القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

العدالة الانتقاليّة و خطوات استكمال المسار    

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-06-07 09:31:00 | 5293 مشاهدة

ملخّص                                          

وِفق الاتفاق الموقّع بين وزارة "العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الانسان" وهيئة الحقيقة والكرامة في 24 ماي الماضي، فإن الهيئة ستواصل عملها حتى نهاية ديسمبر 2018. وقد جاء الاتفاق بعد هزات عرفها مسار العدالة الانتقالية منذ انطلاقته قبل 4 سنوات تقريبا شهد فيها  تحديات و مطبات كادت أن تهوي به في جرف سحيق، وتأخذ معها الانتقال الديمقراطي، وأهداف الثورة إلى دروب المجهول. ولم يسلم الاتفاق من محاولة إفراغه من مضمونه من خلال موقف وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية "مبروك كورشيد" الذي أطلق تصريحات في ندوة صحفية بقصر الحكومة بالقصبة يوم الجمعة 1 جوان 2018 مفادها أنه سيمتنع عن التعامل مع هيئة الحقيقة والكرامة، مشيرا  أن ذلك الموقف سيلتزم به المكلف العام بنزعات الدولة. وهو ما أثار ردود أفعال متباينة، أجمعت على أن تصريحه يعد مخالفا لمقتضيات الدستور التونسي التي تضمنت التزام الدولة بكل مؤسساتها احترام  العدالة الانتقالية في آجالها ومددها كما أن في تصريحاته ما يؤكد عدم التزام وزارته بالاتفاق المبرم بين الهيئة  ووزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية. وهو موقف يعكس موقف شريحة من الناس في المجتمع التونسي تود لو تتبخر العدالة الانتقالية في تونس وتنتهي بلا رجعة، بعد محاولات عديدة للعرقلة.

مقدمة

تتقدم سفينة العدالة الانتقالية من مرافئها، ببطء ولكن بثبات. وذلك يعود لتمسك الضحايا وقوى الثورة والدستور بمسار العدالة الانتقالية المتكامل وبكل آلياته لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان وبكشف حقيقتها ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا وردالاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية علي أسس متينة، ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها ويرسخ ضمانات عدم تكرار الانتهاكات، و الانتقال من حالة الاستبداد إلي نظام ديمقراطي يساهم في تكريس  حقوق الإنسان ومقاومة محاولات إفشال المسار أو الانحراف به وإفراغه من مضمونه. وكان للرفض الواسع داخل البرلمان وخارجه للتصويت  ليلة 26 مارس الماضي الفاقدة للشرعية القانونية و اعتبار قرارها تعسفا على مسار العدالة الانتقالية و استجابة لرغبة بقايا النظام القديم في وقف كل مسار للمحاسبة و المساءلة و ورغبته في الارتداد بكل مسار الانتقال الديمقراطي. كان لذلك الرفض دور كبير في تجسيد الاتفاق  بين وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية وهيئة الحقيقة والكرامة. وهو ما يؤكد على أن هناك نصابا وطنيا كافيا  أدى إلى الحفاظ على روح العدالة الانتقالية التي تبقى حقا لكل القوى الوطنية و لكل الشعب التونسي و للأجيال القادمة حتي تنشأ علي قيم الحق والتسامح و العدل. ولا شك بأن الحاجة الملحّة اليوم لا تزال قائمة لتشكيل قوة ضغط ومقاومة من كل الفعاليات الرّافضة لمساعي الالتفاف على مسار العدالة الانتقالية وعلى مسار الانتقال الديمقراطي برمته لوضع خطّة عمل برلمانية وميدانية وخطّة مناصرة دولية للملف.

نظرة على المسار

عرفت تونس بعد الثورة العديد من الإجراءات التي تصب في خانة العدالة الانتقالية، من ذلك محاكمة عدد من قياديي النظام السابق وتمرير قانون العفو العام الذي تم إقراره لفائدة المساجين السياسيين. كما تم تكوين لجنتين لتقصي الحقائق بُعيد سقوط نظام بن علي بهدف الكشف عن حقيقة الانتهاكات التي ارتكبت خلال الثورة وتجاوزات النظام السابق، وهي اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول ملفات الفساد والرشوة التي ترأسها المرحوم عبد الفتاح عمر، واللجنة الوطنية للتحقيق في الانتهاكات والتجاوزات المرتكبة منذ 17 ديسمبر 2010 إلى حين زوال موجبها، والتي ترأسها الأستاذ توفيق بودربالة.
ولئن كان البعض يظن أن المتورطين في الانتهاكات يقتصر وجودهم في الحزب، والأمن، والقضاء، وحرس السجون، إلا أن الملفات تفيد بتورط أطباء، وإعلاميين، ومثقين خطط بعضهم وشارك في عمليات تبرير القمع والافتاء به للنظام الاستبدادي. كما عرف مسار العدالة الانتقالية تركيز برامج لجبر الضرر والتعويض خاصة لفائدة شهداء وجرحى الثورة والتي تم إحداثها بمقتضى المرسوم عدد 1 لسنة 2011 المؤرخ في 19 فيفري 2011 والمتعلق بالعفو العام، والمرسوم عدد 97 لسنة 2011 المؤرخ في 24 أكتوبر 2011 والمتعلق بالتعويض لشهداء الثورة وجرحاها والذي تم توسيعه فيما بعد ليشمل ضحايا الحوض المنجمي. وتنص هذه المراسيم على التعويض المادي لفائدة الضحايا وتوفير العلاج والتعليم لعائلاتهم وكذلك مجانية التنقل. ويوم 15 ديسمبر 2013، أقر المجلس التأسيسي "قانون العدالة الانتقالية" الذي يضم 71 فصلا، ويهدف لرفع الأضرار التي لحقت بضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وذلك "بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية". وقد نص هذا القانون على تأسيس "هيئة الحقيقة والكرامة"لرصد وتوثيق "الانتهاكات الجسيمة" لحقوق الإنسان خلال فترة ما بعد استقلال البلاد، وقرر بشأن تحديد مقترفيها وإحالتهم إلى العدالة ،حتى ولو كانوا على رأس هرم السلطة، وتعويض الضحايا ورد الاعتبار لهم .وفي 19 ماي 2014 صادق المجلس الوطني التأسيسي على تشكيل “هيئة الحقيقة والكرامة” التي تضم 15 عضوا من نشطاء حقوق الإنسان- بتزكيته جميع أعضائها، رغم أن كتلاً برلمانية وأحزابا سياسية اعترضت بقوّة على ترشيح بعض الأعضاء. وفي 9 جوان 2014 تم الاعلان عن الانطلاق الرسمي لعمل “هيئة الحقيقة والكرامة”، على أن تستمر ولايتها أربع سنوات قابلة للتمديد بعام واحد. وفي 27 ماي 2015 بدأ عمل الهيئة فعليا بعد أن شكلت جهازها التنفيذي وعينت مكاتبها الجهوية وصاغت نظامها الداخلي، وتمكنت من مقابلة ممثلي المجتمع المدني في أنحاء البلاد، من أجل تحديد سبل التعاون بين الطرفين، والاتفاق على الوسائل العملية التي من شأنها أن تساعد على كشف الانتهاكات. وحدد قانون العدالة الانتقالية مجال اهتمام وعمل الهيئة في البحث والتحقيق في الانتهاكات الجسيمة  لحقوق الإنسان بين 1 جويلية 1955 (تاريخ الاستقلال عن فرنسا) و31 ديسمبر 2013 (تاريخ صدور القانون)، وتتمثل هذه الانتهاكات بالخصوص في القتل العمد، والاغتصاب، وكل أشكال العنف الجنسي، والتعذيب، والاختفاء القسري، والإعدام دون توفر ضمانات والمحاكمة العادلة.

لكن عملها لم يكن مفروشا بالورود بل بالأشواك حتى في داخل الهيئة نفسها، حيث شهدت انسلاخ البعض، وتهاون البعض الآخر.  عرفت الهيئة منذ الانطلاق الفعلي في عملها جملة من العراقيل عند محاولة نقل الأرشيف من قصر قرطاج الرئاسي إلى مقرها، حيث تم منعها من قبل أعوان احدى النقابات الامنية من ذلك، رغم الإتفاق المسبق بين الهيئة والرئاسة منذ شهر جويلية 2014 ، لتتواصل المطبات و العراقيل الادارية و الشدّ و الجذب .ومن الصعوبات الكبيرة إتلاف كثير من وثائق الأرشيف الحكومي المتعلق بفترة اختصاصها، ومحدودية تعاون جهات نافذة في "الدولة العميقة" وخاصة وزارة الداخلية، بما فيها دوائر أمنية وقضائية وإعلامية محسوبة على"الثورة المضادة" تسعى لعرقلة مسار العدالة الانتقالية وتعطيل المحاسبة. وبسبب كثرة ملفات الانتهاكات المحالة إليها  وكثرة جلسات الاستماع السرية للضحايا (46 ألف جلسة) والتحريات المطلوبة للتثبت بصحة تلك الملفات، لم تتوصل الهيئة لإنهاء عملها في الوقت المطلوب، ما دفعها للمطالبة بالتمديد لعملها بسنة اضافية حسب ما يخوله القانون .وفي 26 مارس 2018، رفضت أقلية بمجلس نواب الشعب ذلك، بل وقامت بالتصويت ضد التمديد خارج الأطر القانونية وبعيدا عن التوافق. وكان ذلك الموقف يندرج ضمن مسار سياسي سلَكه حزب نداء تونس منذ صعوده للحكم أواخر 2014، انعكس أول الأمر في المواقف المناهضة لرئيسة الهيئة سهام بن سدرين ولأعمال الهيئة، ثم تطوّر ليأخذ شكل خطة العمل الموازية التي ترجمها أساسا قانون المصالحة الاقتصادية، الذي تقدمت به رئاسة الجمهورية صائفة 2015 وختمته في 24 أكتوبر 2017، ويسحب هذا القانون جزءا من صلاحيات التحكيم والمصالحة التي تعود لهيئة الحقيقة والكرامة.

انجازات الهيئة

وخلال مراحل عملها، عقدت الهيئة عشر جلسات استماع علنية لضحايا الدكتاتورية بثت مباشرة  لأول مرة  في تاريخ البلاد  في وسائل الإعلام. وانتظمت أول جلسة استماع في 15 نوفمبر 2016 وتعلقت بشهادات ثلاث عائلات من التيار اليوسفي والإسلامي واليساري. لكن تعقيدات قضايا الانتهاكات لم تكن لوحدها السبب المباشر لتأخر عمل هيئة الحقيقة، إذ إنه تم وضع العديد من العراقيل عن قصد أمامها  لتعطيل عملها، وأبرزها منعها من النفاذ إلى أرشيف وزارة الداخلية وعدم تسهيل عملها إداريا. ومع ذلك حققت الهيئة الكثير. لكن الجديد في النجاحات هو تقديم 46 ملفا للقضاء المختص بالعدالة الانتقالية وكان أولها ملف كمال المطماطي الذي يشكل نقطة فارقة في مسيرة الثورة المضادة، التي تجرب الطرق والثنايا القديمة وتدشن مسارب مبتكرة، من أجل تحقيق حلم العودة لتتربع من جديد على سدة البطش. إنه الحدث الذي أجهز على حظوظ المنظومة القديمة بشكل نهائي، حيث يمكن لتونس اليوم أن تطوي صفحة بن علي ومنظومته. لكن ذلك لا يعني الاخماد النهائي للثورة المضادة، بل التخلص النهائي من قوى البطش "العتيقة"، والتفرغ لمجابهة قوى بطش ناشئة، تحركها الاورام الايديولوجية.  إن نجاح الهيئة يكمن في بعض تفاصيله في الوصول إلى هذه النقطة الفارقة حيث لا تسقط الجرائم بمرور الزمن أو التقادم. كان ملف المطماطي، والحوض المنجمي، وغيرهما مدخلا لفتح بقية الملفات، وسينادي عن القضية عـــــ1991511ـــــدد المتعلقة بالشهيد عبد الرؤوف العريبي، ثم القضية عدد 199185  العامة بالشهيد فتحي الخياري، والقضية عدد 1991108 المتعلقة بالشهيد فيصل بركات، القضية عـــ 19911024ــدد التي تمثل الشهيد رشيد الشماخي، والقضية عــــــــ1991611ــدد العامة بالشهيد عامر دقاش، والقضية عـــ1991430ــدد التي تعني أكثر من الشهيد عبد العزيز المحواشي، والقضية عــــ1991630ـدد التي تهم أكثر من الشهيد عبد الواحد عبيدلي، والقضية عـــ19961126ــدد التي ينتظرها أكثر من فتحي الوحيشي، والقضية عــ199436ــدد التي تسكن أكثر من  لطفي قلاع، والقضية عـــــدد 1991910 تهم أكثر من نور الدين العلايمي، والقضية عـــ19941110ـدد التي تتجاوز أكثر من إسماعيل خميرة ، والقضية عــــــدد1994215 التي تتعلق بأكثر من عز الدين بن عائشة، والقضية عـــ1995125ــدد ،التي تتبع أكثر من سحنون الجوهري.

استكمال مهام الهيئة

إن الأهداف السامية المحمولة على العدالة الانتقالية والتي أنشئت من أجلها الهيئة  ومهدت لنشاة  الثورة، مقدسة، والمس بها مس بمقدس نص عليه الدستور، وبالتالي فإن من يقترب منها مطلوب للعدالة في صيغها كلها. وهذا ما يجعل جرأة وزير أملاك الدولة خارجة عن  صلاحياته القانونية التي لا تخوّل له ذلك في ما يتعلق بأعمال الهيئة. لا سيما و أن رئاسة الحكومة أقرّت التعامل مع الهيئة ، وما ذكره كورشيد وما يمارسه المكلف بنزعات الدولة يعد تمردا على الحكومة. وهو ما أكده كثيرون رأوا في تصريحات كورشيد تمردا على الدستور والقانون إضافة إلى إضراره المتعمد بمصلحة الدولة نتيجة لرفضه استرجاع الأموال المنهوبة والتفاعل بإيجابية ومسؤولية مع ملفات المصالحة المالية الواردة عليه في الوقت الذي تعاني فيه ميزانية الدولة من شح في الموارد. وهذا ا يفسر تعدد المطالبين بتتبع وزير أملاك الدولة قضائيا من أجل جريمة الفصل 96 من المجلة الجزائية الذي يعاقب بالسجن مدة عشر سنوات وبخطية تساوي قيمة المنفعة المتحصل عليها أو المضرة الحاصلة للادارة الموظف العمومي أو شبهه الذي استغل صفته للاضرار بالادارة وخالف التراتيب على تلك العمليات لتحقيق الفائدة أو إلحاق الضرر .

خاتمة

كانت مرجعية البلاغ المشترك أو الاتفاق المشترك هو الفصل 148 من الدستور الذي ينص على أن الدولة تلتزم بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلق بها. كما جاء الاتفاق التزاما باستكمال مسار العدالة الانتقالية نظرا لدورها المحوري في مسار الانتقال الديمقراطي وفهم الماضي وطئ صفحته وتحقيق المصالحة الوطنية من خلال كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين وجبر الضرر للضحايا بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات وتكريس منظومة حقوق الانسان. إن إنهيئة الحقيقة والكرامة على وشك تسليم ما هو محمول عليها. وهي بصدد تتويج نشاطها الذي استمر 4 سنوات بالنتائج المطلوبة منها، وهي إحالة الملفات على الدوائر القضائية المختصة، وإعداد السجل الموحّد للضحايا والمصادقة النهائية على جبر الضرر وتعويض الضحايا، وإصدار القرارات التحكيمية ومن ثم التوصيات والمقترحات. ومن المؤكد أن الدوائر القضائية المختصة ستظل تعمل بعد إنهاء مهام هيئة الحقيقة والكرامة، وستشكل لجنة من مجلس نواب الشعب للإشراف على التوصيات التي ستصدرها الهيئة. في ما ستحال الملفات على الدوائر القضائية المختصة وفق قانون العدالة الانتقاليةوالتي سلمت الهيئة لها حتى الآن 46 ملفا من بين 52 ألف ملف في الانتظار. كما ستقوم الهيئة بتسليم سجلاتها للإرشيف الوطني في غياب مؤسسة خاصة للغرض كانت احدى البدائل المطروحة ولم تحدث حتى الآن. وعلى أعضاء الحكومة والجهات المعنية ولا سيما المكلف بنزاعات الدولة الاستثمار في آلية التحكيم والمصالحة لجلب أموال لخزينة الدولة حيث تشير التقديرات الأولية للأموال المصادرة إلى 400 مليون دينار علما بأن الهيئة تمكنت من إرجاع 307 ملايين دينار عن طريق آلية التحكيم والمصالحة. وذلك لصالح السلم الأهلي والمصالحة الوطنية الشاملة.

عبد الباقي خليفة

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك