القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الصين الإفريقية: رقصة التنين مع الأسود

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-12-12 11:39:00 | 908 مشاهدة

مقدمة:

لقد أصبح الحضور الاستراتيجي الصيني في الشرق الإفريقي معلنا، خاصة بعد إنشاء قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي عام 2017. ولا شك أن هذا النمط من الحضور على الميدان الإفريقي قد بدأ يثير ردات الأفعال السلبية التي يتسبب فيها عادة الوجود الأجنبي المحسوس في بلدان مهتزة السيادة، فضلا عن أن أغلبها حديث العهد بالاستعمار. والملاحظ أن المثقفين ووسائل الإعلام الغربية كثيرا ما تقدم الصين على أنها المستعمر الجديد تحذيرا للأفارقة وحثا للغرب على لعب دور أكبر لخلق التوازن. وهي المسائل تدفع للتساؤل عن إستراتيجية الصين في المنطقة ومدا قدرة الشعوب والدول الافريقية على تجنب انحرافها إلى شكل جديد من الاستعمار.

 

رافعات الوجود الصيني في إفريقيا

 

ليست العلاقات الصينية الإفريقية وليدة الأمس. ذلك أنها تعود إلى خمسينات القرن الماضي، وبالتحديد إلى قمة باندونغ عام 1955 التي عبرت عن طموح القارتين الإفريقية والآسيوية في فك الارتباط بالغرب رمز الاستعمار القديم. ومنذ ذلك الحين، برز الحضور الصيني في افريقية. ولكنه كان محتشما كما وكيفا، خاصة إذا قورن بالتأثير الذي اكتسبه الاتحاد السوفياتي السابق لدى بعض الأنظمة ذات التوجه الماركسي، ناهيك عن ما حافظت عليه البلدان الاستعمارية السابقة من سطوة اقتصادية وسياسية في مستعمراتها القديمة في إطار ما اصطلح عليه بمنظومة الاستعمار الجديد. ولئن كانت رمزية ماو سيتونغ قد ضمنت للصين شيئا من السلطة الناعمة في بعض الأوساط الإفريقية، خاصة من خلال نظرية العوالم الثلاثة، فإن موت الزعيم الثوري وبداية مسار الإصلاح الاقتصادي في أواخر السبعينات بقيادة داون دزينبين قد غيّب عمليا التنين من الأدغال السوداء. 

لقد تغيرت الأمور جذريا بطبيعة الحال. فبعد النهضة الاقتصادية غير المسبوقة في بلاد إمبراطورية الوسط، شهدت العلاقات الاقتصادية الصينية الإفريقية تطورا مضطردا. فخلال العقدين الأخيرين، تضاعف قيمة المبادلات التجارية بين الطرفين ما يزيد عن العشرين مرة كي تتجاوز 170 مليار دولار عام 2017. وبالتالي،أصبحت الصين الشريك التجاري الأول للقارة الإفريقية. ومن جملة أربعة وخمسين بلدا إفريقيا، تحتل الصين مرتبة الشريك التجاري الأول، أما تصديرا وإما توريدا، لحوالي أربعين بلدا. ولا يستثنى من هذا التوجه العام سوى منطقة المغرب العربي الذي تبقى اقتصاداته وفية لأولويتها الأوربية.

أما الاستثمارات الصينية في إفريقيا, فقد تجاوزت 125 مليار دولار أمريكي في الفترة الممتدة ما بين عامي 2000 و2016. وقد وعد الرئيس الصيني شي جينبين بدعم هذه الاستثمارات بما يقارب 60 مليار دولار إضافية بمناسبة المنتدى السابع للتعاون الصيني الإفريقي عام 2017. وتشمل هذه الاستثمارات مختلف المجالات، مع تركيز ملحوظ على قطاعات البنية التحتية في مجال النقل والاتصال والصحة والتعليم. ويقدر عدد هذه المشاريع بما يزيد عن 3000 مشروع عبر القارة، من أشهرها سكك الحديد جيبوتي أديس أبابا، ونيروبي مون باسا. بل إن الصين تحتل موقعا محوريا في ما يسمى بأجندة إفريقيا 2063 التي، من أهدافها، ربط كل العواصم الإفريقية بشبكة مندمجة من القطارات فائقة السرعة. وهو ما يعزز موقف المتحمسين لتعميق هذه العلاقات الاقتصادية والتجارية على اعتبار أن مخرجاتها ملموسة وذات فعالية على الأرض، بما يؤكد أولا اندراجها في منطق الربح المتبادل، وثانيا استدامتها على المدى الطويل بما أنها بعيدة عن أساليب المضاربة المالية والمصرفية.

وللصين حجج قوية لدعم هذا الموقف. إذ أن نهضتها الاستثنائية قد مكنتها من اكتساب خبرات مفيدة في مجال التنمية ومكافحة الفقر. حيث نجحت في انتشال 700 مليون صيني من براثن الخصاصة خلال أقل من عقدين من الزمن. وهو ما يعني أن سياقها الداخلي يجعلها أقدر من البلدان الغربية على التأقلم مع إفريقيا، على اعتبار أن معايير بيكين في تقييم مخاطر الاستثمار أكثر مرونة وأقرب للواقع الإفريقي. ومثال ذلك نجاعة الاستثمارات الصينية في قطاع الاتصالات. فبالإضافة إلى قدراتها التنافسية على مستوى الأسعار، تتمتع شركاتها في هذا المجال بخبرات عالية في التعامل مع الأطر الفقيرة والمهمشة.

في ظل الفشل الصارخ للنموذج الغربي في دعم التنمية الإفريقية، تطرح الصين نموذجا جديدا قائما على مبدأ التنمية المتبادلة. إذ تؤمن تركيز البنى التحتية الضرورية للتنمية من خلال الاستثمارات المباشرة والقروض الميسرة، في مقابل حصولها على حصة متزايدة من خيرات الأرض الإفريقية من طاقة ومواد منجمية وإمكانيات فلاحيه.

وتمنح طبيعة التجربة الصينية بيكين رافعات عديدة من أجل تطوير قوة ناعمة فعالة في افريقية. ومن أبرزها غياب تقاليدها الاستعمارية واشتراكها مع بلدان العالم الثالث في مناهضة الاستكبار الغربي، بما يمنح مصداقية واضحة لخطابها الداعي إلى الصداقة وتعاون على أساس المصالح المتبادلة. ومن ذلك التزام بيكين بالحياد السياسي المطلق في الشؤون الداخلية لشركائها. وهو وتر تلعب عليه الصين لعلمها بحساسيته في بلدان افريقية تتوجس أنظمة الحكم فيها من التدخل الغرب في شؤونها الداخلية بتعلة الحوكمة وحقوق الإنسان، وترفض شعوبها التأثير السياسي والاقتصادي المتواصل للمستعمر القديم.

إذا كانت النهضة الصينية تؤكد أن التخلف ليس قدرا محتوما على أي شعب، فإن الشعوب الإفريقية أولى أن ترى مستقبلها في التجربة الصينية. أو هكذا يحلم أكثر المتفائلين على الأقل. وتلك قاعدة صلبة لدبلوماسية ثقافية لا تعوقها الأبوية المتعالية التي يوحي بها الغرب.

وتعمل الصين على تثمين الصورة الإيجابية التي تتمتع بها ابتداء. فهي تعلم هشاشتها الكامنة في ظل المخاوف الإفريقية والتحذيرات الغربية من الخطر الأصفر الذي يمثل شكلا جديدا من الاستعمار. ومن ثم المجهود الدبلوماسي المتزايد من أجل التسويق للصين والدفع عن مصالحها. ويظهر ذلك مثلا عبر حضورها الإعلامي المتزايد، خاصة من خلال قناتها الرسمية التي تبث باللغة الإنجليزية من نيروبي وتغطي كل أرجاء القارة. أما مراكز كون فيسوس، فإن انتشارها يؤكد عزم بيكين على تكريس وجودها على المدى المتوسط والبعيد. وهو ما يفسر مجهودها في سبيل تعليم اللغة الصينية ونشر ثقافتها التقليدية.

 

بين أمل التنمية وخطر الاستعمار الجديد:

 

إن القرب الجغرافي والعلاقة التاريخية التي تربط إفريقيا بأوروبا تخدم اليوم الصين، في مفارقة لا تفاجئ الأفارقة. إذ أنهم، بقدر توجسهم من أطماع المستعمر السابق، لا يجدون نفس الغضاضة من طموح التنين الصيني الذي يرون فيه المعوض الأمثل للدب السوفياتي كمعدل للتوازن الجيو استراتيجي في المعركة الاستعمارية. بل إن التنين يعد بما لم يكن الدب يقدر عليه. فالتوازن الجديد قائم على المسائل الاقتصادية والتنموية، لا على الشعارات السياسية والصراعات الإيديولوجية. والأفارقة يعلمون أن مستقبلهم رهين بقدرتهم على مواجهة الفقر والبطالة وضعف الهياكل الاقتصادية. وطبيعة الديمغرافية الإفريقية تجعل هذه الأولويات مزيجا من الأمل واليأس. فأكثر من 50% من الأفارقة أعمارهم تقل عن 25 سنة، مما يجعل المستقبل رهينا بمدى قدرة الهياكل الاقتصادية القطرية والإقليمية على استيعابهم وتمكينهم من فرص التكوين والتشغيل.

إن هذه الأولوية الاقتصادية والديمغرافية، بالإضافة إلى ضعف الإمكانات الذاتية، تعني حاجة لا متناهية للاستثمارات الخارجية. والخيارات محدودة موضوعيا، خاصة مع تفاقم نزوع الغرب للانكفاء على الذات بعد أزمته الاقتصادية وعودة التيارات السياسية ذات الصبغة الانعزالية إلى الواجهة. وإذا كانت الولايات المتحدة مثلا جادة في تبني مبدأ "أمركا أولا"، فإن الشركات والبنوك الصينية تمثل البديل الأفضل لبلدان افريقية تعي نخبها الجديدة بأهمية إيجاد منافسة حقيقية بين مختلف القوى. فمن دونها يستمر الضعف البنيوي في مواقف التفاوضية للبلدان الإفريقية.

وليس التجاهل الغربي لإفريقيا كوجهة استثمارية واعدة بالظاهرة الجديدة. فقد أوجد عدم إيمان المستثمرين الغربيين بمقبل اقتصاداتها شيئا من الفراغ تعمل بيكين على ملئه بأسرع نسق ممكن. والنتيجة أن تطور الحضور الصيني قد رافقه تقلص نسبي كبير في وزن مختلف البلدان الاستعمارية السابقة. ولا أدل على ذلك من تراجع نسبة المساهمة الفرنسية في اقتصاديات مستعمراتها في غرب إفريقيا إلى أقل من النصف خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة.

والملاحظ أن ما يميز الاندفاع الصيني في القارة أنه يغطي كل المجالات الجغرافية والقطاعية دون قيود مسبقة، وذلك على عكس البلدان الأوربية التي كثيرا ما كانت تعمل على تفادي المنافسة المفتوحة بينها عن طريق ربط دورها الجغرافي الجديد بتاريخها الاستعماري القديم. ونتائج ذلك أن بلد كفرنسا استفاد من احتكاره لمجال مستعمراته السابقة لإضعاف قدرات هذه الدول على التفاوض. وهو ما مكّن رؤوس الأموال الفرنسية من وضع اليد على أهم خيرات هذه البلدان الطبيعية من أورانيوم ونفط وغيرها. ومن إيجابيات هذا الحضور الصيني الكاسر للحواجز المصطنعة بين المجالات الاستعمارية المختلفة تعزيز وعي الأفارقة بما يجمعهم من مشترك. ومن ثم أهمية منتدى التعاون الاقتصادي الصيني الإفريقي الذي تعتبره بيكين أهم رافعة للتأثير تملكها في المنطقة.

ويلتقي الطلب الإفريقي للتمويل وتطوير مع حاجة الصين لتصدير منتوجاتها ولتثمين مواردها المالية المتراكمة. فتلك شروط تجنبها خطر تضخم القدرات الذي أصبح من أكبر هواجس أصحاب القرار في بيكين. ذلك أن انفجار قدراتها الإنتاجية ومراكمتها للفوائض الخارجية خلال العقدين الأخيرين قد يتحول إلى فخ مدمر إن تراجع الطلب على البضائع الصينية، خاصة في سياق عودة المنظومة الحمائية وخطر الحرب التجارية. وبالتالي، تحتاج الصين إلى الاستثمار في المجالات الجغرافية ذات القابلية التنموية المرتفعة، وعلى رأسها إفريقيا التي تمثل وجهة جديدة لشركاتها الكبرى وتوفر سوقا واعدة ستصل إلى ملياري نسمة في أقل من عقدين. وهو ما يؤكد تقاطع المصالح بين قارة تحتاج إلى استقطاب الاستثمارات الخارجية وقوة تسعى إلى تصديرها.

إن نظرة الصين لإفريقيا بصدد التطور. فبعد عقدين تميزت فيهما القارة السمراء عن كل القارات بتسجيل فائض تجاري في مقابل الصين، وذلك بحكم حجة التصنيع الصيني المكثف لما تحويه من مواد الأولية، فإن التوجه العام ينحو اليوم لقلب المعادلة من خلال اقتحام صيني شامل وعميق للأسواق الإفريقية. وتوفر طريق الحرير الجديدة الإطار الأمثل لتوفير وسائل هذا الولوج من موانئ وقنوات مائية داخلية وسكك حديدية وطرق سيارة.

ولا شك أن معضلة الديون تمثل خطرا دائما على إفريقيا. بل إن البعض يتحدث اليوم عن استعمار صيني لإفريقيا من خلال إغراء القرون الميسرة. ومن أمارات ذلك هيكلة هذه الديون. ففي معظم الحالات تكون الديون مرتبطة بمشاريع عملاقة، على أساس أن مردودية هذه المشاريع تمكّن من تغطية التكاليف وتحقيق الأرباح. ولكن الحقيقة تقول عكس ذلك في أكثر الأحوال. فحجم المشاريع يجعل تثمينها عسيرا في ظل المشاكل الهيكلية التي تعاني منها أغلب اقتصاديات القارة. وفي هذه الحالة، تجد الدول الإفريقية نفسها أمام عبء لا تتحمله مواردها. ولئن كان الشريك الصيني دائم الاستعداد لإعادة جدولة الديون، فإن ذلك يمنحه قدرات تفاوضية تقترب من مستوى الابتزاز. ومن ذلك اشتراطه في بعض الأحيان وضع اليد على كبريات المنشآت من موانئ وطرقات وغيرها من البنية التحتية كضمان لخدمة الدين وللإيفاء بالتعهدات.

ورغم ذلك، فإن للديون الصينية في إفريقيا إيجابيات تعوض هذه السلبيات. فمختلف التجارب التنموية الحديثة قامت على التداين. وبالتالي، فإن الخطر الصيني ليس مختلفا عن غيره من مصادر التمويل الخارجي الأخرى. فضلا على أن هذا النمط من الحضور الصيني في إفريقيا قد يخدم موقف دول المنطقة إن هي استطاعت أن تستفيد من المنافسة والتوازن في القوة بين مختلف اللاعبين الدوليين. فالمكاسب الصينية في افريقية كما وكيفا تلعب اليوم دور المهماز في جنب القوى الأوربية، الشريك التقليدي للبلدان الإفريقية. وهو ما من شأنه تمكين هذه البلدان من فرصة أكبر لاختيار السبل الأمثل للدفاع عن مصالحها، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم احتياجات القارة السمراء المهول والمتزايد.

ليست المعادلة الإفريقية سجينة المنطق الصفري. فما تكسبه الصين لا تخسره أوربا بالضرورة. والعكس صحيح. ويبقى السؤال الحقيقي عن قدرة مختلف البلدان الإفريقية على الاستفادة من الوضع الجديد من أجل بناء أسس تنمية مندمجة للجميع ومستدامة على المدى الطويل. ومن شروط ذلك تجاوز التبعية التي يجمع المختصون في السوسيولوجيا التنمية على أنه عائق هيكلي يواجه كل البلدان الإفريقية تقريبا. ولئن كان الحضور الصيني يمنح فرصة لتحسين ظروف التفاوض، فإنه يطرح بالتأكيد خطر احتراق الأسود التي تراقص التنين بلهيبه المالية والتجاري العارم. فتكون النتيجة تعويض هيمنة بهيمنة لعلها أشد وأنكى

 

أيمن البوغانمي (باحث تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك