القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الصراع الدولي في ليبيا تمديد للأزمة أم تسريع بالحل ؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-08-09 13:57:00 | 1160 مشاهدة

                                        

 ملخص

تتسارع الأحداث في ليبيا وتتلاحق. ويشتد التنافس بين القوى الدولية في إدارة دفة الصراع. ولكل رؤيته ومصالحه . وتجد الأطراف الليبية نفسها وسط لهيب المحرقة مرة كأداة إطفاء  وأخرى كحطب للنار . والسؤال الرئيس إلى أين تسير الأمور ؟ هل ستتجه نحو حل لهذه الأزمة التي طالت كثيرا ؟ أم أن الأفق مظلم والأمل في الحل بعيد ؟هذه أسئلة الشارع في ليبيا الذي أرقته الأزمات ولم يعد يحتمل الأوضاع القائمة وكذلك أسئلة كل المراقبين والمهتمين بالملف الليبي. هذه الورقة ستحاول الإجابة على هذه الأسئلة الحارقة بقراءة محينة للتطورات في المشهد.

مقدمة

تشهد ليبيا اليوم صراعا إيطاليا فرنسيا محموما على النفوذ في البلاد وذلك بغاية السيطرة على مقاليد اللعبة السياسية والعسكرية بعد أن استحال الملف الليبي ساحة للنفوذ الدولي وهو ما عمق الأزمة  وجعل حلها رهين ما ستتوافق عليه القوى الدولية الفاعلة تحت مظلة الأمم المتحدة والتي بدورها هي مجرد تعبيرة عن إرادة القوى الكبرى

وعند الحديث عن الصراع الإيطالي الفرنسي فإننا لا ننفي وجود قوى أخرى إقليمية ودولية لها حضور قوي وفاعل في المشهد وهو ما يزيد في تعقيد الأوضاع وذلك بفعل تقاطع المصالح وتعارضها . وكل ذلك ينعكس على الداخل الليبي في شكل أزمات متفاقمة استحال معها الفاعلون الليبيون أصحاب القضية وأهلها غير قادرين على التحرك والفعل خارج إطار مفردات هذا الصراع بما يعني أن الحل الليبي الليبي بعيدا عن التأثيرات الخارجية أضحى أمرا شبه مستحيل

كيف بدأ التدخل الأجنبي في ليبيا؟

لا يمكن فهم تعقيدات المشهد قبل أن نلقي نبذة تاريخية قصيرة تحيلنا إلى الأسباب الحقيقية التي مكنت للوجود الأجنبي في البلاد.

فالمعلوم أن الثورة الليبية تم دعمها من دول الخليج العربي ومن دول الجوار ومن حلف النيتو الذي حسم المعركة لفائدة الثوار ضد آلة نظام القذافي . وأكثر دولتين أوروبيتين كان لهما دور في الثورة الليبية هما إيطاليا وفرنسا. وهذا يعني أن التأثير الدولي في الملف الليبي ليس مستجدا وإنما من بداية الثورة

مرت السنة الأولى من الثورة الليبية كما بقية الثورات في المنطقة دون تأثير أجنبي قوي وربما يعود ذلك لغياب الإستراتيجية الدولية للتعامل مع الربيع العربي. ولم تتبلور هذه الإستراتيجية إلا مع نهاية 2012 وبداية 2013.وكانت الباكورة الأولي بقطف الثورة المصرية ثم امتدت لتونس وليبيا واليمن حيث أن قوى الردة وغياب الوعي السياسي في الشارع العربي ساهما بشكل كبير في تغلغل القوى الأجنبية التي أثخنت في جسم الربيع العربي

بدأ التدخل الدولي الفاعل في ليبيا بعد انتخابات المؤتمر الوطني العام التي أفرزت قوتين رئيسيتين في البلاد وهما "التيار الإسلامي " و" التيار المدني أو العلماني" وتبلورت المخاوف الغربية من سيطرة التيار الإسلامي على الحياة السياسية  لأنه كان التيار الأكثر حضورا في الشارع وفي الجانب العسكري . وبدأت مع هذه المخاوف محاولة فك الارتباط بين هذين التيارين ودق أسفين الخلاف بينهما . وتجلى هذا الخلاف بوضوح في أداء المؤتمر الوطني العام وانعكس على أداء حكومة السيد علي زيدان وشبت الخلافات بين ثوار الأمس . هذه الخلافات في جرء منها بفعل الواقع الموضوعي الذي سببه غياب التجربة السياسية وفي جزء آخر بفعل التدخل الأجنبي . وانقسم الثوار بفعل ذلك إلى فسطاطين.  وقد كان تدخل الأمم المتحدة في البداية دعم ليبيا في بناء مؤسسات الانتقال الديمقراطي ثم تحول عملها بعد ذلك إلى جهة تسعى إلى حل الخلافات بين الفرقاء عبر إيجاد إطار سياسي جامع وهو ما " تحقق" في اتفاق الصخيرات في 17ديسمبر 2015 . وكانت أكثر دولتين مؤثرتين في عمل بعثة الدعم الأممية هما فرنسا وايطاليا إلى جانب دولة الإمارات العربية المتحدة إلى هذا الحين. وفي سنة2014أعلن خليفة حفتر عن انقلابه الأبيض في طرابلس الذي أراد به تجميد الإعلان الدستوري والسيطرة على السلطة وكان ذلك بترتيب كامل مع دولتي مصر  والإمارات اللتين رعتا أيضا حملة " لا للتمديد".التي فرضت  إجراء الانتخابات البرلمانية التي كرست الانقسام السياسي وتلتها عملية فجر ليبيا التي أجهضت انقلابا حقيقيا على الثورة . وتركت هذه العملية تصدعا كبيرا في جسم الثورة وكرست شرعية الأمر الواقع عبر حكومتين ومؤسسات سيادية موازية. ومن سنة 2014 إلى اليوم كانت ليبيا ساحة للأجندات الدولية المتصارعة والمتناقضة ولكل أجندة أنصار لها في الداخل.ومع تطور الأحداث وتتاليها كان الصراع يأخذ أشكالا وعناوين مختلفة . واليوم ونحن في منتصف سنة 2018 أي  بعد سبع سنوات من عمر الأزمة يكاد الصراع ينحصر بين مشروعين تقودهما ايطاليا وفرنسا

في طبيعة الصراع القائم وأطرافه:

إن الصراع القائم في ليبيا شديد التعقيد وتحكمه عوامل داخلية وخارجية متقاطعة ومتناقضة . فعند تناول المشروع الفرنسي لا يمكن الحديث عنه بعيدا عن الدور المصري والإماراتي والأردني والسعودي.فالدول العربية المذكورة لها أجنداتها الخاصة ولكنها لا يمكن أن تتحرك بحرية دون الغطاء الفرنسي الذي يحميها من العقوبات الدولية بالنظر إلى أن فرنسا عضو دائم في مجلس الأمن وتملك حق الفيتو. وليس هذا فحسب فالإمارات العربية المتحدة هي عضو في غرفة العمليات الدولية المتشكلة من الموساد الإسرائيلي واليمين الأمريكي المتصهين ومن قوى عربية ليس من مصلحتها نجاح الديمقراطية في المنطقة العربية. وكذلك مصر فهي تحت الحماية الإسرائيلية والأمريكية . وبالتالي فإنها لا تخشى من العربدة في ليبيا ودليل ذلك أن تقرير الأمم المتحدة السنوي حول ليبيا أشار بكامل الوضوح إلى الدور المصري والإماراتي في خرق القرار الأممي الخاص بمنع تزويد الأطراف المتصارعة في ليبيا بالسلاح. ولم تتعرض الدولتان إلى أي شكل من أشكال العقوبات رغم أن هذا القرار الأممي يقع تحت البند السابع الذي يبيح استعمال القوة ضد الطرف المخالف سواء دولة أو تنظيما. وعودا إلى المشروع الفرنسي فإن لهذه الدولة هدفان رئيسيان أحدهما يتقاطع مع المصلحة المصرية والإماراتية وهو منع قيام نظام سياسي ديمقراطي في ليبيا يكون فيه للإسلام السياسي (حركة الإخوان المسلمين أساسا)حضور قوي وفاعل . والهدف الثاني السيطرة على الجنوب الليبي الذي يحوي ثروات باطنية ضخمة وكذلك يربطها بمستعمراتها السابقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى (تشاد ومالي والنيجر) . وهذا يحقق لها هدفا استراتيجيا يتمثل في ربط الشمال الإفريقي الذي يعتبر مجالا تاريخيا لنفوذها بدول جنوب الصحراء وتكون ليبيا هي حلقة الوصل والربط .وهذا يتعارض بالكلية مع المصالح الإيطالية الحيوية فإيطاليا ترى في ليبيا مجالا حيويا تاريخيا لا يمكن التفريط فيه حتى لأقرب حلفائها..

فالصراع إذن صراع مصالح دولية قبل أن يكون صراعا لمصلحة ليبيا. وهذا ما يجب أن تدركه القوى الوطنية في البلاد وتتعاطى معه بمنطق البراغماتية السياسية التي ترجح مصلحة ليبيا . فالسياسة هي فن الممكن والمتاح بعيدا عن الأحلام الثورية التي ثبت فشلها في إدارة الصراع.

ملامح المشروع الفرنسي في ليبيا

بدأت ملامح المشروع الفرنسي تتوضح في ليبيا مع بداية سنة 2016. وهو مشروع هدفه النهائي إرساء حكومة شرعية في ليبيا تكون قريبة في  توجهها من السياسة الفرنسية وتضمن مصالح لها في ليبيا .راهنت فرنسا في مرحلة أولى على عملية الكرامة ورأت في حفتر الجنرال الحالم  بحكم ليبيا الحليف القادر على تحقيق أهدافها الإستراتيجية فدعمته بقوة لوجستيا واستخبار يا عبر مجموعات عسكرية فرنسية في الشرق الليبي تعمل على تدريب ودعم ميليشيات الكرامة في حربها ضد مجلس شورى ثوار بنغازي وثوار درنة . وكذلك دعمت الجنرال في السيطرة على الهلال النفطي لتجعل من الكرامة رقما في المعادلة الليبية لا يمكن تجاوزه . واستعانت فرنسا في استراتيجيتها بدولتي مصر والإمارات في إطار تقاطع المصالح ليتحول هذا الثلاثي بعد ذلك إلى حلف تقوده فرنسا وتحميه وتسوّق له دوليا.ولكن مع تطور الأحداث أدركت فرنسا أن الحل العسكري المتمثل في فرض حفتر من خلال السيطرة العسكرية على البلاد بات أمرا في حكم المستحيل سواء من خلال المعادلة الداخلية أو من خلال التوجه الدولي الذي تمثله أجندة الأمم المتحدة وهو ما جعلها تركز لاحقا على الحل السياسي وفق تصورها وهو فرض انتخابات في ليبيا قبل إرساء الدستور ليتمكن خليفة حفتر أو من تختاره بدلا له من الترشح للاستحقاق الرئاسي ثم تهيء المجال له بالتعاون مع الإمارات ومصر للفوز في الانتخابات. وإذا حصل هذا أي فوز حليفها دون أن يكون للدولة دستور ينظم الحياة السياسية ونمط الحكم فإنها تكون قد حققت هدفها المرسوم وهو السيطرة على القرار السياسي في البلاد الذي سيمكنها من مقدرات البلاد في مرحلة أولى ورسم جغرافيا جديدة لنفوذها في المنطقة في مرحلة ثانية.

إن المشروع الفرنسي الذي أرادت هذه الدولة التسويق له عبر المؤتمر الدولي الذي عقدته في باريس في ماي الماضي والذي رسمت فيه خارطة طريق للحل في ليبيا ينافي المصلحة الليبية العليا ويتعارض مع أهداف ثورة فبراير وروحها   

المشروع الإيطالي : التاريخ والطموح

إن التاريخ الاستعماري الإيطالي لليبيا وحجم المصالح الكبيرة لإيطاليا في هذا البلد جعلها أكثر دولة مدركة لطبيعة الأزمة وتفاصيلها وبالتالي الأقدر وفق المنطق السياسي على اجتراح الرؤية المناسبة لأزمة هذا البلد التي طالت وتداخلت فيها المصالح وتشعبت مما جعلها تستعصي على الحل. ومنذ أن غادر حلف النيتو ليبيا بعد سقوط نظام القذافي سلمت أمريكا وأوروبا الملف الليبي لإيطاليا. فكانت سندا لبعثة الدعم في ليبيا منذ انطلاقتها ثم تطور الدور الإيطالي مع تطور الأوضاع في البلاد فكانت طيلة السبع سنوات من عمر الأزمة اللاعب الرئيس في الملف. وهي الدولة الوحيدة من الدول المتدخلة بقوة في الساحة الليبية الراغبة فعلا في حل سريع وحقيقي يراعي معطيات الواقع على الأرض . فمصالح هذا البلد لا تحتمل طول الأزمة ومن مصلحتها أن تستقر الأوضاع في البلاد لأنها ربما الدولة الوحيدة المتضررة من الوضع الحالي . ومؤخرا أصبح الصراع بينها وبين فرنسا واضحا فهي تحمل تصورا للحل يخالف الرؤية الفرنسية . فإيطاليا ترى أن الانتخابات التشريعية والرئاسية التي سترسي مؤسسات السلطة الشرعية في إطار الوضع النهائي الذي سيقطع مع المراحل الانتقالية ويرسي الوضع الدائم لا يمكن أن تتم قبل إجراء مصالحة وطنية شاملة وإرساء دستور للبلاد ينظم علاقة السلطة بالمجتمع وعلاقة مؤسسات الدولة مع بعضها بعضا . وهي رؤية فيها الكثير من الواقعية وتتقاطع مع رؤية أغلب القوى الليبية المنحازة إلى المشروع الوطني. وقد عرف التنافس الفرنسي الإيطالي مؤخرا تسارعا شديدا في محاولة من كل دولة لكسب الدعم لموقفها من دول الجوار الليبي ومن القوى المؤثرة في الأزمة الليبية . وتوج هذا التنافس بنصر إيطالي كبير إذ تمكنت إيطاليا من كسب الوقف الأمريكي إلى جانبها حيث عبرت الولايات المتحدة عن مساندتها للموقف الإيطالي في الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الإيطالي إلى البيت الأبيض والاتفاق على عقد مؤتمر دولي حول ليبيا في العاصمة الإيطالية روما كرد على المؤتمر الدولي الذي عقد في باريس. وقد سبق هذه الزيارة تسمية المبعوثة الأمريكية إلى ليبيا " ستيفاني ويليامز" نائبة لرئيس البعثة الأممية في ليبيا غسان سلامة الذي دخل في إجازة مفتوحة وهو ما يعني تقلد أمريكا لبعثة الدعم في ليبيا . وهذه أيضا خسارة كبيرة لفرنسا فغسان سلامة رغم أنه لبناني الأصل إلا أنه يتمتع بالجنسية الفرنسية ولم يتمكن طيلة فترة إشرافه على البعثة الأممية من تحقيق أي تقدم في الملف بما يعني فشل مرحلته على غرار أسلافه من المبعوثين الأمميين.وبتسمية السيدة " ويليامز" تكون أمريكا قد نزلت بثقلها في الملف في رغبة منها لتسويته لأن الأزمة الليبية أصبحت تمثل عبئا ثقيلا على حلفائها الأوروبيين وعلى الأمن القومي الأمريكي في حد ذاته

ملامح المرحلة في ظل الصراع القائم:

الواضح في المرحلة الحالية أن الحل العسكري أصبح متأخرا جدا بل لم يعد مطروحا على الساحة في ليبيا . وهذا ما سيضعف كثيرا الجنرال حفتر الذي لا يستطيع أن يناور إلا من خلال بؤر التوتر والقتال . وقد حقق ما هو مطلوب منه دوليا وهو إضعاف القوى العسكرية التي تتبنى الطرح الإسلامي الواضح فكرا وممارسة على غرار مجلس شورى ثوار بنغازي ومجلس شورى ثوار درنة في الشرق الليبي . وبتحقق هذه المهمة تكون الحاجة للجنرال قد انتهت ومعها سينتهي طموحه السياسي في حكم البلاد لأن هذا الطموح يتعارض مع التصور الدولي العام للاستقرار في البلاد والذي من شروطه إبعاد كل الشخصيات الجدلية من تصدر المواقع السيادية في البلاد والجنرال شخصية جدلية بامتياز ومرفوضة من قطاع عريض من الليبيين. كذلك هو حامل للجنسية الأمريكية وهو ما يمنعه وفق مسودة الدستور المعدة للعرض للاستفتاء من الترشح لرئاسة البلاد.

المهدي ثابت 

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك