القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الشَّعْبَويَّةُ فِي الخِطابِ السّياسيِّ التُّونِسِي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-08-18 02:37:00 | 995 مشاهدة

ملخَّص:

 يُشَكِّلُ تَقْسيمُ الشَّعْبِ واحْتِكاَرُ تَمْثيليَّتِهِ، وَالدِّفَاعُ عَنْهُ وَعَنْ هويَّتِهِ الثَّقافيَّةِ، وَتَّخْوينُ الآخَرِ، بِاعْتِبَارِهِ يُدَافِعُ عَنْ مَصالِحِهِ الخاصَّةِ، العَناصِرَ الأَساسيَّةَ المُعْتَمَدَةَ فِي الخِطابِ الشَّعْبَوِيِّ. و تَهْدِفُ أَدَبيّاتُ تَحْليلِ الخِطابِ السّياسيِّ إِلَى البَحْثِ فِي المُحَدَّداتِ اَلَّتِي تَجْعَلُ مِنْهُ خِطَابًا شَعْبُويًّا، تَدْفَعُ النّاسَ إِلَى قَبولِهِ، كَمَا تَدْفَعُ النُّشَطاءَ السِّيَاسِيِّينَ إِلَى تَقْليدِهِ بِاِتِّخاذِهِ نَموذَجًا يُحْتَذَى بِهِ فِي المَنابِرِ السّياسيَّةِ.

مُقَدِّمَةٌ:

 انْصَبَّ اهْتِمامُ البَاحِثِينَ عَلَى تَحْليلِ ظاهِرَةِ الشَّعْبَويَّةِ وَمُحاوَلَةِ تَقْديمِ تَعْريفٍ مُعَيَّنٍ لَهَا، وَانْتَهَوْا إِلَى تَأْكيدِ غِيَابِ تَعْريفٍ مُحَدَّدٍ لِهَذِهِ الظّاهِرَةِ، سَواءً تَمَّ رَبْطُها بِسِيَاقٍ خاصٍّ وَهُوَ مَا نَحْنُ بِصَدَدِ بَيانِهِ مِنْ نَموذَجٍ مُتَفَرِّدٍ فِي مَجالِ الخِطابِ السّياسيِّ أَوْ ضِمْنَ سِيَاقِ عَامٍ، وَأَقْصَى مَا يُمْكِنُ الْقِيَامُ بِهِ هوَ تَحْديدُ العَناصِرِ التَّحْليليَّةِ لِلظَّاهِرَةِ حَسَبَ سِيَاقِ نَشْأَتِهَا وَشُروطِ تَناميها .

 وَقَدْ كَانَتْ إِشْكاليَّةُ تَعْريفِ الشَّعْبَويَّةِ فِي الخِطابِ السّياسيِّ مِنْ القَضَايَا اَلَّتِي ظَلَّتْ عالِقَةً ، حَيْثُ اهْتَمَّ البَاحِثُونَ بِمَعْرِفَةِ الأُسُسِ اَلَّتِي يَبْني عليها كُلُّ زَعيمٍ سياسيٍّ مُقَوِّماتِ خِطابِهِ الشَّعْبَوِيِّ لِلتَّمَوُّقُعِ الفَعّالِ داخِلَ الحَقْلِ السّياسيِّ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَعْرِفُهُ هَذَا الحَقْلُ مِنْ تَعْقيداتٍ سَواءً عَلَى مُسْتَوَى المَنْهَجِ أَوْ التَّطْبيقِ .

1/ الشَّعبَويَّةُ في الخطاب بين السياسي والإيديولوجي:

من اَلْآكِدِ أَنَّ هَذَا المَفْهومَ يَتَأَسَّسُ عَلَى بُعْدٍ واحِدٍ هوَ المَعْنَى المُرادُ مِنْ مَفْهومِ الشَّعْبِ فِي حَدِّ ذاتِهِ. فَاَلْشَعْبَويَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهُ لَيْسَتْ إِلَّا إيديولوجْيا تَتَأَسَّسُ عَلَى تَقْسيمِ المُجْتَمَعِ إِلَى قِسْمَيْنِ مُنْفَصِليْنِ ومُتَضاِّدينِ، وَهُمَا "الشَّعْبُ الطّاهِرُ" مِنْ جِهَةٍ ، فِي مُقابِلِ"النُّخْبَةِ الفَاسِدَةِ" مِنْ جِهَةٍ ثانيَةٍ، أو الشّرعيّة والمشروعيّة وفق تفسير طوباويٍّ يدّعي لنفسه الحقّ.

تُعْلِنُ الفِئَةُ الأُولَى مِنْ النُّخْبَةِ السّياسيَّةِ فِي كُلِّ مُناسَبَةٍ اسْتِعْدادَها لِلدِّفَاعِ عَنِ الشَّعْبِ وَعَنْ هويَّتِهِ وَثَقافَتِهِ وَمَصالِحِهِ ، وَتَعْتَبِرُهُ مَصْدَرَ المَشْرُوعِيَّةِ السّياسيَّةِ ، بَيْنَمَا تُعْتَبَرُ الفِئَةُ الثّانيَةُ مِنْ هَذِهِ النُّخَبِ أَنَّهَا لَا تُدافِعُ إِلَّا عَنْ الإِرادَةِ العامَّةِ وَعَنْ تَوَجُّهاتِ السُّلْطَةِ المَرْكَزيَّةِ ، دُونَ التَّسْليمِ بِاَلْحَوْكَمَةِ كَمَا أَقَرَّهَا الدُّسْتورُ. فَاَلْنُخَبُ السّياسيَّةُ فِي مُخَيِّلَةِ صاحِبِ الخِطابِ الشَّعْبَوِيِّ لَيْسَتْ إِلَّا لوبيّاتٍ تُدافِعُ عَنْ مَصالِحِها الخاصَّةِ مُسْتَغِلَّةً النُّفوذَ اَلَّذِي توَفِّرُهُ لَهَا الدَّوْلَةُ فِي نَفْسِ الِاتِّجاهِ .

وَثَمَّةَ مِنْ يُعيدُ تَنَامِي الخِطابِ الشَّعْبَوِيِّ إِلَى وُجودِ أَعْطابٍ مَنْهَجيَّةٍ بِالدِّيمُقْرَاطِيَّةِ المُعْتَمَدَةِ بِالْبَلَدِ خاصَّةً إِذَا تَخَلَّتْ عَنْ الشَّرْعيَّةِ الِانْتِخابيَّةِ كامِلَةِ الصُّلوحيَّةِ وَتَغْييرِها بِأُخْرَى تَمْثيليَّةٍ أَوْ تَوافُقيَّةٍ أَوْ غَيْرِها مِنْ الشَّرْعيّاتِ المُتَحيِّلَةِ عَلَى الشَّعْبِ. كَمَا أَنَّ اللُّجوءَ إِلَى تَوْظيفِ الخِطابِ الشَّعْبَوِيِّ فِي الحَمَلاتِ الِانْتِخابيَّةِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى تَيّارٍ سياسيٍّ مُعَيَّنٍ، أَوْ حَرَكَةٍ ذَاتِ خَلْفيَّةٍ أَيْديولوجيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ ، بَلْ يَهُمُّ جَميعَ أَطْيافِ التَّنْظِيمَاتِ السّياسيَّةِ ، سَواءٌ تَعَلَّقَ الأَمْرُ بِأَحْزابِ اليَمينِ أَوْ اليَسارِ أَوْ أَحْزابِ الوَسَطِ ولكن بِنِسبٍ متفاوتةٍ .

وَبِذَلِكَ يُشَكِّلُ تَقْسيمُ الشَّعْبِ واحْتِكارُ تَمْثيليَّتِهِ ، وَالدِّفَاعُ عَنْهُ وَعَنْ هويَّتِهِ الثَّقافيَّةِ ، وَتَّخْوينُ الآخَرِ ، بِاعْتِبَارِهِ مُدَافِعًا عَنْ مَصالِحِهِ الخاصَّةِ ، العَناصِرَ الأَساسيَّةَ المُعْتَمَدَةَ فِي الخِطابِ الشَّعْبَوِيِّ.

ولعلّ الإِطْلالَةُ الأُولَى عَلَى الكِتَابَاتِ اَلَّتِي تَنَاوَلَتْ ظاهِرَةَ الشَّعْبَويَّةِ تفيدُ فِي تَحْديدِ عَناصِرِ الظّاهِرَةِ وَمَعْرِفَةِ الظُّروفِ والشُّروطِ اَلَّتِي تُساعِدُ عَلَى انْتِشارِها وَتَجْعَلُ النّاسَ يَقْبَلونَ عَلَيْهَا، كَمَا تُفِيدُ كَذَلِكَ فِي فَهْمِ الشُّروطِ الِاجْتِماعيَّةِ والثَّقافيَّةِ اَلَّتِي تُساعِدُ الزُّعَماءَ السِّيَاسِيِّينَ عَلَى وَلوجِهِمْ إِلَى الحَقْلِ السّياسيِّ . فَهِيَ عَلَى العُمومِ ظاهِرَةٌ تَتَدَاخَلُ فِيهَا أَزْمَةُ تَدْبيرِ الشَّأْنِ السّياسيِّ بِالْبَلَدِ ، وَأَزْمَةُ تَحْقيقِ مِثْلِ هَذِهِ الخِطَابَاتِ الشَّعْبَويَّةِ جَانِبًا مَا مِنْ المَفْعوليَّةِ داخِلَ الحَقْلِ السّياسيِّ .

وَفِي المُحَصِّلَةِ تَخْتَلِفُ التَّفاسيرُ اَلَّتِي تُبَرِّرُ إِقْبالَ النّاسِ عَلَى دَعْمِ الزُّعَماءِ أَوْ الأَحْزابِ اَلَّتِي تَتَبَنَّى الخِطابَ الشَّعْبَوِيَّ مِنْ مِنْطَقَةٍ إلى أُخْرَى. فَفِي مَقالٍ مُشْتَرَكٍ لِمَجْموعَةٍ مِنْ البَاحِثِينَ حَوْلَ مِنْ يَدْعَمُ الشَّعْبَويَّةَ فِي أَمْريكا اللَّاتِنِيَةِ ، وَمَا اَلَّذِي يَجْعَلُ النّاسَ يَقْبَلونَ عَلَيْهَا ؟ أَقَرّوا بِأَنْ لَا تَأْثيرَ لِهَذَا الخِطابِ عَلَى قَراراتِ الزُّعَماءِ السِّيَاسِيِّينَ وَعَلَى الِاخْتياراتِ الحُكوميَّةِ ، سَواءٌ تَعَلَّقَ الأَمْرُ بِالْمَجَالِ السّياسيِّ أَوْ مَا يَتَرَتَّبُ عَنْهُ فِي المَجَالَيْنِ الِاجْتِماعيِّ والِاقْتِصاديِّ . أَمَّا الصِّنْفُ الثَّانِي اَلَّذِي يُنْظَرُ إِلَى وُجودِ فَعاليَّةٍ داخِليَّةٍ لِلنِّظَامِ السّياسيِّ، فَيَعْتَبِرُ أَنَّ مُشارَكَتَهُ فِي العَمَليَّةِ السّياسيَّةِ مُؤَثِّرَةٌ عَلَى قَراراتِ الزُّعَماءِ الحِزْبِيِّينَ وَغَيْرِ الحِزْبِيِّينَ، وَلَهَا نَفْعٌ عَلَى الحَياةِ الِاجْتِماعيَّةِ والِاقْتِصاديَّةِ.

إِنَّ غِيَابَ فَعاليَّةِ النِّظامِ السّياسيِّ تُفَسِّرُ مَعَ عَوامِلَ أُخْرَى مَدَى إِقْبالِ النّاسِ عَلَى تَبَنّي مَواقِفَ شَعْبَويَّةٍ وَتَجْسيدِها فِي اَلْمُمارَساتِ اَلسّياسيَّةِ المُعْتادَةِ كَاَلْتَصْويتِ عَلَى أَحْزابِ اليَمينِ اَلَّتِي غَالِبًا مَا تَتَبَنَّى خِطَابًا مُتَمَرْكِزًا عَلَى الهويَّةِ، أَوْ اليَسارِ الِاجْتِماعيِّ اَلَّذِي يَتَبَنَّى هُمومَ الفُقَراءِ وَاَلْكادِحينَ ولكنه يعادي هوية الشعب ومقوّمات ثقافته الأصيلة.

عَلَى أَنَّ طَبيعَةَ الظُّروفِ الِاجْتِماعيَّةِ ، وَضَعْفَ الثِّقَةِ فِي النِّظامِ السّياسيِّ تُعَدُّ إِحْدَى أَهَمِّ العَناصِرِ اَلَّتِي تَجْعَلُ النّاسَ يُقْبِلونَ عَلَى دَعْمِ الخِطابِ الشَّعْبَوِيِّ وَاسْتِهْلاكِهِ وَتَرْويحِهِ دون الانتباهِ إلى الخلفيةِ الإيديولوجيةِ التي تلفُّ صَاحبَ الخطابِ، وهو تَمَامًا ما حَصَلَ في حالة الرئيسِ سعيّدٍ.

 وَهَكَذَا يَتَأَسَّسُ الخِطابُ السّياسيُّ الشَّعْبَوِيُّ عَلَى مَجْموعَةٍ مِنْ اَلْأَشْراطِ ، مِنْهَا مَا لَهُ عَلاقَةٌ بِالْأَوْضَاعِ الِاجْتِماعيَّةِ والِاقْتِصاديَّةِ لِلنَّاخِبِينَ، وَمِنْهَا مَا يَرْتَبِطُ بِطَبِيعَةِ النِّظامِ السّياسيِّ القائِمِ، وَالَّتِي تَتَمَيَّزُ بِوُجُودِ مَنْظومَةٍ قانونيَّةٍ وَدُسْتوريَّةٍ تَعْمَلُ عَلَى تَسْييجِ كُلِّ خِطابٍ لَا يَتَمَاشَى مَعَ المَنْظورِ الْعَامِّ لِتَوَجُّهاتِهِ، وَتَحُدُّ مِنْ ديناميَّةِ الأَحْزابِ السّياسيَّةِ القائِمَةِ وَصَلَاحِيَّاتِهَا .

2/ الشَعبَويَّةُ في الخِطابِ السياسي التونسي:

لَقَدْ مثْلَ الرَّئيسُ قَيْسُ سَعيّد ظاهِرَةً خَطابيَّةً يَتَحَرَّى فَصاحَةَ اللُّغَةِ وَيَقِفُ عَلَى تُخُومٍ بَعيدَةٍ فِي اَلْمُجازاتِ ، ويَسْتَعيِرُ مُصْطَلَحاتِهِ مِنْ قَواميسِ اللُّغَةِ فِي صَفائِها الأَوَّلِ ، وَيُحاوِلُ أَنَّ تَوائِمَ البِنْيَةِ الصَّوْتيَّةِ مُجْرَياتِ المَعْنَى وَيَعْكُفُ عَلَى أَنْ يَكونَ ذَلِكَ أُسْلُوبًا يُعْرَفُ بِهِ عَلَى حَدِّ عِبارَةٍ بيُفونَ "الأُسْلوبُ هوَ الإِنْسانُ" دُونَ أَنْ نَعْدِمَ مُحَاوَلَاتِهِ فِي إِتْباعِ النَّمَطِ الخَطّابيِّ لِلزَّعِيمِ القَوْميِّ جَمالِ عَبْدِ النَّاصِرِ اَلَّذِي أَغْرَقَ فِي الخَطابَةِ الحَماسيَّةِ اَلَّتِي تَتَحَرَّى فِي الأَشْكَالِ البُنْيَويَّةِ عَلَى حِسابِ المَعْنَى السّياسيِّ وإِلْهابِ الجَماهيرِ الْعَطْشَى لِرُوحِ التَّحَرُّرِ والنَّصْرِ عَلَى العَدوِّ الجاثِمِّ عَلَى الحُدودِ، وَالتَّبَاهِي بِالْعُنْصُرِ العَرَبيِّ مُقَدِّمَةً لِاسْتِرْجَاعِ المَجْدِ التّالدِ. وَتَتَجَلَّى العَناصِرُ الأَساسيَّةُ لِهَذَا الخَطّابِ، فِي اسْتِجْلابِ التَّعاطُفِ السّياسيِّ بِنَوْعٍ مِنْ المُخاتلَةِ اَلَّتِي تُلَامِسُ الشُّعورَ الدّينيَّ والْقَوْميَّ والْوَطَنيَّ بِالتَّرْكِيزِ عَلَى الْإِيهَامِ بِصَفاءِ اللُّغَةِ العَرَبيَّةِ عَنْ طَريقِ الِاسْتِغْراقِ فِي تَخَيَّرِ اللَّفْظِ القُرْآنيِّ وَاَلْحَديثيِّ مَعَ الِاسْتِشْهادِ بِالْآيَاتِ والْأَحاديثِ بِمُوجِبِ أَوْ دونِهِ وَقَدْ تَأْخُذُهُ اللُّغَةُ إِلَى تَخْميرَةٍ تَكونُ فِيهَا الحامِلُ والْمَحْمولُ، " أَنْتُمْ اَلَّذِينَ تُرِيدُونَ ذَلِكَ.. فَطُوبَى لَكُمْ لِأَنَّكُمْ أَنْتُمْ اَلَّذِينَ تُرِيدُونَ". وَقَوْلُهُ أَيْضًا " إِنَّ الوَسائِلَ القانونيَّةَ مَحْدودَةٌ وَلَكِنَّ إِرادَتَكُمْ غَيْرُ مَحْدودَةٍ وَحَتَّى تَصيرَ إِرادَةُ الشَّعْبِ قُدْرَةً، سَنَحْتَرِمُ الشَّرْعيَّةَ وَلَكِنَّ الشَّرْعيَّةَ يَجِبُ أَنْ تَكونَ مَشْروعَةً " فَهُوَ هُنَا يَقيسُ الكَلامَ وَيُقَارِنُ الأَطاريحَ وَيَبْسُطُ البَدائِلَ وَيَسْتَدْعي الإِمْكاناتِ وَيَقْلِبُها ويُمَحِّصَها وَيَرْسُمُ خُطَطًا ثُمَّ يَعْدِلُها وَقَدْ يَشْطَبُها فَيَبْدُو عَلَيْهُ الِارْتِباكُ، وَيَضْرِبُ عَلَى المَكْتَبِ وَيَلْعَنُ الدُّسْتورَ اَلَّذِي كَبَلْهُ والْقانونَ اَلَّذِي لَا يَمْنَحُهُ غَيْرَ إِرادَةٍ مَحْدودَةٍ ، ثُمَّ يُفَكِّرُ وَيُقَدَّرُ وَيوَّلّدُ المُفْرَداتِ المُتَقارِبَةَ فِي المَفْهومِ مِنْ مِثْلِ شَرْعيَّةٍ / مَشْروعيَّةٍ / شارِعيَّةٍ (دُسْتورُ حِيطَانِ الشَّوارِعِ)، وَإِرادَةٌ / يُرِيدُ. وهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي مُسْتَشَارِيه المُتَكاثِرينَ بِلَا سَبَبٍ أَوْ نَتيجَةٍ ، يَبْسُطُونَ عَلَيْهُ الرَّأْيَ والْمَشورَةَ وَيَلْعَنونَ الدُّسْتورَ سَوِيًّا لأنّه ضَيِّقَ عَلَيْهُمْ المَداخِلَ وَاَلْمَخارِجَ ، وَلَمّا آيِسوا التَجَأَ الرّئيسُ كَعَادَتِهِ إِلَى اللُّغَةِ يَتَفَقَّدُ إِمْكاناتِها فَتَخَذِّلَهُ إِمْكاناتُهِ وَمَا يُخَوِّلُهُ لَهُ الدُّسْتورُ زمنَ الثّورَةِ. ويظلُّ الرَّئيسُ مَشْغولا بِنَفْسِهِ مُنْشَغِلا عَن النّاسِ والجائعِينَ، بِخُصوماتِهِ الدُّسْتوريَّةِ التي لا تنتهي وَتَنَازَعِ الصَّلاحياتِ يُرِيدُ أَنَ يَكونَ الرَّئيسَ بِفَخامَةِ الِاسْمِ وَمُطْلَقِ السُّلْطَةِ لَا يُريَنَا إلَا مَا يَرَى وَلِلشَّعْبِ أنْ يُرِيدُ في مَا أرَادَ الرَّئيسَ وإلاّ فإنّ ذلك سيدخُلُ في عُرف الرّئيس تنازعٌ للإراداتِ ولا إرادةَ تعلو على ما يريدُ.

 وَما أكثر ما يدور خارجَ دائرة الفهم والإدراك، ولنا أن نعُدَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ هَفَواتِ الِارْتِجالِ لِكَثْرَةِ تُكَرِّرُهُ فِي الخِطابِ السَّعِيدِيِّ ، وَإِصْرارِهِ عَلَى مَلْءِ الفَراغاتِ الخَطابيَّةِ بِالتَّرَادُفِ اَلْمُصْطَلَحِّي أو التَّقابلِ أَوْ اَلْتَوْسيعِ فِي المَعْنَى حَتَّى لَا يَقَعَ فِي الْمَأْمَأَةِ أَوْ الْفَأْفْأَةِ أَوْ السُّكوتِ الْفَجْئِيِّ لِغِيَابِ الفِكْرَةِ أو دورَانُ المعنى في حلَقةٍ مُفرغَةٍ  أَوْ لِتَداخُلِ الأَفْكارِ أَوْ الِانْسياقِ فِي أَتونِ الخِطابِ الحَماسيِّ اَلَّذِي لَا يَبْحَثُ عَنْ المَعْنَى بِقَدْرِ بَحْثِهِ عَنْ إِحْداثِ الصَّدْمَةِ بِالْخُرُوجِ عَنْ العُرْفِ فِي الخِطابِ النَّمَطيِّ لِلرَّئِيسِ اَلَّذِي يُمَثِّلُ الجِنِرالُ ابْنَ عَلي أَرْقَى نَماذِجِهِ فِي سُلَّمِ اَلْقَهْرِ وَالتَّسَلُّطِ ، وَهُوَ اَلَّذِي يَسْكُنُ مُخَيِّلَةَ المُتَلَقّي حَيْثُ يَغْلِبُ عَلَيْهُ المُحاذَرَةُ وَعَدَمُ التَّطويحِ بَعِيدًا فِي المَعْنَى واسْتِعْمالِ لُغَةٍ خَشَبيَّةٍ وَلَكِنَّها بَسيطَةٌ مَفْهومَةٌ مَمْزوجَةٌ بِاَلْدارِجَةِ حَتَّى لِيَصِحَّ القَوْلُ فِيهَا إِنَّهَا فَصيحَةٌ مُدْرَجَةٌ أَوْ دارِجَةٌ مُفَصَّحَةٌ . وَكَأَنَّ الرَّئيسَ قَيْسَ سَعيد يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ مَعَ " الِابْتِذالِ اللُّغَويِّ " لِيَرْبُطَ السّامِعُ مُباشِرَةً مَعَ الصَّفاءِ اللُّغَويِّ بَاحِثًا عَنْ رُموزٍ ثَقافيَّةٍ أَوْ سياسيَّةٍ وَلِذَلِكَ كَانَ يَلُوذُ بِاَلْمُتَنَبّي الشّاعِرُ الشيعيُّ العلَويُّ اَلَّذِي مَلَأَ الدُّنْيَا وَشَغَلَ النّاسُ فَيَتَلَفَّعَ بِشَخْصِهِ ويُطَنبَ فِي مُماراةِ الفُصَحَاءِ وَكَثِيرًا مَا يَفُكُّ أَبْياتَ المُتَنَبِّي نَثْرًا وَيَتَعاطَفُ مَعَهُ فِي صِرَاعِهِ المُسْتَميتِ مَعَ الإِخْشيديِّ اَلَّذِي سَدَّ عَلَيْهُ مَنافِذُ الحُكْمِ وَطَوْقَهُ بِطَوْقٍ مِنْ اَلْأَمْنَياتِ حَتَّى صَارَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لِلْعَامَّةِ ، كَمَا تَلْفَّعَ بِشَخْصيَّةِ الفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رمز السّنّة ورأس الحربة في كسر مملكة الفُرسِ لِلْإِيهَامِ بِالْعَدْلِ وَدَفْعِ تُهْمَةَ التَّشَيُّعِ اَلَّتِي كَانَتْ تُحاصِرُهُ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ في كونه نصيرًا لأحفادِ أبي لؤلؤة المجوسي، والحالُ أنّه مِنْ رَفْعِ لِواءِ المُقاوَمَةِ لِلصَّهَايِنَةِ عَالِيًا برفعِهِ تهمةَ الخيانةَ العظمى في وجه المطبّعين مع الكيان الغاصبِ . عَلَى أَنَّ هَذَا الخِطابَ لَمْ يَكُنْ يَسْتَهْدِفُ مُخَاطَبًا وَاحِدًا إِذْ كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الأَنْصارِ وَاَلْخُصومِ بِمُخْتَلِفِ تَوَجُّهَاتِهِمْ الفِكْريَّةِ والْإيديولوجيَّةِ ، فَكَانَ فِي عُمومِهِ خِطَابًا شَعْبُويًّا تَعْبَويًّا بِشِحْنَةٍ دينيَّةٍ تَمْتَحُ مِنْ المَوْروثِ السّياسيِّ إِذْ يَتَمَرْكَزُ حَوْلَ الهويَّةِ فِي بَعْدِهَا الدّينيِّ، بِنَوْعٍ مِنْ التَّذْكيرِ بِالْمَجْدِ الغابِرِ والْوُعودِ بِالنَّصْرِ القادِمِ عَلَى الفَسادِ وَالمُفْسِدِينَ اَلْقابِعينَ فِي عَيْنِ الظَّلامِ ، وَهُوَ يَبْطَّنُ الوَعْدَ لِلْمُنْخَرِطِينَ فِي مَشْروعِهِ التَّعْبَويِّ ثُمَّ لِكَافَّةِ الشَّعْبِ بِالْآفَاقِ الرَّحْبَةِ شَرِيطَةَ الالتزامِ بِالصَّبْرِ وَتَبَنّي القيَمِ المَرْجِعيَّةِ لِلِّجَانِ المُفْتَرَضَةِ اَلَّتِي سَتَقُودُ البِلادَ إِلَى بَرِّ الأَمانِ . وَكَثِيرًا مَا يَكْتَسِبُ هَذَا الخِطابُ شَكْلًا تَبْريريًّا وَهُجوميًّا فِي أَحايينَ كَثيرَةٍ عَلَى خَصْمِ عَتِيدِ مَعالِمَهُ غَيْرَ واضِحَةٍ وَهُوَ فِي الغالِبِ الأَعَمِّ يَعْتَمِدُ الهُجومَ عَلَى المُنَافِسِينَ الآخَرِينَ ، إِمَّا بِكَيْفيّاتٍ مُباشِرَةٍ أَوْ عَبْرَ الإِيحَاءَاتِ، كَمَا يَرْتَكِزُ عَلَى تَمْجيدِ الذّاتِ وَإِبْرازِ صِدْقِها وَطَهْرَانِيتِهَا . وَكَثِيرًا مَا يَجْنَحُ إِلَى خِطابٍ يُمَجِّدُ فِيه الآخَرَ فَيَبْرُزُ مِحْوَريَّةَ الشَّعْبِ التّونِسيِّ كَحُكْمٍ بَيْنَ الفُرَقاءِ السِّيَاسِيِّينَ وَالإِشَادَةِ بِذَكَائِهِ فِي إِبْرازِ مِنْ يَكْذِبُ عَلَيْهُ وَمَن يَقُولُ لَهُ الحَقيقَةَ، كَمَا يُدَافِعُ عَنْ القَراراتِ الرِّئاسيَّةِ وَعَنْ صوابيَّةِ اخْتياراتِها وَتَسْفيهِ المُنَافِسِينَ المُفْتَرَضينَ. وَهُوَ يَتَخَفَّى وَراءَ الدِّفَاعِ عَنْ الفِئَاتِ الهَشَّةِ فِي المُجْتَمَعِ مِنْ خِلالِ إِبْرازِ الإِنْجَازَاتِ اَلَّتِي يَزْمَعُ تَحْقيقَها فِي المُسْتَقْبَلِ المَنْظورِ لِصَالِحِ هَذِهِ الفِئَاتِ مع الحرص على افتكاكِ مساحاتٍ من دائرةِ الإسلاميينَ الأكثرَ شَعبيَّةً في البِلادِ، وهو في الحقيقةِ خِطابٌ مُراوِغٌ لَا يُقَدِّمُ أَجْوِبَةً صَريحَةً وَمُقْنِعَةً عَنْ القَضَايَا اَلَّتِي يُثِيرُهَا الرَّأْيُ العامُّ، أَوْ الكُتَلُ النّيابيَّةُ داخِلَ البَرْلَمانِ بِخُصُوصِ مَسائِلَ هِيَ مِنْ صُلْبِ رِئاسَةِ الجُمْهُورِيَّةِ حتّى اتهمه خصومُهُ ب"الرئيس المعارضِ"، ولعلَّ أَوَّلَ هَذِهِ القَضَايَا وَأَوْكَدَها الِاعْتِذارُ بِاسْمِ الدَّوْلَةِ الوَطَنيَّةِ عَمَّا صَدَرَ مِنْ سَلَفِهِ مِنْ جَرائِمَ تُجاهَ فِئَةٍ مِنْ شَعْبِهِ شَهِدَ بِهَا الْقَاصِّيَ والدّاني وَاشْتَغَلْتَ عَلَيْهَا هَيْئَةُ الحَقيقَةِ وَالكَرَامَةِ وَمِن قَبْلِها وِزارَةُ حُقوقِ الإِنْسانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ قوَى المُجْتَمَعِ المَدَنيِّ وَكَانَتْ نَموذَجًا يُمْكِنُ أَنْ تَبْنيَ عَلَيْه الشُّعوبُ المَقْهورَةُ اَلَّتِي تَثُورُ عَلَى الظُّلْمِ، وَلَكِنَّ الرَّئيسَ سَعيدٌ مَازَالَ يُماطِلُ وَيُسَوِّفَ وَهُوَ اَلَّذِي وَصَلَ إِلَى سُدَّةِ الحُكْمِ بِأَصْواتِ هَؤُلَاءِ المَقْهُورِينَ اَلَّذِينَ اخْتَارُوا طَريقَ الْقَانُونِ فِي نَيْلِ حُقوقِهِمْ، وهوَ فِي المُقابلِ يسمعُ صَوتَ أحَدِ المَقهُورِينَ يَشتُم الدَّولةَ فيهُبُّ نَصيرًا منافحًا عن الدَّولَةِ ورَأسِهَا العَتِيدِ .

وَفِي المُحَصِّلَةِ فَإِنَّ خِطابَ سَعيدٍ تَقُودُهُ سياسَةٌ مُنْغَلِقَةٌ عَلَى ذَاتِهَا تَدُورُ فِي حَلْقَةٍ مُفْرَغَةٍ وَتَتَقَدَّمُ نَحْوَ الفِعْلِ السّياسيِّ بِشَكْلٍ لَوْلَبيٍّ وَهُوَ مَا يُغَطّي المِساحَةَ الفاصِلَةَ بَيْنَ التَّرْقيعِ والتَّوْقيعِ أَوْ بَيْنَ التَّطْويعِ والتَّطْبيعِ، يتلفّعُ بالطُّهُوريَّةِ ويجنحُ إلى دنسِ السياسةِ المُخاتِلَةِ التي تضربُ الخصمَ في الظهرِ بعدما وثق بهِ وأعطاهُ العهدَ والأمانَ. وَتَظَلُّ هَذِهِ السّياسَةُ غامِضَةً لَمْ تَكْشِفْ عَنْ نَفْسِها بَعْدُ وَلَكِنَّها مُغَلَّفَةٌ بِالْأَخْلَاقِ والدّينِ والْعُرْفِ وبعضِ المبادئِ وكثيرِ من الشعبويّةِ.. وَهُوَ بذلك يَهْدِفُ إِلَى الحِفاظِ عَلَى المَسارِ وَتَقْويَةِ التَّلاحُمِ الدّاخِليِّ لِلْأَعْضَاءِ المُفْتَرَضينَ لِلِّجَانِ الشَّعْبيَّةِ اَلَّتِي تُمَثِّلُ فِي التَّصَوُّرِ السَّعِيدِي أَساسَ المَشْروعِ السّياسيِّ اَلَّذِي يَطْرَحُهُ بَدِيلًا فِي الحُكْمِ ، وَلعلَّهُ يَرْمِي إِلَى كَسْبِ المَزيدِ مِنْ التَّمَوْقُعِ داخِلَ النِّظامِ السّياسيِّ الجَديدِ رَغْمَ اسْتِماتَةِ الحَرَسِ القَديمِ من منتسبي التجمّعِ واليسارِ، عَلَى عَدَمِ إِخْلاءِ مَواقِعِهِمْ بِتَعْلَاتٍ واهيَةٍ لَفْظِها الزَّمَنُ الثَّوْريُّ ولكنّهم مازالوا يَشُطُّونَ ويستخفون وراء المنظمات الاجتماعيّةِ والمدنيّة.

والْحَقيقَةُ أَنَّ صَناديقَ الِاقْتِرَاعِ قَدْ أَبَانَتْ عَنْ اكْتِساحٍ غَيْرِ مَسْبُوقٍ لِشَخْصيَّةٍ سياسيَّةٍ قادِمَةٍ مِنْ عُمْقِ الشَّعْبِ ( أو هكذا ظنَّ النّاسُ)، وَلِذَلِكَ شَكَّلَ لَفْظُ الشَّعْبِ فِي خِطابِ سَعيدٍ أَحَدَ أَهَمِّ مَفاتيحِ تَحْليلِ خِطابِهِ السّياسيِّ ، فَاَلْكَلِمَةُ تَتَكَرَّرُ بِكَيْفيَّةٍ مُنْتَظِمَةٍ غَيْرَ أَنَّ تَوْصيفَ الشَّعْبِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المَجالِ والسّياقِ اَلَّذِي يُخاطِبُ مِنْهُ الرَّئيسُ مُخاطَبيه . وَلَكِنَّهُ يَقومُ عَلَى الإِشادَةِ بِذَكاءِ الشَّعْبِ التّونِسيِّ وَتَيَقَّظِهِ فِي التَّمْييزِ بَيْنَ مِنْ يَكْذِبُ عَلَيْهُ وَمَن يَقُولُ لَهُ الحَقيقَةُ . وَأَنَّ لِلشَّعْبِ قُدْرَةً هائِلَةً عَلَى التَّمْييزِ بَيْنَ الصّادِقِ والْكاذِبِ، وَيَعْتَبِرُ أَنَّ الأَحْزابَ واهِمَةٌ فِي تَمْثيليَّتِها لِلشَّعْبِ حِينَمَا اعْتَقَدَتْ ذَلِكَ وَلَعَلَّهُ يَجْعَلُ مِنْ هَذِهِ الفَرْضيَّةِ مُقَدِّمَةً لِرَفْضِ مَجْلِسِ النّوّابِ رَغْمَ أَهَمّيَّتِهِ فِي النِّظامِ السّياسيِّ الجَديدِ فِي تونِسَ الثَّوْرَةِ، وهو ما يد يُعطي الفرصة للمتصيّدين في الماء العكر من تنفيذ أجندات عجزوا عنها بالطرق الشرعية وهو ما قد يصيب الديمقراطية الناشئة في مقتلٍ وقد ظلّت تونسُ في منأى عنِ الاحتِرابِ الأهْلي بفضلِ النَّأي بالنَّفسِ عن مثل هذه الشَّعبويةِ المَقيتةِ.

وَقَدْ يَتَغَيَّرُ خِطابُ الرَّئيسِ حِينَمَا يَكونُ أَمَامَ المُتَعَاطِفِينَ مَعَ أَفْكارِهِ اَلَّتِي أَصْبَحَتْ مَعْلومَةً لِلْجَمِيعِ وَحينَها فَقَطْ تُصْبِحُ لِلشَّعْبِ ثَقافَةٌ سَلْبيَّةٌ يَنْبَغِي تَغْييرُها، فَرِهانُ الرَّئيسِ هوَ دَوْلَةٌ فِي خِدْمَةِ الشَّعْبِ تَعْتَمِدُ اللِّجانَ الشَّعْبيَّةَ الجِهَويَّةَ وَتَكفُرُ بِاَلْبيروقْراطيَّةِ نَظَرِيًّا عَلَى الأَقَلِّ لِأَنَّ هَذِهِ الفَرْضيَّةَ سَقَطَتْ فِي أَوَّلِ امْتِحانٍ تَنازَعُ السُّلَطِ بين الرئاسةِ والبرلمانِ.

و يَرَى السَّيِّدُ الرَّئيسُ أَنَّ مُشْكِلَ تونِسَ فِي العَقْليّاتِ وَسيادَةِ عَقْليَّةِ التَّحَكُّمِ لِفِئَةٍ مِيلِيشْيَاوِيَّةٍ تَنْفُذُ مِنْ الِاقْتِصادِ إِلَى السّياسَةِ عَبْرَ الفَسادِ المُسْتَشْرِي فِي كُلِّ مَفاصِلِ الدَّوْلَةِ ، لِهَذَا يَتَطَلَّبُ الوَضْعُ إِصْلاحَ الثَّقافَةِ الشّائِعَةِ فِي المُجْتَمَعِ، وَإِصْلاحَ العَلاقاتِ اَلَّتِي تَرْبُطُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ أَجْهِزَةِ الحُكْمِ .

إِنَّ الخِطابَ السَّعِيدِيَّ إِذَنْ مَازَالَ مَشْدُودًا إِلَى الشَّعْبَويَّةِ في شكلها البسيط المتعالي عن الواقع والمشحون بطوباويةٍ هي أقربُ إلى الحُلُمِ، وَلَكِنَّهُ ظَلَّ فِي طَوْرِ التَّحَوُّلِ مِنْ الِاقْتِصارِ عَلَى تَبَنّي الشِّعاراتِ الطَّرْبَاوِيَّةِ اَلَّتِي تُذْكَرُ بِخِطابِ العقيد القذافي أحيانا وأحيانا أخرى بخطاب جَمالِ عَبْدِ النَّاصِرِ الموغل في النرجسيّة وتعشّق الذّاتِ وهو اَلَّذِي ظَلَّ يُحْلِمُ الْحُوتَ بالتِهامِ أَجْسادَ الصَّهايِنَةِ وَيُرَتِّبُ بَيْتَهُ الدّاخِليَّ عَلَى وَقْعِ الصِّدامِ مَعَ الْكِيَانِ الصَّهْيونيِّ الغاصِبِ لِأَرْضِ فِلَسْطينَ بمحاربة أكبر فصيلٍ  ليَسْقُطَ أَمَامَ أَوَّلِ اخْتِبارٍ حَقيقيٍّ فِي مُجابَهَةِ إِسْرائيلَ عَسْكَرِيًّا لتظلَّ أكبر هزيمة في تاريخ العربِ تغيّرت بها خارطة فلسطين. وقد بدا خطابُ قَيْسٍ سَعيدٍ حِينَمَا وَرَّطَ كُلُّ الأَعْداءِ التّاريخيّيْنَ لِلصَّهْيُونِيَّةِ مِنْ إِسْلَامِيِّينَ وَقَوْمِيِّينَ وَيَسَارِيِّينَ بِمَقولَتِهِ الشَّهيرَةِ فِي ال " خيانَةُ العُظْمَى " وَلَكِنَّ ذَلِكَ يَظَلُّ الجانِبَ الْأَدَاتِيَّ فِي المُمارَسَةِ الدّيمُقْراطيَّةِ فِي بَعْدِهَا الهِّلاميِّ وَاَلْنَظَريِّ .

خاتمة:                  

لَقَدْ بَدَا الخِطابُ السياسي التونسي ونخصّ خطاب الرَّئيسِ قَيْس سَعيدٍ مُوغِلًا فِي الشَّعْبَويَّةِ خارِجَ دائِرَةِ الفِعْلِ الرِّئاسيِّ اَلَّذِي يَضْمَنُهُ الدُّسْتورُ، سُلاحَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَدَواتٌ مَفْهوميَّةٌ تَمْتَحُ مِنْ فِقْهِ الدُّسْتورِ وَإيغالٌ فِي اللُّغَةِ بِاللُّغَةِ يُجَرِّبُ أَساليبَها وَقُدُرَاتِهَا فِي التَّعْبيرِ عَنْ مَقاصِدَ لَمْ تَتَّضِحْ لَهُ بَعْدُ ، وَلَعَلَّ المَقْصِدَ الوَحيدَ الواضِحَ هوَ رَفْضٌ مُبْرَمٌ لِنِظامِ الحُكْمِ يَسْلُبُهُ الإِرادَةَ والْفِعْلَ وَيُسَلِّمُها لِشُرَكاءَ يَقْتَسِمونَ مَعَهُ الحُكْمَ وَهُوَ مَا لَمْ يَسْلَمْ بِهِ بَعْدُ ، وَيَعْمَلُ عَلَى جَعَلِهِ وَاقِعًا مُسْتَغِلًّا ضَعْفَ الدَّوْلَةِ وارْتِباكُ الأَحْزابِ وَضَعَةُ الشَّعْبِ المُكَبَّلِ بِاَلْأَوْبِئَةِ والتَّفْقيرِ وانْقِسامِه عَلَى نَفْسِهِ فِي ظِلِّ المُماحَكاتِ السِّيَاسِوِيَّةِ اَلَّتِي لَمْ يَرْبَحْ مِنْهَا غَيْرَ العَطالَةِ وَالبُؤْسِ الحَقيقيِّ اَلَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهُ الرَّئيسُ فِي خِطاباتِهِ المُتَكَاثِرَةِ فِي ثَكَناتِ العَسْكَرِ يَسْتَقْوِي بِهِ عَلَى خَصْمٍ عَنيدٍ مُسْتَمْسَكٍ بِوهُمِهِ مُتَلَبِّسٍ بِهِ .

ومِنْ خِلالِ تَتَبُّعِ تَكْرارِ الكَلِماتِ اَلَّتِي تُحيلُ عَلَى الحَقْلِ الدِّلاليِّ لِلْمَنْظُومَةِ السّياسيَّةِ اَلَّتِي يُبَشِّرُ بِهَا سَعيدٌ وَهِيَ مَنْظومَةٌ تَرْتَكِزُ عَلَى فَهْمِ مَقاصِدِي لِلشَّرِيعَةِ الإِسْلاميَّةِ ، وَيَتَّضِحُ حُضورُ هَذَا البُعْدِ المَرْجِعيِّ فِي الخِطَابَاتِ الموَجَّهَةِ لِلشَّعْبِ وَالمُتَعَاطِفِينَ مَعَهُ بِشَكْلٍ أَكْبَرَ مِمَّا يوجَدُ فِي بَاقِي الخِطَابَاتِ الأُخْرَى بِمَا فِيهَا الخِطابُ النَّهْضُوِيُّ بَعْدَ المُرَاجَعَاتِ العَميقَةِ اَلَّتِي أَحْدَثُها فِي المُؤْتَمَرِ العاشِرِ، وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ مِنْ خِلالِ اسْتِعْمالِ الرُّموزِ الدّينيَّةِ ، والْآياتِ القُرْآنيَّةِ ، والْأَحاديثِ النَّبَويَّةِ ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى حُضورِ مُصْطَلَحاتٍ أُخْرَى مُسْتَقاةٍ مِنْ المَرْجِعيَّةِ الدّينيَّةِ الإِسْلاميَّةِ مِنْ قَبيلِ العَدْلِ والثِّقَةِ بَيْنَ الفُرَقاءِ، والصَّبْرِ عَلَى الضَّيْمِ والْفَقْرِ والتَّهْميشِ وَفَسادِ الطَّبَقَةِ السّياسيَّةِ وبؤسها المستطيرِ إِلَى حِينِ يستتبُّ له الأمرُ وتتطابقَ الإراداتُ المتنازعَةُ مع هواهُ في الحكم المطلق من كلّ مساءلةٍ ولو كان مجلس الشّعب المنتخبِ. وهو ما يؤكد أن هَذَا النَّوْعَ مِنْ الخِطابِ قد ركب صاحبه صهوة فرسٍ جموحٍ ومَازَالَ يُلهِّدُه في أرض رجراجَةٍ، ويَسْبَحُ بخياله اللغوي الفضفاض فِي أتون الشَّعْبَويَّةِ يَتَحَيَّزُ الطَّهوريَّةَ السّياسيّةَ في واقع لطالما وصفه بالبُؤسِ وَيُمَنِّيُّ شَعْبَهُ بِالْفِعْلِ مَتَى اسْتَقَامَ لَهُ الأَمْرُ وبسطَ نفوذَهُ على مؤسَّسات الدَّولةِ الجامحَةِ باسم الثورَة أحيانا وباسم الديمقراطيّةِ أحَايينَ أُخرى.

الدكتور محمد التومي ( باحث تونسي)

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك