القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

السياسي في مواجهة الثقافي من خلال تقرير لجنة الحريات الفردية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-08-10 17:35:00 | 454 مشاهدة

 

ملخص :

نشرت لجنة الحريات الفردية والمساواة التي شكلها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي  تقريرها الذي تضمن  مقترحات تخص اعادة النظر في قوانين الأسرة والأحوال الشخصية،وقالت اللجنة إنها عرضت تقريرها للعموم قبل تقديمه رسميل للرئاسة التونسية  من أجل تعميق النقاش حول ما تضمنه من مقترحات. وقد أثار التقرير في نسخته الأولى  جدلا كبيرا في الأوساط العلمية والمجتمعية والسياسية التونسية حول مخرجاته  واختلفت المواقف حوله بين مؤيد يراه تطورا نوعيا في مجال الحريات في تونس بعد مجلة الأحوال الشخصية التي أنجزت غداة الاستقلال  ومعارض منتقد يرى في التقرير  نقضا للمرجعيات التي بنى عليها التونسيون نظام اجتماعهم المدني والسياسي . و كان أبرز وجه للخلاف  في مخرجات هذا التقرير علاقتها بالنصوص الإسلامية و أحكام الدين في قضايا الأسرة  والأحوال الشخصية  وهو الموضوع الرئيس في التقرير  فقد ذهب بعض المنتقدين إلى اعتبار التقرير متضاربا مع نصوص قطعية لا اجتهاد معها من القرآن الكريم. وما يزال الجدل مستمرا في انتظار أن يقدم المشروع إلى البرلمان في صيغة نهائية  وتتم المصادقة عليه أو رفضه ،وحتى ذلك الحين رأينا أن نتفاعل مع مخرجات التقرير  تفاعلا علميا أكاديميا بعيد عن التشنج وردات الفعل الانفعالية  فنبرز وجوه النقص و الهنات التي رأيناها في هذه المخرجات.

مقدمة:

أصدرت لجنة الحريات الفردية والمساواة التي شكلها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في 13 أوت 2017 أصدرت تقريرها  المتضمن لخلاصة عملها  وتوصياتها  للرئيس بشأن موضوع احداثها   وهو " .. الإصلاحات   المرتبطة بالحريات الفردية والمساواة  استنادا إلى مقتضيات دستور 2014 والمعايير الدولية لحقوق الإنسان و التوجهات المعاصرة في مجال الحريات والمساواة "[1]وجاء في التقرير جملة من التوصيات  والمقترحات أثارت جدلا كبير في الأوساط الدينية والشعبية والأكاديمية التونسية   خاصة من علماء  جامعة الزيتونة  و أساتذتها الذين اعتبروا التقرير مناف لنصوص القرآن القطعية، ونحاول من جهتنا  المساهمة في هذا النقاش من زاوية أكاديمية بعيدا عن التشنج والانفعال

منهج التعامل مع التقرير:

سنعتمد  منهج تحليل الخطاب في قراءتنا للتحليل  فهو المنهج الأنسب في نظرنا لدراسة لغة الخطاب إذ هو يساعدنا " على تجاوز فهم ما يقوله الخطاب، إلى فهم كيف يقول بغرض تحقيق وعي أوسع له، من خلال تجاوز الحدود الوصفية للجملة، ثم كشف الرابط بين اللغة والثقافة[2]. فنحن أمام خطاب تمثل السلطة مركزه، وهو ما يفرض علينا تحديد ما إذا كانت لغة الخطاب محايدة في التواصل بين أفراد الاجتماع السياسي  أم مراوغة؟ أم كانت تصف الواقع؟ أم تصنع عالمها الخاص كما يعتقد السيمائيون؟ وذلك استدعى منا التوقف عند مفردات خطاب  التقرير من إشارة للمكان والزمان والعلاقة والسياق ومن التفاعل الذي يقوم على ترابط مع جهة معيّنة أو الانفصال عن أخرى.

ثمّ إننا نستعين ضمن منهج تجليل الخطاب بالتحليل الإدراكي الذي يربط بين  بنية الخطاب السياسي من ناحية وبنية السياق السياسي للخطاب[3] وتتركز عملية الربط هذه بين النص السياسي وبين توزيع السلطة في السياق المجتمعي

قراءة في التقرير

*شكلا

من حيث الشكل التقرير نص مرفوع لرئيس الدولة  وقد حدد هويته بشكل مباشر وواضح بخطاب  نداء إلى رئيس الجمهورية  "ترفع لكم اللجنة  التي أذنتم بإحداثها "[4]

  والنظر في لغة الخطاب يقف على غياب أداة النداء أو إضمارها ثم إضافة اللجنة إلى الرئيس وبقدر ما يوحي غياب أداة النداء بوجود علاقة حميمية بين المنادي والمنادى إلا أن الإضافة التي لحقت بعد ذلك تخفض من درجة هذه العلاقة وتجعل المنادي في وضع الدون ومجرد مكلف بمهمة  تفترض التقليص من هامش  الاجتهاد لأعضاء اللجنة

*مضمونا

بعد هذا التقديم قامت اللجنة بتحديد  مرجعيات عملها وهي ثلاث مرجعيات:

 مقتضيات الدستور وقد وردت هنا مبهمة  دون ضبط  وفيها ترجيح أول يفترضه سياق النص وهو مقتضيات الدستور المتعلقة بالحريات الفردية  وتأويل ثان يكشفه ما ثار حول مهمة اللجنة في وسائل الإعلام وما تضمنه التقرير نفسه كما سنرى من بعد ويتعلق بمقتضيات الدستور الخاصة بالتنصيص على دين الدولة .

المرجعية الثانية  المعايير الدولية لحقوق الإنسان  وهذه المرجعية جاءت محددة ومضبوطة ولا تحتمل التأويل رغم ما تثيره من جدل حول كونيتها والتزام  الجميع بها وليس هذا موضع نقاشه .

المرجعية الثالثة  التوجهات المعاصرة في مجال الحريات والمساواة  وهذه أيضا مرجعية مفتوحة وعامة ومطلقة تحتمل تأويلات  وتمنح اللجنة فرصة للمخاتلة  ويبدو أن ورودها بهذا الانفتاح  الكبير مقصود لذاته  لوضع حد لاعتراضات ممكنة ضد توصيات اللجنة

قراءة في خطاب المرجعيات

لا يجد قارئ التقرير اشكالا في الوقوف على المرجعية المعتمدة والغالبة على رؤية اللجنة لمختلف القضايا المطروحة وهي مرجعية مستمدة من الايمان بمركزية  الثقافة الغربية وما أنتجته من قيم تزعم أنها كونية و جعل النموذج الغربي "ذاتا" تدرس من خلالها "الموضوع" الذي هو الفكر  الإسلامي بما جعل النتائج في مجملها تقفز على الخصوصية أو تضبط دراسة كل موضوع داخل حدود التاريخ الأوروبي الخاص،وفي الحقيقة فإن هؤلاء  تجاهلوا ما توفره لهم مناهج البحث الغربية نفسها من آليات فهم ودراسة تسمح لهم بمراعاة هذه الخصوصية لكن يبدو أن تغييبها مقصود فهؤلاء رغم كل شئ لم يراعوا أن هذه المرجعية ما فتئت عرضة للنقد من داخل مفكري الغرب أنفسهم الذين شككوا في كونيتها ورفضوا مركزيتها ودافعوا عن مفهوم الخصوصية الثقافية[5]

والنتيجة الأولى لتحليل خطاب ضبط المرجعيات  توحي بوجود مخاوف كبيرة لدى اللجنة  تجاه هذا الموضوع وهي مخاوف لمسناها في دراستنا للغة الخطاب التي صيغ بها التقرير في مجمله  خاصة تلك  التي وردت في التمهيد وما تعلق منها بالإسلام  وحتى تلك اللغة المفاخرة بالسبق التاريخي الذي تنسبه اللجنة لعملها  فقد جاء كاشفا عن حجم هذه المخاوف "فما إن أعلنت فكرة الإصلاح رسميا حتى اهتزت لها طبقات سياسية وثقافية بأكملها في عدة دول "[6]

مازلنا نقرأ خطاب المرجعيات في ديباجة التقرير الذي يؤطر جهده ضمن ما سماه بمسار الإصلاح الذي عرفته تونس انطلاقا من عهد الأمان[7]  مع تخصيص لمجلة الأحوال الشخصية[8] التي يعتبرها أهم محطات الإصلاح الاجتماعي وهذا التخصيص يحمل القارئ إلى  استبعاد كل التأويلات الممكنة التي أشرنا إليها في قراءتنا للمرجعية المتعلقة بمقتضيات الدستور ويحصرها في مقتضى وحيد هو العلاقة مع الفصل الأول  الخاص بدين الدولة فمجلة الأحوال الشخصية مجلة أثارت جدلا كبيرا في المجتمع التونسي عند النشأة وما تزال وهي مجلة تهتم بالتشريع المتعلق بواقع الأسرة في تفاعل مع أحكام الفقه الإسلامي الخاصة بذلك . لكن اللافت للنظر هنا هو وصف المجلة بثورة تونس الأولى وهو وصف مهم بالنظر لما سينجر عنه من نتائج نقف عندها في تتبع مفاصل التقرير  و  أولها ما أشار اليه التقرير عن الآثار المجتمعية للمجلة "كان لها نتائج عميقة في بنية المجتمع وهيكلته فأرست نموذجا جديدا للعائلة هي العائلة الذرية الضيقة المتكونة من الأبوين والأبناء واحتلت هذه العائلة الجديدة النسيج الاجتماعي مزيحة العائلة الموسعة ...وبالتوازي مع تراجع مكانة المجموعة صعد الفرد واحتل مكانة جوهرية في المجتمع وصار يبحث عن تدعيم حقوقه التي تحمي شخصيته وبها تنمو وتتميز " [9]

فالتقرير إذن حسم مسألة النمط المجتمعي في بنائه الثقافي وهي نمط قائم على الفردانية  والعائلة الذرية الضيقة  غير أن هذا الضبط للنمط المجتمعي في بعده التكويني والثقافي تراه اللجنة جزئيا يحتاج إلى حقوق أخرى "على غرار الحق في حماية الحياة الخاصة "

ومن المهم هنا الوقوف عند ما استند إليه التقرير  في محاولة اضفاء المشروعية على هذا الحسم للنمط المجتمعي وللثقافة  لصالح الفردانية وهو حسم استند لنصوص القرآن وتأويل تاريخي لمسار الإسلام دون بينة أو إحالة  مرجعية معتبرة فالتقرير يقول "ولد الفرد في مرحلة البعثة ولم يكن غائبا كما افترض البعض " ،وهذا خطاب غير واضح في مستوى إحالته ولا يعدو أن يكون خطابا انشائيا يمكن لأي معترض عليه أن يجادل بأنه غير صحيح ويأتي بمثل عكسي ثم إنه غامض في تحديد الجهة التي يتهمها بإنكار وجود ثقافة الفردانية على عهد النبوة  ويكتفي بوصفها بأنها "البعض"  وهذا الغموض فضلا عن كونه مجانب للعمل العلمي  فإنه يوقع التقرير ضمن دائرة البيانات السياسية الموجهة ضد خصم سياسي معلوم بالتبع وبالقوة غير معلن عنه بالفعل وهو  الحركة الإسلامية في مفهومها الواسع و أنصار الفكر الإسلامي عموما  وربما يكون موجها ضد خصمهم السياسي المباشر حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية .  استمر هذا التمشي في اضفاء المشروعية استنادا هلاميا للنص القرآني من خلال تأكيد التقرير على أنه تم تحويل وجهة مصطلح الخلافة الوارد في القرآن  من مقصدها المعني بالإنسان الخليفة إلى معنى يجعل الحاكم خليفة للإله  كما اتجهت حركة الفقه نحو التقليص من حجم حقوق الفرد مقابل تضخيم حقوق بقية الأطراف ". ولا نجد في نص التقرير استدلالا على هذا النزوع داخل حركة الفقه ولا ماهية هذه الحركة ولا الفترة التاريخية المقصودة  كما لا يتضح لنا المعنى  المقصود  ببقية الأطراف  هل هو المجتمع كما يفترض أن يكون في مقابلة الفرد أم يقصد منه أطراف أخرى لا ندري لماذا توقف التقرير عن ذكرها .  ثم إنه بصرف النظر عن هذه التفاصيل يطرح سؤال جوهري هنا نستمده من ربط هذا البحث عن مشروعية للتقرير من داخل النص بالرفض المعلن والمبطن  لمرجعية النص كما وردت في ديباجة التقرير وضبط مرجعياته  فهل هو شعور بالخوف من مواجهة المجتمع  لدى أعضاء اللجنة  أم عمل غير واع أدى إلى هذا الاضطراب الفكري . اتخذ التقرير هذا التشتت في الحقوق الفردية حسب وصفه ذريعة للتأكيد على أهمية  العمل الذي قامت به اللجنة فهي المتكفلة  بإدخال مفهوم الحقوق والحريات الفردية في معناه الشامل للمنظومة القانونية التونسية  وقد طال انتظار ذلك بحسب تعبير التقرير . هنا وجب أن نقف عند ملاحظتين :ملاحظة أول غياب الجرأة  في نقد النظام القديم الذي حاول التقرير تبرئة ساحته من تهمة اهمال  هذه الحقوق والتي يقر التقرير بأنها دخلت للتشريع مع دستور 2014 لكنها لم تكن مهملة وإنما غلبت عليها النظرة الضيقة بحسب وصف التقرير وهذا كل ما قيل في نقد موقف النظام القديم من هذه المسألة .

الملاحظة الثانية :لغة التقرير في ما يخص الدستور يغيب عنها كل إشارة للثورة فهي تتعمد في كل مرة يذكر فيها الدستور إلى نسبته لتاريخ صدوره في تعمية مقصودة  للثورة .

ثم ينتقل التقرير إلى التذكير بمنهج العمل الذي اعتمده  وقد أشار إلى المنهج التشاركي "ايمانا من اللجنة بأن المشروع الإصلاحي الذي تقوده هو مشروع مجتمع بأسره " غير أن المتتبع لقائمة الهيئات والجمعيات التي ذكر التقرير أنه اجتمع إليها واستشارها يجد أنها كلها تمثل تيارا فكريا وسياسيا واحدا وتقتصر عليه  فجمعية النساء الديمقراطيات والاتحاد الوطني للمرأة ورابطة حقوق الانسان الخ ... كلها جمعيات يهمين على ادارتها تيار فكري وسياسي واحد هو التيار اليساري.  بعد هذه الديباجة يقدم لنا التقرير مقدمة عامة تحت عنوان مقاربة اجتماعية ودينية ونعتقد أنها  تمثل الممهدات النظرية والركائز التي انبنى عليها عمل اللجنة وانبثقت عنها نتائج عملها . في هذه المقاربة  عود لمسألة المرجعية التي ضبطها النص بخطاب السبسي رئيس الجمهورية المنشئ للجنة ومقاصد الإسلام باعتبارها أحد مقومات الشخصية التونسية و أحد مرتكزات الحركة الإصلاحية "[10]. وواضح من خطاب التقرير أن هناك غموضا في الفهم لدى أعضاء اللجنة لجملة من القضايا المفاهيمية الجوهرية أو تعمد لصياغتها صياغة انشائية تستجيب لطبيعة نص سياسي  وليس نص قانوني وتشريعي كالذي نحن بصدده  فالنص يقول  في تبرير اعتماده على المدرسة المقاصدية "وتؤكد هذه المدرسة على ضرورة الاجتهاد والتجديد في الشريعة الإسلامية بما يتلاءم  مع ظروف العصر و أحوال المسلمين ويتفق مع غائيات الشريعة كما تدعو علماء الأمة إلى توسيع مفهوم السياسة الشرعية  لكي يشمل مصلحة الأمة  ورقيها " ومن الجلي هنا أن اللجنة تفتقر إلى وضوح في فهم السياسة الشرعية  التي صاغها العلماء المخاطبين هنا بضرورة توسيع هذا المفهوم[11] ،فالمدرسة التونسية في المقاصد لم تختلف جوهريا مع رؤية بقية المدارس المقاصدية  في الشرق أو الغرب ويمكن هنا الرجوع إلى التقارب البين بين رؤية الشيخ محمد الطاهر بن عاشور  مؤسس علم المقاصد في تونس والشاطبي مؤسس المقاصد في الفقه الإسلامي  وكذلك علالة الفاسي المغربي وغيرهم من العلماء ،أما مسالة السياسة الشرعية فهي أصلا مصطلح استحدثه فقهاء السياسة تعبيرا عن مراعاة المصلحة في سياسة الناس  وفقا لظروفهم فأي توسيع يقصده أصحاب التقرير؟[12]

يبدو أن اللجنة كانت على عجلة من أمرها ولم تكن هذه الدعوة لتوسيع مفهوم السياسة الشرعية إلا رافعة  للدخول في صلب الموضوع المستهدف من التقرير  وهو في اعتقادنا وكما سنبين لاحقا بأدلة من نص التقرير القطع مع الضوابط والمفاهيم التي يؤسس لها الإسلام أو بالأحرى القطع مع مرجعية الإسلام في قضايا النمط المجتمعي وما تعلق منها خصوصا بقضايا الاحوال الشخصية ،ذلك أن التقرير مر بشكل مفاجئ  وغير مترابط  وبدون مقدمات من الحديث عن المدرسة الإصلاحية التونسية ومقاصد الإسلام كما أشرنا إلى الحديث عن مسألة الميراث  من غير فصل لا شكلي ولا مضموني .  وقد جاء الحديث عن الميراث بشكل قاطع لفائدة رؤية أخرى غير الرؤية السائدة للميراث ومن دون نقاش لأسس الرؤية السائدة و إنما انطلق التقرير من حكم معياري يعتبر أن مسألة الميراث "شوهت طبيعتها فمن مسألة اجتماعية خاصة حولت إلى مسألة عقائدية "[13]

ونقاشنا لهذا الخطاب ينصب على نقطتين نقطة اجرائية ونقطة مضمونية  ،أما الأولى فسؤالنا من شوه طبيعة هذه المسألة؟ و  التقرير هنا لا يجيب بل ينسبها إلى المجهول  فهل هو المجتمع أم الفقهاء أم النص المؤسس  نفسه  وهي احتمالات كلها ممكنة ونراها وجيهة في غياب إشارة صريحة أو حتى ضمنية من التقرير للفاعل.  ثم سؤالنا الآخر لماذا الاصرار على اخراج مسألة الميراث من الحقل الديني  ومن الاطار العقائدي  رغم ما يدعيه التقرير من الاستناد في رؤيته للمقاصد الإسلامية  ذلك أن رجوعنا للمدرسة المقاصدية التونسية المعتمدة من اللجنة لا يسعفنا بما يؤيد  ما ذهب إليه التقرير . من الناحية المضمونية  نعتقد أن ادراك خطورة الموضوع دفع باللجنة إلى تحوير طبيعة المسألة من العقيدة إلى الاجتماع  وربطها بتوزيع الثروة  وهنا ملاحظاتنا كالتالي :

 ضرب القيم وثباتها من خلال الحديث عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تتحكم في توزيع الثروة ومن ثم في النظر إلى مسألة أحكام الميراث  فالمقصد الفكري هنا هو أولا تغيير نمط التفكير والثقافة داخل المجتمع إلى نمط لا يؤمن بالثبات القيمي والضوابط المرجعية ويرتهن للظروف الموضوعية ومن ثم يصبح كل شئ قابلا للتغيير والتبديل بما ذلك النص المؤسس  . أما مبررات التقرير لاعتماد الطبيعة الاجتماعية للميراث فهي كالتالي ولنا عليها جملة ملاحظات :

يبدأ التقرير بالسؤال عن :العوامل الاجتماعية والاقتصادية  التي تدعم فكرة المساواة في الارث في تونس " فهل فعلا يمكن الاطمئنان إلى العوامل المذكورة في دعم هذا التحول من مسألة عقدية إلى مسألة اجتماعية ؟

نسرد في البدء ما أورده التقرير من عوامل :

العامل الأول عامل كمي احصائي يؤكد ارتفاع عدد الاناث مقارنة بعدد الذكور ،وهو عامل في الحقيقة مهما بلغت درجة دقته لا يصلح سندا لتغيير مرجعي في فهم قضية مثل قضية الإرث فالتناسب بين الاناث والذكور في مجتمع ما مسألة نسبية خاضعة لعوامل مختلفة صحية واقتصادية  وهي ليست ثابتة  فماذا لو تغيرت المعادلة هل يعود لنقر عدم المساواة اعتمادا على هذه القاعدة التي أقرها التقرير نفسه بالإضافة إلى أن المتأمل في التقرير يجده لم يعتمد احصاءات رسمية  سواء من المعهد الوطني للإحصاء أو من نتائج التعداد العام للسكان و إنما أخذ هذه الاحصاءات من مركز البحوث والتوثيق والإعلام حول المرأة "الكرديدف"، وهي مؤسسة خاصة تندرج ضمن الجمعيات النسوية  منحازة بطبيعتها لهذه الآراء ولا يمكن اعتماد ارقامها  كأرقام محايدة

من جهة أخرى وتأكيدا لضعف الحجة الاحصائية  المعتمدة في التقرير  نقف أيضا إلى اشارة مبهمة تغيب عنها الأرقام المضبوطة رغم أنها مندرجة ضمن العامل الاحصائي  وقد صيغت صياغة انشائية تتناقض مع طبيعة المصدر المنسوب إليه  برغم عدم تحديده  فهو "تقرير صدر مؤخرا عن رئاسة الحكومة " اكتفى  بالإشارة إلى أن ما جاء في تقرير الحكومة أكد أن البنات بصدد الهيمنة على مسالك التعليم " ودحض هذا المستند لا يحتاج إلى جهد كبير فهو  أوهن من أن نقف عنده. هنا وجب أن ننبه إلى المغالطة التي يحاول التقرير تمريرها وتكمن في سرد التحول الذي تشهده وضعية المرأة منفصلا عن علاقتها بالرجل وبالأسرة فالمطلع على نص التقرير يظن أن المرأة وحدها من تتحمل تبعات التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الحاصلة في المجتمع ،وواضح أن أصحاب التقرير يدركون هذه المغالطة ويصدرون عن قناعة بتمريرها تحت جنح المخاتلة المصطلحية إذ يرون أنه "من المهم أن نهتم بهذه التغيرات و أن نؤسس لقوانين جديدة ... وبالتالي فإن هذا الوضع الجديد للمرأة التونسية يقتضي الاجتهاد في تفسير الأحكام القرآنية في اتجاه صيغ أكثر ملاءمة مع الوضع الحالي للمرأة "  [14]. إن اللافت للنظر هنا ما أكده التقرير في اطار تبريره لضرورة صياغة قوانين جديدة تلائم وضع المراة  من أن القانون التونسي يجبر المرأة على المساهمة في الانفاق في حين أن الفقه لا يجبرها لكن التقرير لا يدفع بهذه النتيجة إلى أقصاها  والتي تكون منطقيا اعتماد الفقه مرجعا في ضبط قوانين تنظم وضع المرأة بما أنه ينصفها أكثر من القانون الوضعي ولأن غاية التقرير  اقصاء الفقه من دائرة التشريع للأحوال الشخصية  فقد  قلب التقرير المسألة بناء على قاعدة أصولية أسئ استعمالها وهي قاعدة أن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما  وقد اقتصر التقرير في سرعة لافتة بضبط علة حكم التمييز في الميراث بين الاخوة  بالإنفاق وهي علة حسب رأيهم انعدمت في الظروف الحالية  

وهذه الحجة متهافتة من عدة أوجه.

المأزق النظري الذي وجد أصحاب التقرير أنفسهم فيه  بين ما يقره الفقه وما يقره القانون الوضعي والحال أن التقرير انطلق من مسلمة أن الفقه لم يعد صالحا للتشريع للمرأة  وهو ما ينسف مقدماتهم النظرية وبجعل ما أنجز  بعد ذلك باطلا بناء على ما يقرره الاصوليون الذين يعتمدهم التقرير من أن ما بني على باطل فهو باطل.  

قاعدة العلة والحكم قاعدة أصولية فيها تفصيل لم يعتمده التقرير فهي أولا قاعدة غير مطردة لأن فيها استثناءات كما يقول الأصوليون وأنها تحتاج إلى ضبط وتدقيق لذلك فإن الحكم يدور مع العلة وليس مع الحكمة  ويبدو أن التقرير لا يفرق بين المصطلحين لأنه يتخذ مقصد المساواة الذي هو حكمة موضع العلة  التي يقول إنها "التمييز في الإنفاق"  وهي علة غير منضبطة لأن التقرير لا يمكنه أن يبررها في الحالات التي يفوق فيها نصيب المرأة في الميراث نصيب الرجل  وقد أقرها التقرير نفسه فمن المفروض أن تكون العلة  للحكم واحدة  وأن يكون التمييز في الانفاق مبررا لغياب تفاضل للمرأة على الرجل  في حالات هي الأكثر من الحالات الأربع التي يتمايز فيها الرجل على المرأة  وبما أن التقرير يعتمد مبرر الانفاق فإنه هنا يناقض نفسه ولا يجد مبررا نظريا  لتبرير تميز المرأة على الرجل وبالتالي تسقط حجته في اعتماد علة الانفاق أساسا لنسف حكم التمايز في نصيب الميراث . يستمر المأزق النظري الذي يجد أصحاب التقرير أنفسهم أمامه من خلال تأكيدهم على أن النص القرآني هو انعكاس للنظم الاجتماعية ولبنية القبائل السائدة  غير أنهم ينسبون هذه الأمور التي حددت نصيب المرأة في الميراث إلى ما قرره الفقهاء في مدوناتهم  ولا نجد مبررا للهروب من التعامل المباشر هنا مع النص القرآني  ورمي الحمل على الفقهاء  فمادام النص انعكاس لنظام اجتماعي وبينة قبلية تستلزم التغيير فلماذا اللجوء إلى مدونات الفقهاء تبريرا لما يراه أصحاب التقرير حيفا في حق المرأة هل هو عجز عن تحمل تبعات الموقف من النص في مجتمع مسلم أم تحايل نظري للخروج من المأزق الذي وقعوا فيه ؟

يناقض التقرير نفسه حين يقدم براهينه في قراءة النص  حول موضوع الميراث فبعد التأكيد على مبدأ المساواة كبرهان أول يقدم التقرير برهانا ثانيا ينسف به ما أكده في البداية من علة التمييز في الانفاق  كعلة لحكم التمييز في نصاب المواريث إذ استقر عندهم أن التمييز في المواريث  لا يقوم على التمييز الجوهري بين المرأة والرجل  و إنما يقوم على ثلاثة أسس :درجة قرابة الوارثين من المورث ، موقع الجيل الوارث، المسؤولية المادية المالية التي يتحملها الذكر العاصب . ثم يعمق التقرير واقع التناقض الذي يقع فيه  والخبط المفاهيمي الذي يعاني منه من خلال  اعتبار "الحالات الاربع التي ترث فيها المرأة أقل من الرجل هي سوسيولوجيا أكثر الحالات تواترا "  وهنا يطرح السؤال هل تغيير الأوضاع السوسيولوجية يكون بالتعسف القانوني  و إذا كان النص الديني نفسه غير مراعى من بعض فئات المجتمع اعتبارا لحسابات مجتمعية  فكيف سيكون حال القانون المتعسف على هذا الوضع ثم وهو الأهم ما "ذنب" "النص  في هذا الوضع السوسيولوجي  حتى ندفع نحو تغييره و اقصائه بدل العمل على تغيير الوضع سوسيولوجيا .

يفتقر هذا التقرير في مقدماته النظرية إلى التناسق والانسجام فهو ينطلق من مسلمات نظرية سرعان ما ينسفها  ويأتي بنقيضها من ذلك مثلا اعتباره  ما ورد في القرآن من أحكام تخص الميراث أحكاما عامة وقابلة للاجتهاد  ثم القول بأنها أحكام من اجتهادات الفقهاء ثم العودة للقول بأن هذا الاجتهاد لا يعكس تفاصيل أحكام القرآن.   

التفريق بين مقاصد الإسلام ونصوصه من خلال سؤال جوهري بنى عليه التقرير بناءه النظري :هل نقف عندما جاء به الإسلام أم نتطلع إلى ما جاء من أجله ؟وهو تفريق لا معنى له فلا يمكن أن تستفاد المقاصد إلا من خلال النص مثلما أقر التقرير نفسه بذلك و إذا كانت المقاصد مستنبطة من النص فما الحاجة للدعوة إلى نقض ما جاء به النص من أحكام كما يدعو التقرير إلى ذلك .

قراءة في المقترحات:

يقدم التقرير مقترحات لقوانين في مجال الحريات الفردية انطلاقا من أسسه النظرية السابقة ،ورغم أنه من البديهي القول بأن هذه المقترحات ستكون متناقضة أو متهافتة بناء على ما أثبتناه من تناقض في الأسس النظرية المستمدة منها إلا أننا نفضل أن نتناولها في منطقها الداخلي  دفعا للنقاش و كشفا للحقائق. وقسم التقرير مقترحاته إلى جزئين جزء يخص الحريات الفردية وجزء يخص المساواة:

مقترحات الحريات الفردية :

يبدأ التقرير  في هذا الباب بتجاهل لمرجعية النص في مقدمته النظرية الموجزة التي اعتمدها لتعريف الحرية الفردية إذ أكد أنه يستمد مفهومها من خلال النظرية العامة لحقوق الإنسان والدستور التونسي في التوطئة ،وهذا وجه آخر من أوجه تناقض التقرير مع ما ألزم به نفسه من اعتماد الفهم المقاصدي للدين مرجعا له ضمن المراجع المتعددة. ووجه الانسجام الوحيد الذي التزمه التقرير مع مقدماته النظرية هو التزامه النظر في الحرية الفردية من زاوية مصلحة الفرد في حد ذاته بصرف النظر عن المجموعة وهذا ينسجم مع دعوة  التقرير في البداية إلى تركيز الفردانية فلسفة ومرجعية للمجتمع. ومن المقترحات المثيرة للجدل في هذا الباب الدعوة إلى تجريم التحريض على الانتحار  من باب أن ذلك يتعارض مع الحق في الحياة  وهو أمر يبدو مقبولا في ظاهره لولا تذييل هذا المقترح بجملة تدفعه إلى دائرة الجدل طوعا أو كرها وهذا التذييل جاء فيه "فإن الدعوة للانتحار تطرح اشكالا آخر باعتباره لا ينبع من ارادة الشخص وضع حد لحياته بل من إرادة خارجة عنه قد تدفعه للموت لأسباب مادية أو عقائدية أو غيرها "[15]

وهذا التوضيح جاء في إطار تبرير الموت الرحيم المعمول به في عدد من الدول الغربية التي تلتزم مواثيق حقوق الإنسان المعتمدة مرجعية عليا لدى التقرير  باعتباره صادرا عن الشخص نفسه ولا نجد هنا تساؤلا من التقرير عن التناقض بين حقوق الإنسان وهذه الممارسة ولا وقوفا عندها باعتبارها تندرج ضمن الخصوصية الثقافية لبعض الشعوب التي تجاوزت فيها منطق كونية المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ولا كونها مناقضة لما حرّم الإسلام باعتبار أن الإسلام مرجع نظر للتقرير كما يقول وفهمه المقاصدي أو النصي على حد سواء يرفض  الموت الرحيم من منطلق فلسفة ترى أن الجسد ليس ملكا للإنسان و إنما هو ملك لله وهذه الفلسفة لانجدها مراعاة  من قبل التقرير لا شكلا ولا مضمونا. في المقابل تجرأ التقرير ضمنا على الإسلام من خلال الدعوة إلى تجريم التحريض على الانتحار لأسباب عقائدية ،وهو يقصد هنا الجهاد بما هو قتال للأعداء المحاربين  ونحن نجد أن هذه الدعوة  قد تدفع إلى تجريم كل أشكال المقاومة ضد الاحتلال خاصة الصهيوني منه باعتباره يجرم العمليات الاستشهادية  ومن قد يمجد هذه العمليات سيكون عرضة للتتبع القانوني إذ لا يتصور تأويل آخر لهذا النص باعتبار أن المسلم لا ينتحر يأسا من حياته بدافع عقائدي وإنما العقيدة تحرم عليه الانتحار وتضيق من سبل الموت إلا ما كان لضرورة قصوى كالعمليات الاستشهادية ضد المحتلين في غياب الحلول البديلة. يكشف التقرير قبل نهايته بكثير عن موقفه الحقيق من الإسلام فهو يدعو إلى الغائه من الدستور  في باب الحديث عن حرية المعتقد إذ اعتبر أن الفصل الأول الذي ينص على أن دين الدولة الإسلام هو وصف وليس حكم بناء على واقع أن التونسيين أغلبهم مسلمون ولأن الإسلام في نظر التقرير يدعو للدولة الدينية  التي تتناقض مع الفصل الثاني من الدستور المؤكد على مدنية الدولة فإنه لا داعي للابقاء على هذا الفصل بما أن"الدولة المدنية خير كفيل للمساواة في الحقوق وخير  كفيل لممارسة الحريات "

وهنا نسأل من أين استمد أصحاب التقرير تعريفهم للدولة المدنية بأنها نقيض للدولة الدينية وكل المنتجات الفكرية تؤكد أن المدني هو ضد العسكري وليس ضد الديني؟و من أين للتقرير اثبات أن الإسلام يدعو للدولة الدينية المناقضة للدولة المدنية؟[16]. ثم وهذا الأهم لماذا حافظ أصحاب التقرير على الإسلام من خلال مقاصده في تبرير مقترحاتهم الاجرائية؟ . إن التقرير يتخذ من هذا المدخل الرامي إلى الغاء الفصل الأول من الدستور أو تجاوزه إلى طرح  جملة من القوانين الأخرى التي يشكل الاعتراف بالإسلام دينا رسميا للدولة عائقا أمام اقرارها لتناقضها مع مقاصده التي قال التقرير إنها الموجه الأول له في اجتهاداته ،ذلك أن التقرير يطالب بإلغاء تجريم ازدراء الأديان  وانتهاك المقدسات لأنه يميز بين الديانات  ويعطي الأفضلية للدين الأغلبي ويقترح التقرير أن يستبدل هذا بتجريم احتقار ديانة الغير فاتحا المجال لميوعة  مفاهمية تسمح بتصنيف كل الأفكار اللادينية  والإلحادية  ضمن ضمن هذا البند حماية لها في حال  ممارستها لما تعتبره نقدا للدين الإسلامي ويعتبره المسلمون اعتداءا على مقدساتهم ،ثم إن هذا الطرح هو مخالف للواقع المعيش في تونس فلا يوجد مشكل بين مختلف الأديان المتعايشة منذ عقود من الزمن ،والدولة تضمن لهم الحماية بنصوص القانون ،إلا ان يكون التقرير يقصد بالديانات الأخرى غير الإسلام العلمانية  وبعض الافكار الأخرى وهذا بدعة في الضبط المفاهيمي غير مسبوقة.  وتجدر الإشارة هنا إلى أن التقرير الذي انبنى على نقد منظومة الأحوال الشخصية والحريات الفردية في الإسلام لم يجرؤ وهو يعرض لمسألة الغاء تجريم ازدراء الأديان باعتبارها تمنع من النقد البناء لم يجرؤ على تقديم نقده لقوانين الميراث لدى الطائفة اليهودية في تونس التي تلتزم في هذه القضية بما تفرضه التوراة لا بما تلزمهم به مجلة الأحوال الشخصية للدولة التونسية ،وهذا تناقض واضح مع مرجعيات التقرير المعتمدة خاصة مجلة الأحوال الشخصية باعتبارها أساس تنظيم هذا المجال في دولة المواطنة التونسية .

التعددية الأخلاقية:

من القضايا المثيرة للجدل  ضمن هذا التقرير ما يسميه التقرير  بالتعددية الأخلاقية التي يقول إنها معتمدة في الدول الديمقراطية ولا يقدم التقرير تعريفا محددا لمعنى هذه التعددية إلا أنه يتخذها مطية للدعوة لرفع التجريم عن ممارسة اللواط والسحاق باعتبارهما من الحياة الخاصة ومن ثم التشريع للمثلية الجنسية . وتعتبر هذه الدعوة منسجمة مع منطلقات التقرير النظرية التي تعتمد مفهوم خاصا للأسرة عدا كونها تتكون من زوجة وزوجة و إنما هي علاقة بين طرفين دون تحديد وهذه منطلقات مستمدة من منظومة ثقافية مناقضة لثقافة المجتمع التونسي  ومخالفة لمقاصد الإسلام ولمقتضيات الدستور التي يزعم التقرير أنه يجتهد في إطارها بما يجعله في مأزق آخر يضاف إلى مآزقه النظرية المتعددة التي أشرنا إليها سابقا.  إن أخطر ما ورد في فصل الحريات الفردية في التقرير ضرب المرجعية الخاصة للمجتمع التونسي ورهنه بمرجعيات خارجية حتى وإن تناقضت مع خصوصيته الثقافية  وقد بدا ذلك واضحا في الدعوة إلى "احترام السلم الهرمي للقواعد القانونية من حيث المصادر والمرجعية ونحن نعلم أن سقف الحماية أعلى في المنظومة الكونية لحقوق الإنسان " وقد جاء هذا التأكيد في معرض التشكيك الصريح في قدرة  القضاء التونسي على حماية الحقوق والحريات لذلك دعا التقرير القضاة إلى الاقتداء "بتوجه اللجان الأممية لحقوق الإنسان وبفقه القضاء المقارن" وهذا كله مفاده التحرر المطلق من كل مرجعية داخلية خاصة بالمجتمع التونسي وهي في نهاية التحليل ضرب لما زعم التقرير أن يلتزم به من مرجعيات الدستور والدين . وقد اقترح التقرير في ختام باب الحريات الفردية مشروع مجلة قانونية لحماية هذه الحريات التي فصلها  وجاء هذا المشروع  مجملا لما أورده في أول التقرير  غير أن اللافت في ما ورد في هذه المجلة المقترحة في بابها الثامن المعنون برفع القيود الدينية  على الحقوق المدنية والذي دعا إلى الغاء كل مصطلح يشير إلى الإسلام من قبيل مسلمين إسلام أصل شرعي ،ممنوع شرعا ,,, الغائها من القوانين التونسية ،وهنا نسأل هل هذا من مقاصد الإسلام التي ادعى التقرير أنه يحفظها ،ثم لماذا تخصيص المسلمين  دون غيرهم في حرمانهم من اعتماد دينهم ،وما وجه الجمع بين مقتضيات الدستور الذي ينص على أن دين الدولة هو الإسلام وهذه الدعوة ؟. وفي مشروع المجلة المقترحة نجد كثيرا من المقترحات المتناقضة مع نصوص الإسلام الصريحة وحتى القابلة للتأويل المقاصدي بما لا يتعارض مع أسس هذا التأويل من قبيل الدعوة إلى حذف اشتراط الموانع الشرعية عند عقد الزواج و المقصود منه اباحة زواج المسلمة من غير المسلم  وعدم تجريم العلاقات الجنسية خارج اطار الزواج في مقابل التشديد على تعدد الزوجات  والغاء عدة المطلقة وتوريث ابن الزنا ومنحه لقب الأم

وقد أكد التقرير هذه المسائل في جزئه الثاني الموسوم بالمساواة والخاص بمساواة المرأة بالرجل في كل شئ. ولا يفوت التقرير في هذا المجال العودة للتأكيد على مرجعيته الجندرية التي تتبنى مفهوم النوع الاجتماعي وترى أن تأسيس العلاقت الجنسية يمكن أن يكون بين طرفين بصرف النظر عن جنسهما لذلك ورد في باب الجنسية للاجنبي مقترحا يفتح باب امكان أن تقوم علاقة بين رجلين تونس و أجنبي  يحصل بموجها هذا الأخير على الجنسية التونسية "يصبح تونسيا منذ تاريخ عقد زواجه الأجنبي امرأة كان أو رجلا  الذي تزوج بتونسي إذا كان قانونه الوطني يجرده من جنسية الأصلية بمجرد زواجه بأجنبي"[17]. ونلاحظ هنا أن التقرير لم يضع موقف الدولة الأجنبية بحرمان مواطنها من جنسيته لمجرد زواجه من أجنبي لم يضع ذلك موضع مساءلة رغم أنه اعتبره مخالفا للحقوق والحريات بالنسبة للتونسيين  ورغم أنه يستند لهذه الدول في مرجعياته  النظرية ،لكن يبدو أن حرص التقرير على اخراج الإسلام من مرجعيات ضبط قوانين الأحوال الشخصية  أوقعه في هذا التناقض. ونعتقد أن ما جاء في التقرير من تفاصيل تخص الغاء جملة من الأحكام الشرعية الخاصة بالأسرة  كالنفقة والولاية  على الزواج  ورئاسة العائلة  إنما يستهدف ضرب مفهوم الأسرة السائد والمتعارف عليه لفائدة المفهوم المستورد من ثقافة الغرب دون مراعاة لخصوصية الثقافة الإسلامية التونسية  وهذا سعي ينطلق كما ذكرنا من قناعة بكونية الثقافة الغربية والحال ان هذه الكونية صارت محل نقد من الغربيين أنفسهم

فهل تنجح السلطة في فرض ما عجزت عنه سنوات التغريب الثقافي التي شهدتها تونس منذ الاستقلال أم أن للثقافي حساباته المتحررة من هيمنة السياسي؟

الدكتور سمير ساسي

 

 


[1]التقرير ص 2

[2] Zellig S.Harris- Discourse Analysis,Language,Vol.28,no.1,Jan-Mar.1952,pp.1-30.p.1

 التقرير ص 2[4]

يقر محمد أركون (نعتمده باعتباره رمز المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها ابرز عناصر اللجنة ) بأن  أسباب فشل إعمال المنهج التاريخي على النص القرآني" ذات طبيعة سياسية ونفسية في آن معا"( محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد  واجتهاد ،ترجمة هشام صالح ، بيروت ، دار الساقي ،ط1 1990 ص 86) إلا أنّه لم يكفّ عن محاولة نزع ما يسمّيه بهالة القداسة على لحظة تشكل الوحي عوضا عن السعي إلى محاولة فهم أثر هذه اللحظة المتعالية في المنجز الإنساني الذي آمن بها ولم ينفصل عنها "فالفكر الإسلامي من جهة تأسيسه مرتبط ارتباطاً وجوديًّا وفرعيًّا بالنص الديني، وهو القرآن والسنّة النبوية، وهذا النص ثابت وغير قابل للتغير في صياغة مفاهيمه، ولكنه مع ذلك مطور للمفهوم اللغوي الذي كان سائداً قبل وروده([5]محمد الكتاني، جدل العقل والنقل في مناهج الفكر الإسلامي، الدار البيضاء ، دار الثقافة،ط1، 1992، ص140 .)

[5]  نفس المصدر

 المصدر السابق ،ص 2[6]

 عهد الأمن وثيقة أصدرها محمد باي  في سبتمبر 1857  لمختلف سكان الايالة التونسية على اختلاف ديانتهم وجنسياتهم  تضمن لهم الأمان  وتفرض المساواة في الضريبة  ويتضمن العهد  مقدمة واحدى عشر  مادة وعد من أهم انجازات عصره  في مجال الحريات [7]

 هي المجلة المنظمة لمجال الأحوال الشخصية وشؤون الأسرة في تونس أصدرها الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة في 13 اوت 1956 ودخلت حيز التنفيذ في 1 جانفي 1957[8]

 تقرير الحريات الفردية  والمساواة ص 3[9]

 التقرير ص11[10]

من المهمّ الإشارة إلى أنّ واحدا من أهمّ فقهاء السياسة الشرعية إمام الحرمين الجويني يعدّ رائد فقه المقاصد باعتبار أنّ أقدم استعمال " لمصطلح" مقاصد الشّريعة"- بهذين اللّفظين أو بهذا اللّقب الإضافي- ....هو استعمال الجويني( [11]أحمد الريسوني، البحث في مقاصد الشريعة نشأته وتطوره ومستقبله، بحث مقدم لندوة مقاصد الشريعة، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بلندن من 1 الى 5 مارس 2005

 التقرير ص 12[11]

12اعتمد  فقهاء السّياسة الشّرعيّة مفهوم المصلحة من خلال ما صاغوه من  قواعد فقهيّة للموازنة بين المصالح والمفاسد، وبين المفاسد والمفاسد الأشدّ، من ذلك قاعدة: الضّرر يزال - الضرار لا يزال بمثله - يرتكب أخفّ الضّررين - يدفع الضرر الأعظم ويرتكب الضّرر الأخف -الضّرورة تقدّر بقدرها -الضّرر لا يتقادم – يرتكب الضّرر الخّاص لدفع الضّرر العام [12] هذه القواعد مبثوثة في كتب القواعد الفقهية ويمكن الرجوع في ذلك مثلا إلى كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم (زين الدين بن إبراهيم)، تحقيق محمّد مطيع الحافظ، دمشق: دار الفكر، 1983، ص 94 وكتاب عبد العزيز محمّد عزّام: القواعد الفقهيّة ، القاهرة: دار الحديث، 2005، ص 127.[12]

 التقرير ص 11[13]

 ص16[14]

 ص28[15]

 16يذهب براين تيرنر bryan S  turner في الاستشراق ومشكلة المجتمع المدني في الإسلام وهو الباب الثاني من كتابه  الاستشراق وما بعد الحداثة والعولمة إلى أن  المشكلة برمتها كانت مشكلة غربية في التعامل مع الدولة الكليانية المطلقة وليس معالجة جادة للأوضاع الآسيوية

 التقرير ص141[17]

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك