القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الرئاسيات بين زمنين: تشابه في التحديات و تباين في الآفاق

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-09-12 13:24:00 | 58 مشاهدة

الملخص :

يمثل السياسي أحد أبعاد المعركة الانتخابية الرئاسية الحالية.ويتمحور هذا البعد حول الدستور. إذ يتصارع خياران كبيران، الأول يقدم نفسه وريثا لعهد سابق يمجد ويصور على أنه المثال والمرجع، والثاني ينتسب إلى الثورة ودستورها ويعتبر الانتخابات الحالية خطوة أخرى للقطع مع الماضي. يفرض هذا الانقسام مقارنة بين التجربتين الانتقاليتين اللتين انطلقتا تقريبا بنفس الآمال لكنهما سلكتا مسارين متباينين، انتهى الأول إلى نقيض ما بشر به، ويبشر الثاني باستعادة آمال مطلع الاستقلال التي أحيتها الثورة في الحرية والديمقراطية.

ساهمت عوامل عديدة ذاتية وموضوعية في تباين التجربتين وحصيلتهما. لكن الأكيد أن المقارنة تسحب من المخيم الأول كل ذريعة لأسطرة المرحلة التأسيسية الأولى وتمجيدها وتكشف أنه ليس إلا دعوة إلى استعادة مسار التأسيس للاستبداد.

في هذا المقال محاولة لرصد المسارين وعوامل التباين بينهمابمنهج المقارنة.

 

المقدمة:

تخوض تونس ثاني انتخابات رئاسية بعد الثورة (بعد انتخابات 2014) مما يدل على أنها تسير ولو بخطى بطيئة نحو تكريس أهم مكسب للثورة وهو الحريات السياسية. والمتأمل في الخطاب السائد لا يفوته أنه يتمحور حول صراع القديم والجديد. يكشف ذلك أن شقا من المرشحين جعل شعار حملته تحوير الدستور لاستعادة النظام الرئاسوي رغم أنه يتمعش من خيرات الدستور الجديد مقابل انتساب شق آخر للدستور والتأكيد على احترامه.

وهي مفارقة تضعنا أمام مقارنة بين تجربتين في التطور السياسي، تجربة التأسيس الأول بعد 1956 والتي يعتبرها شق مراجعة الدستور نموذجا ومرجعا وتجربة 2011 التي ينتسب إليها الشق الثاني. ولئن تشابهت التجربتان في التحديات التي واجهتهما عند الانطلاق فالظاهر أن مسار تطورهما يفترق. فما هي خصائص كل من المسارين؟ وما هي عوامل التباين بينهما؟

 

تجربة 1956 والانزلاق نحو الاستبداد:

بعد الاستقلال كان التحدي السياسي الرئيسي هو بناء النظام الجديد الذي ناضلت من أجله الحركة الوطنية وهو النظام الدستوري (مطلب الدستور منذ 1920) بعد أن منعت الحماية الفرنسية تطور النظام السياسي التونسي بشكل يفتح أبوابا أمام تفلت البلاد من القبضة الاستعمارية.

لكن التحدي الأكبر كان الموازنة بين هذا المطلب القديم الضارب في القرن التاسع عشر ومتطلبات المرحلة الجديدة وخاصة نزعة التفرد بالحكم من الحزب الجديد وزعيمه الحبيب بورقيبة. وهي نزعة تبرر لنفسها الأمر بضرورة بناء وطن متجانس، وأن الخروج من مخلفات الاستعمار يتطلب دولة قوية، وأن قوة الدولة لا يمكن أن تتحقق في ظل تعدد مراكز القوة داخلها. أما التشريع لهذا التفرد فقد استند إلى قيادة الحزب لتحرر البلاد، وقيادة بورقيبة لذلك الحزب.

لجأ الحبيب بورقيبة إلى سياسة اتسمت بالتدرج والمخادعة للوصول إلى مبتغاه.فكانت المرحلة الأولى من هذه السياسة التحكم في مخرجات الانتخابات التأسيسية التي تزامنت مع انفجار الصراع البورقيبي اليوسفي وما أشاعه من أجواء متوترة وخوف. واستفاد بورقيبة في ذلك من موقعه من الدولة بوصفه وزيرا أكبر ليسخر أجهزتها في هرسلة منافسه المباشر والأقوى (صالح بن يوسف) ويرسل من خلاله رسالة إلى مخالفيه مفادها أنه الحاكم بأمره. وانتهت الانتخابات بإفراز مجلس من لون واحد بخلاف ما كانت تعيشه البلاد من تنوع شديد في التوجهات والتنظم. وتلك كانت اللبنة الأولى في قتل التعددية ورسم آفاق المرحلة الجديدة.

أما الطريقة الثانية فكانت إطالة مرحلة التأسيس (ثلاث سنوات من 1956 إلى 1959) ليتمكن من تفكيك مراكز المعارضة وتصفية القوى المضادة رغم أن النسخة الأولى من الدستور كانت جاهزة منذ السنة الأولى لأعمال المجلس التأسيسي (1957). ذلك أن تلك النسخة التزمت بالأمر العلي التأسيسي الذي حدد مهمة المجلس بإعداد دستور "لمملكتنا". وهو ما لم يكن متطابقا مع طموحات الزعيم التائق إلى إزاحة كل ما من شأنه أن يعطل مشروعه "التحديثي" من ناحية ونزعته السلطوية من ناحية أخرى. ومن هنا جاءت الخطوة الثالثة في التهيئة للتفرد بالسلطة وهي إعلان النظام الجمهوري بدل الملكي والانطلاق في ممارسته حتى قبل أن يكتمل الدستور (1957) بتعيين وأقول جيدا تعيين الوزير الأكبر الحبيب بورقيبة رئيسا للجمهورية.

تواصلت بموازاة ذلك ممارسات السلطة الجديدة في ترهيب مخالفيها بالاستفادة من أجهزة الدولة بدءا بالعائلة الحسينية التي أهينت دون سبب موجب لذلك إلا فرض صورة الدولة القوية الجديدة ومنع الفئات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالمنظومة القديمة من التفكير في استعادة مواقعها وإثبات أن مدخل المصالح هو الحكم الجديد. وطالت سياسة الترهيب المعارضين السياسيين وخاصة من أبناء الحزب الذين ناصروا صالح بن يوسف. ورغم أن المجلس التأسيسي كان من لون واحد بما يفترض أنه يسهل صياغة الدستور في أقصر الأوقات لغياب المعارضة فقد امتدت المداولات لسنتين أخريين استغرقتا في تذليل محاولات بعض أبناء الحزب تعطيل النزعة التسلطية للزعيم.وطيلة السنتين كان الرئيس يطرز خيوط النظام الجديد ويمنح الرئاسة صلاحيات دستورية "ملكية" تحول الرئيس إلى باي جديد باسم جديد.

وعندما اقتنع بورقيبة أن الوضع أصبح جاهزا مر إلى الخطوة الرابعة وهي إعلان الدستور في جوان 1959 والذي أرسى نظاما رئاسويا يسحق بقية مراكز السلطة ويحول الوزير الأكبر إلى مجرد رئيس حكومة، منسق لأعمال الوزراء ويصلح ليكون كبش فداء كلما اصطدمت سياسات الرئيس بالحائط. وعلى ذلك الأساس أجريت انتخابات رئاسية وتشريعية أعادت إنتاج نفس المشهد، مشهد المجلس من لون واحد (الجبهة القومية المكونة من الحزب والمنظمات الرديفة له) والرئيس المطلق والدولة الثقيلة على شعبها.

أجهز النظام الجديد على كل نزعة للتعدد والتنوع بخطوة خامسة عندما استغل المحاولة الانقلابية (ديسمبر 1962) ليلغي التعددية الحزبية ويقر نظام الحزب الواحد (مؤتمر الحزب 1964)، حزب الرئيس الأوحد. وقد أعلنت رسالة المرحوم أحمد التليلي الشهيرة إلى الرئيس بورقيبة (1964) نفض اليد من أي أمل في نظام ديمقراطي يلبي أمل التونسيين في الديمقراطية.

هكذا إذن بدأت مرحلة التأسيس الأولى بآمال وطنية عريضة في نظام يمثل التنوع الذي كانت تعيشه البلاد خلال المرحلة الاستعمارية لينتهي إلى استئثار الرئيس وحزبه بالسلطة والدولة من دون بقية القوى الوطنية. وجاءت سنة 1975 لتقتل كل أمل في التغيير بتشريع الرئاسة مدى الحياة وتثبت أن الرئيس لم يكن قادرا على التخلص من عقدة الحكم ومغادرة الرئاسة بطرق دستورية سلمية.

ويمكن القول بناء على هذا الرصد أن مقدمات المرحلة التأسيسية الأولى كانت تشي بأفق مخالف لطموحات الفاعلين الوطنيين خلال المرحلة الاستعمارية، لكنها لم تكن غريبة على من يعرفون تاريخ علاقة الزعيم بورقيبة وحزبه ببقية المكونات الوطنية خلال تلك المرحلة. لم تكن سياسة الحزب وزعيمه وهو في السلطة بعد 1956 إلا نسخة من سياسته تجاه بقية المكونات الوطنية وهو في زعامة الحركة الوطنية.

وقد سدت هذه السياسة بحصيلتها آفاق التطور السياسي في البلاد التونسية نحو استيعاب القوى الجديدة الصاعدة سواء من خارج الحزب أو داخله. وهو ما سيدفع تلك القوى إلى محاولة شق طريق جديدة في الحياة السياسية منذ بداية السبعينات. واعتبر الرئيس وحزبه أن تلك المحاولات ضرب للوحدة الوطنية فقاومها لكنه انتهى إلى القبول بالأمر الواقع ومحاولة استيعابه بديمقراطية شكلية. ولم يكن ذلك إلا انحناء أمام العاصفة، ومسعى لتشتيت صفوف القوى الصاعدة والتفرد بالأخطر وهو التيار الإسلامي. وانتهت هذه السياسة مرة أخرى إلى إعادة رسم النظام لاستراتيجية المواجهة مع هذا التيار بإزاحة الرئيس الهرم والاستعاضة عنه برئيس شاب (1987) وإعادة تأهيل الحزب الحاكم بفتح أبوابه أمام نخب جديدة تشترك معه في معاداة التيار الإسلامي ومواصلة سياسة الديمقراطية الشكلية. ولم تمض سنوات حتى انتهى هذا الخيار بدوره إلى مأزق عندما استفاق الجميع على أن ما حدث كان خدعة كبرى وأن النظام أعاد إنتاج نفس سياسة التفرد بالحكم بطريقة أثقل وأشد على القوى الوطنية. فانفجرت البلاد في ثورة فتحت الباب على تطور جديد يحيي الأمل في نظام يرعى تنوع المجتمع التونسي وقواه.

 

  1. رئاسيات ما بعد الثورة:

 نحو استعادة آمال مطلع الاستقلال في نظام متعدد يرعى الاختلاف. يمكن القول إن الثورة استأنفت معركة الحرية السياسية من حيث انتهت التجربة السابقة. فرغم أنها كانت على خلفية اجتماعية في البداية إلا أن السياسي حضر بقوة منذ بداياتها مستحضرا معركة الحريات التي خاضتها مختلف القوى الوطنية (حزبية ومدنية) ضد الاستبداد ومختزلا في شعار "ديغاج" (Dégage) [بمعنى ارحل] ضد رموز النظام.

وفي ظل منسوب الخطاب الثوري العالي، وثقل الحضور الشبابي الثوري (اعتصامات القصبة نموذجا) اتجهت المرحلة الجديدة نحو إعادة صياغة النظام من خلال مجلس تأسيسي أفرز دستورا جديدا على أنقاض الأول وصاغ النظام الجديد بأفق مختلف عن الأول تماما وهو ما ينعكس على آفاق الرئاسيات الحالية بشكل يتجه إلى دعم التعدد والحريات بعكس آفاق التأسيس الأول الذي انتهى إلى التفرد بالحكم والاستبداد.

وكما رصدنا مراحل الانزلاق نحو الاستبداد في التأسيس الأول يمكن رصد أهم وقائع التأسيس للتعدد والحريات في المرحلة الحالية على النحو التالي:

الخطوة الأولى في القطع مع الاستبداد كانت انفراط عقد السلطة القائمة وضرب عصبها الممثل في التجمع الدستوري الديمقراطي (وريث الحزب الدستوري الجديد) الهيكل الذي قامت عليه دولة الاستبداد. وقد أدى ذلك إلى تفريخ عديد الأحزاب التي لم تعد قادرة على إعادة تجميع ذاتها بعد أن رفع عنها الغطاء السياسي والأمني الذي كان يلجم طموحاتها الفردية والجماعية ويضبطها ضمن خيارات القوى المتحكمة في ذلك الجهاز الحزبي الضخم. وسيكون لهذا الأمر شأن في كبح عودة الاستبداد والنظام القديم.

أما الخطوة الثانية المؤثرة فقد كانت اختيار التأسيس بدل الترميم. ذلك أن أحد شعارات القصبة كان "مجلس تأسيسي، واجب". وبذلك قطعت القصبة على "هيئة ابن عاشور" كل أمل في فرض دستور 1959 قاعدة لإعادة ترميم النظام. وعليه اتجهت البلاد إلى انتخاب مجلس تأسيسي جديد بما يعني القطع مع النظام القديم.

الخطوة الثالثة كانت اختيار النظام الانتخابي النسبيالذي ضمن حتما مشهدا نيابيا متعددا إلى حد العبثية في جزء ولو بسيط منه بوجود شخصيات فلكلورية لم تكن تؤمن أصلا بالديمقراطية ووضعت نفسها على ذمة كل من كان يريد تشويه المشهد التأسيسي وترذيله. إلا أن وجود كتل كبرى تلتقي في المشترك الديمقراطي (بفضل اتفاقيات 18 أكتوبر) سمح ببناء تحالف سياسي ثلاثي استطاع رغم الضغوط الرهيبة إيصال المرحلة التأسيسية إلى نهايتها وإفشال كل المناورات الانقلابية وخط آخر حرف من الدستور بشكل ضمن تصويتا كان يمكن أن يصل حد الإجماع لولا مكابرة أحد الأطراف السياسية في سياق المزايدة.

الخطوة الأخرى في سياق التأسيس الجديد هي خيار استيعاب القوى القديمة بدل دفعها إلى اليأس من خلال إسقاط قانون العزل السياسي وخيار التوافق الذي ذهبت إليه أكبر قوة سياسية في المرحلة التأسيسية وهي حركة النهضة. لقد تطلب هذا القرار جرأة كبيرة في ظل المنسوب الثوري العالي والتبعات الممكنة لمثل هذا الخيار على التماسك الداخلي للحركة من ناحية ورصيدها الانتخابي من ناحية ثانية. لكن الخطر المحدق بالتجربة والحركة ذاتها في ظل الدخان الكثيف الذي ألم بالمنطقة مع ما عرفته الثورة المضادة من هجمة كان الانقلاب المصري أحد أوجهها فرض ذلك القرار الجريء الذي سبب خيبة كبيرة داخل صفوف أبناء الثورة وكل من وضع ثقته في حركة النهضة باعتبارها الضامن لمسار الثورة والقطع مع الماضي. لكن مسار الأحداث لاحقا أثبت أن تلك الخطوة كانت من جهة أخرى مدخلا لتفكيك صفوف الثورة المضادة وجذب من كانت له استعدادات للانخراط في المرحلة الجديدة من بينها. وتثبت التجربة الحالية صواب ذلك الخيار بالنظر إلى ما بلغته بلدان أخرى تشبثت بالخيار المتصلب تجاه القوى القديمة دون تمييز.

ما هي العوامل المساعدة على تباين مساري التأسيس الأول والثاني رغم تشابه التحديات؟

 

  1. - عوامل عديدة تفسر تباين المسارين.

هناك في اعتقادنا بعض العوامل الذاتية والأخرى الموضوعية والتي نركز منها على ثلاثة:

تباين القوى الفاعلة في المرحلتين:

كانت المرحلة الأولى تحت قيادة وطنية بعقلية استبدادية شمولية تحت ذرائع متعددة سقناها سابقا (ضرورة توحيد الصف وبناء دولة ومجتمع حديثين). وقد تمكنت تلك القيادة من التفرد بالحكم وفرض مشروعها على بقية القوى بشكل لم تجد نفسها مضطرة إلى تقديم التنازلات مستندة في ذلك إلى شرعية قيادة الحزب وزعيمه بورقيبة للحركة الوطنية.

في المقابل افتقدت المرحلة التأسيسية الثانية إلى قيادة مهيمنة رغم اكتساب عدد من القوى للشرعية النضالية ضد الاستبداد. لكن ما تعرضت له تلك القوى من هرسلة خلال مرحلة ما قبل الثورة ثم من استهداف وتقزيم من قبل الإعلام خلال مرحلة ما بعد الثورة جعلها تستوي مع قوى أخرى لا علاقة لها بالثورة أو من دوائر الحكم السابق. ورغم ما في ذلك من إجحاف بحق تلك القوى فإن الأمر لم يخل من مزايا لفائدة إرساء التعددية والديمقراطية. فقد خلق هذا الوضع توازنا وتعطيلا متبادلا لنوازع التفرد بالحكم سواء بدافع ثوري يستهدف تصفية الماضي أو بدافع الثورة المضادة التي تريد استعادة الماضي.

ولا يمكن تجاهل الفوارق بين قيادتي المرحلتين الانتقاليتين. لقد صرح بورقيبة بعدم إيمانه بالديمقراطية وأن الشعب لم يكن مستعدا لكل تبعاتها. واكتفى منها ببعض الشكليات مع ضبطها والتحكم فيها حتى لا تخرج على السيطرة مثل الانتخابات (وتزويرها حين لزم الأمر في 1981 ثم 1989) والمؤسسات مثل البرلمان. يبرر أنصار المرحلة السابقة كل تلك التجاوزات بأنها تندرج ضمن "الاستبداد المستنير". مقابل ذلك أثبت الثالوث الحاكم بعد 2011 وأكبر حزب فيه، حركة النهضة(رغم اتهامه بمعاداة الحداثة)، استعدادا لإرساء الحريات ولو بتقديم التنازلات لأعدائها الذين اضطهدوها طيلة ستين سنة والذين ضغطوا بشكل رهيب من أجل قتل الحرية بالحرية. وهي مفارقة لا بد من الوقوف عندها جيدا. فهذا الوضع يكشف الكثير من الأوهام حول العلاقة بالحداثة.

وقد شمل التباين بين المرحلتين بقية مراكز القوة المضادة للحكم وخاصة منها القوى السياسية والمدنية. ففي المرحلة الأولى تمكن الحزب القائد بعقليته الشمولية وتفرده بالدولة والدعم الخارجي من تصفية تلك القوىتدريجيا من خلال قانون الجمعيات القائم على الترخيص (7 نوفمبر 1959 أي ليلة الانتخابات التشريعية والرئاسية)وقرار الحزب الواحد (1964). وتقلص المجتمع المدني من مجتمع متنوع حي يعج بالجمعيات ذات الاختصاصات المختلفة (بفضل قانون 1936 القائم عل مجرد الإعلام) إلى مجتمع من لون واحد.

أما المرحلة التأسيسية الثانية فقد استفاد فيها المجتمع المدني من تضافر عدة مؤثرات ليستعيد حيويته وفاعليته. وأول تلك المؤثراتهو قانون الجمعيات الجديد القائم على مجرد الإعلام (2011) والذي رفع عدد الجمعيات في السنة الأولى من الثورة إلى قرابة 16000 جمعية بما يعكس جوع المجتمع التونسي إلى الحرية. كما ألقيت على هذا المجتمع رهانات عديدة من قبل الأطراف المتدافعة بعد الثورة. وأهم هذه الرهانات وأخطرها هي سعي القوى المضادة للثورة إلى الاستعاضة عن التجمع الدستوري المنحل بالمجتمع المدني لاستعادة التوازن المفقود مع قوى الثورة. ومن هنا نفهم الدور الحيوي الذي لعبته منظمات وجمعيات بعينها دون غيرها في التحكم في المشهد السياسي وتطوره (الحوار الوطني نموذجا). ولئن نجح هذا المجتمع في الحد من انطلاقة قوى الثورة وإعادة بعض مكونات المنظومة القديمة إلى المشهد السياسي فإنه في المقابل لم ينجح في إعادتها إلى التمكن من السلطة والتحكم في كامل المشهد كما كانت قبل الثورة. وهكذا خلق نوع من التوازن الذي سمح بالحفاظ على تعدد المشهد وتنوعه بين القديم والجديد.

 

 تباين المشهد الإعلامي:

من العوامل الأخرى التي تفسر تباين مسار المرحلتين نجد المشهد إعلامي الذي سيق إلى الأحادية في الأولى وتميزه بالتنوع في الثانية. لقد اعتبر بورقيبة أن بناء نظام جديد متجانس يقتضي سياسة تنميط شاملة بما في ذلك تنميط المشهد الإعلامي. ومن هنا لجأ إلى سياسة الإخضاع تهديدا وترغيبا وإن لزم الأمر عقابا (مثال جريدة الصباح التي أحرق مقرها وعطلت عن الصدور بسبب موالاتها لصالح بن يوسف). فتقلص المشهد الإعلامي في بداية الستينات إلى خمس صحف يومية، ثلاثة حكومية واثنتين باللغة الفرنسية من عهد الحماية مقابل 56 جريدة باللغتين العربية والفرنسية وجريدتين ليهود توانسة و17 لفرنسيين مقيمين بتونس. وبذلك قضت هذه السياسة على أي خطاب ناقد لسياسات الحكم فأصبح الطريق سالكا أمام سياسة الرأي الواحد.

مقابل ذلك عرفت فترة ما بعد الثورة انفجارا في المشهد الإعلامي بين إعلام عمومي وخاص. لكن اللافت هو أن هذا المشهد كان في أغلبه معاديا لمن أفرزتهم انتخابات 2011. وباستثناء منصات التواصل الاجتماعي فإن قوى الثورة لم تستطع اختراق منظومة الإعلام السمعي البصري ولا حتى المكتوب.وبذلك اشتغل المجلس التأسيسي تحت القصف وهو ما حد من قدرات الأغلبية التأسيسية في صياغة الدستور ومنح الأقلية قدرة على التأثير في تلك الصياغة.

 

الدور الإقليمي:

شهدت البلاد خلال المرحلتين الانتقاليتين الأولى والثانية انقساما كبيرا فتح الباب لتدخل قوى إقليمية ودولية لدعم طرفي الانقسام. لكن مآل هذه التدخلات لم يكن واحدا.

في المرحلة الأولى وقفت فرنسا إلى جانب السلطة الجديدة الضامنة لاتفاقات جوان 1955 بينما وقفت مصر وراء الفريق المعارض لها بقيادة صالح بن يوسف. وقد كان الدعم الفرنسي حاسما في هذا الصراع. ولم تكن القوة الاستعمارية القديمة معنية بإرساء نظام تعددي يرعى التنوع والحرية بقدر ما كانت معنية بنظام يحفظ مصالحها.

لكن هذه القوة ذاتها أصبحت معنية بعد الثورة بالحفاظ على نفس النظام السابق وحلفائها في مواجهة القوى المقموعة في المرحلة السابقة وساهمت بشكل أو بآخر في قمعها. وقد وجدت البلاد نفسها في هذه المرحلة مفتوحة على تداخل مؤثرات إقليمية بل ودولية أكبر وأوسع. وبغض النظر عن تطور وقائع هذا التدخل فقد انتهى إلى إقرار التوازن بين المخيمين (في ظل تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية على فرنسا وقدرتها على التأثير الخارجي) وعمل كل منهما (باستثناء بعض القوى المتدخلة) على استيعاب قوى المخيم المقابل لحلفائه (استقبال فرنسا لرئيس النهضة مقابل استقبال تركيا وقطر لقيادات النداء مثلا) فيما يمكن أن يعد تسليما بعبثية العمل على إقصاء الطرفين لبعضهما وأفضلية الوصول إلى اتفاقات تحفظ المصالح.

 

الخاتمة:

حسمت الرئاسة في التأسيس الأولبالتعيين ثم بانتخابات أحادية ثم بتأبيدها في الدستور الذي أعطاها صلاحيات ملكية. فكانت علامة على انزلاق البلاد نحو الاستبداد.بينما سحبت الرئاسة في التأسيس الثاني من مجلس نواب الشعب (انتخاب المرزوقي في المجلس التأسيسي حسب الدستور الصغير،بما يعنيه ذلك من خضوع العملية إلى التوازنات والحسابات السياسية والحزبية)ليسندها دستور 2014 إلى الشعب ذاته. كما حد من صلاحياتها وحول ثقل السلطة التنفيذية نحو القصبة.

تعيش البلاد اليوم على وقع الصراع بين الخيارين، خيار 1956 الذي انتهى إلى الاستبداد مقابل خيار الثورة الذي تتقدم فيه الحريات كل يوم ومع كل انتخاب. يصطف الخيار الأول وراء شعار تغيير الدستور وإعادة الرئاسة القوية مدخلا لاستعادة الدولة القوية والعودة إلى الجنة، جنة العهد السابق. بينما يصطف الخيار الثاني وراء احترام الدستور الحالي. وبهذا فإن المعركة الانتخابية الحالية ليست إلا معركة أخرى من معارك القديم والجديد. وستكون هذه الانتخابات خطوة أخرى في مسار انسلاخ الجديد من القديم.

 

د. عبد الرحمن الهذلي ( أكاديمي وباحث تونسي)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك