الامريكية عمليا من خلال عدم اكتفائها بحضورها العسكري في قاعدتها في الجنوب وبارسال حاملة طائرات نووية للتمركز  قبالة الشواطئ الكورية. ولكن ادارة "ترامب" سرعان ما احاطت بحقيقة الموقف الذي تتسم طبيعته بتركيب لم تكن قد استوعبته. فقد  أثارت سياسة التصعيد التي  اعتمدتها  حفيظة الحليفين الياباني والكوري الجنوبي. ف"طوكيو" و"سِيُول" تعلمان انهما اول من سيدفع الثمن ان خرجت الازمة عن السيطرة. اما الصين، فانها قد وعدت بمساعدة واشنطن لانها تخشى ان تؤدي مبالغة "بيانغ يانغ" في الاستفزاز الى تعزيز التدخل الامريكي لما تعتبره مجال تاثيرها الاقليمي. ولكن بيكين سرعان ما اثبتت حدود تاثيرها في القرار الكوري الشمالي فلئن كانت حدودها المشتركة مع  هذا البلد تمثل المتنفس الرئيس لاقتصاد "بيونغ  يانغ"، فان هذه الاخيرة تعلم حاجة بيكين لاستمرار نظام الذي قد يتسبب سقوطه في فوضى عارمة على الحدود الصينية. اما الحل الامثل والقائم على توحيد شبه الجزيرة الكورية، فانه قد يؤدي الى اختلال توازنات القوى في المنطقة لغير صالح بيكين. فالصين ترفض  توحيد الكوريتين لانها لا ترى بعين الرضا ان تجتمع على حدودها الحيوية الاقتصادية لكوريا الجنوبية مع القوة النووية الشمالية.
وليست بيكين وحدها الخاضعة لمنطق التناقض في التعامل مع هذا الملف. فاستمرار الازمة في  شبه الجزيرة الكورية منذ 1953 ،تاريخ انهاء الحرب الكورية باتفاق لوقف اطلاق  النار من دون معاهدة سلام حقيقية، لا يعبر عن حسن استخدام "بيونغ يانغ " بمنطق الردع فحسب ،بل انه يعكس ايضا مصلحة كل القوى الفاعلة في تواصل هذا المسلسل. فكوريا الجنوبية واليابان تعلمان ان حل هذا الملف يعني آليا تراجع الدعم العسكري والاقتصادي الامريكي. اما واشنطن فانها تستفيد من الاستفزازات الكورية الشمالية لدعم وجودها العسكري في المنطقة ،ولفرض اختيارتها الجيوسياسية على الصين. ومثال ذلك ان النشاط النووي والبالستي لـ"بيونغ  يانغ"  مكّن واشنطن من كوريا تبرير نشرها لدفاعات مضادة للصواريخ في كوريا الجنوبية. وهو خط دفاعي يقلل بالتاكيد من خطر السلاح النووي الكوري الشمالي، ولكنه يصلح ايضا لتضييق الخناق على بيكين ولتحجيم قوة الردع لديها. ولا شك ان كثرة هذه التناقضات تمثل عامل جمود للقضية. فليس من مصلحة أي طرف السعي الى فرض تغيير جذري على باقي القوى. ولئن كان هذا يعني استبعاد اندلاع مواجهة منظّمة من خلال منطق استراتيجي عقلاني ،فان لا يقصي نشوب حرب بالخطا. أي ان تصعد التوتر في المنطقة. قد يؤدي الى  الاسوإ بمجرد وجود قادح هامشي لا يمكن توقعه او السّيطرة عليه. ومثال ذلك تاريخا ما حدث في جوان 1914 بعد اغتيال وليّ العهد النمساوي "فرانز فرديناند ". وهو حدث هامشي بالمنطق الاستراتيجي. اذ انه لم يصدر عن أي قوة فاعلة ذات بال انذاك، ولكنه فرض على كل القوى الامبراطورية أفعال وردّات افعال كانت نتيجتها حربا عالمية حصدت أرواح الملايين .
وما يزيد الامر خطورة تزامن   ادراك النشاط النووي الباليستي في كوريا الشمالية مرحلة النضج مع وصول "دونالد ترامب" الى الحكم في واشنطن. فتقلُّب خطابه السياسي وتذبذب قراراته الاستراتيجية قد ادخل الارتباك على سياسات باقي الفاعلين. وعلى سبيل المثال،  تطرح كلّ من كوريا الجنوبية واليابان احتمال الدخول في سباق على التسلح مع "بوينغ يانغ" ، وذلك بعد تلميح واشنطن لامكانية تقليص حمايتها لحلفائها ان هم لم يتحملوا مسؤوليتهم في تقاسم الأعباء المالية  بشكل عادل مع الولايات المتحدة. ثم ان خطاب "ترامب" حول كوريا الشمالية مشحون برغبة متشنجة في حسم الملف مهما كان الثمن . وهو ما قد يفهم في لحظة  ما في اوساط نظام الحكم في كوريا الشمالية على انه اعلان حرب. أي ان "سياسة  المجنون" التي صنعت نجاحات "ترامب" السياسية الى حد الان قد تتعرض لاختبار حقيقي ان هي تسببت في زيادة توتير الاوضاع في شبه الجزيرة الكورية.
خاتمة
لا نبالغ ان نقول ان الازمة الكورية تحيل على وضع جيوسياسي شبيه بما قبل الحرب العالمية الاولى . اذ تتركز فيها مجموعة من التناقضات المتفجرة التي لا تنتظر الا شرارة من اجل ان تطلق سلسلة من الافعال وردات الافعال التي تؤدي من خلال منطق تراجيدي الى الكارثة. واذا اضفنا ان اربع قوى نووية، على أقلّ تقدير  تلعب دورا مباشرا ومؤثرا في تطور الاحداث ،هي كوريا الشمالية والولايات المتحدة  والصين وروسيا فانا نفهم ان ازاء قضية عالمية بامتياز.
 
الدّكتور ايمن البُوغانمي
عن مركز الدّراسات الاسترتيجية والديبلوماسية
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك