القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

الدين والسياسة في تونس والفضاء المغاربي بين الارث التاريخي وإكراهات الواقع

تأليف: عبد اللطيف الحناشي

الناشر:سوستيميديا

مكان النشر: تونس

سنة النشر: 2018

عدد الصفحات: 277

 

تقديم

يقرأ الكتاب بداية من الصورة الرمزية والغلاف المثير للتفكير، علاقة المؤسسة الدينية(جامع الزيتونة)بمؤسسة الحكم(القصبة)، ويستحث القارئ على الإقبال عليه وتدبر مضامينه. يستمد الكتاب أهميته أولا من كونه مساهمة في الجدل الدائر داخل الحقل السياسي في علاقة الديني بالسياسي، ثانيا إنه شهادة على التحولات التي تشق المجتمع التونسي والمجتمعات المغاربية، ثالثا كشف الكاتب عن بعده الأكاديمي في بيئة هيمنت عليها "الهواجس" الإيديولوجية ومعايير الاصطفاف واختياره التمشّي الحيادي عبر تنويع المراجع والمصادر والإحالات .

منذ الأسطر الأولى يطرح الكتاب إشكالية الديمقراطية والجماعات الإسلامية وليس روابط الديمقراطية والإسلام، فالهاجس ليس نظري بالمعنى المجرد أو نسقي بل موضعة الإشكال في السياق الراهن واللحظة الحالية التي تستعيد طرح السؤال بشكل دوري يجعل منه المعضلة الرئيسية في الواقع السياسي ويضفي بثقلها وظلاله على الأفكار والأفعال. فالكاتب لا يُنظر بل يسعى إلى التشريح والتفكيك وضخ مجموعة أفكار في ساحة سياسية شحيحة ، عبر طرح أسئلة/ إشكاليات على امتداد فصول الكتاب محاولة في تدوير الزوايا.

تقوم وحدة التحليل الأساسي لمؤلف الكتاب على متابعة "متيقظة" لتاريخ الراهن وما عايشه بين الواقع المتحرك وأفكاره المتبدلة ووضعيات التأثر والتأثير من أجل إنتاج خطاب موضوعي في قراءة الأحداث وأدوار الفاعلين السياسيين وموقعهم في الخارطة السياسية، إنه نتاج تفاعل يومي بين الباحث والواقع السياسي المتحرك. ولعلها  قراءة/ مراجعة عميقة لأحد مناضلي اليسار في فهم "لغز" الروابط الظاهرة والخفية للمجموعات الإسلامية  بالديمقراطية.

التقديم المادي للكتاب

يتضمن الكتاب مقدمة مقتضبة لكنها مكثفة بالأسئلة المحرجة، ويتوزع إلى قسمين، قسم أول اعتنى بظاهرة الدين والسياسة في تونس، متضمنا أربعة فصول منفصلة المضمون، تناول فيها بالتحليل علاقة الدين والسياسة في تونس، وأنماط الحضور الديني في الفضاء العام، ومبرزا أهم أفكار وبرامج الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية في تونس وفهم آليات عملها، وصلاتها البينية وعلاقتها بالأطراف العلمانية "التي تدعي ذلك"،وتبيان مظاهر وحدود "التحولات" الفكرية والسياسية التي عرفها حزب النهضة ما بعد الثورة. ويحتوي القسم الثاني بعنوان قضايا الدين والسياسة في الفضاء المغاربي خمسة فصول، تناول فيها ظاهرة الجماعات السلفية "غير العنيفة" في المجال المغاربي، ومستقبل الاتحاد المغاربي في ظل حكم الإسلام السياسي وتطور حركة الإخوان المسلمين في ليبيا وتقييم لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا وخاتمة عامة.

2- المقدمة المفتاح

تمثل المقدمة "روح المؤلف" ويتبلور فيها مشروع الكتاب وإشكاليته، وتضعنا مباشرة في عين عاصفة الجدل السياسي والفكري التونسي. فالسؤال كما بينا ليس نظريا وإنما يطرح سؤال النخبة بعد الثورة  "لماذا تضاعف حضور الدين في الفضاء العمومي"(ص7)؟ لماذا تصدرت الأحزاب ذات المرجعية الدينية المشهد السياسي؟ هل تستطيع الأحزاب ذات المرجعية الأسلامية المساهمة في تصحيح "العلاقة المعيارية ما بين الدين والديمقراطية وإطارها العلماني "؟. كيف ستتعاطى مع ازدواجية الخطاب؟ كيف يمكنها تجاوز حالة "الكماشة" بين التشكيك والقبول؟ يقدم الكتاب بعض الإجابات العامة ولكنها دالة، حيث يرى المؤلف أن ذلك "أمر قد لا يكون مستحيلا" (ص 8)، شرط تجديد الخطاب والتعاطي مع الديمقراطية "كقناعة راسخة وخيارا استراتيجيا" (ص8)، كما يقترح على الأطراف المنافسة للفاعل الإسلامي أن تقوم «بمراجعات عميقة لبعض أفكارها وسلوكها السياسي". ويسعى إلى المساهمة في تضميد جراح الواقع الراهن ورتق الشروخ التي طبعت المشهد السياسي في تونس.

3- ديناميات السياسة والدين في تونس

تطرق المؤلف في المدخل العام إلى مقارنة ثلاثة مراحل تاريخية،فترة ما قبل الاستعمار اعتبرها تتميز "بالفرادة"  من خلال نموذج إصلاحات خير الدين التونسي،وفترة ثانية اتسمت ببروز خلافات جزئية بين السياسيين حول طبيعة الحركة الصهيونية وإدماج الأقليات اليهودية في الوظيفة العمومية، وتخص المرحلة الثالثة الاستقلال وهي الفترة التي انطلقت فيها الخيارات البورقيبية، في إعادة هيكلة  الحقل الديني ومؤسساته بالاستناد إلى عدد من أئمة جامع الزيتونة لإنفاذ رؤيته في الإصلاح (حل الأوقاف- الأحوال الشخصية- إلغاء التعليم الزيتوني).

واعتبر ضمنيا أن معضلة الديني / السياسي انطلقت مع النواة الأولى في تكون الجماعة الإسلامية التي يصفها  "بالسلفية" في مرجعيتها الفكرية، وأنها "لم تكن ابنة بيئتها" و "لم تنهل من رصيد الفكر الإصلاحي التونسي" (ص 17). ومع ذلك يقر الكتاب بأن الجماعة الإسلامية سعت للتأقلم مع سياقها التونسي والتكيف مع الخصوصية التونسية، إلا أنها تعرضت إلى مؤاخذات عديدة من قبل النخبة متهمة النهضة بازدواجية الخطاب، وأن تطورها لم يكن تطورا ذاتيا بل تحت "ضغط الواقع السياسي والاجتماعي الوطني" (ص 17). وصولا إلى المفارقة/ القلق اليساري المتسائل عن جدوى أن يحكم البلاد حزب ذو مرجعية  إسلامية في بداية القرن الواحد والعشرين ؟

يتوقف الكاتب  في الفصل الأول عند البحث عن سبب "تضاعف حضور الدين في الفضاء العمومي"(ص19)، وخاصة محاولة فك "سر" بلوغ التيارات ذات المرجعية الإسلامية إلى السلطة، وفهم الشجرة التي تخفي الغابة،مستثمرا مفهوم "الفضاء العام" ليورغان هابرماس لتحليل الحضور النوعي للإشكاليات فكرا وسياسة.وهي في صميم إشكاليات الفكر العربي والإسلامي (ثنائيات) الدين والعلمانية، الدين والفضاء العام، الدين والعولمة، العقل والنقل، التراث والتجديد، من خلال تناول طبيعة العلاقة بين الإعلام والدين وصلات الدين بالشأن السياسي.الذي يشكل أحد أهم المعارك الفكرية والسياسية في الساحة التونسية، وتتجلى مظاهرها في الموقف من التعليم الديني، وموقع الدين في الدستور، وتوظيف المعطى الديني في الممارسة السياسية ودور الأئمة، وتوسع أشكال التدين والسلوكات الاقتصادية "في الحجاب والسبح والعباءات والجلابيب..."(ص 39). وأن امتداد العامل الديني بشكل عشوائي وتأثيره في الفضاء العمومي، يتطلب من الدولة تنظيمه بشكل لا يتعارض مع الحفاظ على الحريات العامة.

واستنتج أن إشكالية الدين والسياسة موضوع حارق في الثقافة العربية الإسلامية، بينما "حسمت" حسب الدكتور الحناشي لدى عديد الثقافات بعد أن خاضت "صراعات فكرية وسياسية طويلة" (ص 29)، وهو ما ينبغي تنسيبه – في رأينا- خصوصا مع تنامي ظاهرة الديمقراطية المسيحية ولاهوت التحرر في أمريكا اللاتينية، فضلا عن تحاليل علم الاجتماع الديني.

أما في الفصل الثاني فقد تركز التحليل على تقديم صورة عامة عن الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في تونس بعد الثورة، مميزا بين مجموعتين رئيسيتين، الأحزاب الوسطية ذات المرجعية الإسلامية، والأحزاب السلفية. مستعرضا في المجموعة الأولى عينة من سبعة أحزاب أسلامية وصفها بالوسطية، وحظيت حركة النهضة بالاهتمام بأكثر من ثلاثين صفحة ( ص46- 79ص) لتشريح جسدها السياسي والتنظيمي وسياقات تطورها من التأسيس إلى الثورة، مبرزا بنيتها التنظيمية ومشيرا إلى المواصفات الثقافية والمهنية لأعضاء المكتب التنفيذي للحركة. وكشف عن تجربتها في السلطة وبعد مغادرتها، مقيما أداءها السياسي وسرد مواقفها من الدستور ودور المرأة  والإرهاب، وطبيعة علاقتها بالأطراف السياسية والاجتماعية والاتحاد العام التونسي للشغل وخصوصيات علاقاتها مع الأحزاب ذات المرجعية الدينية من مختلف الاتجاهات.

وضمن نفس التصنيف العام أدرج "تيار المحبة" و"حزب العدل والتنمية" و"حزب الكرامة والمساواة" و"حزب اللقاء الإصلاحي الديمقراطي" و"الحزب الإسلامي التونسي" و"حزب الوحدة"، محددا مرجعيتها الفكرية والبرامجية ومواقفها من الحكومة الائتلافية المؤقتة ومن الدستور ومن التحالفات السياسية المنجزة، وآرائها الفكرية حول  العلمانية والمرأة. وقد بذل المؤلف جهدا كبيرا في جمع المعلومات وتتبع التفاصيل،واشتغل كمهندس في التأليف بينها وربط جزئياتها، مما أضفى على المشهد الحزبي الوضوح اللازم.

وهو ما طبقه أيضا على المجموعة الثانية التي شملت الأحزاب السلفية، مستعرضا عينة من هذه الأحزاب، أولها "حزب التحرير"وبرنامجه السياسي والاقتصادي، ومواقفه من الديمقراطية والدستور والانتخابات، ومن العنف والإرهاب واليسار. وفي فقرات بل وأسطر مقتضبة عرف"حزب جبهة الإصلاح"ومرجعيته موضحا برنامجه السياسي والاقتصادي، وأرائه في مكانة المرأة وموقفه من  الديمقراطية والممارسة السياسية  ومسارات الحوار الوطني والهيكل النقابي والعنف وتعدد الأحزاب. وتناول بالتحليل "حزب الأصالة السلفي"و"حزب الرحمة" في فقرات محدودة برنامجهما العام وعلاقاتهما بالأحزاب واتجاهاتهما في الديمقراطية والدستور .

رغم تأكيد هذه الأحزاب على المرجعية الإسلامية تبدو الصلات ضبابية وحتى أهدافها ورؤيتها من عديد القضايا متباينة وأحيانا كثيرة متناقضة،فضلا عن أنشطتها المحدودة وإشعاعها المتقلص بل وعديد منها اندثر ولا يوجد له أي أثر واقعي، مما يجعل أن عمل الكاتب يقترب من التوصيف والتوثيق، خاصة وأنه لم يكشف عن معايير اختيار هذه العينة من الأحزاب دون غيرها ودون أن يبين مقاييس إدراجها في كوكبة الأحزاب الإسلامية الوسطية أو السلفية.

حاول الكاتب في الفصل الثالث فهم الحضور الشيعي في تونس،و فك حالة الغموض وتتبع أصول ما وسمها "بالظاهرة" وتجلية خصوصياتها وحجم أفرادها وانتشارهم الجغرافي وابرز أنشطتهم ومواقفهم . وتعرض إلى العوامل التي ساعدت على انتشار ظاهرة التشيع في تونس منها العوامل التاريخية  القديمة،وعوامل معاصرة حددها في أواخر الستينات بعد لقاء(محمد التيجاني السماوي) في النجف مع محمد باقر الصدر والخوئي. أما السياقات الجديدة فتتمثل في التفاعل مع الثورة الإيرانية  والطلبة العائدين من المشرق والفضائيات الشيعية وأداء حزب الله وأدبيات الشيعة التي روجت في معرض الكتاب والنشاطات المكثفة للمركز الثقافي الإيراني.

أكد الكتاب أن نظام ابن علي غض الطرف عن الحضور الشيعي حيث تم تأسيس "جمعية أهل البيت الثقافية"، ونشطوا في هياكل حزب التجمع والكشافة. ولم يبرز نشاطهم السياسي إلا بعد الثورة، حيث تأسس حزبان يستندان إلى المرجعية الشيعية "حزب الله تونس" (سيف الدين العجيلي)، و"حزب الوحدة" ( بشير الرويسي). وامتد النشاط الشيعي إلى الأبعاد الثقافية والإعلامية، والولوج إلى النسيج الجمعياتي مثل (رابطة التسامح التونسي)وجريدة الصحوة (هشام بوعبيدي). ووجدوا بعد الثورة هامشا مهما من الحرية لممارسة بعض العبادات والعادات المخصوصة مثل عيد الغدير والمولد النبوي  ومولد السيدة فاطمة. واشتغل على حجم الظاهرة وانتشارها الجغرافي، ومع ذلك عبر عن صعوبة  ضبط حجم الشيعة لاعتمادهم  مبدأ التقية، ولكن أيضا تحتاج الدراسة أدوات سوسيولوجية متنوعة ومنهجيات إنسانية متطورة.

سعى في الفصل الرابع إلى رصد تحولات حزب النهضة ما بعد الثورة بين القناعة المبدئية وإكراهات الواقع، وتساءل عن استحقاقات الانتقال الديمقراطي بعد ست سنوات. وحلل تطورات المشهد السياسي العام ضمن إشكالية التوافق/التوتر مع تشخيص التطورات التي عرفها حزب النهضة من السرية إلى العلنية، وما قبل الثورة وما بعدها ، في مستوى الرؤى الفكرية ومع الجدل الفكري الذي صاحب صياغة الدستور.

هذه التحولات الفكرية والسياسية دفعت المؤلف ليتساءل هل أن النهضة "حزب المسلمين الديمقراطيين" (ص140)، مما يتطلب منها إيجاد إجابات حول إشكاليات التوافق بين الإسلام والديمقراطية وتدقيق موقفها من المدنية والعلمانية. ومع ذلك يعتقد الحناشي أن "حزب النهضة" التونسي يتميز بخصوصية في تصوراته وفي أدائه، تعود من ناحية إلى تراكم المكتسبات التاريخية شأن بروز المجتمع المدني منذ الحقبة الاستعمارية وتجانس قومي وديني ونبذ العنف وطبيعة البيئة الفكرية والدينية المنفتحة. ومن ناحية أخرى العوامل الذاتية التي حفزت تطورها الفكري و"استيعابها لمفاهيم جديدة حول المرأة والديمقراطية والتداول على السلطة" (ص 143)،يفسرها باستفادتها عميقا من تجربة الهجرة وانخراطها في تجربة 18 أكتوبر المعروفة، والإسهامات الفكرية لراشد الغنوشي وتجربة الحكم، كل هذه العناصر أنتجت "خطابا أكثر اعتدالا وعقلانية وبراغماتية" (ص 144)،فضلا عن "قناعة واسعة من نخب الحزب بضرورة التكيف مع الواقع التونسي" و"فك الارتباط مع التجربة الأم" (ص 144).

في المقابل يوجه المؤلف موقفه النقدي من البعض من النخب التونسية الذين يتجاهلون " الخصوصيات الفكرية والسياسية التي ميزت حزب حركة النهضة عن بقية الأحزاب المشابهة في الوطن العربي" (ص 146)، مثمنا قرارات المؤتمر العاشر الداعي إلى "التحول إلى حزب ديمقراطي وطني ذي مرجعية إسلامية"،وعده "انعطافة إستراتيجية تاريخية رشيدة وعميقة" (ص146)، داعيا إلى عدم التردد في دعمها (ص 147)، حتى تتحول إلى أنموذج لبقية الجماعات الإسلامية.

4- إشكالات دينية وسياسية، مؤسسات وأحزاب، وشخصيات

توسع القسم الثاني في مقاربة قضايا الدين والسياسة في الفضاء المغاربي، حيث اعتنى فيه بالبعض من مكونات الإشكالية المحورية المضمنة في كامل الكتاب. إذ عالج في الفصل الأول وضمن قراءة مقتضبة مسيرة الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي عده رائد السلفية المستنيرة في المغرب العربي وحركة الإصلاح بتونس التي تأثرت بالمشرق خصوصا الشيخ محمد عبده.وعرف السلفية مفهوما وممارسة، مميزا بين أصنافها، شأن السلفية البدوية (الوهابية) والسلفية المستنيرة التي ارتبطت بالحركة الإصلاحية الإسلامية وحركة النهضة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.مستندة إلى الرجوع لأصول العقيدة الصافية وتحرير الفكر من قيود التقليد وإمكانية الاقتباس من الغرب وإصلاح مؤسسات التعليم الديني كمدخل أساسي للتجديد والإصلاح الديني.

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                     

وعرج في الفصل الثاني على التيارات السلفية المدرسية في المغرب العربي، مبرزا خارطة مقارنة للمشهد السلفي، التنظيمية والإعلامية والدعوية والسياسية وقاعدتها الاجتماعية وعلاقاتها بالأخرين. اهتم أولا بالسلفية المدرسية وحدد مصادرها المشتركة وسياقاتها المختلفة في كل من المغرب والجزائر وموريتانيا وليبيا وتونس. وكشف ثانيا على أن أهم ما يميز ها موقفها من "الأنظمة السياسية أو بعض الفتاوى التي تهم الحياة اليومية" (ص 175)، وخياراتها في عدم معارضة الحكام، خصوصا مع تغلغل تيارات وهابية مثل السلفية المدخلية من رموزها الجزائري محمد علي فركوس وعبد المالك رمضاني. أما السلفية غير الوهابية فقد اشتغل جزئيا على جماعة الدعوة والتبليغ وتتبع نشأتها  ورموزها وحضورها في البلدان المغاربية.

وتطرق إلى صلات التيارات السلفية بالممارسة السياسية، مشيرا إلى مسألة في غاية الأهمية وهي المراجعات الفكرية التي دشنتها السلفية العنيفة في السجون المصرية  لتتالى في نماذج عديدة في ليبيا وفي المغرب. ولعل "الربيع العربي" والعمليات السياسية التي أثيرت في سياقه دفع المكونات السلفية إلى النظر في سبل التعاطي مع المناخ الديمقراطي. مقدما خارطة عامة عن الأحزاب السلفية من البلدان المغاربية، وذكر عينة من الأحزاب السلفية في تونس مثل "حزب الأصالة السلفي"و"جبهة الإصلاح"،مشيرا إلى مرجعيتهما وبرامجهما السياسية ومواقفهما من الديمقراطية ومدنية الدولة وعلاقاتهما بالنهضة وبالأحزاب السلفية الأخرى.

وحرص المؤلف على إضافة بحثية طريفة تخص رصد المواصفات الاجتماعية والثقافية للمجموعات السلفية وحجمها، مثلا لصعوبات الاجتماعية والإخفاق المدرسي، واستقطابها للفئات الشبابية بل "مراهقين" (ص 192)، وطبيعة حضورها في دور العبادة والمدارس والجمعيات، وكيفية تعاملها خاصة مع المواقع الالكترونية واليوتيوب والقنوات الفضائية.

يتساءل الكاتب في الفصل الثالث عن مستقبل الاتحاد المغاربي في ظل حكم الإسلام السياسي؟ حيث توقف عند فكرة المغرب العربي ونشأتها تاريخيا منذ العشرينات من القرن الماضي مع "جمعية نجم شمال إفريقيا" و"جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين" وتعززت برياح "الربيع العربي". إلا أن  فكرة المغرب الكبير عدها ضامرة بصيغة متفاوتة في أدبيات الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية،فهي شبه غائبة لدى"حزب العدالة والبناء" الليبي، على خلاف"حزب النهضة التونسي"و"حزب العدالة والتنمية المغربي" اللذان أوليا اهتماما كبيرا  بالاتحاد المغاربي، وقد تجلى ذلك في خطاباتهم بعد الثورة. وتعرض في ما بعد إلى العقبات الداخلية والخارجية،متفائلا بالنقاط الخمس التي أعلنت بعد الثورة في محاور سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتحييد "قضية الصحراء الغربية" واقتراح فكرة "اتحاد الشعوب الحرة المستقلة".

وتوقف الكاتب في الفصل الرابع عند تجربة الإخوان المسلمين في المغرب العربي حالة ليبيا، إذ قدم صورة عامة عن تطور الحركة منذ الأربعينيات وعلاقتها بنظام القذافي المراوحة بين التعاون والمواجهة ثم المصالحة. وتناول بالتحليل دورهم المتردد في دعم الانتفاضة، وشرح الأوضاع التنظيمية لحركة الإخوان الليبية ومواقفها الفكرية والسياسية من التنظيم الفيدرالي  وطبيعة الدولة والدستور والمشاركة السياسية للمرأة وصولا إلى تأسيس"حزب العدالة والبناء" والمشاركة في الانتخابات،وفسر إخفاق  الإسلاميين في ليبيا بهيمنة الثقافة المحافظة وضغوطات المعطى القبلي.

وتجاوز الكاتب في الفصل الخامس الأفق المغاربي ليهتم باتحاد المنظمات الإسلامية (UOIF) الذي اعتبره الواجهة الخفية للإخوان المسلمين في فرنسا، من خلال استعراض عدد من مواقف المنتسبين السابقين أو دراسات أوروبية تؤكد أنها "إحدى الشبكات العابرة لتنظيم الإخوان المسلمين" أو "سفارة الإخوان المسلمين في فرنسا" (ص 234). واستعرض تاريخ الاتحاد وفق مرحلتين، المرحلة الأولى من (1979-1985) والمرحلة الثانية من (1985- 1991)،ويرى أن هيكلته "تتوافق مع الهيكلة التنظيمية العامة للإخوان المسلمين" (ص 240) وتدعمه شبكات جمعياتية تضم أكثر من 250 جمعية  منها "الشباب الإسلامي الفرنسي" و" الطلبة المسلمين الفرنسيين" و"الرابطة الفرنسية للمرأة المسلمة"  و"لجنة دعم فلسطين" و"جمعية ابن سينا  للأطباء" و"جمعية أئمة فرنسا" والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث وغيرها. وهي شبكة مؤثرة في "هيئة المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" وتلعب دور الوسيط بين الجاليات المسلمة والدولة الفرنسية، وتتلقى دعما من الدولة الفرنسية ويسمح لها بتنظيم الملتقى السنوي بورجيه، وادمج عضوين بارزين  هما عبد الله منصور وعمار الأصفر في مجلس التفكير حول الإسلام في فرنسا من قبل بيار جوكس وزير الداخلية الفرنسي الأسبق. إلا أن ما يمكن مناقشة الكاتب فيهو صم الاتحاد بالانتماء الإخواني وهو ما فنده كل من الإعلامي (Vincent Geisser ) والمفكر ( Patrick Haenni) اللذان اعتبرا أن هذه الشبكة ساهمت في تحصين شباب الجيل الثاني من الالتحاق بالجماعات الإرهابية.

الخاتمة                                                                                                                                                                       

تجسم  الموقف المتردد للباحث بين ما يوجهه من نقد لظاهرة الإسلام السياسي بوجوهها المختلفة وحرصه على التمشي الموضوعي ورؤيته الإصلاحية في كتابه تتيح "استنباط طرق أفضل للتعامل معها واستشراف حاضرها ومستقبل توجهاتها وقدراتها وإمكانياتها على المستوى القريب والمتوسط" (ص 249)، ومدى أهمية وخصوبة وجود أحزاب ذات مرجعية إسلامية في الاستقرار السياسي وتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي لشعوبها.

 

د. محرز الدريسي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية ، هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك