القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الصراع الهووي في تونس :الديمقراطية على شفا الهاوية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-08-24 10:23:00 | 218 مشاهدة

                          

ملخص: 

تشهد تونس حالة احتراب إيديولوجي بين مختلف الفاعلين في المنتظم السياسي  والمدني أساسه عدم ا اعتراف بالآخر المختلف والرغبة الجامحة في إقصائه  رغم ما يبدو من توافق وتعايش في الحكم وتحت قبة البرلمان فالخطاب السياسي  بلغ درجة من العنف تجاه الآخر غير مسبوقة بلغت حد التفريق بين لون الدم التونسي بل بين الإله  الواحد

وهذه نذر ومؤشرات خطيرة على مستقبل الاجتماع  فهي إن لم تؤد إلى اقتتال حقيقي  فإنها تعرقل كل إمكانية للخروج من الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تمر بها البلاد بعد سبع سنوات من الثورة . وليس من السليم الركون إلى التفسير النفسي لهذه الظاهرة باعتبارها تصعيدا قد يمنع وقوع الاقتتال بين المختلفين فهو تفسير على صحته مخادع لأن استمرار هذه الحالة سيؤدي إلى فشل كلي في التنمية والاقتصاد والسياسة وهو ما يعني انفتاح ممكنات مدمرة يصعب التكهن بها. في هذه الورقة نحاول رصد مظاهر هذا الخطاب الإيديولوجي والاحتراب الهووي و استشراف مستقبله  وممكنات الخروج منه و آثاره المحتملة في حالتي الفشل والنجاح .

مقدمة:

عاد خطاب الاستقطاب الايديولوجي والصراع الهووي إلى الساحة السياسية والمدنية بسرعة لافتة للنظر وداعية لطرح الأسئلة الحقيقية والجادة  عن مدى جدية الطرح الذي بشر بنهاية مثل هذا الاستقطاب  وعن دلالات الخطاب و آثاره على مستقبل الاجتماع المدني والسياسي في تونس الثورة ؟ولعلنا نحتاج إلى التذكير سريعا بسياق هذه العودة وهو الجدل المصاحب لنشر  تقرير الحريات الفردية والمساواة الذي اشرفت عليه لجنة من تسعة أعضاء شكلها رئيس الدولة في ذكرى عيد المرأة من السنة المنقضية ،لكن لحظة التصعيد الخطيرة  في هذا الإطار جاءت بعد  المسيرة التي نظمتها جمعية الأئمة  والمحافظة على القرآن الكريم ضد التقرير وتوصياته وهو ما يضعنا أمام سؤال  هل  نحن ازاء عودة أو استعادة للاستقطاب الإيديولوجي ؟ فهل أن هذا الخطاب موجود بذاته ثاو في البنية النفسية  والإطار المرجعي والمفاهيمي للفاعلين في الاجتماع المدني التونسي أم أن الأمر عملية سياسية  وليدة اللحظة لا تتجاوز  ظروف استنباتها  وتنتهي بتحقيق مقصدها الانتخابي أو السياسي المرصود لها ؟ وفي الحالتين ما أثر ذلك  على مستقبل العملية السياسية  برمتها و على مدى يمكن التساهل  في استعمال هذا الخطاب في الفعل السياسي والمدني ؟

-1-الاستقطاب الإيديولوجي:

نحاول مقاربة هذه الأسئلة وغيرها مما قد يفرضها علينا مجرى البحث والدراسة  من خلال استعراض كرنو لوجي  لأهم  المحطات التي ظهر فيها هذا الخطاب  ثم لأبرز صيغه  ثم تكون لنا قراءة في دلالتها و آثاره المحتملة ؟

ويقصد بخطاب الاستقطاب الإيديولوجي في دراستنا هذه الخطاب الذي يتبادله  الفاعلون المدنيون والسياسيون من التيار الإسلامي والتيار العلماني الحداثي  وهما المكونان الرئيسيان  لنظام الاجتماع  تجاه بعضهما وفي علاقة بموقع كل منهما في المشهد السياسي والمدني ،وبلغة أدق كيف يرى العلماني الحداثي موقع الإسلاميين في المشهد المواطني الذي فرضته الثورة  وكيف يرى الإسلامي موقع هذا التيار داخل المشهد نفسه ؟

بدأت بوادر الخطاب الإيديولوجي بعد الانتخابات الأولى التي أفرزت المجلس التأسيسي الذي كانت مهمته صياغة دستور  للجمهورية الثانية ،وربما يجعلنا هذا السياق نتفهم ظهوره  دون تبريره في مجتمع عانى من الكبت السياسي وقمع الحريات  ومن هيمنة الخطاب الواحد طيلة ستين سنة  ثم وجد نفسه امام مرحلة هامة لصياغة دستور يرسم ملامح المستقبل ويضبطها  ،فكان من البديهي أن يتنافس الفرقاء السياسيون  والمدنيون الذين لم  يتعرفوا إلى بعضهم في تلك الفترة معرفة  مواطنية تذهب الحواجز الايديولوجية بينهم وتمسح آثار الصراع التاريخي الذي عاشوه في السبعينات  وبعدها في الجامعة وفي مواقع أخرى من المجتمع، ومن البديهي أن يكون  الخطاب الايديولوجي هو الأقرب  أو الأنسب للمرحلة  من كلا الطرفين اللذين دخلا المعترك السياسي بتفاصيل متعددة داخل جسم كل واحد منهما ،فالإسلاميون امتدوا خارج حركة النهضة الحزب الإسلامي التقليدي  الذي كان يمثل الإسلام السياسي منذ الثمانينات ودخل على الخط تيار سلفي على يسار النهضة سمته الرئيسية خطاب هووي يرفض الاعتراف بالآخر بما فيه حركة النهضة نفسها وليس له مطلب غير تطبيق الشريعة الإسلامية وفق منظور خاص به .

أما التيار العلماني فوجه امتداده الأبرز هو الالتقاء الموضوعي بين مختلف الفرقاء الذين كانوا خصوما في فترة تاريخية سابقة ،التقاء في مواجهة التيار الإسلامي  جمع أقصى اليسار بوسطه إضافة إلى القوميين  ونشطاء حقوقيين.

-2-محطات فارقة في تاريخ الصراع ما بعد الثورة :

 في هذه الفترة التاريخية الهامة من تاريخ الثورة التونسية انفتح الباب على خطاب هووي من الطرفين ضد بعضهما ويحق لنا أن نتساءل هل كان هذا الانفتاح على مثل هذا الخطاب  نتاجا طبيعيا أي إفرازا لواقع مجتمعي وسياسي  خاص أم وجدت عوامل خارجية غذت الموضوع ؟

سؤال تفرضه نوعية الأحداث التي شهدتها تلك الفترة لكنها لا تسمح لنا بالجزم في الجواب لذا نكتفي بالإشارة إلى أهم ما جرى ومنها :

عرض فيلم حدث ( لا ربي لا سيدي للمخرجة اليسارية نادية الفاني )وقد رد السلفيون بالهجوم على سينما أفريكار مكان العرض لما اعتبروه اعتداء على الذات الالهية في الفلم المذكور[1]  في هذه الفترة كان الخطاب الهووي واضحا لا لبس فيه وكان سائدا غالبا على كل خطاب آخر  حتى كانت الاغتيالات السياسية التي راح ضحيتها المعارض اليساري شكري بلعيد في مرحلة أولى ثم المعارض القومي محمد البراهمي في مرحلة ثانية في السنة نفسها [2]

وهي الفترة التي شهدت أوج الحراك السياسي والاجتماعي في تونس وهيمن عليها حضور التيار السلفي .

 لم يتغير الخطاب السياسي رغم التقدم النسبي في الممارسة السياسية بل ازداد جنوحا نحو الخطاب الهووي  في أقصى درجاته ،فقد جاء   تأسيس حزب "حركة نداء تونس " الذي قدم نفسه كفة الميزان الأخرى مقابل النهضة أي مقابل الإسلاميين ليزيد من حدة هذا الاستقطاب ، وكان لافتا أن خطاب التأسيس لم يعتمد برنامجا سياسيا مثلما اعتادت الأحزاب تقديمه بل برنامجا ثقافيا يقوم على الحفاظ على النمط المجتمعي لدولة الاستقلال  والتي تناقض مشروع الإسلاميين كما يقول قادة الحزب[3] لذلك استطاع الباجي قائد السبسي مؤسس نداء تونس أن يلم شتات اليسار والقوميين وعناصر الحزب الحاكم قبل الثورة  في جبهة واحدة سميت بجبهة الانقاذ واتسم خطابها بالتركيز على المسألة الثقافية والنمط المجتمعي,وهذا الالتقاء بين مكونات يفترض استحالة التقائها نظريا على الأقل دلّ على أن الموقف الايديولوجي هو المحرك الحقيقي للفعل السياسي في تلك الفترة .

 قد يعترض  كثيرون بأن قضية الهوية قضية منتهية أو مفتعلة ،منتهية من جهة كون الفاعلين السياسيين والمدنيين  حسموا أمرها واتفقوا حولها في دستور جانفي 2014  بتأكيد طبيعة الدولة ودينها ولغتها  أو مفتعلة من حيث غياب المبررات الواقعية لطرحها

ونحن نقول جوابا على هذا الاعتراض  إن علينا الاجابة أولا على مفهوم الهوية  وحضورها لدى الشعب والفاعلين لنكشف إن كانت فعلا قد حسمت أم كان الأمر مجرد توافق مغشوش ؟

بلا شك أن دستور الجمهورية الثانية أقر بأن الدولة مدنية دينها الإسلام ولغتها العربية

وبما أن "الهُوية دائماً تجمع ثلاثة عناصر: العقيدة التي توفر رؤية للوجود، واللسان الذي يجري التعبير به، والتراث الثقافي الطويل المدى" فنحن إذن إزاء مشكل منتهي  ،وهذا ظاهريا يبدو أقرب إلى الصحة لكن  الواقع يخبرنا غير ذلك فمنذ إقرار الدستور  وحتى قبله و إلى الآن ما يزال قطب الصراع بين الفاعلين الرئيسيين في المشهد السياسي والحزبي هووي بامتياز  حتى و إن تلبس بلبوس سياسي ،ونحن هنا لا نصادر على المطلوب ولكن ننطلق من وقائع تطرح السؤال بنفسها ما الذي دفع بالمعتصمين المناهضين لحكومة الترويكا في 2013 ضمن ما عرف باعتصام الرحيل وهو اعتصام في ظاهره سياسي  يتنزل ضمن سياق المنافسة السياسية بين حكومة منتخبة ومعارضة  في الشارع وفي المجلس ،ما الذي دفع بهؤلاء إلى استدعاء الخطاب الهووي الذي يكشف تباينا جوهريا في فهم الهوية  مع الأطراف الحاكمة وهي منتخبة انتخابا ديمقراطيا شفافا  لم يشكك فيه معارضوها و إنما عمدوا إلى التمايز عنهم على أساس هووي صرف  من إشارة رمزية إلى اختلاف لون الدم و أخرى إلى اختلاف الزمن الحضاري[4] بينهم وبين الفريق الحاكم خلافا لما تقتضيه اللعبة السياسية

وقد جاءت الأيام الأخيرة بتطورات تدعم ما ذهبنا إليه فتقرير لجنة الحريات كشف عن خطاب بلغ درجة من العنصرية والتطرف مبلغا غير مسبوق من قبيل التفريق بين إلاه العلمانيين وإلاه الإسلاميين  وحديث عن أئمة جهلة  و سلفيون يقودون المسيرات ضد الحرية ومجاميع دينية رجعية ضد التقدم والحداثة[5] 

هذا النوع من الخطاب يضعنا أمام سؤال الأولوية المطروحة على المنتظم السياسي والمدني في تونس هل من اولوياته حسم الصراع الهووي  أم تجاهله من أجل مشاريع تنموية ومجتمعية أنفع للناس ؟

-3- الصراع الهووي:

من البديهي أن تكون الإجابة الثانية الأقرب إلى الصواب و إلى المنشود من عامة الشعب لكن هذا رهين وجود سلطة منتخبة قادرة على الفعل والانجاز  تنافسها معارضة على أساس الانجاز السياسي والاقتصادي لا على أساس خطاب الهوية والإقصاء ،وهذا غير ممكن في المدى المنظور  بحسب قراءتنا لخطاب الفاعلين في المشهد ،فباستثناء عدد قليل من الناشطين المستقلين وبعض الأحزاب غير ذات الوزن  شعبيا وبرلمانيا والذين يتمسكون بالدعوة إلى التزام هذا الخيار  نرى الاحتمال الأول هو الغالب غير أن مساره لن يكون سهلا فهو يتطلب اجابة على سؤال من له القدرة على حسم قضية الهوية وعلى أي أساس يكون الحسم ؟

أما أساس الحسم فنعتقد أنه ما لم يكن هناك اتفاق على عناصر هوية يدافع عنها العلماني والإسلامي على حد سواء تشمل  المتفق عليه في تعريفات الهوية  الجامعة لكل شعب فإنه لن يكون هناك إلا صراع  يخبو ويظهر في كل أزمات التي تشهدها البلاد ويزيد من تعقيدها بدل المساهمة في حلها ،ذلك أنه كما يقول بيار بورديو:"إن الأفراد والجماعات يستثمرون كينونتهم الاجتماعية كلها في صراعات التصنيف، وكل ما يحدد الهُوية التي يكونونها عن أنفسهم، وكل ما لا يمكن التفكير فيه والذي من خلاله يتشكلون ك”نحن” في مقابل “هم” و”الآخرون” ويتمسكون بهذا الذي لا يمكن التفكير فيه عن طريق التحام شبه جسدي.وهو ما يفسر القوة التعبوية الاستثنائية لكل ما يمس الهُوية". لذلك من المهم جدا أن يكون  الجميع في صف واحد  حتى يكون صراع التصنيف قائما ضد مخاطر خارجية تهدد المنتظم السياسي الداخلي  لا أن يكون الصراع بين جماعات تختلف حول هويتها ،فهل هذا ممكن في حالة بلادنا ؟ إذا سلمنا بالمؤشرات السالفة كدنا نحسم باستحالة الأمر خاصة إذا أضفنا إلى ذلك  قراءة في مكونات المشهد الحزبي وفيه أحزاب أقصى اليسار التي تشكل الجبهة الشعبية وهذه تدير فعلها السياسي على قاعدة ثقافية  ثابتة مفادها أن الإسلاميين رجعيون أعداء للحرية والديمقراطية ولا يمكن أن نلتقي معهم , ومن البديهي أن لا يكون للفعل السياسي المنبثق عن رؤية ثقافية  جامدة أي ديناميكية قد تدفع به إلى مرونة مطلوبة لحلحلة هذا المأزق بل إن مثل هذا التحكم من الثقافي الجامد في السياسي يخرجه أصلا من دائرة السياسي  ومن ثم فنحن إزاء كتلة يسارية جامدة " تثير النقع"  ولا تنتج الثمر  فإذا ما أضفنا إليها غياب يسار اجتماعي فاعل وقوي  يعدّل الكفة ويحقق التوازن  ويضمن الجدل ويفتح باب التطوير في خطاب الآخر  سلمنا صعوبة الخروج من هذا المأزق  ولعل غياب المراجعة الفكرية للأدبيات المؤسسة لدى اليسار الثقافي أكبر دليل على ما ذهبنا إليه فمازالت مقولات العنف الثوري  وغيرها من الأبيات الماركسية اللينية العتيقة تحكم أحزابا ممثلة في البرلمان التونسي وهذا عين المفارقة من مكونات المشهد الحزبي حركة النهضة  وهي ما تزال برغم كل المستجدات الممثل الرئيس للإسلاميين وللتيار الإسلامي  وهذه الحركة قامت بمراجعات عديدة بعضها من بابا الضرورة وبعضها الآخر من بابا التطوير الذاتي لكنها تفتقد إلى الشريك الفاعل المتفهم والذي يفترض فيه أن يكون العامل المساعد على تفعيل مراجعاتها وبالتالي ضمان عدم  حصول انتكاسة فكرية أو عملية داخلها و إزاء نظرائها من الفاعلين ,ورغم أن الحركة أثبتت إلى حد الآن نضجا في التعامل مع هذا الوضع إلا أنه لا يمكن أن نطمئن إلى ذلك كثيرا  فمازال جسم هذه الحركة لم يهضم بشكل جيد مسألة التخصص التي أقرها مؤتمر الحركة الأخير[6] يشكل يجعل منه منهج تفكير و ىلية عمل في الوقت نفسه ،وهو ضغط ليس بالهين  يمارس على الحركة مع وجود "منافسين" من داخل حقل المرجعيات الدينية  خاصة بعد ظهور "مجتمع مدني " يتحرك على الأرضية نفسها ويتصدى للدفاع على القضايا التي كانت من صلب اهتمام حركة النهضة في المسائل الدينية ورغم أن الحركة لا تبدي انزعاجها  من هذا التشكل الجديد  بناء على الاختلاف بين السياسي والمدني وبناء على انها اختارت التخصص عن قناعة لكن هذا "الهدوء الخطابي " لدى النهضة لن يمنع تسلل أثر هذه التشكيلات داخلها وحولها ،فإذا ما وضعنا بين أيدينا فارق "الخبرة والحنكة "في التعامل مع قضايا الهوية والتدين والدين بين النهضة وهذه التشكيلات أدركنا معنى  هذا العامل في استمرار الصراع الهووي في البلاد ،ذلك أن النهضة وهي تساهم في النقاش العام  حول هذه القضايا سيحدد موقفها السياسي والمبدئي بتفاوت وربما يغلب السياسي أكثر  بما يكون له أثر في التخفيف من حدة الصراع الهووي  -بصرف النظر عن صوابية الموقف أو انحيازنا له أو ضده- في المقابل تتحرر التشكيلات المنافسة للنهضة من داخل مجالها من إكراهات السياسي سواء أكانت تشكيلات حزبية أو منظمات مدنية فكلها تتحرك ضمن الإطار" المبدئي الجاف" والذي يجد في خطاب التيار المعادي له ما يغذيه ويمده بأسباب الحياة

بقية أطراف المشهد الحزبي  يمكننا المجازفة باعتبارها "توابع" لهذين التيارين الكبيرين  سواء كانت أحزاب كبرى أو صغرى لأنها  في النهاية تجعل من القضايا المرجعية والفكرية اهتماما ثانويا  وتوظفه وفق حسابات الربح والخسارة

-4-هل تحسم انتخابات 2019  اتجاه الصراع؟

تعد الانتخابات المرتقبة في 2019 النيابية والرئاسية مرحلة مفصلية في تاريخ التجربة الديمقراطية في تونس  ويعول عليها أنصار الثورة كثيرا لترسيخ المسار  مقابل" أمل" يبدو لنا ضعيفا كاذبا لأعداء الثورة في الانقلاب عليها والعودة الكاملة لما قبل الثورة ،لذلك فإن الصراع حولها  انطلق مبكرا وربما يمكننا أن ندرج كل ما يجري الآن في هذا الإطار حتى الصراع الهووي إذا استصحبنا أن التجربتين الانتخابيتين السابقتين في 2011 و2014 كان مجال الدعاية الانتخابية فيهما قائما على صراع ا ايديولوجيات والنمط المجتمعي وليس على البرامج التنموية  ولا نعتقد أن 2019 ستختلف جوهريا عن سابقاتها في هذا المجال أي لن يختفي الصراع الايديولوجي جملة من خطاب الأحزاب المتنافسة لكنه سيكون في مرحلة "الدعة "بالتعبير الخلدوني للكلمة أي في مراحل أفوله بشرط أن يوفر المتنافسون شروط  تفعيل  هذا الأفول ،أي أن يمروا إلى طرح البديل الاقتصادي والتنموي  ذي الاثر الاجتماعي الواضح حتى نتجاوز حالة  احتراب وندق المسمار الأخير في نعش الخطاب الايديولوجي

لكن ذلك رهن بالإجابة عن جملة من الأسئلة المهمة : هل ستتم انتخابات 2019 وبأي شروط  وضمن أية مناخات ؟ هل ستقبل مختلف الأطراف بنتائجها  وتغادر مربع الصراع الذي شهدته البلاد بعد انتخابات اكتوبر 2011 بمعنى هل سنكون إزاء حكومة منتخبة  ومعارضة فاعلة ناقدة وبناءة  خاصة إذا ما فاز الاسلاميون وعادوا إلى الحكم وهو الاحتمال الأرجح بحسب المؤشرات الواقعية، في حال كانت الإجابة بالسلب يكون حتما على الفاعلين جميعا خوض معركة الهوية بوجوه سافرة وخطاب واضح لا مواربة فيه من أجل حسم الأمر نهائيا لأن دون ذلك سيكون ا اقتتال حلا  ويكون الفشل التنموي أيضا حلا مستداما  تعرقله حرب وهمية لا تتجاوز الخطاب،  لكن ذلك لا يخفي على أحد .

الدكتور سمير ساسي

 


[1]

الأحداث تمت  الأحد 26 جوان 2011 ،ويمكن أن نضيف إليها الاحداث التالية :

اكتوبر 2011 عرض فلم ايراني برسي بوليس على قناة نسمة أثار احتجاجا كبيرا قاده سلفيون بناء على ان الفلم مسئ للذات الالهية

جوان 2012 هاجم عناصر محسوبين على التيار السلفي معرضا تشكيليا بقصر العبدلية بالمرسى بمناسبة معرض ربيع الفنون بناء على اشتماله صورا مسيئة للأخلاق الحميدة

في سبتمبر 2012 شهدت تونس هجوما على السفارة الامريكية  احتجاجا على فلم امريكي مسئ للرسول صلى الله عليه وسلم

[1]

 الاغتيال تم على التوالي في 6 فيفري 2013 و25 جويلية 2013 و سبب أزمة سياسية كبيرة انتهت بخروج الترويكا بقيادة حركة النهضة من الحكم بعد جولات من الحوار الوطني بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل[2]

 

 

 

 

في خطاب تأسيس حركة نداء تونس في 2012  :"تعلن الحركة تمسكها بالعَلَم والنشيد الوطنيين لتونس، و"بالمكاسب العصرية للدولة التونسية التي حققت منذ خمسين سنة، وفي المقدمة مجلة الأحوال الشخصية وتشدد على "المواطنة، وتونس للجميع، والاعتراف بالديمقراطية والتداول على السلطة، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاجتماعية باعتبارها حقا من الحقوق، مهما كانت الجهات أو الأشخاص أو الفئات، وترفض العنف في الحوار مع المخالفين في الرأي

 

[3]

 نشير هنا إلى تصريح  محسن مرزوق أحد قيادات جبهة الانقاذ التي تزعمت اعتصام الرحيل يومها والذي صدر عنه في اجتماع شعبي في اكتوبر 2013 ببنزرت و جاء فيه بأن  دماؤنا حمراء نقية ودماء الإسلاميين سوداء كأعلامهم " ,,, وكذلك تصريح الشاعر الراحل محمد الصغير اولاد أحمد  الذي قال يومها نحن نعيش في شهر اوت وهم يعيشون في رمضان

 

 

 

 

 

 

[5]ظهر هذا الخطاب في مواقع التواصل الاجتماعي فايسبوك وفي بيان الجبهة الشعبية وموقع كابيتاليس الإعلامي  لكن ما كتبه خليل الرقيق في جريدة الصحافة العمومية يعبر بوضوح عن هذا التوجه فقد جاء في عدد 12 اوت 2018 تحت عنوان الظلاميون لا يهاجمون "المساواة "،انهم يهاجمون كل الحريات /خليل الرقيق /"...والمعركة في هذا الباب تخصّ حقلا متشابكا من الفواعل، الفاعل السياسي المطالب باستنهاض مكامن قوّة الدولة المدنية، بديلا عن سلطة رجال الدين والفاعل الفكري المطالب بخوض ثورة ثقافية حقيقية ضدّ البؤر الذهنية البائسة التي أصبحت بمثابة مستوطنات للفكر الظلامي وثالث الفواعل إعلامي بامتياز ،لقد سبق للإعلام الوطني التونسي أن نجح في رفد الحركيّة المدنيّة لمقاومة التغوّل في 2012 و2013 وعليه أن ينجح الآن، ,,,, واللعبة الآن واضحة والوجوه سافرة، الشيخ يومئ من الأناضول والمريدون يعربدون في شوارع العاصمة والمدن الكبرى والنوستالجيا القروسطية تحكم القبضة على أذهان «جنود خلافة» ضلّوا طريقهم الى القرن 21 وهم لا يريدون ضرب «تقرير المساواة» بل يريدون ضرب كل الحريّات... من أجل ذلك تعتبر معركة الحريّات «أمّ المعارك»... وتونس لها.. شرط توفّر الإرادة الحرّة."

Haut du formulaire

 

[5]

أقر المؤتمر العاشر للنهضة في ماي 2016 مسألة التخصص ويقصد به عدم الجمع بين الصفة الحزبية والصفة الدعوية لمنخرطي الحزب وقيادته[6]

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك