القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

السلطة في النظم السياسية الحديثة  بين الشرعية والمشروعية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-07-27 11:41:00 | 234 مشاهدة

ملخص :
يظل موضوع السلطة و مشروعيتها يقض مضاجع الباحثين باعتباره مسألة إشكالية من حيث انبثاق السلطة و تمظهراتها في التاريخ و من حيث التحولات التي تصيبها و تصيب مشروعيتها
فالسلطة محايثة للإجتماع البشري و هذه المحايثة تكفلت بدراستها الانتروبولوجيا السياسية و ضبط خاصياتها. لقد حاولنا تقصي ظروف انبثاق السلطة في تراثنا العربي الإسلامي و رصدنا تحولاتها في علاقتها الجدلية بين النص من ناحية و الواقع من ناحية أخرى ، ثم تتبعنا النواقص التي تعتري مشروعية كل السلط قديمها و حديثها ضمن رؤى ذات مرجعيات مختلفة دينية و علمانية

مقدمة:
إن موضوع السلطة و تمظهراتها المختلفة من مجتمع إلى آخر،  و من فترة  تاريخية إلى فترة أخرى يقتضي اعتماد منهجية تتلاءم و المسألة المطروحة ولاسيما المشروعية التي تستمد منها السلطة أحقيتها في الممارسة و في التحقق. إن الأنتربولوجيا السياسية كاختصاص يتجاوز علم التاريخ لأنه يولي أهمية كبرى للمعطى الثقافي للشعوب و لتمثلاتها و رؤاها حول السلطة و كيفية استبطانها والتعاطي معها .إن شكل السلطة ينبني على نوعية الأسس وعلى الخلفية الفكرية التي تكمن وراءها لذلك يفصل جورج بالاندييه Georges Balandier عالم الاجتماع الفرنسي النظرية السياسية عن نظرية الدولة بالمعنى الغربي للكلمة و ذلك حتى يتيح لمختلف الثقافات أن تعبر عن تصورها للفعل السياسي فهو يرى أن المجتمعات البشرية كلها مخترقة من قبل السياسة،  و أن العامل السياسي يتخذ أشكالا مختلفة بحسب الإنتظام الإجتماعي و الثقافات المتنوعة.  و يركز بلاندييه أيضا على أهمية الخيال في صياغة العمل السياسي و في فهم الظاهرة السياسية. إن هذا المعطى يقودنا إلى إكتشاف علائق وثيقة بين عامل القداسة من جهة والعامل السياسي من جهة أخرى . فحضور المقدس استمر رغم ما تدعيه الأنظمة اللائكية من نجاحها في إحداث قطيعة نهائية معه . يقول بلاندييه: " ينبغي أن تبقى الكنيسة مفصولة عن الدولة،  و لكن سوف يبقى هناك شيء من التقديس في السياسة...و هذا شيء محتوم و إلا فإن السياسة لا تستمر و لا تشتغل" (1) لم يكتف بلاندييه بضرورة استمرار حضور التقديس في العمل السياسي بل إنه عمل على الحفر في علاقة المقدس بالسياسة من خلال الأسطورة ووظيفتها السياسية مستندا على أبحاث كاسبار مالينوفسكي عالم الاجتماع البولندي (ت سنة 1942) يقول : " تصور مالينوفسكي الأسطورة على شكل شرعة تنظم الحياة الاجتماعية وتساعد تاليا في الحفاظ على الأشكال القائمة لتوزيع السلطة و الملكية و الامتياز. "(2)حسب هذا التفسير تسهم الأسطورة في الحفاظ على الخضوع و تعمل بفاعلية لصالح السلطة القائمة إما لحمايتها ضد المخاطر المحتملة و إما لتبرير الطقوس الدورية الضامنة وتعزيزها.

1 – السيادة العليا و شرعية السلطة:
إن هذه المفاهيم التي صاغتها الأنتروبولوجيا السياسية بعد عمل ميداني و أبحاث نظرية معمقة، سيعمل محمد أركون الساعي لتجديد الفكر الديني، استثمارها و توظيفها في عملية حفر معرفي أركيولوجي للقبض على كيفية انبثاق سلطة سياسية في المجال العربي في صدر الإسلام و عن السيادة العليا التي تتيح للنبي صلى الله عليه وسلم مشروعية ممارسة العمل السياسي. يقول أركون:"بفضل النص القرآني والمقاطع المتفرقة المعترف بصحتها في السيرة النبوية والحديث، يمكن أن نكون فكرة ما عن التجربة المحمدية التي وصلت بنتائجها التاريخية و البشرية إلى حد أكبر بكثير جدا من دوافعها و خططها و منفذيها التاريخيين الأول. و انطلاقا من هذه التجربة سنحاول أن نحدد مواضع ظهور عقل إسلامي معين و عقل دولة أيضا و وأساليبهما . فلا بد من إعادة تركيب تاريخية و نقد فلسفي لنظام العقلين اللذين تستند إليهما انطلاقا من الظاهرة القرآنية سلطات دينية و سياسية مختلفة و ذلك من أجل أن تسوغ نظاما تاريخيا – اجتماعيا ما و تخلع عليه الشرعية " (3)فالسيادة العليا في الإسلام هي النصوص التي تؤسس لشرعية أية سلطة سياسية نعني بذلك القرآن الكريم و الأحاديث النبوية الصحيحة وما صح من سيرة الرسول، للسيادة العليا في الغرب معنى آخر ففي فرنسا تتمثل في القانون الدستوري أو دستور الجمهورية الخامسة الذي تتأسس عليه كل سلطة سياسية .إن تمفصل عقل إسلامي مع عقل دولة و تعاضدهما منذ بداية ظهورهما التجربة التأسيسية يسهل علينا أن نتتبع فيما بعد جدلية العلاقة بين هذين العقلين في السياقات الاجتماعية و الثقافية شديدة التنوع. فهما قد يتقاربان حد التطابق مثلا في التراث السياسي الشيعي و قد تكون العلاقة بينهما جدلية تفاعلية كما هو الأمر في التراث السني. إن جميع السلطات التي ظهرت في أرض الإسلام منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم  سنة 11 هج/632 م كانت قد نسبت نفسها إلى تعاليم القرآن و ادعت المسؤولية العليا في حماية هذه التعاليم و قد أدى هذا إلى تشكل نظرة إجبارية قسرية تقول بأن الإسلام دين و دولة لا ينفصمان. يقود البحث عن تشكل السيادة العليا إلى القرآن الكريم حيث تجد دعامتها في السور المكية التي ركزت بشكل كبير على التبشير بالدين الجديد و ترسيخ فكرة التعالي المطلق و وحدانية الله، و هذه هي المرحلة الأولى ، مرحلة انبثاق الشرعية العليا التي تعلو كل شيء،  و قد ترسخت بواسطة الآيات ذروة السيادة العليا الإلهية ثم سيادة الرسول المرتبطة بها.
أما في المرحلة الثانية، المرحلة المدينية فقد اهتمت الآيات القرآنية بالتشريع للدولة الجديدة وسن القوانين وتنظيم شؤون الناس،  لذلك فهي تتميز عموما بالطول و الأسلوب و قوة المجاز وغزارته. هذه السيادة العليا الموجودة في القرآن تحتاج إلى عامل الوقت و إلى تكرار الشعائر والطقوس وإلى عملية طويلة من استبطان الصيغ الأدبية و الفنية التي تملأ أرجاء النص القرآني على أساس أنها تحمل معايير متعالية، هذه العملية تقوم بها الجماعة التي تنتج التراث و ينتجها التراث بدورها. فالسيادة العليا هي التي سوف تسوغ السلطة للنبي و خلفائه من بعده وتشرعها. إن تتبع كيفية تشكل سلطة النبي يلاحظ أن سيادته كانت منبثقة من هيبته البادية للعيان ومن حضوره الجذاب – كاريزما – ثم من عمله التاريخي هذا من جهة ، ومن  البنية البلاغية والتركيبية للخطاب القرآني من جهة أخرى. لقد كانت السيادة العليا عندئذ تسبق من الناحية الأنطولوجية والزمانية كل ممارسة للسلطة.

2 - في التلاعب بالسيادة العليا:
 من أجل تسويغ أنظمة سياسية و إضفاء شرعية عليها عملت السلط السياسية المتعاقبة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على الاهتمام بالنص القرآني نسخا و جمعا و حفظا إلى أن يصبح مصحفا بين دفتين ثم جاءت في مرحلة لاحقة عملية جمع الحديث النبوي و تدوينه في  مجاميع قانونية معترف بهاdes corpus canoniques . لقد أصبح القرآن والحديث ينقلان ويفسران و يسجلان كتابة و يعلق عليهما فأصبحا في النهاية مجموعة نصية ضخمة من التراث الكتابي المقدس. أما الدولة من جهتها فسوف تستخدم هذا الجانب من السيادة العليا أي سيادة النصوص و تستعين بها لكي تمارس سلطة سياسية و ثقافية.إن ما تتميز به السيادة العليا في المرحلة النبوية عن السيادة في العهود اللاحقة هي أنها كانت تتشكل في تفاعل مع الواقع الموضوعي للتجربة النبوية و تجد دعامتها في ما يتنزل من وحي قرآني على الرسول و في حضور النبي محمد صلى الله عليه وسلم الجذاب فكانت السيادة تستبطن و تتمثل على أساس مصدرها الإلهي و ذلك لتوجه قرارات النبي و أعماله و تسبغ عليها الشرعية، إلا أنها كانت في مواجهة العصبيات القبلية لتثبيت قدميها على الأرض، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء دعوته و خلال تبشيره و نضاله يعمل على ترسيخ سيادة الوحي،  هذه السيادة كانت تلقى المعارضة و الرفض، كان يجتهد في  شرحها و في تفسيرها من خلال مبادراته و أعماله حتى يقنع بها معارضيه من أفراد المجتمع العربي الوثني، إضافة إلى معارضيه من أهل الكتاب من اليهود والنصارى. إن فهم الظروف الحافة بهذه المعارضة وبملابساتها، تقتضي تحليل الآليات اللغوية المستخدمة في القرآن لدعم سيادة الرسول و فرض هيبته من خلال التدخل المستمر لله في التاريخ(4). إن حجم تأثير أية حضارة يتناسب مع مقدرتها على ترميز الوجود البشري و أساليبه وقد أنجز القرآن الكريم شيئا كبيرا في هذا الاتجاه. إن تأثيره الكبير والدائم على معاصريه وعلى كل الأجيال التالية يمكن إرجاعه إلى طريقته  الخاصة في التعبير عما هو دنيوي أو مادي أو تاريخي وعلى الرغم من كل ذلك فقد وجدت فئة من البدو أو العرب التي أصرت على رفض الخضوع للنبي أو تقديم الطاعة له متجنبة بذلك الإسهام في الجهاد أو دفع الصدقة. إن الصراع الذي جرى بين المفاهيم التقليدية و الآليات العصبية السائدة في المجتمع العربي قبل الإسلام من جهة ، و بين الرؤيا الجديدة التي أسسها القرآن الكريم من جهة أخرى، قد أبان عن مدى مقاومة التاريخ الدنيوي لهذه الرؤية الجديدة و عن ضغوطاته على الجهود الهادفة إلى تسامي الوجود البشري وجعله متعاليا. وإن في مقتل كل من عمر و عثمان وعلي شهادة كافية للتدليل على رسوخ ظاهرة العنف السائدة في المجتمعات البشرية كافة و بالتالي على محدودية وظيفة السيادة العليا بالصيغة التي حاولت أديان الوحي فرضها،  هذا على الرغم من الوجود الحقيقي لهذه السيادة و دون التقليل من أهميتها، لأن هدف الأديان يكمن في السيطرة على العنف الطبيعي الأولي الموجود في أعماق كل شخص بشري و ذلك بواسطة عملية التسامي الأخلاقي و التصعيد الروحي لغرائزه و شهواته. إن السيادة العليا للنصوص هي التي كانت تؤسس سلطة النبي و تبررها و أن الحضور الشخصي و الجذاب للنبي كان يجلب إليه الأتباع و الأنصار عن طريق رابطة الانتساب العفوي و الطوعي المحض، أما في زمن الأمويين و العباسيين فقد حصل العكس، أي أن السلطة السياسية هي التي أصبحت تتلاعب بالسيادة العليا للنصوص و تحولها لصالحها و تجعلها تقول كل ما يبرر وجودها و يرسخ شرعيتها. إن الدولة التي أسسها الأمويون ومن بعدهم العباسيون كانت وليدة العنف الدموي و معها حصل قلب للمراتبية الأخلاقية والروحية التي كانت سائدة في زمن النبي. هذه المراتبية المتمثلة في المعادلة التالية: سيادة عليا/ سلطة سياسية. ما حدث في الدولتين الأموية والعباسية هو أن المعادلة أصبحت: سلطة سياسية/ سيادة عليا. لقد أصبحت الأولوية للعمل السياسي القائم على العنف لفرض نظام سياسي و اجتماعي ثابت و راسخ من قبل الفئة الاجتماعية المنتصرة. هذا المسار السياسي يظل في حاجة إلى أن يسبغ على نفسه نوعا من المشروعية و المقبولية، لذلك سيستخدم ذروة السيادة العليا كمرجع ضروري من أجل تدارك ذلك النقص الأصلي الذي تعاني منه شرعيتها وستستعين في بلوغ ذلك بالدولة باعتبارها قوة ضبط و إكراه قسري. لقد أصبحت السيادة العليا للنصوص (القرآن و الحديث) عرضة للتلاعب فتحولها القوى المنتصرة لصالحها وتجعلها تقول كل ما يبرر وجودها ويرسخ شرعيتها وتكره الناس على الانتساب إليها. لهذا السبب نستطيع أن نتحدث هنا عن الإيديولوجيا الرسمية التي تفرض بالقوة صورة معينة عن السلطة الشرعية و ذلك بواسطة تمويه المنشأ الحقيقي التاريخي للدولة وتزييفه، فكل إيديولوجيا هي تشويه للعملية الحقيقية لمجرى التاريخ من أجل المحافظة على تأييد الشعب لصورة منمذجة و مثالية عن الشرعية.لقد نشأت هذه الإيديولوجيا نتيجة التعاضد والتضامن بين أغلبية ممن يدعون بالعلماء -أي الفقهاء- و بين الدولة. هذا الأمر شديد الوضوح فيما يخص الأمويين و العباسيين.  فجميع النظريات التي بلورها الفقهاء من أجل الاستجابة لحاجيات الدولة و تلبية طلباتها ينبغي أن تصنف و تدرس تحت عنوان الحركية الإيديولوجية للفكر الإسلامي.

3- السلط الحديثة و أزمة المشروعية:
يظل النقد العلمي الحديث، الآلية الوحيدة القادرة على كشف الخطابات الإيديولوجية التي تتخفى خلف كل السلطات مهما كان نوعها دينية أو ملكية أو جمهورية،  لأنه يمتلك الأدوات المعرفية لتفكيك تلك الخطابات و كشف الانحرافات والاختزالات المتعمدة لتغييب الحقائق التاريخية الملتصقة بظهور السلطة و تشكلها، كما تظل السيادة العليا والسلطات السياسية مجالا خصبا للمساهمة في معالجة الفكر النقدي الحديث لقضية السلطة و مشروعيتها. لئن فرضت الثورة الفرنسية العلمنة كبديل سياسي و فلسفي عن النظام القديم  الذي سيطرت عليه الكنيسة و كل السلط الدينية المستندة على الوحي، فأصبح الاقتراع العام المكرس الفعلي للسيادة العليا المتمثلة في الدساتير و لاسيما دستور الجمهورية الخامسة هو مصدر الشرعية والهيبة في المجتمع بدلا من الوحي المطبق طيلة القرون السابقة من قبل السيادات الروحية أو السلطات الروحية المكرسة. إن الرغبة في إحداث القطيعة مع  الكنيسة في الغرب بلغت ذروتها بالفاعلين الثوريين إلى حد تنفيذ حكم الإعدام بلويس السادس عشر بآعتباره رمزا لموت النظام الملكي المقدس المبارك من البابا و إعلانا عن انبثاق السيادة العلمانية و السلطة الجديدة القائمة على الإرادة الشعبية. و مما يلاحظ في الجهة المقابلة و ضمن السياق نفسه أنه عندما جاء الخميني إلى السلطة بعد ثورة شعبية،  أراد محاكمة الشاه و إعدامه باعتباره رمزا لموت الطاغوت العلماني الملكي و إعلانا عن ظهور الإمام المقدس. هكذا تظل كل سلطة تبحث عن مشروعيتها إما في السيادة العليا للنصوص المقدسة أو في السيادة العليا للدساتير العلمانية. إن الاستقراء التاريخي لظهور السلطة و تشكلها،  ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار أن التيار المنتصر مهما كانت ملامحه لم يكن انتصاره مضمونا فقد كان يقع ضمن خطوط من التطور و ضمن احتمالات متعددة و لكنها ممكنة التحقق. و هذه فكرة أساسية في كتابة التاريخ بموضوعية أو في علم التاريخ الحديث. إن انتصار سلطة ما كان يمثل احتمالية واحدة من جملة احتمالات أخرى عديدة كانت موجودة و ممكنة و لكنها فشلت لأسباب و عوامل يكشفها المؤرخون. فالتيار الظافر لا يمثل الحقيقة كلها أو أحقيته المطلقة بالسلطة، لأنه لم يكن يمثل الخط الوحيد الممكن في التاريخ و ما عداه لا يمكن أن يكون دون معنى أو لا أهمية له.
مثلما ظلت السيادة العليا في المجال العربي الإسلامي عرضة للتلاعب من قبل مختلف السلط السياسية المتعاقبة و التي كانت تعلن انتسابها إلى مصادر السيادة العلياالقرآن الكريم و النموذج المثالي الذي جسده النبي محمد صلى الله عليه وسلم المعروف من خلال الحديث والسيرةو تدعي أنها أكثر وفاء لها، و تنتقد من سبقها من حكام، ألم يعمد العباسيون إلى الحط من قدر الأمويين و تشويههم إلى أبعد حد. و هذه حال كل سلطة جديدة تحل محل سلطة قديمة.  و لذا فإن كتب التاريخ العربي الكلاسيكية المكتوبة في ظل العباسيين كانت متأثرة بطبيعة الحال بتوجيهاتهم الرسمية. إن هؤلاء المؤرخين الذين عاشوا في عهد العباسيين فضلوا أن يسبغوا على الحكام صفة الخلفاء بصفتهم الممثلون المقدسون للسيادة العليا الإلهية،  في حين كانت كلمة ملوك تخلع على الأمويين (5).

لم تنج العلاقة بين السيادة العليا والسلطة في المجال الغربي من التوتر و الشد والجذب. فالقانون الدستوري أو دستور الجمهورية الخامسة و هو جوهر السيادة العليا في فرنسا كانت علاقته بالسلطة السياسية قد أضيئت بشكل ممتاز من خلال مبادرات الرئيس فرانسوا ميتيران وردود فعل قوى المعارضة اليمينية على هذه المبادرات بالذات ، فحتى في بلد ديمقراطي تعددي مثل فرنسا نجد أن مشكلة السلطة و المشروعية العليا ليست محلولة تماما كما قد يظن البعض و الدليل هو أن قوى اليمين لم تستطع في البداية هضم فكرة خروج السلطة من يدها عام 1981 و راحت تخترع العراقيل و تحتال على الدستور لكي تزعزع رئيس الجمهورية الإشتراكي، و راح هذا الرئيس بالذات يحتمي بهيبة هذا الدستور الذي كان اليمين قد فرضه عام 1958 لكي يرد عن نفسه هجمات اليمين المتعطش إلى السلطة التي فقدها. باختصار أصبح الدستور مادة " للقراءات العديدة " التي تذهب به في هذا الاتجاه أو ذاك لتثبيت شرعية الحكم الجديد أو نقضها بحسب الحالة و هذا هو الديالكتيك المعقد الذي يربط بين السلطة والمشروعية.
إن الفكر العربي المعاصر في علاقته بالسيادة العليا في وجهيها القديم و الحديث ظل ينوس يبنهما فهو لم يقطع مع القديم ليؤسس الجديد على أسس صلبة. لقد بدت مشروعية السلط الحاكمة في البلدان المستقلة – أي في ظل ما عرف بالدولة الأمة – مزدوجة المرجعية . فمن ناحية نجد لهذه الدول دساتير " معلمنة " تضبط ملامح السلطة السياسية المنبثقة عادة عن انتخابات " حرة " و " نزيهة " كما يروج القائمون عليها و تقوم أيضا على الفصل ببن السلط : التنفيذية ، التشريعية و القضائية و على هيئات دستورية معينة في أغلب الأحيان ، إلا أن حضور السيادة العليا للنصوص الدينية مازال قويا سواء في التشريعات أو في القوانين حيث تكون في معظمها مستمدة من روح التشريع الإسلامي مع انفتاح على القيم الإنسانية و الكونية . و مما تجدر ملاحظته أن رئيس الجمهورية أو الملك في هذه الأنظمة محمول عليه حضور المناسبات الدينية و إلقاء كلمات في بعضها و تهنئة الشعب بأعياده...لكأن شرعية الحكم القائمة على الدساتير تعاني من نقص un déficit   لا يكتمل إلا بإيلاء أعلى هرم في السلطة البعد الديني للشعب و لهويته الاهتمام اللازم و الضروري.

خاتمة:
ظلت إشكالية السلطة و المشروعية مطروحة بحدة في الفكر السياسي الغربي الحديث و أثارت جدلا بين فلاسفتهم،  فبعد اهتراء الديمقراطيات الغربية و بلوغها مرحلة الشيخوخة، و بعد التحولات الاجتماعية الكبيرة التي شهدتها القارة الأوروبية في العقود الأخيرة و لاسيما ازدياد عدد المهاجرين و الذين أصبحوا في معظمهم مواطنين أوروبيين، إلا أن هؤلاء أصبحوا أقليات بملامح مخصوصة ، يرفضون الاندماج القسري في بيئتهم الجديدة و يفضلون الحفاظ على هوياتهم الثقافية في ظل مناخ معاد لهم، إضافة إلى التوجه الليبرالي المتوحش القائم على مبادئ السوق و الذي يخنق السياسة مما عقد من محاولة اجتراح حلول ناجعة للنقص الذي تعاني منه شرعية النظم السياسية ، لذلك يرى هابرماس مثلا أن الدساتير في البلدان الغربية تعاني من هشاشة في أدائها السياسي بسبب أنها لم تعد تعبر عن أطياف من المواطنين لا يجدون أنفسهم فيها ، لذا يدعو إلى مراجعة لتلك الدساتير و للقوانين من خلال انفتاح  الفضاء العام على هؤلاء ليعبروا عن خصوصياتهم و أن يستمع إليهم  و ذلك باعتماد الفعل التواصلي العقلاني l'acte communicationnel rationnel  لتأسيس ما يدعوه بالديمقراطية التشاركية فالمفترضات التواصلية و الشروط الإجرائية هي التي تؤسس التشكيل الديمقراطي للرأي و للإرادة و هي مصادر الشرعية.(6)

رمضان بن رمضان (باحث تونسي)

 

الهوامش و التعليقات:

1 – حوار مع جورج بلاندييه،  مجلة الفكر العربي المعاصر،  بيروت،  عدد41 / 1986، ص 34

2 – انظر فصل : " آفاق الانتربولوجيا السياسية " نشر بمجلة الفكر العربي المعاصر،  بيروت،  عدد 39 / 1986 ، ص ص 55-56.

3 –Mohamed arkoun, Lectures du Coran, ed Maisonneuve et Larose,  Paris, 1982, p 145.

4- Ibid,  pp 145-165

5 – آ .آبل: " الخليفة حضور المقدس " ، مجلة استوديا إسلاميكا studia islamica ,Tome vii /1957.

6- Yurgen Habermas,  Droit et morale, ed Gallimard, Paris, 1992, pp 489-490.a

 

 

 

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك