القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

السياحة الحزبية ... جدل السياسة والأخلاق

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-05-19 18:13:00 | 780 مشاهدة

 

الملخّص:
إن الجدل الدائر حول ظاهرة السياحة الحزبية بين مؤيد ومعارض والتي تحولت إلى حالة من التجوال العبثي للأفراد والكتل وحتى الأحزاب ذهابا وعودة، انفجارا وانصهار، تقلصا وتمددا لا يمكن فصلها عن واقعها العام المتسم بالهشاشة وعدم الاستقرار نتيجة لضبابية المشهد من جهة ونتيجة لغياب القامات السياسية القادرة على الاستشراف والمبادرة من جهة أخري.  ولعل المشهد لا يخلو من بعض السريالية نتيجة ظهور طبقة من السياسيين امتهنت الارتزاق والتسلق والمتاجرة بقضايا الوطن وتطلعات المواطن وكذلك استشراء ظاهرة ترذيل السياسة والسياسين لدى كثير من الفاعلين عامة كانوا أو نخبا بما يستدعي البحث عن مواثيق أخلاقية تخرج بنا من حالة التردي وتقلص من حالات التشكل الهجين للأحزاب في شكلها ومضمونها. ولقد أدي هدا الواقع اللامستقر إلى نشوب معارك تدور رحاها بين أطراف متعددة ساعدت على تكريس القناعة بتردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تونس وأشاعت الإحساس بفقدان الثقة في حاضر البلاد ومستقبلها ولم تترك للتونسيين من ملجإ سوى اجترار الماضي بشخوصه وأعلامه وقادته وكأن البلاد عاجزة على إنجاب من يصنع مجدها ويعزز مكانتها لتستمر بذلك مسارات التيه والضياع في غيابات البحث عن الزعيم المزعوم والمهدي المنتظر في غياب الفكرة والمنهج والمشروع.  ولعل تشبث البعض بالإديولوجيا والبعض الأخر  بالنوستالجيا السياسية قد فوت على ثورة تونس حاجتها إلى براغماتية سياسية تجلب معها براغماتية في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتحمل في طياتها كثيرا من رسائل الطمأنة وإشارات الأمل في مستقبل مزهر يقطع مع مساوئ الماضي ويؤسس للحظة فارقة في تاريخ البلاد والعباد. وبالتأكيد فإن الهشاشة التي تتسم بها مراحل الانتقال الديمقراطي وعجز النخب على إنشاء مشاريعها التنظيمية الكبيرة المتسمة بالمرونة والقادرة على القيام بالوظائف الجديدة الموكلة إليها والتي تسمح لها بالتواصل والاستمرار والريادة قد يجعلها مضطرة إلى الانخراط في حالة من الديمقراطية التوافقية لاعتمادها كآلية سلمية للتشارك في السلطة في مواجهة خطر الانقسام بين مكونات المجتمع نتيجة فقدانها لثقتها ببعضها.  وحتى يصبح التوافق بذلك سبيلا آمنا لتقاسم السلطة واتخاذ القرارات الديمقراطية التوافقية كبديل عن الديمقراطية التنافسية وعلى أساس البحث عن الحلول الوسط للمشاكل والتحديات ووفقا لمنطق التسويات السياسية القادرة على ضمان حالة من الاستقرار القادر وحده على الفرز وتوضيح الرؤى وكبح جماح النافخين في جمر الخلافات وصناعة المعارك المزيفة بما يبوئ كل طرف من الأطراف المتنافسة المكانة التي يستحقها بعيدا عن الهزات والتصدعات والتيه وفقدان البوصلة.

المقدمة
يعرف المشهد السياسي التونسي تطورا متسارع النسق من أبرز سماته وتمظهراته ما يطلق عليه اصطلاحا "ظاهرة السياحة الحزبية" والتي تحولت من انتقال للأفراد من حزب إلى آخر ومن كتلة إلى أخرى إلى انتقال للكتل والأحزاب وتجوالها ذهابا وعودة تحت لافتات متعددة كالتحالف والتعايش والانصهار تقلصا وتمددا حتى أصبح من الصعب على المتابعين استشراف مآلات التموقع السياسي نظرا لما يفرضه الواقع الجديد من تعقيدات. ولئن أرجع البعض سياحة الأفراد إلى طبيعة التوق إلى تحقيق بعض المصالح الشخصية والمطامح الذاتية في معظم الأحيان فإن السياحة الجماعية من موقع إلى آخر ومن شق إلى شق إنما تتنزل في جزء كبير منها في صلب النهم اللامحدود الذي يميز طيفا واسعا من الطبقة السياسية اللاهثة وراء البحث عن المغانم العاجلة عبر  الاصطفاف والتشكل الذي يدل دلالة واضحة عن عمق الفجوة الفكرية وضعف النظرة الإستراتيجية وعدم القدرة على تفكيك الواقع وتحديد الأولويات لدى الكثير من الأحزاب السياسية في غياب المشروع السياسي وانحسار المبادئ العامة واستلاب الهويات والماهيات من جهة أخرى. فالسياسة في ظاهرها قدرة على إدارة التحالفات مع الأصدقاء والشركاء وكذلك إدارة الاختلافات مع الأعداء والفرقاء ولكنها في عمق منسجها فهم وإدراك لطبيعة التباينات مع الحلفاء مهما تعمقت واستجلاء التقاطعات مع الفرقاء مهما تقلصت وفهم ووعي بالذات الحزبية ومجالات الخصوصية والتميز فيها بامتلاك الحس الإستراتيجي القادر على تحصين الأحزاب من مخاطر الاستلاب البادي في حالات التشكل الهجينة شكلا ومضمون أو الذي يتجلى ويتمظهر في الخلل الظاهر بكل الوضوح في جميع مستويات العلاقات الرابطة بين الزعامات والقيادات السياسية على اختلاف مستوياتها ومرجعياتها سواء التي تنظم العلاقة البينية فيما بينها من جهة وما بينها وبين بقية القواعد من جهة أخرى بما يكرس كثرة الوجوه وقلة البدائل. كل هذا يطرح إشكاليات متعددة ومتعددة تتعلق بتخليق السياسة في مقابل ترذيل النخب وبصناعة الفكرة في مقابل عبادة الصنم وبتغليب المصلحة في مقابل ورطة الإيديولوجيا كل ذلك من أجل بناء حقيقي ودائم لتوافقات سياسية حقيقية تكون سبيلا لتحقيق الاستقرار والتعايش والديمقراطي بين جميع أبناء الوطن الواحد.

السياحة الحزبية بين أخلقة السياسة وترذيل النخب:
لا يمكن تصور عمل سياسي تغيب عنه الأخلاق والمبادئ والقيم السامية ولا يمكن تحويل السياسة إلى خيار ناجح دون مشروع لأخلقة المجتمع الذي تلوثه المساوئ وتتفشى فيه مظاهر التصارع المتسلح بالقدح والقذف والتسميم والمناورة وفي قطيعة مع كل وجوه المصداقية وصور للأخلاق.  وقد جاء المرسوم المنظم للأحزاب السياسية ناصا على حرية تأسيس الأحزاب السياسية والانضمام إليها والنشاط في إطارها وهادف إلى تكريس حرية التنظيم السياسي ودعم التعددية السياسية وتطويرها وإلى ترسيخ مبدأ الشفافية في تسيير الأحزاب السياسية من دون أي قيود سوى ما تعلق منها بالدعوة إلى العنف والكراهية والتعصب والتمييز على أسس دينية أو فئوية أو جنسية أو جهوية. وقد كان لهذا التحول التشريعي الأثر العميق في تغيير أحوال الظاهرة الحزبية في تونس وتغير ملامحها كما وكيفا فتزايد بذلك عدد الأحزاب التونسية المعترف بها قانونا ليصل إلى مائتين وستة عشر حزبا مع بروغ فجر الحزب الجديد لرئيس الحكومة يوسف الشاهد كبديل عن نداء تونس ولكن بنفس الوجوه وبنفس الآليات وبنفس المرجعيات بما يكرس هشاشة الأحزاب وحداثة قياداتها وقلة تجربتهم السياسية القادرة على تحديد خياراتهم النهائية. ولعل السمة البارزة لهذه الطفرة في ظهور الأحزاب أنها تشكلت بلا مرجعيات فكرية أو إيديولوجية وبلا أدبيات واضحة بالمفاهيم الكلاسيكية والتقليدية وفي غياب للعقد والرباط الجامع بين المنتمين إلى كل طرف سياسي.  وسيشكل هذا الغياب مرتكزا أساسيا لما تعيشه هذه التجمعات الحزبية من حالات سياحة الحزبية تجلت في استقالات جماعية شملت أغلب الأحزاب حاكمة ومعارضة صغيرة أو كبيرة عريقة أو حديثة. ولعل الناظر في مرتكزات تلك التشققات والاستقالات والخلافات سيجد أن لها مراجع فكرية في جانب ما تتعلق ببرامج الأحزاب وتوجهاتها إلا أن أغلبها لم يخل من الاتهامات بوجود إغراءات وعمليات بيع وشراء للذمم والمشهد السياسي مليء بالشواهد والعينات سواء التي ارتبطت بمرحلة التأسيس أو ما بعدها مع كل من نداء تونس والوطني الحر وآفاق تونس وغيرها وفي غياب القانون الذي يمنع السياحة الحزبية أو يجرمها بل أن هناك من يعتبر ذلك إن وجد شكلا من أشكال التضييق على حرية وممارسة العمل السياسي.

وتصبح السياحة الحزبية ممكنة وعادية خاصة في ظل عدم استقرار الساحة السياسية من جهة وضعف الشعور بالانتماء إليها ولدى منتسبيها من جهة أخرى لتشمل حتى البعض من قياداتها حتى وإن لم تكن لها مبررات سياسية أو فكرية محضة خاصة وأن هذا التجوال بدا منحصرا بين أطراف لا تختلف فكريا أو تنظيميا عن الأحزاب  الأصلية التي استقالت منها بما يغزز النظرة الدونية للنخب ويؤكد الاتهامات المنتشرة لعمليات البيع والشراء التي تتحدث عنها الأحزاب كلما طالها الزلزال وفجعتها الرجة وما طال النخب من امتهان وتزذيل يكسر رابط الثقة في الأحزاب ويعزز العزوف لدى العامة في التنظم والانتخاب وحسن الاختيار.

في غياب الرؤية يصنع الصنم:
لقد اختزل المفكر الجزائري مالك بن نبي ولع الناس بصناعة الأصنام في عبارته الشهيرة إذا غابت الفكرة بزغ الصنم فقد يتفنن الناس عند كل مرحلة زمنية في صناعة أصنامهم ومن ثم تقديسها وتأليهها فقد وصل الأمر  بكفار قريش أن يصنع أحدهم إلهه من عجين التمر فيعبده لفترة من الزمن فإذا اشتد به الجوع أكله. والخطورة ليست في الأصنام المادية المنحوتة من الحجارة أو المصنوعة من التمر أو الفخار إنما الخطورة في الأصنام البشرية والرمزية التي تتحكم بمصائر الناس وتستخف بالعقول وتعطل قوى الإدراك فتتحول بذلك إلى منهج فكري تنتهجه الشعوب وتكرسه المجموعات والمؤسسات والتيارات والعائلات السياسية تقودها في ذلك العاطفة ويسيطر عليها الوهم

من أجل ذلك وجب على المثقفين والقوى السياسية ووسائل الإعلام أن تدرك دورها المهم في العمل على انتشال الشعوب من براثن الوثنية السياسية الجديدة وتقديس الأشخاص مهما علا عبهم والتخلي عن صناعة الوهم والأوهام . ولعل أوضح مثال على شيوع هذه الصناعة ما دأب عليه بعض الساسة في تونس من إظهار مخاتل للوفاء لشخصية الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة  في محاولة  لإعادة تفعيل الاصطفاف على أساس يرتبط بالثقافة والهوية  وتوظيف صورة بورقيبة الرمزية عبر إثارة مشاعر  النوستالجيا الماضوية كآلية من آليات إعادة توحيد العائلة المسماة بالديمقراطية من أجل تشديد الحصار على من سواهم وخاصة الإسلاميين  وتصويرهم على أنهم خارجون عن الإجماع الوطني متناسين وفي تناقض تام  أن الذين ينوون استثمار الجدل المحيط بهذه القضية هم أول من خان صنمهم حيا وميتا.  تدور رحى هذه المعركة في الوقت الذي تعمل أطراف متعددة على تكريس القناعة بتردي الأوضاع السياسية والاقتصادية و الاجتماعية في تونس وإشاعة الإحساس بفقدان الثقة في حاضر ومستقبل البلاد حيث لم يبق للتونسيين من ملجأ سوى اجترار الماضي بشخوصه وأعلامه وقادته وكأن البلاد عاجزة عن إنجاب من يصنع مجدها ويعزز سؤددها لتستمر مسارات التيه والضياع في غيابات البحث عن الزعيم المزعوم والمهدي المنتظر. لدينا في تونس عشرات من الأحزاب السياسية في مشهد غلب عليه التشتت والعزلة والانغلاق والجمود فالمشهد السياسي  يعاني من مشكلة غير قابلة للحل عنوانها الزعامة التي تظهر في مستويين أولهما الزعامة الحزبية والثانية الزعامة الشخصية فحرب الزعامات لا تنطفئ جذوتها بدفاع كل حزب أو تيار سياسي باستماتة عن خصوصياته وعدم استعداده للتضحية بها أو بجزء منها بما يستحيل معها التقاء طرف مع طرف آخر وكل رغبة في التوحيد والتجميع تبقى شريطة أن يغلب خصوصياته ليفوز بالزعامة على حساب البقية وهذه المشكلة لا تقل تعقيدا عن الزعامة الشخصية. ففي أحزابنا التونسية لا نكاد نعثر على أي تجربة تفصل بين الحزب ومؤسسه فكل حزب معروف بصاحبه لا باسمه فنقول حزب يوسف الشاهد وحزب حمة الهمامي وحزب سليم الرياحي.... وعلى خلاف ذلك كله يبقى فن القيادة الجماعية اليوم مجالا للاختصاص والتخصص بتشعب الإشكاليات التي لا حل لها إلا في بناء كاريزما جماعية قادرة على التصرف في الموارد البشرية والمادية والتكيف والاقتناع التام بأن العبقرية لا يصنعها الفرد وإنما تصنعها الجماعات وتنجزها الأجيال.

موت الايدولوجيا وصعود البراغماتية
إن التساؤلات الكثيرة التي تفرض نفسها في تونس اليوم هي ما تتنزل منها ضمن إطار البحث عن الصور الحقيقية لنجاح النخب التونسية في فك الاشتباك التقليدي بين المحافظين والحداثيين والبناء على الموروث النضالي المشرق كهيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات إبان معارضتها لنظام الاستبداد والفساد في بلد تتداخل فيه العوامل الظرفية الطارئة بالعوامل الدائمة وتتشابك فيه العوامل الداخلية المحلية وتتقاطع مع العوامل الجيو- إستراتيجية. فهل ستتخلى المعارك المستعرة منذ أجيال طويلة بفضل الثورة عن أبعادها العقائدية والإيديولوجية وتتحول إلى حالة من المنافسة السياسية والحزبية المحضة؟ إن الأيديولوجيا وحدها الحاملة لشعارات العداء المزمن لا يمكنها الصمود وحدها أمام حقائق الوضع الداخلي المتسم بحالة مستعصية من التململ المجتمعي نتيجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية ومع غياب واضح للحلول ومع كل الإحصائيات  والاستطلاعات التي تخبر عن ارتفاع معدّلات الفقر و العوز وضيق الأفق بما ينبئ عن ممانعة لكل صراع لا يطال مجالات الحياة الأساسية ويستدعي التعامل مع الوضع بكثير من البراغماتية والنفعية بما يحقق انعكاسات واضحة وعاجلة على مستوى المعيشى لأن ما سوى ذلك هو من قبيل  افتعال للصراعات التي لا تخبر إلا عن سفسطة ومخاتلة. لقد أدى مسار الانتقال الديمقراطي على مدى السبع سنوات الماضية إلى فرض نماذج سياسوية ساهمت في تهميش القوى المجتمعية وألغت فعالياتها بالاحتكام إلى منطق العداء المستديم مما أدى  إلى  نشأة منظومة وقواعد تحرك تستنبط شروط بقائها وتفاعلها وامتلاكها لأدوات الاستمرار من احتدام الصراع  وتغلغله في النفوس فهؤلاء يستثمرون في كل شيء من أجل تعميق الهوة بين شركاء الوطن مستغلة أدوات وضيعة ترتبط بمصطلحات العنصرية والجهويات والحساسيات المفرطة للدين والهوية والوطن مما أدى إلى تراكم الاختلال وتغييب الأفعال المؤسساتية وتغليب الخطابات الجاهزة والمعلبة المستندة إلى عمليات التشويه التي تفننت الغرف المخفية في رسمها عن واقع الثورة ومخرجاتها مساهمة بذلك  في تكوين انقسامات مجتمعية قد تكون حاضنة لتجاوزات كبرى قد تقضي على التجربة الديمقراطية في مهدها. ومن أجل أن يستمر الأمل في الثورة فإن تونس في حاجة إلى براغماتية سياسية تجلب معها براغماتية في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتحمل في طياتها كثيرا من رسائل الطمأنة وإشارات الأمل في مستقبل يقطع مع مساوئ الماضي ويؤسس للحظة فارقة في تاريخ البلاد والعباد. إن السياسة القائمة على أسس الحرية والتعددية الحزبية في واقع ديمقراطي وإن كان هشا تعني المنافسة وتعني كذلك البحث عن الحلول المشتركة لصالح الدولة ومواطنيها من خلال تكريس آليات الحوار الفعال والشامل بني الأحزاب السياسية والعائلات الفكرية ووأد الصراعات والنزاعات وتقليص العلاقات الاستقطابية بنيها حتى لا يكون ذلك عاملا في إعاقة تنمية البلاد ويساهم بالقدر المطلوب في تعزيز مجالات الثقة والتعاون بين الفرقاء بما يحقق السلام والأمن والاستقرار المنشود والنمو المستدام.

التوافق السياسي سبيل للاستقرار والتعايش والديمقراطي:
يعني مفهوم التعددية في الفكر السياسي توزيع السلطة السياسية عن طريق تفاهمات أو إجراءات أو أشكال مؤسساتية وفي معظم الأحيان يستخدم المصطلح كتعبير عن وضع لا تعود فيه الهيمنة إلى جماعة سياسية أو أيديولوجية أو فكرية أو اثنيه واحدة ويقوم على التنافس بين كيانات مختلفة. وتقوم الأسس النظرية للتعددية على الاعتقاد بان السلطة هي بطبيعتها موزعة أو يجب أن تكون كذلك بين عدة جماعات ومصالح في المجتمع وغير ذلك هو الاستبداد والتفرد بالحكم والسلطوية العمياء القائمة على مبدأ ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. وقد أجمع معظم الكتاب الغربيين على أن التعددية تجعل من السلطة في المجتمعات مجزأة وموزعة يملك كل فرد مباشرة أو عن طريق مجموعة منظمة شيئا منها حيث لا يجوز له أن يملك منها أكثر مما يجب وتتولد من فكرة تعدد الأحزاب ويتجلى وجود عدد منها في الدولة بما لا يقل عن كيانين اثنين أحدهما يتولى الحكم والأخر يتولى المعارضة. ويقوم هذا التعدد على أساس الاعتراف بحرية تكوين الأحزاب السياسية على أساس قبول مبدأ التعايش السلمي بينها وتحقيق الديمقراطية والتمسك بمبدأ حرية الرأي والفكر والتعبير. فالأحزاب وإن اختلفت برامجها وأهدافها وأساليبها فهي تعمل جميعا على تحقيق المصلحة العامة في الدولة بالطريقة التي تراها أفضل والخلافات الحزبية بهذا المنطق يجب أن تظل محصورة في إطار ممارسة حرية الرأي والفكر ولا تؤدي إلى المخاصمات أو المشاحنات أو الصدامات العنيفة بين الأنصار والمؤيدين وأي اختلاف في الرأي لا ينبغي أن يفسد للود قضية وألا يؤدي التنافس بين الأحزاب على السلطة إلى الإضرار بمصالح الوطن والمواطنين. ولعل التحولات التي تعيشها بعض المجتمعات قد تؤثر بقوة على ظهور وتعدد الأحزاب والكيانات السياسية خاصة في مراحل الهشاشة التي تتسم بها مراحل الانتقال الديمقراطي أين تفقد النخب القدرة على إنشاء وصيانة أشكال تنظيمية كبيرة تتسم بالمرونة وقادرة على القيام بالوظائف الجديدة الموكلة إليها والتي تسمح لها بالتواصل والاستمرار والريادة مما يضطرها إلى الانخراط في ديمقراطية توافقية واعتمادها كآلية سلمية للتشارك في السلطة في مواجهة خطر الانقسام بسبب تطرف بعض مكونات المجتمع أو جلها وعدم ثقتها ببعضها البعض ويصبح التوافق بذلك سبيلا آمنا لتقاسم السلطة واتخاذ القرارات الديمقراطية التوافقية بديلا عن الديمقراطية التنافسية على أساس البحث عن الحلول الوسط ووفقا لمنطق التسويات السياسية.
وتعتبر النمسا وسويسرا وهولندا وبلجيكا من أول الدول التي اتخذت التوافق أساسا لتشكيل حكوماتها واعتماده منهجا ثابتا في ديمقراطياتها، وقد حققت الديمقراطية التوافقية لهذه المجتمعات قدرا أكبر من التعايش السلمي بين مكوناتها ولفترات طويلة من خلال تشكيل ائتلافات واسعة تضمن مشاركتها جميعا في الحكومة وتلغي سيطرة مفهوم الأغلبية السياسية وذلك بمنح الأقليات حق الاعتراض على القرارات والقوانين التي تصدر عن الحكومة أو البرلمان.

الخاتمة
إن ظاهرة السياحة الحزبية وتجوال الساسة والنواب والكتل مرتبط أساسا بهشاشة الأوضاع السياسية نتيجة الحالة الانتقالية وما أفرزته من تداعيات على نشأة الأحزاب وتكونها وطرق إدارة الشأن داخلها ومدى التزامها بالمبادئ الديمقراطية خاصة وأن جل الأحزاب لا تتشكل عادة حول فكرة أو مشروع وإنما حول شخص غالبا ما يكون فاقدا للكاريزما التي تؤهله إلى تسويق نفسه ومشروعه حتى لدى المقربين منه والمحيطين به وهو ما يفسر كثرة الشقوق داخل جل هذه الكيانات الهشة والناشئة. والسياحة الحزبية وإن كانت لدى البعض ظاهرة لا أخلاقية نظرا لعدم احترامها للروابط المعنوية القائمة بين السياسي وناخبيه من جهة وبينه وبين بني جزبه من جهة أخرى خاصة إذا ارتبطت بشبهات البيع والشراء وتفشى الظواهر الانتهازية،  فهي ظاهرة لديها ما يبررها في غياب الفكرة وبروز الأصنام على حد تعبير المفكر الجزائري مالك ابن نبي سواء المرئية منها والغائبة والتي تصنعها النخب أو تتعمد إحياءها تلافيا لحالات الفراغ واكتسابا لنزوع الناس إلى الحنين إلى الماضي ورموزه.

وقد تقلص دور الإيديولوجبا خاصة مع الأحزاب ذات النزعة الليبرالية نتيجة ما أفرزته العولمة من انفتاح ومع بروز التصورات البراغماتية النفعية التي طالت كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أملا في تحقيق مكاسب سريعة بوسعها بث رسائل الطمأنة وإشارات الأمل في مستقبل يقطع مع مساوئ الماضي ويؤسس لمستقبل واعد خاصة لدى مجتمعات الانتقال والثورة.
من أجل ذلك يصبح التوافق أساسا ومنهجا يساعد الأحزاب على إدارة ديمقراطياتها ويمنع عنها ظواهر التشقق والانقسام وبذلك تحقق الديمقراطية التوافقية قدرا كبيرا من التعايش السلمي بين مكونات المجتمع ولفترات طويلة تساعد على تشكيل ائتلافات واسعة تضمن المشاركة للجميع وتلغي سيطرة مفهوم الأغلبية السياسية وتؤسس لحالة من الاستقرار بما يحصن الأحزاب ويصون النخب ويحقق أهداف الثورة.

عبد الباسط الشايب (باحث وإعلامي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك