القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الظاهرة العمرانية في تونس في ظل غياب التخطيط والاستشراف

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-09-20 12:15:00 | 399 مشاهدة

ملخص                                       

تتناول هذه المقالة البحث في ظاهرة نشوء الأحياء حول المدن والقرى وفي الأرياف وكذلك سياسات الإسكان والتجهيز والتهيئة الترابية وتسليط الضوء على مراحلها التاريخية بمفاهيم مختلفة عن التقليدية وتقييم هذا المشروع الحضري والحضاري بحيث نتوصل إلى تشخيص يمكننا من توجه استراتيجي ابتداءً من هذه الفترة التي تعتبر مفرقا في تاريخ الدولة والشعب. وإن ضرورة هذا البحث فرضه واقع يتألم منه معظم الناس بشأن الضغوط اليومية في الحركة داخل المدن والقرى وما يسببه من إهدار يومي للجهد العام وتضايق الفضاء العمومي وأزمة السكن وطغيان المضاربة العقارية وأثرها على ضعاف ومتوسطي ومنعدمي الدخل. إن نظام الحكم المحلي كنموذج جديد سيتربع في قلب إدارة هذه الظاهرة، فهل سيكون قادرا على المعالجة؟ ومن أين سيأتي بمفاهيم جديدة وتشريعات ملائمة تمكنه من التعامل مع الظاهرة؟ ومعالجاتها المعقدة؟ هل سيهتدي الحكم المحلي إل أسلوب الاستشارة العامة وتشريك الطاقات الاجتماعية في الحل أم سيقوم بدور تنظيمي وزجري على أساس ما سلف؟ وما الضامن أن لهذا النظام المحلي الذي يرتكز على قدرات إدارية لا تعرف سوى استهلاك التشريعات والأوامر الموجودة أن تبدع الحلول؟ كل هذه التساؤلات مطروحة للدرس والتوضيح. فهل أن وزارة الجماعات المحلية ووزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية وسلط عمومية أخرى تهتدي إلى استشاريين في الواقع المحلي يقابلون أطروحات هيئات الحكم المحلي؟

مقدمة:

اقتصر العمران اصطلاحا على الظاهرة المدنية والسكانية والإنشائية عند المجتمع فدلت (التهيئة العمرانية) على تكييف الأرضي للسكن والعمل والحياة وبذلك تصبح التهيئة العمرانية أسا لكل شيء كالاجتماع والاقتصاد والسياسة ... وكل ما يسحب على حياة الفرد والجماعة والإنسان. من أجل ذلك نطرح في هذا المقال مشكلة الظاهرة العمرانية في تونس منذ دولة الاستقلال والتي أصبحت تشكل ظاهرة سرطانية عمرانية يجب معالجتها.

الظاهرة العمرانية في تونس:

إن ما يلاحظه المتجول في ربوع البلاد هو الظهور الفقاعي للبناءات بأشكال مختلفة تنم على التنظيم في حالات وعدمه في حالات أخرى كثيرة.هذه الملاحظة تدع الدارس إلى وضع منهجية لهذه المقاربة ترتكز في نظرنا على المحددات التالية:

  • التشخيص والملاءمة (الإيجابيات والسلبيات)
  • ما يجب الإبقاء عليه وما يجب معالجته.
  • المعالجة الفعلية باعتبار صعوبة الواقع الحالي ومدى تطورها في المستقبل نحو الأفضل باعتبار المستجدات
  • وجهة التداعيات إن تركت الظاهرة في سياقها الحالي. فإذا بدأنا في الاستعداد لهذا وجب علينا عرض الأساليب والتشريعات التقليدية على واقع الظاهرة لتدارس الخلل إن وُجِد في تحديده لكيفية التنفيذ على الأرض.
  • كيف كان التنفيذ على الأرض؟

لقد ورثت دولة الاستقلال ترسانة تشريعية عن الدولة الفرنسية فيما يخص قوانين البناء والتهيئة العمرانية والسكك الحديدية والطرقات والموانئ البحرية والجوية تواصلت بها الإدارة التونسية. ومنذ الستينات ظهرت مجلات قانونية جديدة ضبطت كيفية البناء وحَيَّنَتْ نظام التراخيص في المناطق البلدية والريفية. إلا أن نظام الترخيص لم تعتمده حركة التعمير في الأرياف بحكم ضعف بنيتها ولم يتم اعتماده بنسبة كبيرة إلا داخل المناطق البلدية. واعتماد التراخيص في إنشاء البناءات يفترض به التقيد بالقوانين إذ يضبط الملكية وقاعدة المساحات المغطاة تناسبا مع مساحات الأرض المعدة لاستقبال مشاريع البناء حسب ضوابط تشريعية من ضمنها:

  • ضوابط الفتح على المحيط والأجوار.
  • ضوابط مقاييس السلامة بالقواعد الهندسية ومواد الإنشاء.
  • ضوابط ملاءمة الذوق العام حسب الطابع.
  • ضوابط الارتفاع حسب المناطق.

وكل ذلك بناءا على أمثلة مقاييس مسبقة للتهيئة العمرانية.

فإذا افترضنا جدلا سلامة المراقبة الإدارية طيلة هذه الفترة والتي تلزم المنفذين بالتقيد بكل الضوابط حسب الدراسات الهندسية المسبقة وآراء لجان التراخيص فإن ظاهرة التعمير حول المدن والقرى لابد أن تكون قدمت حلولا مثالية حسبما جاءت به الأمثلة مؤيدة بالتراخيص ومرتكزة على التشريعات. فكيف إذن وصلنا إلى هذا التطور السرطاني للكتل العمرانية؟ فالجواب على هذه المعضلة سهل، إما أن تكون التجاوزات القانونية طاغية وإما أن التشريعات لم تكن ملائمة للواقع أو كلاهما. إن هذا التطور الموصوف أصبح اليوم إعاقة للحركة العامة بتعطيل النمو وتهديد الأمن المجتمعي بكل المقاييس. وقد غير تكدس التساكن طبيعة الاجتماع البشري في تونس وذلك بالإتيان بسلوكيات جديدة لم يعهدها هذا المجتمع منذ تاريخه البعيد والقريب، نذكر منها مثلا ظواهر الشحناء والجريمة والتشاجر والسطو والسرقة والارتفاق للكسب الرخيص والإمداد بالعمالة من الأحياء الشعبية لمناطق الإنتاج الصناعي والعمالة المنزلية للمناطق الراقية وغيرها تقدم أمثلة كارثية للمجتمع كيفها الإسكان والتهيئة الترابية المنجزة منذ الاستقلال لنصبح على هذه الشاكلة وقد كان أساسها تشريعيا ومراقبة إدارية وهما سياسة الدولة المنفذة على الأرض، وبناءا على هذا الاستنتاج فإن مراجعة القوانين وإدارة البلديات تصبح واجبة لمعالجة ما ذكر حيث تصبح الهياكل التشريعية والتنفيذية هما المتسببتين في خلل العمران منذ دولة الاستقلال وهو الذي أنتج الإخلال بهيكل المجتمع وكان بإمكانها تشريك طاقات في المجتمع لتحسين مخرجات النصوص والمتابعة التنفيذية. إن السلط لم تكن تجهل بعض النتائج إلا أنها كانت تسخر من المقترحات بحكم خلفياتها وتخلفها. والخشية اليوم من نفس السلط كما بالأمس أن مجلس نواب الشعب والمجالس البلدية ستجيب بالزعم الدستوري بأنها متكفلة بذلك وفي نظري أنها ليست كفيلة به. فهل سنترقب أعواما أخرى حتى يصبح السرطان العمراني قاتلا للمجتمع أو مضطرا لبتر بعض أعضائه؟ فخشيتنا أن يتصرف المشرع بعقلية "لا  أريكم إلا ما أرى" والقائم على الحكم المحلي "أنا المنتخب" والسلط التنفيذية "أنا الضامن لتنفيذ القانون" عندها تفرز عشوائية العمران تطورات لا يتوقعها أحد وحتمية النتيجة ستفرض نفسها على المجتمع الفقير والوطن المهمش وسيدفعان ضريبتها معا . ولو يستفتى أصحاب الخبرة في كل مطبّ تشريعي أو تنفيذي عن طريق مؤسسات للدراسات الاستراتيجية ولا يكون المرجع الاستشاري الوحيد مؤسسات أصحاب المال والمصالح ومريدي الأضواء لكان الوضع أحسن .

مدينة دولة الاستقلال:

لو نظرنا إلى أمثلة المدن والقرى التي تطورت بعد الاستقلال توسعا لتركة الموروث الحضاري للمدينة العربية داخل الأسوار والتي بنيت على أنقاض الآثار الرومانية أو البيزنطية والمدينة الفرنسية المحدثة خارجها أو بينها وبين البحر في المدن الساحلية فإنه يمكننا ضبط الخطوط الفاصلة جليا ورسم التواريخ على هذه الفواصل. إن الدارس لا يجد صعوبة في تحقيب الكتل العمرانية الثلاثة داخل المدينة الواحدة، وإقامة الدراسات المقارنة وإبراز التمييز بالتفاضل بينها إلا أن الحقبة الأخيرة طبعت إنجاز مدينة الاستقلال بالتأخر في التميز الحضري والحضاري بحيث ستتوصف ببصمة النقص مقارنة بما قبلها وتحميل السكان ضريبة الاستشكال في مواجهة الضغوط التي نتجت عن بروزها في المحيط العمراني منذ نشأتها الحديثة متأرجحة بين الحل والمشكل أوجدتها التحديات المطروحة عليها من بضع سنين خلت. ويبقى الإشكال طارحا نفسه في جدوى هذا المشروع العمراني من عدمه. إن وقوف الباحث اليوم في هذا المفترق يفرض عليه الإحاطة بكل الفواعل الاجتماعية والنظر في هذا الفضاء العمراني بكل أبعاده لإدماج حلول مستقبلية تدرأ عنه الضرر تدريجيا وتجعله ينخرط بكفاءة عالية في امتصاص ضغوط المستقبل واحتوائها بحيث تكون جميع شرايين الجسم العمراني في المدينة مفتوحة على بعضها البعض لامتصاص سيولة الحركة مرتبطة بشرايين ذات طاقة سيولة أعلى في المداخل والمخارج. وفي هذا الإطار يُستوجب النظر إلى الفضاء بكل أبعاده بمعنى استعمال مافوق السطح عموديا نحو السماء وما تحته في الباطن واختراق التضاريس وحكمة القرار لهدم مايجب أن يتهدم. هكذا يمكننا مضاعفة الفضاء وامتصاص الحركة في نفس المساحة. ومحافظة على هدر الرصيد العقاري المحيط بالمدن لتوفير الغذاء ومصالح أخرى. إلا أن هذا الطلب يفرض قدرات مالية وتقنية بين الدولة ومناوليها في الإنجاز. ويفترض إيجاد تشريعات جديدة متطورة تبعث جدلية بين الملكية العامة والخاصة. وتعديل الكلفة لصالح الفضاء العام الذي طغى عليه الفضاء الخاص فيما سبق داخل المحيط العمراني الكثيف سواء كان بموجب إيجاد حلول سكنية شعبية لعدد كبير من الناس في محيط صغير أو بموجب تقاسيم وتهيئة عمرانية لإيجاد مساكن واسعة لعدد أقل من الناس في فضاء أوسع من الداخل على حساب الخارج كفضاء عام وتم بذلك إنجاز مدن سكنية بنيت فيها شرايين الحركة خارج البنايات بشكل غير متناسب مع المساحات الداخلية أو طاقات استيعابها بالتناسب مع الفضاء العام المحيط وذلك استنادا إلى القوانين العمرانية التي تمت بموجبها تلك المدن وقد أظهرت عدم جدواها في استيعاب ضغط الحركة بعد سنين.

إن صعوبة هذه المرحلة ليست في الأموال والتقنية فحسب ولكن في تكليف لهيئة تشريعية واستشارية غير خاضعة للمحاصصة السياسية في الدولة ولا يكون التزام مهندسيها إلا بجدوى الحلول. إن تشريك خبرات المجتمع تعتبر كمحرار لقيس ملاءمة النصوص الجديدة للواقع. وإن أطروحة استعمال الفضاء بالأبعاد المذكورة بدأت بوادر تنفيذها في مشروع سكة القطار بتونس الغربية وتعتبر وزارتي التجهيز والنقل قاطرتي دفع إلى هذا النموذج المتوجه نحو الحل ويرجى دعوة الهياكل التشريعية للتعاون مع هذه المدرسة الطلائعية لإنتاج نموذج تشريعي ينخرط في الحل ويتوجه نحو المستقبل ولم يكن هذا ممكنا لولا وجود وزراء مهندسين وفرق هندسية عالية الكفاءة وبالاعتماد عليهم مع الاستشارة يمكننا تأمين نص تشريعي ملائم تصورا وصياغة تفانيا في خدمة المواطن ومنتوجا أفضل للوطن.

المدن وتطوراتها في تونس:

إن المدن والقرى في البلاد التونسية تنطوي كل منها على خاصيات نشأتها التاريخية ووجهات تطوراتها في الأحقاب المختلفة حافظت كل منها على طابعها الخاص إلا أنها تشابهت كلها في حقبة الاستقلال بكيفية النسيج المحدث حولها مطبوعة بأحياء سكنية شعبية مصنفة حسب وظائف مقتنيها.

وإن سياسة دولة الاستقلال في تجميع الناس في الأرياف وحول المدن والقرى في ملاجئ سكنية أفرزت بعد سنين من إنشائها نموذجا جديدا من العمران المدني والظواهر الاجتماعية المنحرفة عن أصلها أهمها ثقافة الاستهلاك لكل شيء والتباعد عن ثقافة الإنتاج بحيث أن هذه الكتل العمرانية حول المدن كانت ملاجئ للعمالة الباحثة عن التوظيف في الخدمات العامة والإدارية وتتوجت بإنشاء أحياء أرقى نوعيا لأصحاب الوظائف الراقية. وبذلك نقسم النسيج العمراني لدولة الاستقلال إلى ثلاثة أنواع من الكتل العمرانية حول المدن ونوعين حول القرى ونوع واحد في التجمعات الريفية. فتميزت هذه الحقبة بسياسة الإسكان دون تصور التداعيات السلبية فرضت على الدولة السير وراء الظاهرة الجديدة حيث أنها أفرزت مجتمعا جديدا وقراصنة جدد متغولين وحركات عقارية تفرض على الدولة قواعد المقاربة وعلى المستهلك قواعد الضريبة ولم تكن محكومة بقواعد الحكمة ووضوح الرؤيا في التداعيات. بل كانت كلها مشاريع رئاسية لا يعارضها أحد بحكم إضفاء قدسية اسم الرئيس عليها.

إن هذه السياسات التسكينية التي أنتجت نسيجا عمرانيا سيئا لم تكن ذات أبعاد تنموية واقتصادية بل كانت تعتبر أن إزالة الفقر هو إسكان المواطن في تلك الأكواخ المعلبة، وأسقطت من حسابها دفع المواطن إلى تطوير الإنتاج في نفس محيطه الطبيعي فوقعت معالجة النزوح بالتنزيح والفقر بالتفقير. ومن بين هذه المشاريع انتصاب مشاريع عمرانية سكنية وسياحية وصناعية على الشريط البحري أفرز كوارث بيئية وتحديات مستعصية وكيفيات للاستمتاع بالشريط فرض حرمانا على المواطن في حالات كثيرة من التمتع بحقه على جزء من وطنه المباح ليقتصر على فئة معينة وتداعيات ذلك فيما خفي كان أعظم.

إن هذا الاستشكال عقده نسيج تراكمي لستين سنة مضت فرض واقعا جديدا لا تزال التشريعات والإدارة تتناوله بنفس الأطروحات القديمة ولا يمكنها أن تنظر إليه من زوايا أخرى لأن الإرادة السياسية نفسها لا تزال محكومة بنصوص تشريعية قديمة فضلا عن افتقادها للأطروحات الجديدة المنبثقة من الزوايا غير التقليدية. ولو تطرقنا إلى الدراسات التفصيلية للشريط البحري لأدركنا أن السرطان العمراني أصبح يأكل المياه البحرية من سنين، والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها: شواطئ حمام الأنف والزهراء ورادس وحلق الوادي ورواد والقنطاوي وشط مريم وقابس وغنوش وسيدي منصور بصفاقس وغيرها كثير.

تحقيب الظاهرة:

عندما انطلق برنامج بناء المساكن الشعبية في الستينات من القرن الماضي كان هدفه الوحيد هو تجميع الناس داخل أحياء سكنية بها النور الكهربائي والماء الصالح للشراب. وكان في نظر واضعي البرنامج أن الحدود القصوى للحضارة ترتكز على ذلك التزود ولم تراع المساحة المسكونة والفضاءات الخارجية للشوارع والبنية التحتية للصرف الصحي وأدوات التزود الأخرى التي ستحل في المستقبل القريب بما في ذلك شبكات الهاتف وخطوط الألياف البصرية وأعمدة الاتصال والتنوير العمومي ومجاري مياه الأمطار والأودية وفضاءات معالجة النفايات والملاعب الرياضية والمقابر والأسواق وأشياء أخرى.  حتى أنه في كثير من الأمثلة بنيت أحياء كاملة في فوهة مجاري المياه والأودية منها بناءات حكومية وأنفاق معابر داخل العاصمة (باب سويقة وباب سعدون وباب عليوة للمترو). إن الرصيد العقاري الذي وقع استهلاكه بصفة لم تراع أهمية الفضاءات العامة والخارجية كانت نتيجة رؤيا إدارية ضيقة غير قادرة على تصور ضرورات المستقبل رغم ادعائها لذلك في الخطاب السياسي آنذاك. هذا مع اعتبار التكدس البشري في الأحياء الهامشية والتي لم تكن تحت ضوء أي برنامج إلا التبعية للمتغولين والمضاربين العقاريين في الرصيد العقاري المحيط للمدن والقرى وهؤلاء عصابات تحكم القرار الإداري والسياسي بالتعامل معه خارج الأضواء. كل هذا أدى بروز مدن شعبية بأكملها تعد مئات الآلاف من السكان ليست لها أية مقومات المدينة العصرية مهما أدخلنا عليها من عصرنة بالأدوات والوسائل ولا ننسى دائما تداعيات ذلك على النمذجة البشرية والاجتماعية. وهناك أمثلة في نسيج المدينة الفرنسية القديمة وقع الاعتداء على الفضاء العام فيها لحساب المشروع الخاص والذي خنق المدينة بدعوى تطويرها. انظر مشروع لافايات التجاري وغيره في مدن وقرى أخرى. حتى المدن الصناعية التي يفترض أن تهيئتها وقعت حسب مواصفات محكمة فإننا نرى البعض منها اليوم لا يقدر على استيعاب طاقة الحركة في شوارعها مدة ساعات العمل بالنهار وأسوأ من ذلك ساعات الذروة (انظر الشرقية 1 و 2). وبعض المدن الصناعية الأخرى اكتسحت المناطق الفلاحية للمياه الطبيعية أدى إلى الفيضان في المناطق المجاورة وبعضها انتصب على البحر بحجة الشحن البحري وإقامة الميناء ولكنها بالمقابل لوثت وقتلت البيئة البحرية المستدامة على حساب توهم تطور صناعي وحراك اقتصادي تنتفع بمنتوجاته دول أجنبية وكان الأجدر أن تنصب تلك المصانع في بيئة المنتج الطبيعي كأماكن الفسفاط ويمكن منع التلوث فيها بالعزل الطبيعي عن بلوغ الطبقات الجوفية للمياه. وبذلك تبقى البيئة البحرية خزانا غذائيا مستداما يوفر البروتينات لأجيال متعاقبة حرمت منها فأصبحت اليوم مهددة بالجوع ونقص التغذية وكثير من التداعيات الأخرى.

 إن مياه الصرف الصناعي والمدني التي تصرف اليوم في البحر من المدن الساحلية وذلك عبر الأودية والتي يجرفها السيلان الطبيعي أدت إلى تصحر البحرية في كل المناطق وأصبح طلب الغذاء من البحر شحيحيا يوما بعد يوم وقد كانت هذه البلاد فيما مضى مطمورا للحبوب وحوضا غنيا بالأسماك ونضرب مثالا توضيحيا على ذلك أن في الأعمار الجيولوجية للبحر والقارة كانت هذه المياه المحيطة بنا ثم تراجعت إلى الحدود المائية الحالية قد تركت لنا آثارا قوية على كثافة الحياة البحرية دليلها مقاطع الفوسفاط اليوم وهو دليل على الثروة السمكية في هذه المياه المحيطة بنا. كل هذه الأدلة على الثروة أهلكها العمران الفوضوي والمدن الساحلية الناشئة في القرن العشرين وسوء استعمال الفضاء. [ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون] الروم آية 41

وإن السيول في المناطق العمرانية فرضت على الدولة مقاومة مستمرة للفيضانات التي تكتسح المدن والقرى وكان الأجدر أن ينشأ ذلك العمران على بنية تحتية أولية يقع فيها إنشاء المصارف قبل البناء وعدم ربط المصارف الطبيعية بالقرب الصحي.

إذا أدرجنا بعض المقارنات مع مدن نشأت في القرن العشرين في العالم مثل مدينة برازيليا فإننا نرى بها شوارع تتسع للحدائق والحركة الكثيفة وتجمعات المترجلين يطيب فيها العيش وتستوفي شروط القابلية للتطور الحاصل وتوفر ظروف الحياة الجماعية الصالحة لإنتاج النمو بجميع أبعاده. وحتى المدن القديمة في أوروبا طرأ عليها تطور لم يختزل أي بعد من أبعاد المستقبل واستغلال محكم للفضاء لأن الدولة كانت دائما راعية للتطور بتشريعات ملائمة مبعثها مشاركة طاقات المجتمع كلها في صياغة الأبعاد وتنفيذها.

ومثل المدن الألمانية التي دمرتها الحرب العالمية الثانية مثل فرانكفورت ونورنبارغ أعادت صياغة الشيكات والنسيج العمراني بحيث أن الزائر لها اليوم يتعجب من إحكام توزيع الفضاءات فيها ولا يتبادر لذهنه أنها دمرت بالحرب لولا أن يرى صورها في المتاحف كيف كانت وكيف أصبحت. فهل من سبيل لإصلاح ما فسد؟

نعم، إن الهندسة لا بعد فيها للمستحيل. لقد طرحنا إشكاليات الواقع وأطلقنا الرؤية لتصور الحلول وأعطينا أمثلة على ذلك.

إذ تعد هذه المقالة دراسة توجيهية لتسليط الضوء على الأبعاد العمرانية التي تحكم الاجتماع والاقتصاد والنمو والأمن والسياسة نرجو من خلالها توجيه السياسي والمشرع والمنفذ بجميع السلط وصاحب المال والمقاول إلى هندسة الفضاء بحيث يصبح العمران وسيلة العدل.

في الإصلاح العمراني:

إن أهم التحديات المفروضة على الدولة أساسها التسوية والتسجيل والتثمين العقاري على كل مساحات الوطن. فالنمو والاقتصاد والتجارة والأعمال والخدمات وسيلان الأموال تنطلق حتما من المرتكز العقاري وما سيعمر عليه ومدى جدوى الاستثمار فيه وكيفية توظيفه على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية. فالمشاريعالعمرانية العقارية هي محرك النمو المالي ليس في تشغيل القوى العاملة أو تنمية سوق مواد الإنشاء فحسب بل في مخططات استثمارها ومدى البعد في تسويقها وحدود إشعاعها في الداخل والخارج.

فلنضرب لذلك أمثلة: إن السياحة التي استهلكت رصيدا عقاريا ذا حجم ثقيل وفرضت على الوطن حواجز بحرية في أفضل الأماكن للشريط البحري وطابعا عمرانيا شاطئيا معينا لم تكن حماية للاقتصاد الوطني ولا تأمينا كافيا للتمويل الذي أرهق الدولة لعجز أصحاب المنشآت السياحية على سداد ديون البنوك التي هي بدورها متأتية من أموال الادخار أو الضرائب وخلقت أزمة يدفع الشعب ضريبتها لأن جدوى هذه المنشآت مرتهن لإرادة المزودين بالسياح أو طالبي الترفيه وهؤلاء الحرفاء هم بضاعة موسمية مرتهنة بهشاشة الأوضاع السياسية والأمنية المحلية والدولية. فلو تطورت عندنا السياحة البيئية والاستشفائية لفتح ذلك أبوابا استثمارية على البلاد يستثمر فيها العمران والسياحة والخدمات العلمية بكل الوظائف العاملة بالسياحة الترفيهية ولا يكون رهينا ارتهان السياحة الترفيهية. بل يجلب الحرفاء من الدول الإفريقية ولها طلب صلح لهذه الخدمة والدول الأوروبية التي تبحث عن هذه الخدمة لدى المدن الغربية ولو وجدتها متوفرة في تونس لأقبلت عليها. وإن من الأخطاء المقبلة عليها الدولة اليوم على حساب فائدة الشعب هو مشروع لم تقع مراجعته من حيث الجدوى الاقتصادية والاجتماعية ألا وهو مشروع (سماء دبي) المزمع إنجازه والذي وقع بيع العقار فيه بدون ثمن نتيجة إرادة سياسية خاطئة وتشريع خاطئ سيدفع إلى تداعيات كارثية لم يقع تصورها عملا بالمثل القائل: إذا كان الغراب دليل قوم           يمر بهم على جيف الكلاب.

فلن يكون مشروع دبي سرطانا عمرانيا فقط بل سيكون الجسم المتغول على بقية النسيج العمراني في المدينة وسيؤدي إلى انفصام خطير في شخصية التركيبة المجتمعية ولا يدر على الوطن إلا فتاتا لفئة من المرتزقة الوطنية مقابل كوارث لا يمكن فهمها بدون تسليط الأضواء على أبعاد المشروع ومدى تداعيات نتائجه (étude d’impact) ولا سيما في هذه المقالة إذ لا يمكننا ذكر التفاصيل إلا بدراسة معمقة لتناول كل الأبعاد.

إن مراجعة كراس الشروط لهذا المشروع (إن وجدت) والذي يسوق له إيهاما بالجدوى هو ضرورة وطنية وبنفيها ستكون هذه المساحة المقدسة التي قضى فيها شهداء كثيرون من العروش عند مقاومة الحملات الصليبية على تونس عوض أن تنبت فيها المزاهر بالخير ليفوح عطرها على أحفاد الشهداء سينبت فيها رؤوس الشياطين بشرور ولا فائدة من الإطالة.

إن التمول للمشاريع العمرانية يعني المساهمات العامة والخاصة في كل رأس مال مشروع شرط أن يحفظ حق كل مساهم حتى بدينار واحد. ولذلك يجب إيجاد طرق مصرفية جديدة تجمع بين الادخار والاستثمار ولا ترتهن إلى القروض البنكية التقليدية التي تفرض تأمين الفوائض بدون اعتبار الظروف التي تطرأ على المال والأحوال.

إن التمول أضمن من التمويل لأنه يرتكز في البحث على الادخار الخاص من الفرد في مشاريع قابلة للنمو أو من رؤوس أموال هدفها إنتاجية مشاريعها وخدمتها وليس من ممولين يفرضون مسبقا مردودية لا غير، ويترك الباعث في تجاذب عنيف بين الممول الخانق والواقع الصعب وكثيرا ما يجنح الباعث إلى الحيل أو التواطؤ مع الممول على حساب المستهلك والدولة. ولحل هذه المعضلة يجب وضع مفاهيم جديدة (nouveaux concepts) وتجاوز المفاهيم المصرفية الرأسمالية التقليدية. إن التمويل بالمساهمة أضمن لنجاح المشاريع من التمويل برأس المال الضخم. فالمطر التي تنزل على الأرض بسخاء مستمر خير من الصبب النازل بغزارة والذي يجرف التربة ولا تنتفع منه الأرض بل يصب سيله وما جرف في الأودية والسباخ أو البحر.

الحلول المقترحة:

  • توجيه الاقتصاد العمراني من داخل مركز المدينة إلى الريف والفضاءات الأوسع ودفع نزوح مضاد من المدينة إلى فضاءات الإنتاج.
  • التسوية والتسجيل والتثمين العقاري على كامل تراب البلاد.
  • تطوير شبكات النقل الحديدية التي أنجزت في عهد الاستعمار ووقع إعدامها في دولة الاستقلال والذي أدى إلى تناقص المنقولات على ظهر السكك وتناميها على ظهر المطاط والطرق لترتفع كلفتها ويقع الإرهاق العام باستيراد وسائل النقل وقطع الغيار. وأفرز ذلك ضغطا متواصلا على القرى والمدن التي تنتصب على الطرق المؤدية إلى العاصمة علاوة على التكدس العمراني الواقع فيها وظاهرة الانتصاب العشوائية على الطرق.

أدى كل هذا بالدولة إلى الجنح نحو الطرق السيارة ذات الكلفة العالية والمردودية الضعيفة مقارنة بإحياء شبكة السكك الحديدية. فرض كل هذا نمطا اقتصاديا وعمرانيا جديدا ذا قابلية لانحرافات كثيرة.

ونقترح ابتداءا بالحلول العملية برفع الضغوط على العاصمة بالمقترحات التالية:

  • خروج مراكز بعض السلط من العاصمة إلى الجهات تنفيسا للضغط على العاصمة وتشريك الجسم العمراني الوطني لتقاسم الأعباء وحسن التوظيف وممارسة اللامركزية كسنة للنمو وقاطرة واقعية لدفع المشروع الوطني الديمقراطي للقرن الواحد والعشرين وبدونه سيبقى القول ثرثرة دعائية لا جدوى لها.
  • بعث مؤسسات الاستشفاء الكبرى داخل البلاد وتشجيع بعث مؤسسات استشفائية دولية بعيدا عن العاصمة.
  • بعث جامعات ذات تخصصات عالية داخل البلاد.
  • تطوير شبكات النقل الحديدي داخل البلاد وإصلاح ما فسد منها.
  • إنجاز خارطة عقارية جبائية تشجع على الاستثمار في المناطق البعيدة من العاصمة وتوظف كلفة على المضاربة العقارية في العاصمة والمدن الكبرى وتقلل من فوارق المؤشرات لعدم التوازن العقاري بين الجهات.

 

علي الخشناوي

مهندس عام مستشار

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك