القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

القانون الانتخابي :حسابات الربح والخسارة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-06-26 10:46:00 | 186 مشاهدة

ملخص:

نبحث في هذا المقال دلالات تصديق مجلس نواب الشعب على  تعديل القانون الانتخابي قبل شهر من فتح باب الترشح للانتخابات المقبلة ،سياقات التعديل و آثاره وموقف مختلف الأطراف منه ،من الرابح ومن الخاسر  في هذا التعديل  ونسلط الضوء على الجدل الدائر حول هذا التعديل

مقدمة :

يراهن التونسيون جميعا وبلا استثناء على الانتخابات القادمة  المزمع اجراؤها في اكتوبر /نوفمبر المقبلين  (تشريعية ورئاسية ) مع اختلاف في طبيعة الرهان ودوافعه ،فبعضهم يرى الموعد الانتخابي القادم محطة رئيسية لإعلان التركيز النهائي للمسار الديمقراطي الحقيقي في تونس والذي يغلق الباب نهائيا أمام أي امكان لعودة البلاد إلى ما قبل الثورة ،و آخرون يرون الموعد محطة جديدة تمكنهم من كسب موقع في الخارطة الحزبية والسياسية يساعدهم على المساهمة في الحياة السياسية والمدنية للبلاد  و البعض ينتظر اقتناص الفرصة ليجعل من الانتخابات سلمه للانقضاض على الثورة والعودة إلى ما كان قبلها زمن نظام الاستبداد وداخل هذا الفريق تيار بحث عن تأجيل الانتخابات من أجل بث الشك في المسار برمته وإدخال البلاد في حالة فراغ وفوضى سياسيين يتحقق معها مطلبه المرجو من الارتداد عن مكاسب الثورة . غير أن تحديد موعد الانتخابات وتسريع الخطى نحو اتمام الاستعدادات اللوجستية والمضمونية لإتمامها على الوجه الأكمل أسقط خيار الالغاء على الأقل ظاهريا . وفي هذا السياق جاء مشروع الحكومة و الائتلاف المساند لرئيس الحكومة لتعديل القانون الانتخابي خطوة أخرى في هذا المسار حركت الراكد في الحياة السياسية قبل انطلاقتها المرتقبة فعليا وزاد من حدتها تصديق مجلس النواب في الثامن عشر من الشهر الجاري على التعديلات المقترحة لقانون الانتخابات ،وهو تصديق طرح أسئلة كثيرة نحاول تفكيك تعقيداتها والنظر في دلالاتها .

 

1 / أبرز معالم التعديل الجديد:

شمل التعديل الجديد لقانون الانتخابات أربع نقاط بارزة تشكل محاور يدور حولها الجدل وتجمل جملة القضايا والأسئلة التي نروم تفكيكها في هذا المقال وهي :

  • العتبة الانتخابية
  • السماح للتجمعيين بعضوية المكاتب الانتخابية
  • حرمان المستفيدين من الاشهار السياسي والعمل الجمعياتي خلال السنة السابقة للانتخابات  من الترشح
  • حرمان من المتهربين من الضرائب والذين لم يصرحوا بمكاسبهم خلال السنة السابقة للانتخابات من الترشح

وفي الواقع تعد هذه النقاط رسائل مباشرة لأطراف بعينها وفق ما يدل على ذلك سياق طرح التعديل والذي لا يخفيه أصحابه وهذه الأطراف  هي :الأحزاب الصغيرة  التي وصلت البرلمان بفضل قانون البقايا وليس لها ما يؤهلها شعبيا لنيل مقاعد جديدة في ظل قانون العتبة  ويأتي على رأس هذه الأحزاب أحزاب الجبهة الشعبية

التجمعيون : من خلال السماح لهم بعضوية المكاتب الانتخابية وتجاوز العائق القانوني الصادر بعد الثورة بعد حل التجمع الدستوري الديمقراطي حزب الرئيس المخلوع وفي الظاهر يبدو هؤلاء أحد الرابحين من التعديل لكن هل فعلا ذا هو الواقع ؟

نبيل القروي مالك قناة نسمة الخاصة  وصاحب جمعية يرحم خليل الخيرية ،ومنظمة عيش تونسي، ويمكن القول إن التعديل صيغ أساسا لمنع هذين الطرفين من المشاركة في الانتخابات المقبلة بعد الاستغلال المفضوح للجمعيتين للإشهار السياسي والعمل الخيري في دعاية سابقة لأوانها جعلت السباق الانتخابي محسوما قبل الاوان لصالحهما حسب مؤشرات استطلاع الرأي الأولية وهو ما يلقي بظلاله على شفافية العملية خاصة ما تعلق منها بتساوي الحظوظ وتكافؤ الفرص بين مختلف المرشحين

 

2 / السياق والدلالات

يطرح  سياق تنزيل التعديلات المدخلة على القانون الانتخابي فرضيتان ،فرضية أولى تقول إن الهدف هو حماية التجربة الديمقراطية والعملية الانتخابية من المال الفاسد والاشهار السياسي المسبق وضمان عملية نزيهة تتكافؤ فيها حظوظ المرشحين على حد سواء

وفرضية ثانية تعبر أن التعديل مقصود به أطراف معينون على رأسهم  نبيل القروي صاحب قناة نسمة الخاصة الذي رفض الانصياع لقانون اللعبة الديمقراطية بالكف عن الاشهار السياسي واستغلال جمعيته الخيرية في الدعاية المسبقة لحملته الرئاسية وكذلك تهربه الضريبي  و منظمة "عيش تونسي" التي ظهرت فجأة وبتمويلات غير معلومة المصدر ووفق برنامج ضبابي غير معلن واكتسحت استطلاعات الرأي الخاصة بنوايا التصويت رافضة الالتزام بقانون الجمعيات .

وسنحاول اختبار الفرضيتين  لنرى أيهما أقرب للواقع و أمتن حجة .وهذا يقتضي منا تحليل مختلف المواقف من التعديل قبل الخوض في اختبار الفرضيات .

3 / الموقف من التعديل:  

دار جدل كبير في الأوساط السياسية والإعلامية وفي مواقع التواصل الاجتماعي حول مشروعية التعديل المصادق عليه أخيرا بين تيار يرى العملية مشروعة لحماية الديمقراطية من أعدائها والرافضين لها والمتربصين بها أصحاب الخطاب الإقصائي والعنيف وتيار يرى العملية غير أخلاقية تكشف عن غياب الشجاعة السياسية لدى أحزاب الحكم وعن استغلال لأجهزة الدولة ومؤسساتها للحساب الخاص .

ويقدم كل فريق مبرراتها فيتساءل الرافضون ومنهم نواب في المجلس والاتحاد العام التونسي للشغل وعدد من الأحزاب السياسية يتساءلون عن التوقيت والمناسبة ويرون أن تقدم القروي مثلا وعيش تونسي  وحزب عبير موسى في نتائج استطلاعات الرأي أثار هلع أحزاب الحكم فلم يجدوا غير هذا الاستغلال غير القانوني لمؤسسة البرلمان لإقصاء المنافسين ،ويؤكد هؤلاء أن رفضهم لا علاقة له بالأشخاص المستهدفين و إنما هو رفض مبدئي من منطلق الحفاظ على النظام الجمهوري

ويرد مؤيدو التعديل بالقول إن من شملهم التعديل هم المتسببون الحقيقيون في الدفع باتجاهه بناء على عدم احترامهم لقانون المنافسة النزيهة الذي يقتضي تكافؤ الفرص وعدم توظيف العمل الخيري لأغراض انتخابية  كما أن من مستلزمات العملية الديمقراطية سن القوانين والتشريعات التي يراها حزب الحكم مناسبة وفق رؤيته وبرنامجه مادامت ضمن عهدته النيابية القانونية

4 / المؤشرات والدلالات:  

نبحث هنا الفرضيتين اللتين تقرآن سياقات التعديل الانتخابي الأخير ،فأما الفرضية الأولى فتقوم على معطى تأريخي يعيد التعديل إلى مقترح الرئيس الباجي قائد السبسي في خطاب عيد الاستقلال من السنة الماضية ،وهو مقترح جاء بعد فشل تعديل الدستور بما يعني أن الامر مخطط له ومدبر يقوم على.عملية مشهدية  تعويضا عن التصويت المفيد الذي استفاد منه السبسي وحزبه في الانتخابات الفارطة نظرا لانعدام مبرره بعد انفضاض   ما عرف وقتها بجبهة الإنقاذ التي قدمت نفسها حاميا للنمط التونسي إزاء خطاب حركة النهضة ومشروعها . وقد احتاج هذا المشروع  إلى فاعلين تتوفر فيهم شروط المنع من الترشح قبل شروط القبول لكن ضمن سياق يسمح لهم بتكوين الرصيد المطلوب لتحويله للمعني المباشر بالسياق الانتخابي فكان نبيل القروي أحد أبرز الداعمين لوصول الحكام الحاليين. لديه قناة غير خاضعة للقانون. ومتهرب من الضرائب وطبعا ليس الرجل الخاص للدول المؤثرة في اختيار الرئيس خاصة الجزائر، وما يميزه عن غيره من رجال الأعمال المتهربين من الضرائب وغير الخاضعين لقوانين العمل الديمقراطي  طموحه السياسي وانخراطه في العملية السياسية  
وكانت أيضا عبير موسى و هي الوجه الحقيقي لنظام المخلوع الذي لم يعد للحكام الحاليين القدرة على تبنيه لكنهم في حاجة اليه لتمرير أشياء اخرى بالتهديد به .


أما منظمة "عيش تونسي" فهي  نبت مفاجئ غامض الأهداف والتمويل مكشوف عورة الولاء للأجنبي من خلال علاقة ألفة التراس رئيسة المنظمة  بزوجها ممول حملة الرئيس الفرنسي ماكرون 
وزاد من حبكة هذا السيناريو الدور الذي لعبته مؤسسة سيغما كونساي في ابراز  الفاعلين المذكورين على قائمة نوايا التصويت  فخلافا لكل تقاليد سبر الاّراء تصدر حزب غير موجود. نتيجة نوايا التصويت،عند هذه النقطة يرى أصحاب هذه الفرضية أن  تعديل الانتخابي تخير اللحظة المناسبة  ليجبر الفاعلين  على الخروج مما عدّ مسرحية محكمة النسج ومن الدور الذي لعبوه كأرنب سباق ليقع استغلال الرصيد الرمزي والمادي  وتحويله إلى الشخصية والحزب المعنيي مباشرة بالترشح والتي تعمل من وراء حجاب  

المؤاخذات التي تعترض هذه الفرضية تقوم أساسا على  تأكيد الطموح الشخصي للفاعلين المذكورين وهو طموح  يجعل من امكانية قبولهم لدور أرنب السباق ضعيفا ،أمام عدم استعداد رئيس الدولة ومن يقف معه لتلبية هذا الطموح ،ومن المؤاخذات أيضا  اعتبار الفرضية موغلة في الخيال تمنح هؤلاء "عبقرية غير مستحقة "

أما الفرضية الثانية فتقوم على اعتبار القروي وعيش تونسي وعبير موسى ضحايا التعديل الانتخابي الذي عدّ على مقاسهم و أنه  يستهدفهم حصرا باعتبارهم  بديلا فرض نفسه بسبب أزمة النخبة السياسية عموما والنخبة الحاكمة خصوصا و تطلع الناس إلى نموذج مختلف يلامس مطالبهم الحقيقية بعيدا عن المهاترات الحزبية والأساليب التقليدية للأحزاب الكبرى في طرح برامجهم وتقديم الحلول لمشاكل البلاد .

وينقسم أنصار هذه الفرضية إلى قسمين ،قسم من مؤيدي القروي وعيش تونسي وعبير موسى ،وهؤلاء لن نقف عندهم كثيرا مهما كانت قوة حجتهم اعتبارا لأن شهادتهم  مجروحة فلا يتوقع من صاحب مشروع غير تقديم نفسه كضحية واللجوء إلى خطاب المظلومية ،وقسم يقرأ  الظاهرة ضمن رؤية تحاول أن تفكك أزمة الخطاب والفعل السياسيين بعد انتخابات 2014 وما وصلت إليه الممارسة السياسية في البلاد من عزوف الشبابا عن الانخراط في العملية الديمقراطية  وانحطاط الخطاب وتعاليه عن القضايا الحقيقية للناس وغياب حلول جذرية لأزمة اقتصادية واجتماعية ما تزال  في اتجاه التعمق.

وتبدو لنا هذه القراءة واقعية  و أكثر انصافا رغم أنها تهمل الإجابة عن الأسئلة المثارة بشأن هذا الثالوث المثير للجدل والمتعلقة بحقيقة خرقهم لقوانين العملية الديمقراطية ونزاهة الانتخابات   

5 / استنتاجات

تبدو مستندات أنصار التعديل أكثر حجة و أقوى دليلا فمنظمة عيش تونسي نتأت فجأة وضد مجرى اللعب كما يقال لم تكشف عن مصادر تمويلها وحضور الاجنبي فيها خاصة في ما تعلق بسيرة مؤسستها الفة التراس المتزوجة من رجل أعمال فرنسي مول حملة الرئيس الفرنسي ماكرون ،ونبيل القروي استغل جمعية خليل تونس الخيرية ايما استغلال عبر قناته الخاصة نسمة ورفض دفع الضرائب المستحقة للدولة وكشف عن نيته الانقلاب على الديمقراطية بعد وصوله للحكم وهو الموقف نفسه الذي أعلنته عبير موسى الامينة العامة المساعدة للتجمع المنحل سابقا ورئيسة الحزب الدستوري حاليا .

لكن هل يكفي تعديل القانون الانتخابي لتحصين العملية الديمقراطية والانتخابية من محاولات الاختراق المتعددة التي تستهدفها ؟

نطرح هذا السؤال في غياب الجهة الضامنة من  تحويل الرصيد الرمزي والمادي الذي حققته الأطراف  المقصية بالتعديل الجديد لفائدة الأحزاب الكبرى التي لم تقدم إلى حد الآن منذ انتخابات 2014 ما يثبت تورعها عن تلقي المال الفاسد أو توظيفه واستغلال العمل الخيري لصالحها في استقطاب الناخبين من الطبقات الفقيرة والمسحوقة ،فما الذي يمنع الآن نبيل القروي أو عيش تونسي أو عبير موسى من توجيه الفئات الداعمة لها والتي عبرت عن نيتها التصويت لها إلى حزب معين يختاره كل فريق بحسب توافقات غير معلنة أو من باب ردة الفعل أو ضمن مخطط سابق معد سلفا .

هذا السؤال يقتضي قراءة ما بين أيدينا من معطيات قراءة تفكيكية ،نبدؤها بمضمون التعديل الذي سمح من خلاله لعناصر التجمع المنحل بعضوية مكاتب الاقتراع ،ونعتقد أن هذا البند غير ذي معنى إذا ربطناه بمعطى اقصاء الحزب الذي يمثلهم حزب عبير موسى ،وهو لا يغير في المعادلة شيئا غير الاستجابة لمطالب نداء تونس والائتلاف الوطني من أجل تمرير التعديلات الأخرى  ارضاء لقواعدهم من التجمعيين القدامى ،فهذا البند هو شكلي أكثر من مونه  ذا أثر على العملية الانتخابية لأن عضوية هؤلاء لن تكون كعضويتهم زمن المخلوع.

أما تعديل العتبة وهو الأهم في تقدير عديد الملاحظين من حيث أثره وخطورته إذ هو يفرز برلمانا أقل تنوع تهيمن عليه الأحزاب الكبرى ويسهل عملية الحكم ،هذا على المستوى النظري لكنه عمليا لن يكون كافيا لضمان تيسير حكم حزب ما أو ائتلاف ما طالما أن القانون الانتخابي برمته لا يسمح بتفرد حزب بعينه بالأغلبية المطلقة ويبقى الرهان على التحالف والائتلاف أمرا متساوي الامكان بين العدم والوجود

ويرى آخرون أن المستهدف الرئيس من هذا التعديل هم أحزاب الجبهة الشعبية وأحزاب أخرى صغيرة نظرا لضعف شعبيتهم في مقابل حضورهم المزعج لأحزاب الحكم الحالي في البرلمان بصرف النظر عن جدوى هذا الإزعاج الذي غالبا لا يتجاوز المستوى الخطابي الانشائي كما يقولون

خاتمة

قد ينهي التعديل الأخير لقانون الانتخابات جدلا كبيرا عن ضمانات نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها لكنه حتما لن يضمن إنهاء أزمة حكم تعرفها البلاد منذ الثورة نتيجة خضوع العملية السياسية للحسابات الحزبية الضيقة واستمرار  القواعد المنظمة لها  دون تغيير خاصة قانون الانتخابات في صيغته التي تمنع أي حزب من الحصول على فرصة للحكم بمفرده وتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية أمام الشعب وهو ما يفرض عليه التحالف الذي غالبا ما ينتهي بالفشل نظرا لغياب الأرضية الفكرية والمرجعية المشتركة مع الأحزاب الممثلة في البرلمان .

 

د. سمير ساسي ( باحث وإعلامي تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك