القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الطاقة في تونس : أزمة حكم أم أزمة أرقام

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-09-05 11:53:00 | 1799 مشاهدة

 

ملخص

تشهد الساحة السياسية والمدنية في تونس جدلا كبيرا حول ملف الطاقة، وقد بلغ درجة من التوتر  والحدة  تحول معها إلى أزمة تضاف إلى وجوه الأزمة المتعددة التي تعيشها البلاد منذ اندلاع الخلاف بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد وحزبه نداء تونس. وبلغت ذروة الأزمة مع إلغاء رئيس الحكومة وزارة الطاقة  بعد إقالة الوزير وعدد من كبار المسؤولين على خلفية ما قيل إنها فضيحة فساد تتعلق باستغلال حقل بترول في مياه المنستير من قبل مستثمر تونسي دون رخصة قانونية.

مقدمة

 اختلفت ردود الفعل تجاه خطوة رئيس الحكومة المتمثلة في إقالة وزير الطاقة وعدد من معاونيه بتهمة الفساد بين مرحب ومنتقد ومشكك ،فالمرحبون يرونها خطوة في الاتجاه الصحيح والمشككون يعتبرون المسألة مجرد ذر  رماد على العيون لم يمسس جوهر الأزمة في هذا القطاع الحساس والمنتقدون يرون القرار متعجلا خاصة في ما تعلق بإلغاء الوزارة ولعل أبرز منتقدي هذه الخطوة وزير الطاقة الأسبق منجي مرزوق الذي كتب على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "أن وزارة الطاقة هي حجر الزاوية للاقتصاد والتنمية، انطلقت في برامج مستقبليّة وأساسية لتنمية البلاد وتحقيق الاكتفاء الذاتي بإدراج واسع للطاقات المتجددة مصحوبة ببرامج النجاعة الطاقية، في تناغم بين الامن الطاقي، والكلفة الاقتصادية الجيدة، وحماية البيئة وإن الاقتصاد الْيَوْمَ يتحمل أعباء كبيرة بسبب تأخر المشاريع الكبيرة للانتقال الطاقي في الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية"

-1- ملفّ الطاقة الملفّ المحظور

إن ما تشهده البلاد من جدل رغم حدته  ليس سوى  جبل الجليد الظاهر  في هذا الملف،فهو ملف يعد من المحظورات فدولة الاستقلال لم تكن تسمح بالنقاش في هذا الموضوع بل إنها لم تخصص وزارة للقاع إلا ملحقة بغيرها خاصة بوزارة الصناعة ثم حذفت الوزارة و أعيد تأسيسها في 2016، وهو ما يكشف  حساسية هذا الملف الذي تحرص بعض دوائر الحكم أن يكون خارج إطار النقاش العام الشفاف مما يزيد من حجم  الشائعات  وحملات التشكيك في الأرقام والمواقف الرسمية الخاصة بهذا الملف، هذا الغموض الرسمي قابله في الاتجاه المعاكس حركة مجتمعية ومدنية تصر على كشف حقيقة الخزائن الباطنية من الطاقة في البلاد ،واللافت للنظر أن هذا التحرك ينطلق من مسلمة أن تونس تحتكم إلى مخزون هائل من البترول والغاز  أساسا بالإضافة إلى مصادر أخرى للطاقة كالملح والفسفاط والجبس...الخ, ولا يبدو المجتمع المدني مستعدا للتنازل عن هذه المسلمة ولا لمناقشتها ،وهو موقف متفهم بالنظر لغياب الشفافية من الجانب الرسمي منذ الاستقلال ،غير أن السؤال يبقى معلقا هل يمكن التسليم بشعارات المجتمع المدني في هذا المجال ؟ ولماذا تصر الحكومات المتعاقبة في تونس حتى بعد الثورة على عدم الشفافية  في الملف ؟

ويمكننا أن نفرق بين مستويين من النقاش مستوى يخص التحركات المباشرة المتعلقة بالكشف عن حقيقة المخزون التونسي من مختلف مصادر الطاقة  ومستوى غير مباشر يخص تعامل الدولة التونسية منذ الاستقلال مع هذا الملف.

-2- الطاقة سرّ أسرار الدولة

 كان للثورة التونسية فضل السبق في اخراج الجدل حول الطاقة إلى العلن وساهمت تحركات الجمعيات المدنية وبعض البرلمانيين والأحزاب السياسية في دفع النقاش إلى أقصاه أما قبل الثورة فقد كان الملف من أسرار الدولة التي لا تسمح بتناولها ،ذلك أن دولة الاستقلال حافظت على الاتفاقات المبرمة زمن الاستعمار في مجال استغلال الثروات الباطنية التونسية في البترول والفسفاط والملح والغاز الصخري وغيرها

فاتفاقية استغلال  الملح مثلا  وقعتها حكومة الباي مع الحماية الفرنسية منذ 6 أكتوبر 1949 ولم تختلف عما  تم الاتفاق عليه سنة 1826 من استغلال للملاحات في تونس خاصة بمنطقة غار الدماء من ولاية جندوبة وتم تجديد ذلك سنة 1935 و ملاحات خنيس من ولاية المنستير بتاريخ 1903 ، واستغلال ملاحات سيدي سالم ومنطقة طينة منذ سنة 1929 . ولا يبدو في الأمر غرابة إذا نظرنا إليه  من داخل سياق منظومة الحكم التي تأسست بعيد الاستقلال ، فهي منظومة حزب واحد وزعيم أوحد  ومجموعات من المتنفذين من أصحاب المال والأعمال،ونظام حكم عائلي يعيب فيه مفهوم المواطنة ودولة القانون رغم التشدق بهذه الشعارات في الخطاب الإعلامي والسياسي للقائم على السلطة في هذه الفترة

ومن البديهي أن يحرم نظام بهذه المواصفات المواطن من حقه في المعلومة ومن حقه في مناقشة السياسات الخاصة بالطاقة وغيرها من مجالات الحكم،  لكن صمت الناس تحت القمع لم يمنع من طرح السؤال بعيدا عن أعين الرقيب الأمني للدولة البوليسية ،وهذا في تقديرنا ما عمق أزمة الثقة القائمة إلى حد الآن بين جهاز الحكم بصرف النظر عمن يكون على رأسه  وبين الشعب ومكونات المجتمع المدني. ومما لا شك فيه فللجهات الأجنبية وعلى رأسها الشركات المستفيدة من هذا القطاع دور  في تأبيد هذه الحالة ،وهي حالة لا تنفرد بها تونس لكن الاستثناء التونسي جاء بعد الثورة وقد بعثت أملا للتونسيين بالتحرر من هيمنة الأجنبي  وتملك قرار وطني في التصرف في مقدراتها .

-3- دور الثورة في حلحلة ملف الطاقة

   أثار المجلس التأسيسي المنتخب بعد الثورة  الموضوع حين رفض تمديد عقود شركتي "إيني" الإيطالية بمنطقة برج الخضراء وشركة "بيرنكو" البريطانية في امتياز الفرانيق بمدنين وامتياز باقل بدوز،وعزا المجلس وقتها رفضه لخرق هذه الشركات لمرسوم 1985 للبحث عن المحروقات ،وعادة ما يتجلى الخرق في بيع رخص البحث لشركات غير تلك التي وقعت اتفاقا مع الدولة التونسية ،فقد سبق لرئيس لجنة الطاقة في المجلس التأسيسي شفيق زرقين أن أعلن في تصريحات إعلامية أن رخصة برج الخضراء مثلا بيعت احدى عشر مرة وهي الرخصة التي صدرت منذ أكثر من عشرين سنة . ويعزو خبراء قانونيون في مجال الطاقة المشكل إلى تعدد المنظومات القانونية التي تسمح لهذه الشركات "بالتحيل"، ذلك أن قطاع الطاقة في تونس تنظمه قوانين صدرت في عهد الحماية ما تزال سارية المفعول بالإضافة إلى مرسوم سنة 1985 ومجلة المحروقات الصادرة سنة 1999 قبل تعديلها من برلمان الثورة في 2017 . وهذا التعدد في المنظومات القانونية يسمح للشركات المستغلة باختيار المنظومة التي تناسبها  وتضمن مصالحها . لكن السؤال الذي يبقى دون إجابة لماذا ظل الوضع على ما هو عليه بعد الثورة ،ولماذا لم تثمر تحركات المجتمع المدني والسياسي  تغييرا جوهريا في التعامل مع هذا الملف ؟

ومن المهم هنا أن نذكر بجملة من التحركات المدنية التي طالبت بالكشف عن حقيقة المخزون الوطني من الطاقات المتعددة وكيفية التصرف فيها و إذا كان من المسموح لنا بالعودة إلى الوراء قليلا فيمكن ان نجازف بالقول إن ارهاصات التحركات المدنية في مجال الطاقة بدأت قبل الثورة مع أحداث الحوض المنجمي في 2008 رغم أن السبب المباشر لهذه التحركات كان احتجاجا على نتائج مناظرة انتداب في شركة الفسفاط لكنه في تقديرنا كان فرصة ضائعة للدولة التونسية وللمجتمع المدني في إعادة التعامل مع ملف الطاقة وتنظيمه وفقا لمبدأ الشفافية. و لم يكن منتظرا من نظام الرئيس المخلوع بن علي القيام بهذه الخطوة بل ربما عمل على الانحراف بطبيعة التحرك وتحويل وجهته حتى لا يتجه نحو المطالبة بفتح ملف الطاقة.   لكن كيف يبدو دور المجتمع المدني في هذا الاطار ؟

-4- دور المجتمع المدني في ملف الطاقة

بلا شك لم تكن جهود المعارضة والجمعيات المدنية ابان تحركات الحوض المنجمي كافية  لإثارة الموضوع بل إنها لم ترق إلى النضج المطلوب لتعميق النقاش مع السلطة وفرض الأجندات الوطنية حولها وهذا يفسر بعدة عوامل أقلها ضعف المعارضة وتشتتها في تلك الفترة . وإن جهود المجتمع المدني  بعد الثورة لم تتغير كثيرا عما قبلها ويبدو ان التشتت داخل هذه المجتمع  والتجاذبات الحزبية  كان له التأثير نفسه لما قبل الثورة فقد اختلف تقييم الحملات المدنية التي طالبت الحكومة بالشفافية في ملف الطاقة و أبرز هذه الحملات التي صارت عنوانا لهذا الملف هي حملة  "وينو البترول " التي أطلقها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي في 2015  وتبنتها بعض الأحزاب السياسية وشكك فيها آخرون  ,

وكان لهذه الانقسامات والتجاذبات  أثرها الواضح على هذه الحملة رغم أهميتها فتوقفها أرسل برسائل خاطئة أولاها أن تحركات المجتمع المدني في هذا الإطار  مناسباتية لا تقوم على التراكم ولا تستثمر في المستقبل  ،كما بعثت برسالة أخرى خاطئة للسلطة  دفعتها للاستهانة بمطالب الحملة بل والتهكم عليها حين صرح متحدث باسم الرئاسة بأن الأمر لا يعدو مجرد فدلكة

ثالثا بدا تأثير هذا التشتت والرسائل الخاطئة الأولى والثانية على ما التحركات الأخرى التي تلت حملة وينو البترول جليا فلم تسفر مثلا احتجاجات الكامور بمدينة تطاوين إلا عن استجابة الحكومة ببعض المطالب المادية للمحتجين مقابل تعويم  مطلب فتح ملف الطاقة

-5- من يتحمل مسؤولية هذا الملف

في اعتقادنا أن كل حديث عن الأرقام واستدلال بها  مهما بلغت جديتها وقربها من الحقيقة  لا أثر واقعي له إن لم يكن غير ذي جدوى ، فالأمر أعمق من المحاججة بالأرقام وتحصن كل فريق خلف جدار الاحصاءات التي تفتح باب التشكيك فيها من كل الاطراف ، بل يتعلق الأمر في نظرنا بأزمة حكم  أعمق من مجرد تغيير حكومة أو الغاء وزارة فالتغييرات الحكومية منذ الثورة بلغت أرقاما قياسية غير مسبوقة لكنها لم تحدث التغيير المطلوب وظلت دار "الطاقة "على حالها ، الأزمة هنا تخص منظومة الحكم  التي تعاني من خلل واضح  بين المنتظم السياسي والمنتظم المدني ،خلل يبرز في غياب التوازن بين احزاب الحكم وأحزاب المعارضة فنحن نفتقد إلى معارضة حقيقية قوية  توازن السلطة ،ونفتقد إلى مجتمع مدني مستقل  بمعنى يتحرر أفراده من ارتباطاتهم الحزبية وجهات التمويل  ليكون تحركهم تحركا استراتيجيا وليس ظرفيا ينتهي حسب الطلب .

خاتمة

لعله من المفيد التذكير هنا بأنه ما لم يغادر جميع الفاعلين مجال الاعتقاد الوهمي الذي يجعل منظومة الحكم الديمقراطي قائمة على الفصل بين أحزاب الحكم والمعارضة والمجتمع المدني  مثلما كان الشأن في مرحلة التناقض الراديكالي مع السلطة قبل الثورة فإن أزمة الحكم ستسمر وتستمر معها أزمة الطاقة وكل أزمات التصرف في الثروة الوطنية ونحن هنا لا ندعو إلى الاتحاد في الذات الحاكمة بمنطق الصوفيين وتغييب الفوارق بين هذه المكونات بل ندعو إلى المحافظة عليها وتجذيرها لكن في إطار  وطني جامع يشكل هوية النظام السياسي الجديد الذي تعيشه بلادنا .

الدكتور سمير ساسي

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك