القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

السياسة الخارجية التركية: الثابت والمتغيّر على ضوء الانقلاب العسكري

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2017-04-04 10:43:52 | 46 مشاهدة
 
مقدّمة
لا شك أن موضوع السياسة الخارجية التركية من المواضيع التي استأثرت بالاهتمام الكبير من قبل الباحثين والمحللين  لما عرفته تركيا  من تطورات وتغيرات دائمة، وخاصة بعد وصول حزب العدالة والتنمية للحكم قبل 12 سنة وما أحدثه هذا الحزب من تغيير في بنية السلطة التركية داخليا مع النجاحات التي حققها على الصعيد الاقتصادي ودعم النظام التركي للعديد من الأنظمة العربية. وقد ساهم في تغيير  السياسة الخارجية التركية إيقاع الثورات التي شهدتها المنطقة العربية، والتي أفضت الى تغيرات جيوسياسية هامة في منطقة الشرق الاوسط ألقت بظلالها على مختلف دول الجوار. و كانت تركيا من اكثر الدول تأثرا نظرا لقربها الجغرافي من المنطقة العربية و نظرا للعلاقات التاريخية و الثقافية والسياسية التي تربطها بها. و ساهم اندلاع الحراك الشعبي في  دعم الدور الاقليمي التركي الذي شهد تصاعدا خاصة على اثر نجاح الثورات في كل من تونس و مصر حيث التقت توجهات حزب العدالة و التنمية مع توجهات الأحزاب و الحركات الاسلامية التي وصلت الى الحكم في كلا البلدين. و قد عرفت السياسة الخارجية التركية مسارات متعددة حيال دول الجوار الإقليمي خلال السنوات الخمس الماضية مكنتها من لعب دور اقليمي فاعل في المنطقة العربية[1]. لكن محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 جويلية، و التي مثلت لحظة حاسمة في تاريخ تركيا المعاصر، أعادت مرة ثانية وتيرة الانقلابات التي عرفتها الجمهورية التركية خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، قلبت بعض الموازين الداخلية والخارجية وأعادت طرح العديد من الأسئلة حول طبيعة النظام التركي بعد فشل الانقلاب. فهل غيّرت تركيا بوصلة سياستها الخارجية بعد الانقلاب؟ وماهي انعكاسات هذا التغيير داخليا وخارجيا؟
 السياسة الخارجية التركية: المسايرة أم الاستقلالية
 لقد شهدت المؤتراث الخارجية التي تحدد الوضع الدولي، بأبعادها السياسية و الاقتصادية و الأمنية تغيرات هامة مع انهيار  بنية النظام الدولي القديم القائمة على الثنائية القطبية ،  التي شكلت الخاصية الاساسية للنظام الدولي خلال مرحلة الحرب الباردة. و أفرزت العناصر الجديدة التي ظهرت في النظام الدولي وضعا سياسيا دوليا جديدا يفرض على تركيا اعادة قراءة واستشراف أدوارها الاستراتيجية  في الساحة الدولية [2]. و مع وصول حزب العدالة و التنمية الى السلطة سنة 2002،تمكن من نقل تركيا  الى دور "الجسر" بين الشرق و الغرب[3]، في ظل الاستراتيجية السياسية الهشة للحكومات المتعاقبة بعد وفاة اتاتورك و التي انتهجت سياسة الانطواء على الداخل و الابتعاد عن استلام زمام المبادرة و تحمل مسؤولية الأدوار السياسية، الى "دولة مركز" في الاقليم تلعب فيه تركيا دورا فاعلا في الشرق الأوسط، و سعى حزب العدالة و التنمية لإقامة علاقات أفضل مع الشرق الاوسط ارتكزت فيها انقرة على ما تسمى "سياسة صفر مشاكل مع المحيط الاقليمي" (zero problem policy([4]، مما دعاها الى اعادة صياغة أنشطتها الاقليمية في الشرق الاوسط.و تربع العراق على هرم أولويات السياسة الخارجية التركية الاقليمية التي ساندت باستمرار التكامل الاقليمي للعراق من خلال مساعي دبلوماسية متعددة المستويات و الأبعاد على المستوى الاقليمي و الدولي و محاولة بناء تفاهم مشترك و آلية دبلوماسية جماعية لاحتواء أزمته. و في مرحلة ثانية، لعبت تركيا دور وسيط سلام في المنطقة العربية فبدأت  في تعميق علاقاتها مع الشرق الاوسط و تزايدت الاستقلالية الاستراتيجية لتركيا تدريجيا بفضل تنويع أنشطة السياسة الخارجية مع مختلف دول المنطقة العربية فانتقدت رسميا و بشدة اسرائيل كما نادت هذه الاخيرة بانهاء الاحتلال الاسرائيلي و إعطاء الفلسطينيين حقوقهم الشرعية و ايدت المبادرة العربية للسلام[5].
 يمر العالم اليوم بتحولات صاخبة تنطوي على تحديات كبرى لها تأثيراتها على كل الدول مثل تركيا التي تأخد بعين الاعتبارعدة مبادئ أساسية لرسم سياستها الخارجية في السنوات الاخيرة في ظل الصراعات الدولية و الاقليمية التي تشهدها المنطقة،اشتملت على الدبلوماسية المتناغمة، اتباع سياسة خارجية متعددة الأبعاد و تعزيزالتعاون الدولي في سبيل العمل على استتباب الامن.
 لقد مثل الربيع العربي نقطة تحول فاصلة في سياسة تركيا الخارجية، اذ  شكل منهج تركيا المنطلق من القيم و تركيزها على الديمقراطية و الشرعية الشعبية أساس سياستها تجاه الحراك الشعبي الذي شهدته دول الربيع العربي. فمنذ قيام الثورات العربية ، انتهجت تركيا سياسة خارجية ديناميكية تعكس مبادئها الاساسية لدعم الشعوب التي انتفضت للمطالبة بحقوقها الاساسية و حريّاتها السياسيّة [6] رغبة منها في قيادة التحولات في المنطقة، لكن موقف تركيا اصطدم اولا بالوضع المتدهور و المتفاقم في سوريا، ثم بتغير نظام الحكم في مصر الشيء الذي تطلب منها اعادة النظر في استراتيجياتها تجاه التحولات الاقليمية على أساس نفس مبادئ السياسة الخارجية التي كانت تتبعها خلال العقد الأخير والتي كانت تركز على مفهوم العمق الاستراتيجي والبناء من الداخل وتحسين العلاقات مع الدول الجارة.
منذ تأسيس الجمهورية التركية،تميزت علاقة تركيا  بسوريا بالتوتر و الذي زادت حدته بتأييد تركيا القوي للتحالف الغربي و توجه سوريا نحو الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة التي أسهمت في توسع الهوة بين البلدين و كادت تقضي على كل فرص التقارب اذ بحث كل طرف عن وسائل ضغط على الطرف الاخر مثل مشكلة المياه و قضية الأكراد و اسرائيل [7]. لكن حزب العدالة و التنمية، و حفاظا منه على سياسة المشاكل الصفرية كمحدد رئيس لأنشطة سياسة تركيا الخارجية، سارع الى طَي صفحات الماضي وتحسين العلاقات بين البلدين و تعزيز التعاون الامني و الاقتصادي في تلاق لوجهات نظر البلدين حول ضرورة الحفاظ على وحدة الاراضي العراقية، لتعود العلاقات للتوتر من جديد مع اندلاع الأزمة السورية و التي كانت لها تداعيات عدة ليس على الداخل السوري فحسب بل و على مجمل دول الجوار الاقليمي و أولها تركيا و التي مثل بروز أهمية استراتيجية للملف الكردي اكبر تحد على مستوى أمنها القومي، اذ ان ما يجري في سوريا يشكل فرصة تاريخية لتأسيس دولة كردية على حدودها. و قد تطور الموقف التركي من الأزمة السورية و مر بعدة مراحل، فمع بداية الثورة سعت انقرة الى عدة حلول اصلاحية في مساندة منها لمطالب الشعب السوري الا ان جهودها كللت بالفشل و تصاعد دورها تدريجيا بمحاولتها لعب دور فاعل مع تصاعد التهديدات، فتوجهت نحو الدعم المباشر لقوى المعارضة،لكن الانقسامات التي حصلت في صفوف هذه الاخيرة بالاضافة الى غياب الحلفاء الإقليميين و الدوليين في دعم الثورة، كلها أسباب دفعت بالحكومة التركية الى مراجعة استراتيجيتها في دعم حلفائها داخل المعارضة السورية بما يخدم مصلحتها[8].
 و رغم العلاقة الوطيدة التي تربط بين الجمهورية التركية و الولايات المتحدة  الأمريكية-التي ترجع بداياتها الى تحالف تركيا مع أمريكا  و انخراطها في حلف شمال الأطلسي و من ثم فترة الحرب الباردة حيث مثل الصراع التركي القبرصي مظهرا من مظاهر الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو، الا ان بعض القضايا الاقليمية ساهمت في اختلاف وجهات النظر بين الجانبين، بداية برفض تركيا للغزو الامريكي للعراق عام 2003 و عدم السماح حينها باستخدام أراضيها كنقطة انطلاق لقوات التحالف للإطاحة بنظام صدام حسين، رفضها لقرار مجلس الامن بفرض عقوبات على ايران بسبب برنامجها النووي، وصولا الى الأزمة السورية التي وضعت العلاقات التركية-الامريكية تحت ضغط كبير نتيجة لتباين مصالح الدولتين؛ ففي حين تسعى انقرة الى إسقاط نظام الأسد باعتباره يشكل خطرا محدقا ، حدّدت واشنطن اهدافها بمحاربة ما يعرف بتنظيم داعش اضافة الى دعم الأكراد الذين يمثلون اكبر تحد للامن القومي التركي ، مما ساهم في اتساع  الهوّة بين البلدين اذ ترى تركيا ان السياسات الامريكية هي السبب الرئيس وراء قيام حكم ذاتي كردي منذ حرب الخليج 1991 .
 تُظهر تركيا رغبة في تنويع سياستها الخارجية على نحو يتسم بالقوة. و يكمن التغيير الأساسي في سعي تركيا للعمل بفاعلية ضمن التحالفات الغربية و الابتعاد عن العمل وحدها بعد ان كانت تسعى لاستقلالية دورها الاقليمي و تحديد اجندة المنطقة. ان تبلور النهج الجديد يرتكز على نظريات سياسية قدمت منذ بداية تداعي ثورات الربيع العربي و تنامي انعكاساتها السلبية على تركيا، الا ان المسار الذي اتبعته تركيا خلال السنوات الخمس الماضية لم يمكنها من إحداث اختراقات مهمة في ملفات المنطقة مع انه أنتج مواقف تركية متميزة عن حلفائها في قضايا الاقليم و في الملف السوري خاصة، لتظهر أولى المراجعات السياسية في 2012 لثوابتالسياسة الخارجية الحديثة االتي ألمح إليها أحمد داوود اوغلو الذي ادرك حجم الصعوبات التي تعترض تركيا و تهدد دورها الاقليمي مؤكدا حاجة تركيا الى حسم الأزمة السورية بسرعة لتفادي انعكاساتها السلبية و تأمين استقرار الأنظمة الجديدة في المنطقة اضافة لحاجتها الى الاعتماد على التنسيق مع حلفائها من اجل تصحيح ميزان القوى المعرض للاختلال.وبناء على هذه الاستراتيجية الجديدة توصلت تركيا الى اتفاق تفاهم ينهي التوتر و اعادة تطبيع العلاقات السياسية بينهاو بين اسرائيل بعد قطيعة دبلوماسية استمرت لست سنوات على اثر اعتداء القوات البحرية الإسرائيلية على سفينة الاغاثة التركية قبالة شواطئ غزة ، و قد أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية ابراهيم قالن ان الخطوات المتخذة لتطبيع علاقات بلاده مع كل من اسرائيل و روسيا ستخرج بنتائج هامة للسلام و الاستقرار الاقليمي و محاولة إيجاد حل للازمة السورية و الفلسطينية.
 كما انه  من شان عدة عوامل امنية ان تلعب دورا أساسيا في تحديد العلاقات الخليجية-التركية منذ وصول حزب العدالة و التنمية الى السلطة، اذ انتقلت العلاقات من الطابعين السياسي و الاقتصادي الى الطابعين الأمني و العسكري، وقد ارتبط ذلك بعدد من المحددات منها طبيعة التطورات الاقليمية و ارتفاع وتيرة الصراعات في المنطقة العربية خاصة في ظل تبني تركيالمقاربات سياسية و امنية تتلاقى و الرؤى الخليجية، بداية بالغزو الامريكي للعراق التي رأت فيه كل من تركيا و دول الخليج بداية لبسط النفوذ الايراني ولا سيما بعد تصاعد الاحتقان الطائفي و المذهبي في العراق و الذي يمثل تهديدا مباشرا لدول الجوار، مما دفع بتركيا الى ادراك المصالح المتشابكة و التهديدات المشتركة مع دول الخليج[9]. و تخوفا من المشروع التوسعي الايراني في منطقة الشرق الاوسط، و يجسد انشاء "مجلس تعاون استراتيجي" بين السعودية و تركيا الذي أعلن عنه وزير الخارجية السعودي في ديسمبر 2015 تناغم رؤية البلدين في عدة قضايا اقليمية اهمها الأزمة السورية، ليمثل خطوة مهمة في التعاون و التوافق بين البلدين من شانها تنسيق الجهود لمواجهة الاٍرهاب و إيجاد حل للازمة السورية و التصدي للنفوذ الايراني و دعم القضية الفلسطينية و احلال السلام و الاستقرار في المنطقة[10].
 الانقلاب العسكري: تحديات الداخل والخارج
 اعلنت الحكومة التركية سياسة انفتاحية جديدة قبل محاولة الانقلاب في جويلية 2016، و بدأت اعادة العلاقات المتوترة مع دول مؤثرة اقليميا و دوليا الى سياقها الطبيعي، و توقع العديد من المراقبين ان السياسة الخارجية التركية ستشهد ارتدادا نحو الداخل بعد محاولة الانقلاب الفاشلة و تقلص دورها الاقليمي لعلاج ازمتها الداخلية، الا ان سياسة تركيا أظهرت خلال الأشهر الثلاثة الماضية اندفاعا اكبر اقليميا و دوليا من مرحلة قبل المحاولة الانقلابية ليعود الرئيس التركي رجب الطيب اردوغان اكثر قوة[11]، و تنتقل تركيا الى دور اكثر فاعلية و تأثير حيث اتخذت مواقف اكثر حزما خاصة تجاه أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية. وقد دفعت مواقف الدول بعد محاولة الانقلاب بين مسارع للإدانة ومتريث، دفعت بتركيا الى اعادة حساباتها تجاه تلك الدول، و أولها الولايات المتحدة الامريكية التي من المفترض ان تكون أولى الدول المسارعة للإدانة كونها حليف لتركيا، الا ان تخاذل الادارة الامريكية في إصدار موقفها اضافة الى رفض هذه الاخيرة تسليم  المعارض التركي فتح الله غولن المتهم الاول وراء محاولة الانقلاب، ساهم في توتر علاقتها مع الولايات المتحدة  الأمريكية، كما كان لاغلاق تركيا لمجالها الجوي، الامر الذي أوقف طلعات الطّائرات الامريكية ضد داعش انطلاقا من "قاعدة انجرليك"، انعكاسا على العلاقات الثنائيّة بين البلدين التي يبدو انها بدأت تتخذ مسارا جديدا على خلاف ما كانت عليه في السنوات السابقة، اذ كانت تُعد نموذجا للقوة في الصناعات الدفاعية و التدريب العسكري و عمليات دعم السلام الاقليمي و الدولي و مكافحة الاٍرهاب ومهام منظمة حلف شمال الأطلسي و العمليات المشتركة في أفغانستان، الا ان هذه العلاقات أخذت في التداعي خاصة فيما يتعلق بالملف السوري.[12]
 و للتذكير، فقد توترت العلاقات التركية الروسية بسبب تناقض المواقف بخصوص الأزمة السورية على اثر إسقاط القوات الجوية التركية الطائرة الروسية التي اخترقت المجال الجوي التركي في أواخر 2015 مما نتج عنه تسليط عقوبات اقتصادية من الطرف الروسي و التي اثرت بشكل سلبي على تركيا ،لكن اردوغان و في ظل بحثه عن تحالفات جديدة في المنطقة قدم رسالة لاعتذار للرئيس الروسي كخطوة اعتبرها العديد من المحللين جريئة و حكيمة لإعادة تطبيع العلاقات بين موسكو و انقرة و التي من شانها ان تحمل معها تغيرات كبيرة على صعيد العديد من المعادلات الاقليمية في القضايا ذات الاهتمام المشترك بين الجانبين و لا سيما الأزمة السورية خاصة و انه ليس من مصلحة تركيا انسحاب روسيا من سوريا[13]، كما ان روسيا و في سياق تثبيت نفوذها في المنطقة سعت الى اعادة  العلاقات مع تركيا الى سكتها الصحيحة،و التي تعتبر كحليف مفترض للولايات المتحدة الامريكية، في محاولة منها لكسب حليف جديد في المنطقة  في ظل تدهور العلاقات التركية الامريكية.و قد سرع الانقلاب الفاشل و خصوصا الموقف الروسي منه كأول دولة غربية تدين الانقلاب، من خطوات المصالحة الروسية التركية، ففي زيارة للرئيس التركي لروسيا وقع الاتفاق على اعادة العلاقات الاقتصادية و تشكيل لجنة ثنائية لدراسة التعاون في سوريا[14] اذ ان من شان التقارب التركي الروسي،رغم كل التناقضات القائمة منذ بداية الثورة السورية، ايجاد حل للازمة السورية خاصة اثر تخلي تركيا عن دعم المعارضة السورية و القبول لحل سلمي بوجود الأسد خاصة مع تقارب وجهات نظر كل من انقرة و طهران المعارضة لقيام كيان كردي في شمال سوريا وهو ما أعرب عنه يلدريم في تصريح له عن اقتراب التوصل الى حل للازمة السورية و ان شكل الحل يشمل ثلاث خطوات هي : حماية الحدود و عدم السماح بإقامة دولة يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي و عودة اللاجئين المقيمين في دول الجوار بعد تحقيق الهدف النهائي[15].
 و بالتوازي مع المصالحة الروسية-التركية، تأتي زيارة وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف في شهر أوت 2016الى العاصمة التركية انقرة لبحث العلاقات الثنائية التركية الايرانية و محاولة تعزيزها، و لقد مثلت الزيارة خطوة مهمة و اجراء يأتي في وقته خاصة على اثر اعلان انقرة عن توجهات سياسية جديدة تخدم مصالحها، و قد حملت هذه الزيارة العديد من الرسائل و حتى و ان لم يُلعن عن تصريحات او توصيات عملية يمكن تطبيقها على ارض الواقع، الا انه يمكن التكهن بسيناريوهات اقليمية و دولية مضادة تظهر في القريب العاجلتقلب موازين التحالفات الحالية أهمهاالتحول الحاصل في مستوى العلاقات السعودية التركية .
من جهة أخرى، اتسمت العلاقات التركية-الايرانية في عهد حزب العدالة والتنمية بالثقة المتبادلة كجزء من سياسته القائمة على حسن الجوار على الرغم من اختلاف مواقفهما جذريا بشأن الأزمة السورية. و مع ذلك فان العلاقات بين الجانبين كانت تتسم بالحذر و الحيطة نظرا لتوازنات اخرى تمس طهران في علاقاتها بكل من موسكو و دمشق من جهة، و بخصومها في دول الخليج من جهة اخرى، لتعود العلاقات و تتعزز بين البلدين على اثر انفتاح تركيا على حلفاء جدد في المنطقة و تعديل سياستها في مايخص الأزمة السورية.و على اثر تصريح لأردوغان " نحن مصممون على التعاون مع ايران و روسيا لمعالجة المشاكل الاقليمية في المنطقة جنبا الى جنب و تكثيف جهودنا الى حد كبير لاستعادة السلام و الاستقرار في المنطقة "، تظهر بوادر تشكيل مثلث استراتيجي جديد لكسر النفوذ الامريكي في المنطقة خاصة و ان التقارب بين هذه البلدان الثلاث يمكن ان يلعب دورا إيجابيا في عدة قضايا و على رأسها الأزمة السورية مع ضرورة المحافظة على وحدة أراضي هذه الاخيرة، منع قيام كيان كردي و محاربة الاٍرهاب.[16] و تسعى تركيا الى كسب كل من ايران و روسيا من اجل تنفيذ استراتيجيتها الجديدة ضد الأكراد اذ يؤكد مراقبون لشؤون الشرق الاوسط ان انقرة تعتزم التوصل الى اتفاق مع النظام السوري و حليفيه لشن حرب واسعة النطاق ضد الأكراد لمنع قيام الكيان الكردي على حدودها. اذ تتربع القضية الكردية على هرم مخاوف تركيا ذلك ان الهيمنة الكردية في شمال سوريا و سعيها لتوسيع نفوذها يمثل تهديدا وجوديا لسلامة الاراضي التركية.[17]
و بالنظر الى الخلفية التاريخية لعلاقات الخارجية مع كل من ايران و روسيا، فان انقرة مدعوة اليوم الى العمل على تطوير العلاقات التجارية و الاقتصادية مع هذا المحور قدر الإمكان و استثمار العلاقات النامية معه لتحسين موقعها في المنظومة الغربية على المدى البعيد من ناحية اخرى، فيما سيبقى الدور التركي في قضايا المنطقة، فرعا من التصور العام للسياسة الخارجية التركية و تبعا لمسارات التهدئة و التقارب مع كل من روسيا و الولايات المتحدة الامريكية.
 و ضمن الاستراتيجية الجديدة التي اعلنتها تركيا على اثر المحاولة الانقلابية الفاشلة، أعلن الرئيس التركي اردوغان عن عزم قوات بلاده على المشاركة في معركة استعادة السيطرة على مدينة الموصل العراقية التي تخضع لسيطرة ما يعرف بتنظيم الدولة منذ سنة 2014وسط رفض تام من الحكومة العراقية التي اعتبرته "تدخلا سافرا" في شوؤنها الداخلية و خرقا لمبدأ السيادة، و يعكس هذا التشويش العراقي على الدور التركي قلقا شديدا لدى بغداد بخصوص نوايا انقرة- الدولة ذات الأغلبية السنية-فالحكومة العراقية الشيعية المدعومة من ايران تتعرض لضغوط شديدة حتى لا تسمح لقوات تركيا بالوجود على الاراضي العراقية. و يتعلق القلق العراقي بالاهداف المستقبلية لتركيا بشأن منطقة شمالي العراق اذ يطالب بعض السياسيين القوميين الأتراك الذين نما نفوذهم بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، بالحق التاريخي لتركيا في مدن الموصل و كركوك و مناطق اخرى شمالي العراق التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية، كما ساهمت الخطة التركية التي كشف عنها وزير الخارجية التركي جاويش اوغلو، و التي تقضي بإنشاء ملاذ آمن للاجئين في شمالي العراق، في زيادة مخاوف الحكومة العراقية. كما يتلخص جزء من رغبة تركيا في التدخل العسكري في الموصل في مخاوفها بخصوص العدد الكبير للجنود الشيعة التي تحاصر المدينة، وهو ما يؤكده طلبالرئيس التركي بضرورة المحافظة على التركيبة السكانية لمدينة الموصل بعد تحريرها من تنظيم الدولة في إشارة الى المكون السني الغالب في المدينة و ذلك في ظل اعادة الرسم لخارطة الشرق الاوسط على أساس عرقي و طائفي.[18]وقد عززت تركيا مؤخرا من تواجدها العسكري على الحدود العراقية اذ نشرت ما يقارب 30 دبابة لتبقى على اهبة الاستعداد للتصدي لأي خطر يهدد أمنها القومي.
 في حين تستمر تركيا في سياستها الخارجية القائمة على قاعدة الترميم و توثيق العلاقات مع الدول التي رفضت محاولة الانقلاب، فإنها تتخذ في المقابل خطوات الى الوراء مع تلك التي ايدت الانقلاب لاسيما فرنسا و ألمانيا و بشكل عام الاتحاد الاوروبي، ففي حين كان من شان مساندة الشعب التركي للشرعية و دفاعه عن الديمقراطية و مكتسباتها ليلة الانقلاب الفاشل ان تقربه خطوة كبيرة من الاتحاد الاوروبي، الا ان هذا الأخير اظهر موقفا مخيبا للامال التركية حيث تجاهلت وسائل الاعلام الأوروبية الحدث و روجت لعمليات اعتقال الانقلابيين على انها "غير إنسانية" و "انتهازية" بما يتنافى و مبادئ الاتحاد الاوروبي . و هو ما ادى الى مهاجمة الرئيس التركي اردوغان للغرب واصفا إياه بازدواجية المعايير و مطالبا اياهم ب"الكف عن توجيه النصائح المغلفة بغلاف الديمقراطية الزائفة الى تركيا التي لم تعد بحاجة لمثل تلك النصائح"، تصريحات قوبلت بمهاجمة إعلامية و رسمية من الجانب الاوروبي تنفي اي فرصة لتركيا للانضمام حاليا الى الاتحاد الأوربي خاصة اثر انفصال بريطانيا. و يعود رفض الاتحاد الاوروبي إعطاء تركيا فرصة الانضمام التي تستحقها، حسب بعض المحللين، الى:
-رفض بعض الدول الأوروربية للتقدم الاقتصادي التركي والذي من شانه ان يحرمهم الكثير من الامتيازات الاقتصادية، ولا سيما ألمانيا التي ترى في تركيا خطرا اقتصاديا جسيما على اقتصادها
-امتعاض معظم دول الاتحاد الاوروبي من حصول تركيا على قوة دبلوماسية وإرادة سياسية تحدان من امكانية تحكمهم بها كما في السابق.
-خوف الاتحاد الاوروبي من عدد سكان تركيا الضخم، وهو ما ادلى به رئيس وزراء ألمانيا في تصريح له مؤخرا مؤكدا انه لا يرى اي مؤشر لامكانية انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي في المستقبل القريب[19]
و يخشى الاتحاد الاوروبي ان تدهور العلاقات مع انقرة سيقوض الاتفاق المتوصل اليه لمواجهة أزمة اللاجئين في أوروبا، و يبقى مستقبل الاتفاق في الميزان بسبب قضية إلغاء دخول الأتراك الى أوروبا الذي تعتبره تركيا جزء من اتفاق الهجرة بين الطرفين و تظهر التطورات الحالية انه بقدر ما يشعر الاتحاد الاوروبي بالقلق ازاء أزمة اللاجئين و الحرب في سوريا فانه يجب العمل بجدية من قبل الجانبين للحصول على عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي في سبيل المحافظة على المصالح الحيوية التي تتطلب تعاون وثيق بين كل من تركيا و أروربا.[20]
 خاتمة
 تعتبر تركيا الطرف الاقليمي الرئيس الذي يستطيع ان يلعب دورا مهما في الحفاظ على النظام و الامن الاقليمي، و لقد مثلت استراتيجية اردوغان في ممارسة سياسته الخارجية حجر الأساس في نجاح تركيا في السياسة الاقليمية في العقد الأخير، و مع ظهور عدة تطورات اقليميا و دوليا كان من شانها تهديد أهداف تركيا الخارجية، عملت تركيا على اعادة تنظيم سياساتها في ضوء التطورات الاقليمية[21] مع الحفاظ على الثوابت و تتلخص محددات السياسة الخارجية التركية في: اولا الحفاظ على السلم و الامن الدوليين و التصدي لأي نشاط ارهابي او غيره من شانه تهديد الامن الاقليمي و الدولي على حد السواء. ثانيا،سياسة تصفير المشاكل مع دول الجوار. و يقوم المبدأ الثالث على الأقاليم الداخلية و الخارجية لدول الجوار و لاسيما الشرق الاوسط و يرتكز المبدأ الرابع على "السياسة الخارجية متعددة الأبعاد"، ذلك ان العلاقات مع اللاعبين الدوليين ليست في حالة تنافس و إنما متممة و مكملة و يتمثل المبدأ الخامس في قوة المبادرة الدبلوماسية او ما يعبر عنه ب "القوة الناعمة".
وصال الورفلّي
عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية
[1]دراسة" التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية التركية"، مركز الجزيرة للدراسات
[2]احمد داوود اوغلو،العمق الاستراتيجي-موقع تركيا و دورها في الساحة الدولية، ص 96، الدار العربية للعلوم ناشرون- مركز الجزيرة للدراسات، الطبعة الثانية 2011
[3]د.سعيد الحاج "اتجاهات السيسة الخارجية التركية بعد انقلاب 15 تموز", بتاريخ 31/08/2016, مركز الجزيرة للدراسات
[4]Jonathan Schanzer and MerveTahiroglu, “ How Turkey Lost thé Arab Spring”, magazine Foreign affairs, January 2016
[5]مراد يشيلطاش و اسماعيل نعمان تيلي، دراسة "السياسة الخارجية التركية في ظل التحولات الاقليمية"، مركز الجزيرة للدراسات، ديسمبر 2013
 
[6]د.احمد داوود اوغلو، "مبادئ السياسة الخارجية التركية و موقفها السياسي الاقليمي"، مركز البحوث الاستراتيجية SAM، العدد 3، افريل 2012
[7]جراهام فولر، كتاب "الجمهورية التركية الجديدة"، ص 133، إصدار مركز الامارات للدراسات و البحوث الاستراتيجية-ابو ظبي، الطبعة الاولى 2009
[8] مقال بعنوان"اسباب و تداعيات تغير الموقف التركي تجاه القضية السورية"، بتاريخ جانفي 2014orient news
[9]محمد عبد القادر خليل، "الأبعاد الأمنية و العسكرية للعلاقات الخليجية – التركية"،ص 19  سلسلة "دراسات استراتيجية" العدد 184، مركز الامارات للدراسات و البحوث الاستراتيجية، الطبعة الاولى 2013 .
[10]مقال "التحالف الاسلامي...غطاء للتحالف التركي السعودي ضد تقسيم المنطقة"، نشر بتاريخ 31/12/2015 ترك برس
[11]"سياسة تركيا الخارجية بعد فشل الانقلاب..الى اين؟"، مظفر مؤيد العاني، بتاريخ 04/10/2016، turkey post
[12]موقع "المونتير" الأمريكي  
[13]"العلاقات الروسية التركية.. خصومة على ارضية المصالح "، مركز الجزيرة للدراسات، بتاريخ 7/7/2016
[14]مقال "اردوغان و بوتين يتفقان على انشاء لجنتين لبحث الأزمة السورية"، العالم ، بتاريخ 10/08/2016
[15]"كيف يؤثر التقارب التركي مع روسيا و ايران على الأزمة السورية؟"، BBC Arabic، 17/08/2016
[16]دراسة" المثلث الروسي الايراني التركي الى اين؟"، مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية و الاستراتيجية-لندن، نشر بتاريخ 15/08/2016
[17]Ali Bayramoğlu, “ Deciphering Ankara’s Middle East policy”, Al monitor-Turkey pulse, 10/2016
[18]Simon Tisdall, “Fears battle for Mosul could open new front in wider Sunni-Shia conflit”, 24/10/2016, The Guardian
[19]"تركيا و فرصة الانضمام للاتحاد الاوروبي ما بعد 15 يوليو"، ترك برس، بتاريخ 30/08/2016
[20]Semih Idi,EU tries to mend fences with Turkey following attempted coup, Al Monitor-pulse of the Middle East, 09/2016
[21]مراد يشيلطاش و اسماعيل نعمان تيلي، دراسة "السياسة الخارجية التركية في ظل التحولات الاقليمية"، مركز الجزيرة للدراسات، ديسمبر 2013
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك