القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

السياسة في تونس ما بعد الثورة أزمة المراجعات

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-04-12 08:24:00 | 438 مشاهدة

الخلاصة:

إن نسق التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية المتسارعة يحتم على جميع الفاعلين والنخب التونسية استشراف الأطر والرؤى المستقبلية القادرة على فهم التحديات وصياغة الرهانات، فكل القوى الحية مدعوة إلى إجراء مراجعات حقيقية لمنهج خطابها وآليات تواصلها  من أجل تعزيز مسارات  النفاذ إلى مشاغل الوطن الحقيقية بعد إنجاز ما يلزم من  النقد الذاتي وتقييم التجارب حتى لا تتكرر الإخفاقات الماضية بما يمكن البلاد من تجاوز حالة المخاض المتعسر وخلق حالة من التعاقد الاجتماعي الجديدة تؤدي إلى تحسين مناخ الثقة بما يساعد على التأهيل الصحيح للمشهد العام وتصويب التعاطي مع المنعطفات والتحولات بما يعيد الاعتبار للعمل السياسي الجاد ويوجه بوصلته  في الاتجاهات التنموية والوطنية.

فالناظر في المشهد الفسيفسائي المزين للحياة السياسية في تونس لا يكاد يعثر على حركة أو عائلة واحدة سياسية ليبرالية كانت أو يسارية أو إسلامية غير معنية بضرورة المراجعة وفق ما تقتضيه الظروف الراهنة وملابساته، رغم التفاوت في الرؤى وتعقد والسياقات إلا أن الرابط الجامع بينها هو انحصار واقتصار الفعل السياسي على صراع حول السلطة بين نخب الحكم والمعارضات وصراع بين الأضداد الذي لا ينتهي والذي يخلق حالة مستديمة من الارتباك المحكومة بضرورات المراجعة قوة وفعلا.

   أما آن الأوان بعد للحركات الليبرالية واليسارية من جهة إذا أرادت التحرر والانعتاق من مأزق التحالف مع النخب الحاكمة وتجاوز محدودية مردودية اصطفافها ضد الإسلاميين أن تعمد إلى مقاربات مختلفة في التعاطي معهم خاصة إذا تحول الطرف الأخير إلى قوة تمارس العمل السياسي القانوني والسلمي الذي  مرجعيته الدستور والقانون وكذلك الحال بالنسبة للطرف المقابل المتمترس في عليائه المقدس أين تتداخل خطوط المشاركة السياسية ويلتبس الديني الدعوي بالسياسي المدني  وهو ما لا يدع مجالا إلا  لاستمرار المواجهة التي لا خاسر فيها إلا الديمقراطية ولا رابح فيها إلا الاستبداد وأهله.

مقدمة :

لقد برهنت تونس بعد إنجاز ثورتها أنها أرض خصبة لنمو الأحزاب وتواجدها خاصة وأن الجميع يتطلعون إلى حياة سياسية فعلية، بعد أن كانت التعددية والديمقراطية مجرد شعار يردده كذبا وبهتانا نظام الجمهورية الأولى بمرحلتيه لأكثر من ستين عاما والذي تعرض إلى حالة من الاهتراء وفقد الكثير من مقوماته وشرعيته بعد تحوله إلى مجرد أداة سلطوية بامتياز تقدس الفرد وتمجد الماضي دون قدرة على معرفة الواقع أو استشراف لخيارات المستقبل.

ومع بروز هذا الكم الهائل من الأحزاب البالغ عددها إلى حد الساعة مائتان وخمسة عشر حزبا رسميا ومعتمدا حسب ما حدده وأقره القانون الأساسي عدد 32 لسنة 1988 المؤرخ في 3 ماي 1988 والذي يتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية والصادر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية بتاريخ 6 ماي 1988،فإن المتمعن في برامج هذه الأحزاب وأفكارها وتوجهاتها وهي البادية للعيان كلوحة فسيفسائية تزينها إيديولوجيات من كل لون وطيف وتطمح في تمكنها من كسب ثقة المواطن التونسي بعد جمود وشك وريبة.

وبناء على هذا التنوع فإن العائلات السياسية الأكثر بروزا داخل الساحة السياسية في بلادنا تتشكل في أربعة تكتلات سياسية كبرى تتمثل في كتلة أولى تضم القوى الدستورية التي تبوأت مسؤولية الحكم والسلطة بعد الاستقلال بمرحلتيها البورقيبية  والنوفمبرية وثانيها تضم الإسلاميين الذين أنصفتهم الثورة وبوأهم الشعب مكانة مهمة بعد انتخابات أكتوبر 2011 بعد سنوات القمع والتهجير والاضطهاد وثالثها العائلة اليسارية بشتى تمظهراتها وما تمثله من جبهة رافضة ورابعها التيار القومي العروبي.

ولأن الدرس الأساسي للحراك الحزبي في تونس يتلخص في أنه من الصعب إلغاء أي طرف لغيره مهما كان والتعامل معه وفقا للآليات الديمقراطية إلا أن العديد من هذه التيارات لا يزال يرزح تحت ثقل الايدولوجيا المتصلبة ولما يذهب بعد إلى انجاز المراجعات اللازمة لتفكيك رموز اللعبة وفض تعقيداتها حتى لا تكون خاضعة لأحكام قطعية وتصنيفات نهائية تؤدي حتما للإطاحة بالعملية الديمقراطية إن لم يتم التعاطى سياسيا مع التغيرات الكثيرة التي تشهدها تونس ما بعد الثورة، فإلى أي مدى سعت هده التيارات إلى اللحاق بتيار التحولات المتسارعة؟

 

الأحزاب الدستورية وشبهة الثورة المضادة:

 

في تدوينة له على صفحات التواصل الاجتماعي يقول محمد الغرياني آخر أمين عام لحزب التجمع المنحل والذي قامت عليه ثورة 14 جانفي 2011 "أنا معني بأن يستعيد التجمعيون موقعهم في المشهد السياسي عبر آليات ديمقراطية شعبية وعلى أساس رؤية جديدة تتجاوز أخطاء الماضي وتندمج تونس الديمقراطية". والواضح أن حزب التجمع المقبور قد وجد نفسه بعد وصول بن علي إلى السلطة سنة 1987 وريثا طبيعيا للحزب الاشتراكي الدستوري بعدما أصابه من اهتراء وفقدان للكثير من شرعيته التاريخية المستندة على فكرة الحزب القائد لحركة التحرر الوطني.

فقد كان تاريخ 2 مارس 34 أول مبادرة تصحيحية كما يسميها البورقيبيون وبداية انقلاب على الحزب الحر الدستوري الذي كان يتزعمه الشيخ الثعالبي على حد تعبير معارضيه وهو تاريخ بداية التصفيات التي طالت رموز الحركة الوطنية وبه كانت ضربة بداية تصفية الثعالبي سياسيا مع ثلة من المناضلين دوي  التوجهات العروبية أو الإسلامية لفائدة المد الفرنكوفوني العلماني دعمه تخلص بورقيبة من الجناح اليوسفي مباشرة بعد الاستقلال وبه تم  تأميم الحياة السياسية والمدنية لمصلحة حزب واحد اختزل في داخله كل الحراك السياسي وفرض ارتباطا عضويا مع كل المنظمات المدنية وحكم بورقيبة تونس 30 عاما جمّد خلالها  نشاط الحزب الشيوعي عام 1962، وحارب فيما بعد الإسلاميين ونكل بهم وألغى  خلالها الحريات الأساسية وفرض الرقابة على الإعلام وأقر نظام الحزب الواحد عدل الدستور في 27 ديسمبر 1974 ليعطي لنفسه حق رئاسة الدولة مدى الحياة نتجت عنها سلسلة اضطرابات اجتماعية صاحبتها انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان أشهرها ما يعرف لدى التونسيين بأحداث الخميس الأسود ومظاهرات الخبز  وسقوطه المدوي في 07 نوفمبر 1987.

شكلت الخطوات التي اتخذها بن علي حال وصوله إلى السلطة إنتاجا جديدا للحزب الدستوري بكل سوءاته رغم التسمية الجديدة فقد احتكر التجمع الدستوري الديمقراطي منذ الانتخابات الرئاسية والتشريعية 1989 كل مقاعد البرلمان وهيمن على المشهد السياسي وتحول بدلك إلى جهاز ملحق بالسلطة. فالحزب الجديد لم يتأسس على إيديولوجيا محددة ولكنه شكل تجمعا لروافد سياسية واجتماعية تربطها المصلحة والمنافع والتوق لنيل المناصب السياسية والإدارية العليا تحت شعارات القبلية والانتماء الجهوي طيلة فترة حكم الرئيس المخلوع ابن علي غير أنها سرعان ما انهارت أمام الحراك الشعبي الذي شهدته تونس وتوج بانهيار النظام وحل التجمع في 9 مارس 2011 وتصفية ممتلكاته وتحويلها إلى أملاك الدولة. ولئن شكل حل "التجمع الدستوري الديمقراطي" بعد الثورة علامة على نهاية مرحلة غير أنه لم يكن دليلا على اضمحلال القوى المستفيدة سابقا من المنظومة القديمة لأن أطرافا كثيرة منها سرعان ما وجدت نفسها متصدرة للمشهد بعد الثورة مغتنمة خصوصية الانتقال السياسي في تونس الذي لم يتميز بالعنف وحافظ على الاستمرارية داخل أجهزة الدولة التي كان يحتكرها هؤلاء فعليا لعهود طويلة.

     لقد حاولت بعض القوى الحزبية المختلفة بعد الثورة إعادة القوى الدستورية إلى المشهد السياسي مند تشكيل الائتلاف الحزبي المسمى الاتحاد من أجل تونس والذي تولى قيادة تحركات الشارع المتزامنة مع اعتصام الرحيل المناهض لحكم الترويكا وما نتج عنها من تغييرات متسارعة طالت  المشهد السياسي لعل أهمها وصول نداء تونس سليل المنظومة القديمة إلى السلطة خلال انتخابات أكتوبر 2014 وما ضخه من انتعاشة في صفوف العائلة الدستورية المستفيد الأكبر من مناخات ديموقراطية الثورة والانتقال السلمي باتجاه الديمقراطية والتي بقيت إلى اليوم متأرجحة  بين تيارات منها تواق الى اللحاق بركب الثورة  والتصالح مع حاضر البلاد ومستقبلها ومنها من هو حالم بعودة المجد القديم ولو وصل الأمر  إلى وأد الثورة الوليدة وطي صفحتها إلى الأبد.

 

مراجعات الإسلاميين بين الحقيقة والمناورة

 

مثل ظهور الحركة الإسلامية في تونس في فترة السبعينات من القرن الماضي نتيجة طبيعية لعدة عوامل داخلية وخارجية ارتبطت في جانب منها بدخول الحزب الحاكم آنذاك في  أزمة داخلية أهمها بداية انهيار المشروع الديمقراطي في الدولة البورقيبية مع إعلان الرئاسة مدى الحياة خلال مؤتمر المنستير سنة 1974 ثم مع احتدام الصراع بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل بالإضافة إلى  قيام الثورة الإيرانية سنة 1979 والتي أعطت للحركة الإسلامية في تونس دفعا سياسيا وفكريا وتنظيميا باعتبارها نموذجا للإسلام الثوري القادر على التغيير والمبادرة. وعلى مدار الأربعين عاما الماضية قامت الحركة الإسلامية في تونس بمراجعات تبدو عميقة لأطروحاتها الفكرية والإيديولوجية وذلك من خلال إعادة النظر في استراتيجيه التعاطي مع السلطة القائمة في جانب ومع خصومها الإيديولوجيين في جانب آخر فرضتها التحولات السياسية التي شهدتها البلاد لكنها ووجهت بحالة من التوجس والفوبيا المزمنة ناتجة عن عدم قبول النخب العلمانية لهذا التيار زيادة على ما طاله من ملاحقات وحصار أثر على نسق تطور أدبياته وأفكاره وتوجهاته ورؤاه.

عرف التيار الإسلامي في تونس المراجعات الفكرية مبكرا والتي انطلقت مع مقالات مجلة المعرفة وشملت مختلف المجالات والمواضيع وأنتجت حوارات عميقة وعاصفة توجت بانشقاق الإسلاميين التقدميين أو ما يسمى باليسار الإسلامي مطلع الثمانينات وساعدت على ظهور أدبيات جديدة نشرت في بعد على صفحات مجلة 15/21 انتقدت النزعة الأخلاقويّة للخطاب الإسلامي وانحسار اهتمامه بالسلوك الفردي وبالمسائل الروحية على حساب نقد المجتمع والدولة والاهتمام بالأبعاد الاجتماعية والسياسية  زيادة على عدم الفصل بين قداسة النص ونسبية التراث الديني خاصة تجاه المصطلحات  المتداولة التي ألفتها عقول الناس وصنعتها أفكارهم. كما شملت المراجعات النظرة للمرأة ودورها والموقف من الموسيقى وسائر الفنون وامتد النقد ليشمل الموقف من الثقافة الغربية ومن الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان وعلاقة العقل بالنقل والدعوة لتغليب الفهم المقاصدي للشريعة وكان لهذا النقد أثره الواضح خاصة على مسارات النقد الذاتي التي أنتجتها حركة النهضة في المهجر خلال محنة التسعينات.

وقد مثل المؤِتمر العاشر لحركة النهضة إعلانا مهما في تطوير خطاب الإسلاميين بعد تجربة في الحكم بتونس بعد ثورة فتية وغضة يبشر بانفتاح جدي على الثقافة الوطنية الجامعة للتونسيين ويطور خطاب النهضة وسياساتها وبه أقرّت عموم لوائح المؤتمر العاشر توجهات تسعى إلى بناء نهضة جديدة تعمل على  تجديد الرؤية الفكرية للحركة بالتخلي عن النزعة الشمولية وتكريس التخصص خاصة في الجانب السياسي والانخراط في فهم جديد لمصطلح الإسلام الديمقراطي الرافض للتطرف والغلو يؤدي إلى إحداث مصالحة حقيقية مع الدولة بديلا عن معاداتها أو مخاصمتها ويسعى إلى فكّ الاشتباك الفكري مع الخصوم السياسيين ويبحث عن أوسع توافق ممكن معهم بالانفتاح على مختلف الأجيال والكفاءات والشرائح الاجتماعية والتموقع في الوسط الاجتماعي العريض وتجاوز الاستقطاب الأيديولوجي الهووي والتنافس على خدمة الناس وصلاح المجتمع.

     في مقابل كل ذلك يرى عديد المحللين أن الحركة الإسلامية في تونس ولئن مرت بعديد التحولات التنظيمية والفكرية منذ نشأتها من الجماعة الدينية إلى الحزب السياسي ومن المشروعات الكبرى في إقامة الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي إلى استيعاب الدولة الوطنية القطرية والمشاركة في إدارتها فإن العقل الحاكم لديها بقي دائما ينظر إلى الإسلام بوصفه دينا ودولة ولا ينظر إلى السياسة إلا بوصفها امتدادا للدين الأمر الذي يعمق الخصومة بينها وبين بقية الفرقاء ويؤكد احتكارها لمشترك ثقافي بغية تحقيق مكاسب سياسية كما أن إعلانها الفصل  بين الجانب الدعوي والسياسي وخروجها من الإسلام السياسي إلى الإسلام الديمقراطي لم يكن إلا إعلانا للاستهلاك الإعلامي في الداخل والخارج والتفافاً على مصاعب المرحلة التي تعيشها داخلياً وخارجيا.

 

اليسار التونسي ورحلة التيه

يرى عديد الملاحظين أن اليسار التونسي ظل لسنوات طويلة عاجزا على تطوير ممارساته السياسية وتكييفها نحو مزيد من التجذر في خيارات المجتمع بعيدا عن الانغلاق والنخبوية المفرطة التي أفشلت تحوله إلى قوة شعبية فعلية قادرة على تنزيل برامجها إلى الشارع والاقتراب من مشاغل المواطن البسيط. فالناظر للساحة السياسية التونسية لا يمكنه إنكار حضور قوى اليسار فيها منذ ظهور أولى تشكيلاتها في عشرينيات القرن الماضي وتأسيس الفرع التونسي للحزب الشيوعي الفرنسي ثم تونسته سنه 1939 ومع تشكل مجموعات اليسار الجديد والذي راكم في مساراته المختلفة الانتعاش والانحسار بين قمع السلطة حينا والتحالف معها أحيانا أخرى خاصة في فترة التسعينات إلا أن فعلها لم يتجاوز في كل ذلك حركية النخبة إلى حركية الجماهير وهو ما تفسره نتائجه المتواضعة خلال المحطات  الانتخابية المتتالية خاصة في فترة ما بعد الثورة والتي وصلت في كثير من الأحيان إلى مشارف الهزيمة نتيجة لضعف امتدادها الجماهيري المزمن والذي تحول مع تواتر الأجيال إلى أزمة حادة طالت الخطاب وتعمقت في الممارسة.

وبغض النظر عن بعض المراجعات التي نتجت عن احتدام الصراع مع نظام الاستبداد والتي جعلته يقر في وقت ما بحق الإسلاميين في الوجود السياسي وصولاً إلى الانخراط في مبادرة 18 أكتوبر 2005والتي لم تكن سوى  مرحلة عابرة مسحت آثارها انتخابات 2011 وحولتها إلى قناعات أكثر عدوانية وإقصائية فقد ظل اليسار التونسي يجتر خطاباته الكلاسيكية خصوصا ما تعلق منها بالموقف من قضايا الدين والهوية من خلال الأدبيات التي تعتبر الدين جزءا من الإيديولوجيا الرسمية المؤدية إلى استبداد طبقات معينة في المجتمع وسيطرتها على مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية فمعظم النخب اليسارية  ما زالت تراكم خطاباً ماركسياً مغلقاً يرفض المراجعة والتطوير ويتبنى نمطا من العلمانية الشاملة في صيغها الأكثر تشدداً تصل إلى حد الدعوة إلى إقصاء الدين عن كل جوانب الحياة واعتباره أداة ووسيلة في يد الرجعية.

ورغم ما يحاول يسار الوسط إبداءه من تطوير للخطاب وانتقال إلى نمط من الليبرالية السياسية والاقتصادية، إلا أن مواقفه من قضايا الدين والهوية بقيت تراوح مكانها في عداء مستميت للهوية العربية الإسلامية في مقابل ولائها للفرنكوفونية،من جهة وتورط بعض نخبها في الدفاع عن التطبيع مع دولة الكيان الصهيوني وما يثيره من استفزاز لوجدان الشعب التونسي المتجذر في عروبته وإسلامه زيادة على تورط بعض الشخصيات اليسارية المعروفة في التعاون مع نظام الاستبداد حيث قدمت له خدمات واسعة لتنفيذ تصوره الاستبدادي القائم على الأحادية المطلقة والإقصاء الشامل لكل معارض لمنظومة الاستبداد الرسمية وتوجهاتها القمعية الشرسة مع انخراط بعض القوى اليسارية في ركب الثورة المضادة وهو ما أجهز على ما تبقى من رصيدها عند جماهير الشعب. إن غياب الديمقراطية في المنظومة الفكرية اليسارية عموما وبقائها ميالة إلى نفي الآخر وكل مخالف للرأي وهو ما يتجلى في العنف اللفظي والتشنج الذي تتعامل أغلب مكوناتها مع الآخر المختلف يفسر هذا الاضطراب الواضح في المواقف والخلخلة التي لحقت بنية التصورات الفكرية والقناعات الأيديولوجية لليسار التونسي وتجذّر عمق الأزمة المزمنة التي يعانيها وملخصها في ما قاله المفكر الماركسي سلامة كيلة "إن اليسار الذي حاول أن ينهض من سرير الموت كرر السياسات ذاتها التي أوصلته إلى القبر، وظل يفكّر في الطريقة ذاتها التي أماتته، فقد ظل يعيش أجواء الحرب الباردة رغم انهيار النظم الاشتراكية وتأزم وضع الإمبريالية، وتفكك مراكز السيطرة الإمبريالية، وبدء النهوض الشعبي في كل العالم ولهذا فقد نهض يحمل كل العجز الذي سكنه منذ عقود، ويلوك الأفكار التي أوصلته إلى العجز".

 

القوميون بين سلطة الموقف وموقف السلطة:

شكلت حركة الأمانة العامة بقيادة صالح بن يوسف أول ظهور لتيار قومي حقيقي في تونس يتبنى مفاهيم العروبة وكان ذلك ثمرة للعلاقة التي ربطت مؤسسها بجمال عبد الناصر الداعم الرئيسي لجيش التحرير الشعبي الرافض لاتفاقية الاستقلال الداخلي التي وقعها بورقيبة مع فرنسا والمتبنى لخيار تحرير كل المغرب العربي ضمن لجنة تحرير المغرب العربي التي مقرها القاهرة. فقد ساعدت عدة عوامل على ظهور التيار القومي في تونس من أهمها واقع الاستعمار الذي كانت تعيشه الأقطار العربية وخاصّة فلسطين وكذلك تنامي الشعور العام المناهض للصهيونية الغاصبة مع تبلور الفكر القومي في اتجاهين رئيسين هما التيار البعثي والتيار الناصري وهما تياران لا يختلفان كثيرا في الأهداف الكبرى والغايات كالتطلع لوحدة عربية والنضال من أجل تحرير فلسطين والذين ظلا لسنوات طويلة محكومين بالصراعات القائمة بين الدول العربية المحكومة من قبل البعثيين والأخرى المحكومة من قبل الناصريين.

لقد كان لهذه المواقف والانحيازات السياسية حصيلة مؤثرة على مسار مواقف القوميين من الديمقراطية والحريات السياسية خاصة مع تنامي مظاهر الاستعلاء في أدبيات المد القومي العربي الذي لا يرى في نفسه إلا وجها مشرقا لضمير المثقف العربي مما جعل أي عملية نقدية داخلية لم تخرج عن  تقديس الإرث القومي الذي لم يفكك ولم ينقد ديمقراطيا ولم تستخلص منه الرؤى القادرة على تجاوز النقائص وضمان التطور وبقي بذلك حريصا على عدم الإجابة عن أسئلة مهمة مرتبطة بالكوارث الإنسانية التي عاشتها المنطقة العربية عبر تجارب حكم عديدة ناصرية وبعثية ويسارية قومية كرست ودللت على مناقضتهم للأعراف والمفاهيم الديمقراطية  من خلال تأييدهم اللامتناهي للأنظمة الشمولية المستبدة حتى مع هبوب رياح الربيع العربي العاتية على البلدان العربية وسقوط أنظمة مارست القهر والظلم لأجيال وعقود. عند اندلاع ثورات الربيع العربي في بداية سنة 2011 رحب القوميون العرب في البداية بكافة تياراتهم بهذا الحراك الشعبي واستبشروا به خيرا وشاركت بعض الأحزاب والتيارات الثورية والقوى الاشتراكية في هذا الحراك الذي اندلع في كل من تونس ومصر ولكن المواقف سرعان ما تغيرت بمجرد وصول  حراك الربيع العربي إلى ليبيا وسوريا حيث بدأت حملة التشكيك والتخلي عن المواقف السابقة تحت شعارات المقاومة والممانعة وتحولت أنظمة القمع والاستبداد ذات المرجعية القومية إلى نماذج فريدة للأنظمة الثورية المتصدية للإمبريالية العالمية وعوض أن يعش التيار القومي في تونس مثلا ولادة جديدة تتماشى وحجم التحديات وتستجيب لما وفرته الثورة من امتيازات خاصة في محالات التنافس السياسي على قواعد الحرية والديمقراطية فقد انخرطت النخب العروبية في المناكفات وتصفية الحسابات السياسوية التي لا تخدم إلا قوى الردة وجيوب الدولة العميقة .

لم يتخلص الخطاب القومي على مدى العقود الأخيرة من أفكاره الطوباوية إذ بقي غارقا في مثله عاجزا على التوحد والتموقع كقوة فاعلة تستطيع منافسة القوى السياسية الكبرى وتتخلص من الأفكار الشعبوية المجانبة لمجريات الواقع ولم يفلح في سعيه إلى ترميم مساره السياسي خاصة بعد أحداث الربيع العربي والخروج من عباءة الأنظمة الدموية الإجرامية التي ناصرها وأيدها ودافع عن وجودها وتواجدها وذلك بالإصغاء بجدية إلى واقع التحولات والمتغيرات العالمية والفكرية واحترام مطالب الشعوب ومجاراة أنساق تطور المجتمعات وإنجاز المراجعات الحقيقية  المغيرة للمواقف والأفكار حتى تكون قادرة على الانسجام مع تحديات الواقع العربي الجديد فالتحديات التي تواجه إحياء فكرة القومية العربية بوصفها ضرورة ومصلحة مشتركة لكل العرب من أجل استعادة مكانتهم كأمة وكمشروع قومي وحدوي لا يمكن تجاوزها إلا بإعادة بناء الدولة الوطنية على أسس ديمقراطية حضارية والانطلاق منها نحو وحدة عربية منفتحة على ثقافة الاعتراف بالآخرين الذين نشاطرهم العيش ويخالفوننا الرؤى والأفكار.

 

الخاتمة:

ينحصر الصراع ويحتد اليوم في تونس بين محورين أحدهما ينادي بالاندماج والتعايش وآخر يتبنى مقولات الرفض والإقصاء والاستئصال والمعركة بينهما مازالت حامية الوطيس ولما تنطفئ نارها منذ نصف قرن أو يزيد، إلا أن بعض المراجعات التي فرضها واقع الثورة ومساراتها قد أكدت أن هناك ضرورة لقبول المشترك والآخر واستعدادا للتعايش معه من أجل مصلحة البلاد ومن أجل تحصينها من مخاطر الانقسام والتشدد وهذا الأمر حاصر في كثير من المواقع المقولات العلمانية المتشددة وأزاحها لصالح العلمانية الجزئية أو العلمانية المتسامحة المعتدلة وكذلك لصالح الإسلام المعتدل والمتسامح في الجانب الآخر لأن المشكلة تكمن في  تيارات الاستئصال سواء كانت تيارات دينية أو علمانية والتي تمثل بدورها خطرا على المجتمع وترفض أن ترى تونس متعددة ومختلفة وقادرة على أن تكون موحدة ومتضامنة آمنة ومستقرة في نفس الوقت. إن المراجعات الصورية والعجولة التي تنجزها بعض التيارات السياسية في تونس هي مراجعات سياسوية يقوم بها سياسيون تقودهم الطموحات وتسيرهم المصالح وتتعفف عنها النخب الفكرية والأكاديمية تحت ضغط البراغماتية وإكراهات السياق والواقع وهي في حاجة أكيدة إلى أن يتحمل عبئها من يخط بيمينه مسارات تبلور توجها حضاريا وثقافيا منقذا للبلاد من براثن التطرف والإقصاء والإلهاء ومحافظا على الثورة وزخمها ومحصنا لها من قوى التآمر والردة.

 

عبد الباسط الشايب  (باحث وإعلامي تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك