القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الذكرى الثامنة للثورة التونسية:  ما الذي يجري؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-01-16 11:29:00 | 246 مشاهدة

ملخص

تمر الذكرى الثامنة للثورة في ظل حراك اجتماعي وسياسي وثقافي يتسم بالتعقيد وينذر بنتائج خطيرة في حال لم يقع الانتباه إلى مخطط خصوم الثورة في هذا الاتجاه . نحاول في هذا المقال تفكيك هذا التعقيد في المجال السياسي والاجتماعي والثقافي من خلال أمثلة دالة للوقوف على ما يجب فعله مقابل هذه السياسات المتربصة بالثورة والبلاد.

 

مقدمة

يحي التونسيون بعد أيّام قليلة الذكرى الثامنة للمحطة الأخيرة من الحراك الثوري الذي انطلق يوم السابع عشر من ديسمبر ألفين وعشر ة، محطة انتهت بفرار رأس أعتى نظام بوليسي عرفته المنطقة  ، فرار أعاد الأمل للشعوب الرازحة تحت نظم الاستبداد عموما بأن التحرر من هذه الأنظمة ممكن وغير مستحيل اذا توفرت الإرادة  واتحد الجميع فهل مازال الأمل قائما .

 

ما الذي يجري:

قد يبدو السؤال عبثيا في ظل اصرار التونسيين على التمسك بمكاسب ثورتهم غير أنه من المهم لفت النظر هنا الى اننا لا نثير هذا السؤال من باب التيئيس والتثبيط أو من باب الجدل العقيم  ولكن من زاوية واقعية تنصت لصوت التونسيين الذين مازالوا يتلقون ضربات المجروحين من الثورة والذين يختفون في مؤسسات الدولة والمجتمع ويظهرون تحت مسميات مختلفة لعل أكثرها اثارة للسؤال وأشدها غرابة مسمى الثورة . فكثيرا من الأمور التي تحدث في المشهد السياسي والحزبي وهي من طبيعة مناقضة لما يفترض أن يكون عليه مناخ الحرية الثوري تحدث باسم الثورة  ،وهذا في حدّ ذاته أمر يحسب للثورة فحتى معارضوها ومحاربوها لا يقدرون على الظهور بوجوههم السافرة ويمررون مشاريعهم تحت اسم الثورة بما جعل الثورة عنوانا ومرجعا للجميع برغم اختلاف الغاية والسبيل

لكن هذا الوجه لا يخلو من خطورة تكمن في ما يفتحه هذا التخفي تحت اسم الثورة من خداع عامة الناس وإقناعهم بمشاريع وتوافقات لا تصب في صالح المسار الثوري ويبدو أن هذا المسار حاليا هو السائد أو الغالب بمعنى أدق على كل المسارات في كل المستويات.

 

سياسيا:

يجعل الخطاب السياسي الرسمي أي الصادر عن السلطة بمختلف فروعها التنفيذية والتشريعية من الثورة مرجعا وغطاء فتحت شعار تحقيق أهداف الثورة في القضاء على المحسوبية والفساد –وهو واحد من أهم شعارات الثورة- تطلق الحكومة حملتها على الفساد لكنها حملة منذ انطلاقتها و إلى حد الساعة لم تتقدم خطوات تذكر ولم تلامس الجوهر باعتبار أن الفساد  بشهادة كل المراقبين صار  فسادا مؤسسيا ومنهجيا يعمل  وفق منظومة محكمة الاتقان يتطلب تفكيكها شجاعة وجرأة سياسية لا تميز بين فاسد و آخر ولا بين مستويات الفساد في هذه المنظومة . فالحكومة الحالية ومن سبقها من حكومات الثورة لم تمس جوهر  منظومة الفساد ولعل ما ورد في تقرير دائرة المحاسبات الأخير دليل على ذلك ،فهو تقرير كاف لوحده لتكون الحرب على منظومة الفساد حربا معقدة وطويلة الأمد وفاعلة بالنظر إلى حجم تغلغل هذه الشبكة في مستويات مختلفة من مؤسسات الدولة والمجتمع ،اكتفت منها الحكومة ببعض العمليات الاستعراضية ذات الطابع الدعائي  المفتقد للنجاعة الاستراتيجية والذي لا يؤسس لمجتمع عدو للفساد. من جهة أخرى لم يختلف مسار مؤسسة رئاسة الجمهورية عن مسار الحكومة في التعامل مع شعارات الثورة في ذكراها الثامنة وقد تجلى ذلك في مسألة من أكثر المسائل تعقيدا منذ الثورة وهي معادلة الحرية والقانون أو بتعبير الشعار الانتخابي للرئيس الباجي هيبة الدولة ،فمنذ قيام الثورة فشلت الحكومات المتعاقبة ومؤسسة الرئاسة في ايجاد المعادلة المناسبة للتوفيق بين مطلب الحرية الذي شرعت له الثورة وتطبيق القانون وهو ما استغله الرئيس الباجي غي حملته الانتخابية وصار بعد ذلك شعارا يرفع ضد كل الاعتراضات التي تقدم لسياسة الحزب الحاكم بداعي اعادة فرض هيبة الدولة ،وهو شعار يعيد الأذهان إلى حقبة الاستبداد لكن مؤسسة الرئاسة تسوقه تحت شعار الثورة بالتأكيد على ضمان الحرية واحترام الحق في التعبير ،غير أن ذلك لم يتجاوز مستوى الشعارات فالناضر في سياسة الرئاسة يقف دون كبير عناء على توجه نحو الانفراد بالقرار وإعادة الدولة الى نظام الرئيس المنفرد بالسلطة والحكم من خلال تجاوز كل المؤسسات الدستورية والمنتخبة ديمقراطيا فالرئيس في تحركاته السياسية تجاوز السلطة التنفيذية منذ اعلانه في أول مرة منذ ثلاث سنوات تقريبا مبادرة تشكيل حكومة وحدة وطنية خلفا لحكومة الحبيب الصيد، وإيكال مهمة تشكيلها وضبط برنامجها إلى ما عرف بعد ذلك باسم وثيقة قرطاج في نسختيها ،وهي لقاءات تشاورية جمعت أحزابا ومنظمات وعوضت عمليا  مؤسسة البرلمان الذي صار مهمشا في كل المبادرات التي يقوم بها رئيس الدولة

كما تجلى هذا الخرق لمبدأ علوية المؤسسات الدستورية المنتخبة من رئاسة الدولة تحت مسمى هيبة الدولة من خلال تجاوز مؤسسة القضاء السلطة الثالثة المكونة للنظام الديمقراطي  تجاوزا بعث برسائل سلبية إلى عامة المواطنين الذين أملوا في الثورة كي تعيد الأمور إلى نصابها بتحرير القضاء من دائرة تعليمات السلطة التنفيذية ،فالرئيس تجاوز مسألة التعليمات بسبب نزعة الاستقلالية الواضحة التي بدأت تترسخ في مؤسسات القضاء إلى أسلوب آخر يتمثل في تجاوز آثار الاحكام القضائية بعد صدورها دون مراعاة لأي اعتبار من خلال استغلال اختصاص" العفو الخاص "الذي يمنحه له الدستور دون ضوابط وخلافا لأعراف العفو التي جرى بها العمل ولاعتبارات حزبية بما عمق لدى التونسيين الشعور بغياب العدالة وانعدام تكافؤ الفرص ،كذلك كان الشأن في ما تعلق ببعض المطلوبين للقضاء من خلال استقبالهم في قصر الرئاسة  المؤسسة التي يفترض أنها الأكثر حرصا على تطبيق القانون.

 

اجتماعيا

 

يبرز التعقيد أكثر في  المستوى الاجتماعي  لتعدد الفاعلين  في الموضوع ولحساسية نتائجه المرتبطة مباشرة بمعيشة المواطن بما يجعل من العسير تخليص القضايا الجدية والمشروعة من المفتعلة والموظفة ،فالمقدرة الشرائية مثلا شكلت واحدة من أهم شعارات الثورة تحت عنوان الكرامة والوعد بمجتمع الرفاهية والحد من نفوذ لوبيات الاستغلال والاحتكار والتهريب ،لكن الواقع يضع امامنا صورة غير هذه المأمولة من الجميع  صورة قاتمة تبرز فيها المقدرة الشرائية خارج الحسابات الجادة لمختلف الفاعلين ،وفي الوقت نفسه هي محور  ما يبرز من "نضال "اجتماعي ،ذلك أن الفاعلين الاجتماعيين من نقابات و أصحاب رؤوس الأموال والحكومة هنا بصفتها ممثلة الدولة الراعية كلها تتحرك تحت سقف شعار تحسين الظروف المادية والاجتماعية للمواطن لكنها تتفق جميعا اتفاقا صريحا أو ضمنيا من بابا التقاء المصالح أو من باب التوافقات على سقف مشترك يرفض احداث التغيير الجوهري المطلوب والذي هو شرط أساس للخروج من الدائرة المفرغة التي يعيشها التونسي ماديا واجتماعيا.

ذلك أن هؤلاء الفاعلين الماسكين بدواليب المؤسسات والدولة لا يجرؤون على دفع تحركاتهم إلى أقصاها من أجل تغيير المنوال الاقتصادي  المهيمن منذ الاستقلال والذي يشترك الجميع في تقييمه تقييما سلبيا، ولا يوجد سوى تفسير التقاء مصالح مختلف الفاعلين للحفاظ على ما هو سائد لاعتبارات مختلفة منها ما هو ارتباط خارجي ومنها ما هو حفاظ على مواقع فعل وتأثير في المشهد قد ينسفها أي تغيير حقيقي في هذا الاتجاه ،ليبقى ما نراه من أشكال تحركات احتجاجية خاصة منها المنظمة مجرد وسيلة لتحسين شروط التفاوض لا ترتقي لمطالب الثورة ومستوى المرحلة التي تعيشها تونس .

 

ثقافيا

 نكاد لا نعثر على أي حراك ثقافي من مهرجانات او معارض كتب أو لقاءات أدبية  تنتظم خارج إطار الثورة ،فكل هذه السياسات الثقافية تصبغ نفسها بصبغة الثورة  انخراطا في الموضة الثورية وتمريرا لمشاريع لا علاقة لها بالثورة، ولسنا نلقي التهم جزافا في هذا الباب ،ذلك أن هذا الحراك  لم يغادر  مربع المنجز الثقافي، إن صح إدراجه ضمن هذا العنوان، لما قبل الثورة فهو يحتفي بالكتاب الذين كرسوا جهدهم لتمجيد الاستبداد وتسويق سياساته وهو يوزع الدعم باسم الثورة لأفلام لا علاقة لها بالثورة ولا تعالج قضايا مجتمع الثورة وإنما تعالج مواضيع أخرى تهدف إلى محاربة الثورة رمزيا والتشكيك في جدواها ،كذلك الشأن بالنسبة للكتاب وللجوائز الأدبية واللقاءات المختصة، فكل المبدعين تقريبا من خارج منظومة ما قبل الثورة لا يجدون حظهم لدى إدارة الدعم ولا في وسائل الإعلام ولا في سياسة الدولة الرسمية بل ربما نتحدث عن إقصاء ممنهج لتغييب حضورهم الرمزي لدى المواطن. إن الغنيمة الثقافية التي تسهر وزارة الثقافة منذ تأسيسها على توزيعها لم تجاوز "أهل الدار " بل إن الوزارة لا تفكر مطلقا في القطع مع هذه السياسة الثقافية الممجوجة التي تنتج مرتزقا ثقافيا وليس مبدعا وهو ما يعد نقيض ما ترنو إليه الثورة وما دعت إليه.

 

 

خاتمة

ما يزال مجال تقييم المسار الثوري في ذطراه الثامنة مفتوحا لكن ضيق المجال جعلنا نقصر الأمر على بعض المجالات ذات الأولوية  وقد نخصص لما بقي مقالات مستقلة ،لكن الثابت عندنا أن الثورة بعد مرور ثماني سنوات على اندلاعها ما تزال تواجه تحديات كبيرة خاصة على المستوى الرمزي والقيمي وهو أهم مجال يشتغل عليه خصومها وأعداؤها الذين يؤمنون بأنه ما لم يقع خلخلة الايمان بقيم الثورة في نفوس المؤمنين بها فلن يهنأ لهم عيش تحت ظلها وهذا ما يعملون على انجازه وهذا هو بالتحديد ما وجب على أنصار الثور العمل على ابطاله وترسيخ عقيدة الثورة في النفوس.                                                                                                                                          

                                                                                                                                                      

د. سمير ساسي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك