القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الصين و النظام الدولي ما بعد كورونا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-05-03 21:40:00 | 2812 مشاهدة

ملخص:
رغم الإجراءات الوقائية التي تعتمدها اغلب الدول في العالم، يواصل فيروس "كورونا"المستجد الانتشار و حصد الأرواح. و تقول أرقام منظمة الصحة العالمية (13/4/2020) انه في غياب علاج حتى الآن، تسببت هذه الجائحة في إصابة أكثر من مليون و 800 ألف شخص و وفاة أكثر من 100 ألف شخص. و إذا تجاوزت الولايات المتحدة الأمريكية إيطاليا خلال 24 ساعة لتصبح أعلى بلد من حيث عدد الوفيات (أكثر من 20 ألفا)، فان الصين أعلنت 97 إصابة فقط  دون تسجيل وفيات.

 

مقدمة :
لقد كانت إدارة الصين لأزمة تفشي فيروس "كورونا" مهمة خاصة في مرحلته الثانية. لذلك نطرح في هذه الورقة السؤال التالي: هل تساهم جائحة "كورونا" في إرساء نظام دولي جديد تكون الصين محوره؟
و نحاول الجواب، بإيجاز شديد، من خلال العنصرين التاليين:

1 – كورونا و دبلوماسية الصين الإنسانية

2 – الاستثمار الإنساني الصيني و زعامة العالم

المحور الأول – "كورونا"ا و دبلوماسية الصين الإنسانية:
حاولت الصين بكل ما تملك من وسائل تحويل الجائحة [1] الناجمة عن تفشي فيروس "كورونا" إلى فرصة مناسبة تستثمر فيها اقتصاديا و سياسيا و إنسانيا في إطار ما يمكن تسميته بالدبلوماسية الإنسانية.
فما أهم معالم "المد" الإنساني الصيني؟ و هل أمكن للصين بذلك اختراق الحصون شبه المغلقة في العالم الغربي خاصة؟

الفرع الأول – في معالم الدبلوماسية الإنسانية:
عملت الصين على استثمار نجاحها في احتواء انتشار فيروس " كورونا" المستجد على أراضيها بالشكل الذي يتناسب مع ما لقيته سياساتها و إجراءاتها شديدة من إشادة في المحافل الدولية (منظمة الأمم المتحدة) و المتخصصة ( منظمة الصحة العالمية). و كان الهدف المعلن لهذا الاستثمار تقديم العون للشعوب و الدول الأخرى لتطوير آليات مكافحة هذا الوباء الخطير في إطار واجب التضامن الإنساني و التعاون الدولي.

و قد توزعت هذه الحملة الصينية الضخمة على محورين رئيسيين:
أولهما دعائي لوجستي نظمته آلة الدعاية "الحمراء" في الحزب الشيوعي الصيني و أخرجه الملياردير الصيني "جاك ما" صاحب مؤسسة "علي بابا" و احتضنته وسائل إعلام أجنبية مرتبطة غالبا بالأنظمة الدكتاتورية حول العالم، و ثانيهما مالي و عيني استهدف الدول و المؤسسات الدولية.
فقد تعهدت الصين بتقديم مليوني قناع جراحي و مائتي ألف قناع متقدم و خمسين ألف جهاز اختبار إلى الدول الأوروبية و منحت منظمة الصحة العالمية عشرين مليون دولار. أما "جاك ما" فقد عرض التبرع للولايات المتحدة بمليون قناع و نصف مليون جهاز اختبار و كذا وعدت مؤسسته بدعم دول أخرى بما فيها كل الدول الإفريقية.
كما تنوعت  التدخلات الصينية الفعلية بين إيفاد الخبراء و الفرق الطبية المتخصصة (إيران، ايطاليا..) و إرسال أجهزة الفحص و التقصي (الفلبين..) أو تجهيزات الوقاية ( صربيا، فرنسا، اسبانيا..) و بناء المختبرات (العراق..) و تبادل الخبرات و التجارب و المعلومات.
و لكن هل ساهمت هذه الحملة الاغاثية الضخمة في تغيير المزاج العام إزاء الصين؟
ساهمت الدبلوماسية الإنسانية - لا  شك - في كسب قلوب الايطاليين و الأسبان و غيرهم ممن أصيبوا بالصدمة الناتجة عن تفشي فيروس " كورونا" في بلدانهم في سياق موضوعي غير مناسب تميز خاصة بارتباك الدول المحورية في الغرب و أنانيتها (الولايات المتحدة الأمريكية تحت رئاسة "ترامب" و دول الاتحاد الأوروبي). كما ساهم وجود بعض التيارات القومية الشعبوية في الدعاية للنظام الصيني و محاولة تغيير الصورة "السوداء" للصين في الأوساط الغربية.
وقد كان لبعض قادة الدول الأوروبية تصريحات مختلفة تراوحت بين الامتنان و التقدير للسلوك التضامني الصيني و حتى الترويج لصورة الصين باعتبارها قوة عظمى حركتها الإنسانية لإنقاذ البشرية في هذه الأزمة العالمية الاستثنائية.
فقد أعرب وزير الخارجية الايطالي "لويدجي دي مايو"، لدى وصول طائرة محملة بمعدات طبية صينية بتاريخ 12/3/2020 ، عن شكره للصين قائلا: "هذا ما يطلق عليه تضامن".
و كان رئيس الوزراء الاسباني " بيدرو سانشيز"أكثر صراحة عندما قال إن "بعد العاصفة تأتي أشعة الشمس" بما يوحي بآفاق مختلفة للعلاقات الاسبانية الصينية ما بعد "كورونا".
كما ينسب للقومي الشعبوي " الكسندر فوتشيتش" رئيس صربيا قوله "إن التضامن الأوروبي غير موجود" و وصف الرئيس الصيني ب"الشقيق" و أن "الصينيين وحدهم القادرون على مساعدتنا".
كما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي فيديوهات تظهر قيام مجموعات من الايطاليين(كان من بينهم السياسي الايطالي " فابيو رامبيلي") بحركات رمزية (كإنزال علم الاتحاد الأوروبي أو حرقه و رفع العلم الايطالي و (أو) الصيني و حتى الروسي) تعبيرا عن امتعاضهم من الموقفين الأوروبي و الأمريكي.
أما رئيس غرفة التجارة في الاتحاد الأوروبي في الصين "يورغ يوتكه" [2] فقد قال " إن هناك روايات متناقضة تتطور في أوروبا. يرى معظم الناس أن الصين مسؤولة عن هذه الأزمة العالمية" و لكن " المساعدة الإنسانية السخية من الصين قد تغير الرأي العام في أوروبا لصالح الصين.."

و لكن هل مكنت هذه الدبلوماسية الإنسانية النشطة حقا من اختراق الحصون المغلقة في الغرب و خاصة في أوروبا و في الدول الأكثر تضررا من جائحة "كورونا"؟

الفرع الثاني – في حدود الدبلوماسية الإنسانية:
لا يمكن بأي حال إنكار قوة الحملة التي أعلنتها الصين للتدخل في اكبر مجال جغرافي عبر العالم لتقديم الإغاثة الإنسانية للمتضررين من فيروس "كورونا". كما لا يمكن تجاهل مقدار الدعم الذي قدمته لمنظمة الصحة العالمية و غيرها من الجمعيات في العالم للمساهمة في مكافحة الجائحة. فهل يحجب البعد التضامني المعلن غيره من الأبعاد؟
نحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال الملاحظات البرقية التالية:

  1. في خصوص البعد التضامني:
    يجب التدقيق في المقصود ب"المساعدات" الصينية:
    أولا – ليس كل ما قدمته الصين يدخل في خانة الهبات. فجزء من المساعدات مدفوع الثمن و خضع لمنطق الصفقات التجارية و إن كان غالبا بشروط ميسرة.
    ثانيا – قد ترتبط المساعدات الصينية أحيانا باشتراطات غير معلنة تتعلق مثلا باعتماد السردية الصينية حول انتشار الفيروس و نجاح النظام الصيني في مكافحته و دعم تلك السردية إعلاميا و سياسيا.
    ثالثا -  ثبت لدى بعض الدول الأوروبية (اسبانيا ، هولندا، تركيا..) أن معدات طبية تسلمتها من الصين (أقنعة طبية و كمامات و أجهزة اختبار)  لم تكن مطابقة للمعايير المتفق عليها وتشكو من عيوب في الصنع ما اضطرها إلى سحبها من الاستخدام.
    رابعا – سبق للولايات المتحدة الأمريكية و للدول الأوروبية في بداية انتشار فيروس "كورونا" (في موطنه الأصلي) أن قامت بإرسال أطنان من المواد الطبية و المعدات (بدلات، أقنعة، قفازات،معقمات) إلى الصين و هي في ذروة أزمتها.
    خامسا – أثار إعلان تايوان نهاية شهر مارس تبرعها للدول الأوروبية الأكثر تضررا بتجهيزات و معدات طبية منها 10 ملايين قناع واق ( ثلاث أضعاف ما قدمته الصين للدول الأوروبية) غضب الصين الرسمي الذي عبرت عنه أمام ممثلي الاتحاد الأوروبي بحجة قبولهم مساعدات من تايوان ذات النظام الديمقراطي و التي تعتبرها الصين إقليما متمردا.
    و لكن إذا كانت الدول تقدر المساعدة أثناء الأزمات الكبرى بقطع النظر عن مصدرها،فهل أن الدبلوماسية الإنسانية الصينية قادرة على تبديد قلق الغرب المتجذر من سلوك الصين؟
  2. في الأبعاد الأخرى للدبلوماسية الإنسانية:
    إذا كانت آسيا و إفريقيا مجالا "تقليديا" لحركة الاستثمارات الصينة، فان توجهها غربا (و لو تحت غطاء الإغاثة الإنسانية) لا يمكن أن يحجب الأبعاد التالية:
    أولاالمكون الدعائي : تزامنت الحملة الاغاثية الصينية غير المسبوقة مع إستراتيجية دعائية ضخمة تقوم في مستوى المضمون على محورين دفاعي و هجومي:

* محور دفاعي تنفي بمقتضاه السلطات الصينية سوء إدارتها للازمة في مراحلها الأولى:

1 -  إنكار أية مسؤولية ذات بال لها عن تفشي الفيروس في الصين و في العالم: [3]

2 – تحجيم الأخطاء: تقع نسبة أي أخطاء عند الاقتضاء إلى السلطات المحلية و يتم تبييض القيادة العليا للدولة و الحزب الشيوعي. إن اقتران الأخطاء بغياب اتخاذ القرار من المستويات القيادية العليا في بدايات الأزمة، لم يسمح بإعلام الناس و اتخاذ إجراءات تحديد التنقل مبكرا بما كان سيؤدي إلى محاصرة الوباء في "ووهان" (الصين) ثم في العالم بعد ذلك. لقد بلغ الأمر حد اتهام منظمة الصحة العالمية و مديرها العام بالعام بعدم الحياد  و عدم المهنية، بل و التواطؤ مع الصين و منحها امتيازات سياسية. [4] 

* محور هجومي يقوم على نظرية المؤامرة تحمل الصين بمقتضاه الولايات المتحدة المسؤولية عن العدوى في "ووهان". [5]

ثانيا – المكون السياسي: مثلت دبلوماسية "الصديق عند الحاجة" فرصة ذهبية مكنت الصين من الترويج للنظام السياسي الشمولي و الدعاية لفضائل الدكتاتوريات في إدارة الأزمات الكبرى (تقنيات الضبط و الرقابة و القمع ) على عكس ما اعترى أداء الديمقراطيات الغربية  من ارتباك و ارتجال و عجز.     

ثالثا – المكون الجيوستراتيجي: استثمر الحزب الشيوعي الصيني في الأزمة الناجمة عن "كورونا" بالصورة التي تحقق هدفين على مستوى المشهد الدولي:
أولا – التسويق لزعامة النموذج الصيني و تفوقه: شكل غياب الولايات المتحدة الأمريكية (و الدول الغربية الكبرى) اكبر المانحين الدوليين في مجالات الصحة العامة العالمية و الانخراط غير المسبوق للصين في دبلوماسيتها الإنسانية فرصة لتسويق صورة الزعيم الجديد الذي يجمع بين النجاعة و الفعالية و التكنولوجيا في الحرب على فيروس "كورونا" و إنقاذ ملايين البشر حول العالم. فهل أن الصين حقا شريك مسؤول يعتمد عليه أثناء الأزمات بخلاف الولايات المتحدة؟ 
ثانيا – التأسيس لمكاسب جيوستراتيجية محتملة: مثل دور المنقذ و المتبرع الذي جسده الحضور القوي للصين في الدول التي تسير تقليديا في الفلك الأمريكي فرصة لتحقيق مكاسب مستقبلية، و من بينها دول أوروبية تعتبر أن "بروكسيل" قد تخلت عنها في أحلك اللحظات مثل اسبانيا و خاصة ايطاليا التي تعتبر الدولة الوحيدة من مجموعة السبع التي تؤيد مشروع "طريق الحرير الجديد" الصيني التي يواجه عقبات لاختراق أوروبا رغم نجاحه في آسيا و إفريقيا.

لقد كان " جوزيب بوريل"( ممثل السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي) صريحا عندما حذر من وجود "مكون من الجغرافيا السياسية يتضمن الصراع على النفوذ من خلال سياسات السخاء" الصينية و أن "الصين تروج بقوة لرسالتها القائلة إنها شريك مسؤول يعتمد عليه بخلاف الولايات المتحدة".

و يبقى السؤال قائما: هل يؤذن استثمار الصين في أزمة "كورونا" بقرب تربعها على عرش العالم؟

المحور الثاني – الاستثمار الإنساني الصيني و زعامة العالم

رغم أدائها المتميز في إدارة أزمة تفشي فيروس "كورونا"المستجد (خاصة في مرحلته الثانية) و دبلوماسيتها الإنسانية غير المسبوقة، يبقى السؤال قائما: هل تنهي الصين عهد العولمة الغربية و تدشن عولمة صينية؟ 

الفرع الأول – فيروس"كورونا" كاشف و ليس منشئا:

هل تحسم الأوبئة و الجوائح مسارات التاريخ؟
إذا كانت الحروب – كما الحرب العالمية الثانية - قادرة على تشكيل الواقع الاستراتيجي بصفة مباشرة، فان الأوبئة – كما الموت الأسود ( 1346 – 1351 ) - لا تسهم في تغيير موازين القوة إلا بصورة غير مباشرة و متدرجة.
فقد أذنت الحرب العالمية الثانية مثلا بانهيار الإمبراطورية البريطانية (التي هيمنت على العالم لأكثر من قرن) و صعدت الولايات المتحدة الأمريكية قوة عالمية أولى محلها. أما تحلل الاتحاد السوفييتي السابق و الكتلة الشرقية، فقد أدى إلى تدشين عولمة على مقاس "واشنطن".
أما الطاعون الكبير الذي هلك من جرائه زهاء ربع سكان العالم و ثلث الأوروبيين، فقد اعتبره الباحثون إيذانا بتدشين عصر النهضة الأوروبية و إن استغرق التأثير المحتمل لهكذا وباء أكثر من قرن كامل. بينما لم يؤد اكبر تفشي لفيروس "ايبولا" في دول غرب إفريقيا (2014 – 2015 ) إلى أي تغييرات حاسمة في مجال انتشاره الجغرافي أو العالم، و إن كانت خسائره البشرية كبيرة (11300 ضحية و أكثر من 28500 إصابة).  
و إذا كانت جائحة "كورونا" اقل وطأة من حيث الخسائر البشرية مقارنة بغيرها من الطواعين و الأوبئة التي عرفتها البشرية، فان تداعياتها الاقتصادية و الإستراتيجية ستكون – بفعل العولمة – ذات بال. و لكن هل تؤسس لما بعدها؟
نقدر أن فيروس "كورونا" ليس منشئا لأي واقع استراتيجي جديد بل هو كاشف لمعالم الواقع الذي بدا بالتشكل فعلا قبل ذلك لعل أهمها تزامن مؤشرات التراجع الأمريكي مع الصعود التدريجي للصين إضافة إلى رؤية "ترامب" لأمريكا (أولا) و العالم باعتبارها جزر منفصلة تتسيدها أمريكا و تتقاسم الدول فيما بينها المسؤولية .
لقد تشكلت مؤشرات التراجع الأمريكي منذ إعلان الحربين في أفغانستان (2001) و العراق (2003) و ما نتج عنهما من استنزاف مالي و اقتصادي للولايات المتحدة الأمريكية (فضلا عن تكلفتهما البشرية) في إطار ما اصطلح على تسميته بالحرب على "الإرهاب". كما تعزز ذلك بفعل أزمة الرهن العقاري (2008) التي تسببت في ركود مديد. و كان المنافسان الروسي و الصيني، خلال هذه المرحلة، يستعيدان عافيتهما الاقتصادية و نفوذهما الدولي.
و دشن العالم  بعد ذلك حربا باردة اقتصادية بين "سيد" العالم المتقهقر و المارد الصيني الصاعد كان رهانها الرئيس إبطاء نمو الصين و الحد من صعودها و و الحفاظ على التفوق الأمريكي. و تزامنت الانسحابات الأمريكية المتتالية من الساحة الدولية (التي بدأها"اوباما ") مع تشديد الإجراءات الاقتصادية الأمريكية الصارمة التي تستهدف الصين. و كان "رونالد ترامب"، صاحب شعار" أمريكا أولا"، أكثر اندفاعا وعدوانية إزاء الصين من خلال فرض رسوم جمركية على سلعها و تحفيز الشركات على بناء خطوط إنتاجها في الولايات المتحدة آو نقلها و كذا محاولة منعها من الوصول إلى خدمة انترنت الجيل الخامس..
و إذا كانت العولمة الاقتصادية (من خلال منظمة التجارة العالمية 1995) قد رسخت فكرة ديمومة خطوط الإنتاج و سرعة توريدها، فان تفشي فيروس "كورونا" عرض تلك المصانع إلى الإغلاق ليس بفعل مبدأ العرض و الطلب بل بإرادة الدول و بث الخوف في أسواق المال و البورصات الأمر الذي خفض توقعات النمو و أذن بركود مديد.
ساهم فيروس مجهري، إذن، في التشويش على ميكانيزمات العولمة من حيث الكثافة ( إبطاء العولمة الاقتصادية) و الاتجاه ( الانغلاق) و القيادة (تراجع الزعامة الأمريكية) تشكلت خطوطها تباعا و لم يكن "كورونا" إلا كاشفا لها و مسرعا لتفاعلاتها.
هل يؤشر ما تقدم ، إضافة إلى الدبلوماسية الإنسانية النشيطة و حسن إدارة أزمة تفشي "كورونا" (خاصة في موجته الثانية) و ما تملكه الصين من مقومات، إلى أن المارد الأصفر سيتربع على عرش العالم؟

الفرع الثاني – فيروس "كورونا" و حلم الزعامة:
نعرض لهذا العنصر من خلال تحديد شروط تحقق الزعامة و نعالج ذلك ضمن مفهوم العولمة.
بعيدا عن التحليلات السطحية أو الحالمة، نسلم بأن الصين، بوصفها قوة اقتصادية و تكنولوجية و بشرية و جغرافية عظمى، تشكل احد الاقطاب الرئيسية في النظام الدولي القائم. و لكن ذلك لا يؤهلها، وفق تقديرنا المتواضع، لقيادة العالم و زعامته إلا إذا أمكن تحقق الشروط الرئيسية التالية:
1-  تغيير قواعد النظام الذي انخرطت فيه و تستفيد منه و تشتغل وفق آلياته، و هذا لا يمكن للصين أن تنجزه الصين منفردة.

2 – امتلاك القوة العسكرية القادرة على حماية العولمة الصينية المفترضة: يفترض مشروع  العولمة "الصينية" تطوير منظومة الصين العسكرية و تنويع تحالفاتها الإقليمية و الاستعداد لممارسة التدخلية و ذلك لحماية مصادر المواد الأولية (في أمريكا اللاتينية و إفريقيا) و الأسواق (في آسيا) و كذا حرية النقل التي يفترض أن يقوم  مشروع "طريق الحرير الجديد"بتأمينها. و رغم تطور المؤشرات العسكرية الصينية، إلا أنها لا تقارن حاليا بمثيلتها الأمريكية لا من حيث الميزانية و لا من حيث الانتشار في العالم و لا من حيث نوعية التسليح و البيئة الرسمية الحاضنة.. فالإنفاق العسكري الأمريكي مثلا يمثل 40 بالمائة من جملة الإنفاق العسكري العالمي. كما تنتشر القوات الأمريكية بمختلف تشكيلاتها في 800 قاعدة عسكرية و في أكثر من 42 دولة حول العالم...و عليه لن ينجر الحزب "الشيوعي" الصيني إلى أي مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة على الأقل في المدى المنظور. و ستركز الصين أكثر على تعزيز وحدتها الداخلية (الإنفاق الأمني الكبير، قمع الأقليات، التصدي لآي قلاقل داخلية محتملة في بلد يشكل سكانه ربع البشرية) و ستواصل توسعها الاقتصادي و حضورها الدولي، كما جسدته أخيرا دبلوماسيتها الإنسانية النشطة لمكافحة فيروس "كورونا" و تصدير تجربتها إلى دول العالم..

3 – امتلاك القوة الرمزية أو النموذج الجاذب: بالإضافة إلى نموذج الحكم الديمقراطي و تكريس مبادئ حقوق الإنسان و الحريات العامة، تتميز الولايات المتحدة بقوة رمزية ساهمت في التسويق لقيمها و عولمتها كالصناعة السينمائية ( "هوليود" نموذجا) و الفنون و اللغة الانجليزية و الجامعات المرموقة و الانفتاح على المهاجرين من ذوي الكفاءات...و كلها اذرع حيوية لأي سلطة إمبراطورية مفترضة، تفتقدها الصين حاليا.
كما يندرج ضمن معايير هذه القوة " تسهيل تزويد العالم باحتياجاته، والقدرة والرغبة في حشد وتنسيق الاستجابات الدولية للأزمات " [6]   و هو ما فشلت فيه الولايات المتحدة الأمريكية هذه المرة و نجحت الصين نسبيا كما اشرنا إلى ذلك في المحور الأول..
4 – البيئة الداخلية المساعدة: على عكس الولايات المتحدة الأمريكية، تتميز الصين على المستوى السياسي بنظامها الدكتاتوري الشمولي و بالتخطيط و التحكم المركزي و بالانغلاق و غياب الشفافية على المستوى الإعلامي و العزلة على المستوى الثقافي و اختلال التوازن بين الساحل المتقدم و الداخل الفقير و هو ما يحول بالضرورة دون إرساء دعائم منظومة عالمية تتربع الصين على عرشها.
ثانيا – في خصوص العولمة: يذهب بعض الحالمين من كتاب و باحثين إلى أن ما بعد "كورونا" سيكون مختلفا، في الجوهر، عما قبلها. ما بعد العولمة سيكون ، وفق هذا الاجتهاد، نهاية العولمة و معها تفقد الولايات المتحدة الأمريكية زعامتها للعالم و تتربع الصين على العرش.
و دون الدخول في جدل كنا عرضنا لبعض جوانبه، نبسط بإيجاز الملاحظات التالية:
1 – لا يمكن الحديث عن نهاية العولمة إلا إذا أمكن القضاء على النظام الرأسمالي و على النظرية الليبرالية التي تبرره [7] . و لكن يمكن الحديث عن تراجع الولايات المتحدة الأمريكية (أو انحدار الغرب).
فإذا افترضنا أن الصين ستتربع على عرش العالم (و هذا احتمال بعيد في المدى المنظور)، فان الرأسمالية لن تزول لان الصين "الاشتراكية" رأسمالية ذات حكم دكتاتوري شمولي و لا تقدم بالتالي بديلا معرفيا و إن اختلف الإطار الحضاري (الكونفوشيوسية عوض الحضارة اليهودية النصرانية). الصين كما روسيا و الولايات المتحدة  كلها امبرياليات، أنظمة هيمنة مهما قيل في شان طبيعة نظامها السياسي. [8]     
2 – يؤكد الواقع كما العلاقات الدولية أن أزمة العولمة بردائها الليبرالي (و النيوليبرالي)  قد استحكمت. لقد أبرزت أزمة " كورونا" أن الغرب ربما يكون " ماض اليوم إلى انحدار قيمي تدريجي والى عودة لغريزة الحفاظ على البقاء وعلى استمرارية ذلك البقاء في حدود الوطن الضيق بكل الطرق ومهما كان الثمن سواء تحقق ذلك بالتخلص من المسنين أو بقرصنة شحنات الأدوية ووسائل الوقاية الطبية" كما يقول "حمادي البرواقي. [9]
لقد كشف كائن مجهري ("كورونا") سحر النيوليبرالية الخادع و زيف مقولات الحداثة و العولمة السعيدة. 3 – تأسست العولمة الغربية (و الأمريكية) على الليبرالية (و النيوليبرالية) و تجذرت  في إطار الحضارة اليهودية النصرانية.
و قد شبه الفيلسوف الفرنسي"روجي غارودي" (في كتابه " نداء إلى الأحياء") الحضارة الغربية  ب"حضارة موت"، حضارة الوسائل (و ليس ا الغايات أو المعنى) ما سيؤدي إلى "انتحار كوكب الأرض". و نبه إلى أن ما يحتاجه العالم اليوم حضارة "تقودنا أخلاقها إلى الطريق القويم" و تحول وجهة العالم إلى معنى تحرر أنساني. بينما يعتبر الفيلسوف "ميشال اونفري" أن الإسلام هو احد البدائل الممكنة للحضارة الغربية (اليهودية النصرانية) التي استنفذت طاقاتها بعد أكثر من ألفي سنة من هيمنتها على العالم. [10]
و بعيدا عن خطاب النهايات الحتموي و كل خطاب عدمي ( من قبيل الرفض المطلق للعولمة)، يمكن التفكير من خلال  سردية أخرى  تختلف عن العولمة النيوليبرالية التي تأسست منذ افلاطون على فلسفة الواحد و الهوية وإقصاء الآخر، المختلف والمتعدد" و تهدف إلى تحويل الإنسان أو ما تبقى من إنسانيته إلى مستهلك خاضع وعقل تقبلي وإرادة طيّعة".  [11]  و عليه فان سردية جديدة تنطلق "من الإيمان بالإنسان العالم ولكنه إنسان لا يتأله (..)لا يستصغر نفسه أمام فيروس مجهري فتاك ولا يستيئس من قدرته على دحره”انه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون” ( سورة يوسف الآية 87 )". [12]

خاتمة
ساهمت مجموعة من العوامل في نجاح الصين النسبي في إدارة أزمة تفشي فيروس "كورونا". كما توفقت في استثمار تلك الجائحة من خلال دبلوماسية إنسانية نشطة حاولت من خلالها تحقيق مجموعة من الأهداف. و لكن ذلك كله، مضافا إليه قدراتها الهائلة الأخرى، لا يؤشر إلى نهاية العولمة و لا يؤهل الصين في المدى المنظور للتربع على عرش العالم الذي قد تتعدد أقطابه دون أن تفقد الولايات المتحدة الأمريكية يدها الطولي فيه إلى حين.

علي العبيدي )باحث تونسي)

 

[1] - رفعت منظمة الصحة العالمية درجة تفشي الفيروس من وباء ( حالة مرضية تصاب بها مجموعة من الناس في فترة متزامنة و في حيز جغرافي معين / مدينة أو دولة عادة) إلى مستوى جائحة ( حالة مرضية شديدة الانتشار في مجال جغرافي عابر للدول و القارات ).

[2] - https://arabic.euronews.com/2020/03/20/china-tries-to-polish-image-by-masks-diplomacy-in-combating-coronavirus

[3] - https://foreignpolicy.com/2020/04/02/china-coronavirus-who-health-soft-power/

 

[4] - https://www.change.org/p/united-nations-call-for-the-resignation-of-tedros-adhanom-ghebreyesus-who-director-general

[5] - Barthélémy Courmont , Le coronavirus, nouveau foyer de tensions entre Chine et États-Unis, disponible sur https://asialyst.com/fr/2020/03/20

 

[6] - https://www.foreignaffairs.com/articles/china/2020-03- 18/coronavirus-could-reshape-global-order

 

[7]- حول الليبرالية: علي العبيدي، الانتقال الديمقراطي و مقاربة الثورات العربية: مدخل نقدي، الجزء الثاني، ص ص 211 – 234 

[8]- حول ثنائية استبداد- ديمقراطية: علي العبيدي، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص ص 23-43  

[9]- حمتدي البرواقي، كورونا و ما بعدها: قراءة سيميائية في مفهوم أفول الغرب.

[10] - Michel Onfray, Décadence : Vie et mort du judéo-christianisme, éditions Flammarion, 2017                              

[11]- د. الطيب بوعزة ، خصائص الواقع الليبرالي الغربي، صحيفة العرب القطرية ، 17/10/ 2010  

[12]- حمادي البرواقي، إحالة سابقة

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك