القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الديمقراطية التونسية أو قضية ديمقراطية لا تتسع لهويتين

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-08-09 14:01:00 | 114 مشاهدة

ملخص

نتحدث كثيرا عن انتقال ديمقراطي ناشئء في تونس، بما يعني تحسنه المؤكد في قادم الأيام مع رسوخ الديمقراطية شيئا فشيئا، تقاليد وثقافة. لكننا ننبه هنا إلى أن هذا التفاؤل يصدق فقط حيث الشروط الكبرى للديمقراطية قائمة لا محالة، ولا ينقصها غير الترسيخ، وهو ما ليس عليه واقع الحال في تونس والعالم العربي عموما.

فالشروط الأساس للديمقراطية التي تعد بها ناجحة وناجعة في الدول الغربية وغيرها ليست فقط الوعي ونشر ثقافة مناسبة، بل أساسا أن يكون كل ذلك من داخل الهوية الواحدة تنقسم لفهمين لها (الهوية الأوروبية الواحدة، أي الفهم نفسه للعالم ينقسم إلى جمهوري وديمقراطي، يمين ويسار..)، يتدافعان على نحو بناء، وهو ما ليس عليه الحال في العالم العربي. في تونس والعالم العربي، فإن الاختلاف واسع بين هوية إسلامية وهوية معلمنة دون مواربة، تتصارعان على نحو هدام. ولأن الديمقراطية لا تتسع لهويتين مختلفتين جذريا، بل فقط لهوية واحدة في وجهيها، فإن الديمقراطية لدينا لا تعاني من مجرد مشكل وعي وثقافة بل مشكل أسس.

ما نلاحظه في تونس أن الإسلاميين انخرطوا في "الهوية التونسية" الواحدة، وهو لعمري سر النجاح الظاهر للديمقراطية في تونس، وهكذا أيضا انخرط الطرف المعلمن، وتنازل عن كثير من خصوصيته. لكن إذا ما انتبهنا إلى أنها هوية هشة ومصطنعة حتى، فإن الحالة المريحة للديمقراطية التونسية تطرح للسؤال من جديد عن مستقبلها.

مقدمة

لا أتصور أن تونسيا واحدا كان ينتظر من الانتقال الديمقراطي جنات تجري من تحتها الأنهار، لكن الكثرة العارمة كانت تحتفظ بتوقعات كبرى على الصعيد الاقتصادي الحارق كما السياسي ثم الانعكاسات الاجتماعية لكل ذلك. إذا استثنينا الإنجاز الوحيد الذي لم يأت -للحظ السعيد- للشطارة السياسية، بل لطبيعة الشعب التونسي المحصنة ضد الإرهاب والحرب الأهلية (أعني طبعا مقارنة بليبيا ومصر وسوريا واليمن.. المسار السلس للحياة السياسية والدرجة المريحة من الاستقرار في الوضع الأمني)، فإننا نكاد نجزم أن لا شيء في الانتقال الديمقراطي يحمل سمة الديمقراطية (لا الديمقراطية السياسية حيث المكائد واللجان المسقطة للالتفاف على نتيجة المسار الانتخابي، ولا الديمقراطية الاجتماعية حيث ضاعت مصالح الفقراء في دوامة التجاذبات السياسية). السؤال الذي نعتني به هنا هو إذن: لم هذا الوضع المربك للديمقراطية؟ هل هو مجرد تعثر لديمقراطية ناشئة (مثلما نقول واسعا) أم أن الديمقراطية لا تمتلك شروطها الدقيقة لدينا لعلة ما؟

ما ندفع إليه تفكيرنا لإثباته هنا هو كون الديمقراطية تفتقد لدينا أهم الشروط التي حققت بها النجاح، لا فقط في العالم الغربي بل أيضا في إيران ومثلها: النجاح في تثبيت هوية واحدة جامعة تجري الاختلافات والتدافعات داخلها. الديمقراطية في تونس تشكو من أعسر تحد: تسوية الخلاف بين هويتين مختلفتين.

1 – قراءة في المشهد السياسي وتعليل أزمته

أ - مظاهر صعوبات المسار الديمقراطي في تونس

إذا ركزنا تعريف الديمقراطية في عناوين أساسية: مقدمات (سلطة محايدة "تقف على مسافة واحدة من الجميع"، إحدى أكثر العبارات التي مججناها، علوية الدستور والانصياع الحصري لصوت القوانين والقضاء العادل، معارضة قوية تعدل كفة السلطة وتحفظ التوازن السياسي، الشروط الدائمة لانتخابات حرة)؛ نتائج (نهاية حكم العائلات بما يعنيه من تداول فعلي على السلطة ومن حكم رشيد ومن معنى حقيقي للحياة السياسية، نهاية المافيات المالية بما يعنيه من توزيع عادل للثروة وازدهار اقتصادي وتدني نسب الفقر والبطالة، الانعكاسات الاجتماعية والنفسية لذلك وتدني نسب الجرائم والطلاق والانتحار وبالمقابل ازدياد التضامن الاجتماعي والتماسك الأسري وانبعاث الأمل في النفوس والثقة في المستقبل..) – إذا اختصرنا التعريف في ذلك فإننا لا نكاد نرى شيئا في المقدمات ولا في النتائج يحمل هذا الاسم: الدستور يضرب به عرض الحائط (فحيث الشعب صاحب السيادة على ثرواته، فإنه لم يستطع حتى أن يحوز على احترام تساؤله "وين البترول؟")؛ تغيير الحكومات المتتالية بغير المسار الانتخابي، ومنها السعي إلى طرد رئيس حكومة شر طردة كما حدث مع الصيد؛ العائلات الكبرى والنفوذ المالي يعود جهارا؛ التعيينات الحزبية الظالمة وعلاقات القربى؛ التفاقم الفظيع للفساد والانتشار غير المسبوق للشبكات المافيوزية؛ الضمور المتنامي لمفهوم المعارضة...

ب - احتمالات تعليل أزمة الديمقراطية

أين يكمن المشكل؟ لماذا نعجز عن إقامة سلطة محايدة ونلتف عليها فورا لعائلاتنا و"جماعاتنا"؟ لماذا نعجز عن احترام الدستور ونلتف عليه عند أول منعطف لفائدة مصالحنا المحدودة؟ لماذا لا تعدل المعارضة الكفة وهو مشروع تماما ديمقراطيا ولا يضطلع الشعب بدوره في وضع حر (لا أحد يمنعه)، وقد اضطلع به من قبل في الوضع الصعب وقام بالثورة؟

* الاحتمال الأول

التعليل المهيمن واسعا الذي لا أراه مجديا، والذي أستقدمه من آخره يقول: لأن المعنيين بالشأن العام فاسدون ومكبلون نفسيا ومفتقدون للكفاءة والمعرفة: لأنهم فاسدون فإنهم لا يرون مصالح الناس بل يرون الدولة غنيمة، ولأنهم مكبلون نفسيا فإنهم يقاتلون بلا هوادة لأجل عيون السلطة، ولأنهم مفتقدون للعلم فإنهم لا يعرفون الأولويات ولا يضعون الخطط الناجعة ولا يضبطون القوانين المناسبة ويتركون الثغرات (كما نتحدث اليوم عن ثغرات في الدستور وعن إعادة كتابة فصول)، إلخ.

هذا التعليل غير متين للأسف، فإن الديمقراطية الغربية لم تدعي يوما نهاية الفاسدين في العالم ولا ادعت يوما كمال الدستور والقوانين ولا ادعت نهاية المطامح البشرية السيئة وتحول الألمان أو الانجليز أو الفرنسيين إلى ملائكة. الديمقراطية الغربية الناجعة، كما لا يمكن إنكاره، تشتغل بالعناصر نفسها التي نشتغل عليها: الرغبات الجامحة في الفساد المالي لدى البشر، الأمراض الدائمة وهوس السلطة، النقص الطبيعي للإنسان في التخطيط والتدبير ومقاربة الحقائق السياسية والاقتصادية.. ما المشكل إذن مجددا؟

* الاحتمال الثاني

الفرضية التي ندافع عنها هي التالية: إن أهم ما في الديمقراطية الغربية ليس الصياغة العبقرية للدستور والقوانين والذكاء المفرط للقائمين عليها، كما ليس الجوهر الملائكي للطبقة الحاكمة وصفاء الخلق، وهو ليس أيضا حماسا لا نملكه وفائضا من النشاط يدفع إلى التنفيذ. أهم ما في الديمقراطية الغربية هو بما لا نتوقعه المعارضة الحقيقية. وتعني المعارضة الحقيقية وجود قطب ثان غير القطب الحاكم يهدد استقرار الطبقة الحاكمة ويملك القوة لإزاحتها فعليا بعد متابعتها وتقويمها والدعاية الإعلامية ضدها ثم الحلول محلها في انتخابات قادمة. هذا كل الحدث الطريف الذي نراه في الديمقراطية الغربية وليس الصفاء الروحي ولا العبقرية الذهنية ولا اللحم الزائد والدم للإنسان الغربي.

على هذا الأساس نفهم بأي معنى يكون الشرط الأساسي لكل نظام ديمقراطي قوتان كبيرتان لا فضل لأحدهما على الثانية في القوة إلا بالمقدار الذي لا يشد انتباها ولا يسيل حبرا: الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي في أمريكا، الجمهوريون والاشتراكيون في فرنسا، الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الديمقراطي الإشتراكي في ألمانيا، حزب المحافظين وحزب العمال في بريطانيا، المحافظون والإصلاحيون في إيران، حزب الليكود وكاديما (كلاهما يمين) وحزب العمل في "إسرائيل"..

علينا أن لا نخلط الأشياء هنا فنعترض على عدم ديمقراطية هذه الأحزاب خاصة في السياسة الخارجية للدول (كلها دول استعمارية قديما وراهنا بشكل عنيف أو ملطف). نقصد فقط الحياة السياسية الداخلية التي لا يشك أحد أنها تدار على نحو ديمقراطي.

الانتقال الديمقراطي في تونس، كما هو واضح، لم يبن قطبا حقيقيا خارج السلطة. فالنهضة تدخل في حلف مع النداء حيث لا أحد من الحزبين الكبيرين معارضة؛ ما يسمي نفسه اليوم معارضة في تونس (لم يسمه أحد غير نفسه) هو أيضا جزء من السلطة كالجبهة الشعبية وأخواتها ويتخذ موقعا غريبا، معارضة من داخل السلطة؛ الموقع الحقيقي للمعارضة من خارج السلطة تحتله إلى جانب الشعب الأعزل بعض الأحزاب الناشئة غير ذات الثقل البشري، وإن كان خطها السياسي الديمقراطي الاجتماعي قابلا ليكون فارقا وقاعدة لمعارضة حقيقية إذا اجتمع في جبهة موحدة وتأثث بشريا. النتيجة أن ليس ثمة قطب معارضة حقيقي في تونس يشكل ثقلا يفرض به توازنا في الحياة السياسية، ويرسي الشرط الفعلي للديمقراطية (الدستور العبقري والقوانين والكفاءات الخارقة والانتخابات النزيهة كلها شروط صورية).

ج - غياب الشرط الأساس للديمقراطية

لمَ لمْ يتشكل قطب حقيقي في تونس (وفي مصر)، وبالتحدي لم لن يتشكل حتى في المستقبل البعيد هذا القطب، ولن ينجح الانتقال الديمقراطي بحسب وعينا المغلوط بالديمقراطية؟ لم سيظل التنازع الهدام سيد الموقف لا التدافع البناء؟

إذا دققنا جيدا نوع الفروق القائمة بين الأقطاب الأساسية للحياة السياسية في الدول الديمقراطية التي سردناها (ولنقبل حتى بإيران رغم اختلاف وضعها، إذ المعارضة المحرجة فعلا تم القضاء عليها من بداية الثورة، حزب طودا والطبقة العلمانية برمتها)، فإن النتيجة الواضحة هي التالية: ليس ثمة فرق جوهري (أي فرق هويتين متباينتين deux identités divergentes) بين الأحزاب الكبرى بل فقط فرق اللباس المختلف للجوهر الواحد، للهوية الواحدة identité unique. إنها الهوية الفرنسية نفسها تلك التي تنقسم إلى جمهوريين واشتراكيين، وهي الهوية الأمريكية نفسها التي تنقسم إلى جمهوريين وديمقراطيين، وهي الهوية الانجليزية نفسها التي تنقسم إلى محافظين وعمال، وهي الهوية الألمانية نفسها التي تنقسم إلى ديمقراطيين مسيحيين وديمقراطيين اجتماعيين، وهي الهوية "الإسرائيلية" نفسها التي تنقسم إلى يمين وعمل، وهي الهوية الإيرانية الإسلامية الشيعية نفسها التي تنقسم إلى محافظين وإصلاحيين.. وإذا دققنا النظر أكثر فإن مجرد مسألة الحجاب (الوافدة من هوية مغايرة) قد أربكت الديمقراطية الفرنسية وأقضت مضجعها دون الإطالة في شرح العناصر المختلفة بلا ريب والمربكة للديمقراطية الأمريكية والألمانية والإنجليزية والصهيونية والإيرانية.

الديمقراطية التونسية بالمقابل لا تتعلق بإدارة الحياة السياسية داخل الهوية الواحدة. من ثمة فإن الفرق شاسع بين أن نقول محافظ وغير محافظ، يمين ويسار، ليبرالي واجتماعي.. إذ نتحدث عن تونس ومجمل الدول العربية أو نتحدث عن فرنسا ومجمل الدول الأوروبية. إن هذه الألقاب التي نلصقها بالكانتونات الحزبية تشير في أوروبا أو لدى الكيان الصهيوني أو حتى في إيران إلى وجهين لهوية واحدة صلبة ومستقرة جوهريا، أما في تونس وفي مصر وفي كل الدول العربية، إذا أطلقناها، فإنها تشير إلى هويتين مختلفتين جوهريا غير مستقرتين في عمق وجودهما بل العكس تماما متنافرتين.

نفهم على هذا النحو لم تكون الهويات المختلفة في الدول الديمقراطية متصارعة على نحو بناء، إذ هي تتصارع حول هدف واحد لا نزاع حوله هو هويتها المشتركة. على العكس، فإن التجربة الديمقراطية لدينا تشهد صراعا هداما، لكونه صراع حول أهداف مختلفة أصلا بين هويتين مختلفتين، بما يعني متقاتلتين روحيا قبل أن ترفعا السلاح عينيا في وجه بعضها بعضا، أعني الهوية الإسلامية وغير الإسلامية.

2 - إعادة فهم المشهد السياسي على ضوء الفروق الجوهرية وغير الجوهرية

أ – التوافق والوعي التلقائي بالهوية الواحدة

نفهم لذلك من خلال التجربة القصيرة للديمقراطية التونسية ما يلي:

- النهضة تجد نفسها في السلطة، ولصفتها الإسلامية (بغض النظر عن تطابق الاسم والمسمى) لا غير (فشل الإصلاح والأداء لم يكن الرقم الصعب في عوامل الاعتراض على المسار الديمقراطي، إذ كما عبر أحدهم عن رفضه النهضة ولو حولت تونس إلى سويسرا)، فإن النخب المعلمنة، لصفتها العلمانية لا غير (المصالح المادية والسياسية تأتي ثانية، أما العناصر التي فعلت بحدة كبيرة ضد بقاء النهضة في السلطة فهي العناصر الإيديولوجية، اليسارية خاصة في اتحاد الشغل والإعلام ومختلف المواقع المشابهة متحالفة ومستنهضة ومستعينة بالسياسيين الفاسدين وبالمال الفاسد دون أن يكون هذا هو المحدد الأول، إلا إذا تحدثنا عنه من جهة القوة والسطوة والنفوذ، لا من جهة التوجيه الأصلي للمعركة) ترفض نتيجة هذا الوضع. لسنا في حاجة للإطالة بل نذكر فقط بما حصل من الاحتجاجات الاجتماعية حتى الاغتيالات وسقوط الحكومات، أي إنهاء ما يسمى فعليا (بالتعريف الغربي الذي نقصد العمل به) المسار الديمقراطي والدخول في المسار التوافقي.

- دخول الانتقال الديمقراطي مرحلة التوافق، بما تعنيه من إنهاء العمل بفكرة المعارضة على نحو حاسم، أي بناء الديمقراطية بحسب هويتين متنافرتين، والدخول في العمل بمقتضيات الهوية الواحدة، وهو ما تتسع له فعلا الديمقراطية. يجب إذن أن تضحي إحدى الهويات لفائدة الثانية، أو أن تضحيا معا بنفسيهما لفائدة هوية ثالثة، المهم أن لا نحتفظ بهويتين متعارضتين جوهريا. الغلبة كانت بلا منازع لفائدة الهوية غير المؤسلمة، تنازلت فيها النهضة عن مسماها الإيديولوجي، وتحولت إلى حزب "مدني" تماما كما يفترض أن تكون جميع الأحزاب. الهوية "المدنية" تضحي اليوم الهوية الواحدة التي لا مفر منها لبناء حياة ديمقراطية وقد تعذرت جميع الهويات الأخرى ذات الصبغة الإيديولوجية. والحقيقة أن هذه الهوية "المدنية" (حتى لا نكون عدميين) ليست وحدها هوية الديمقراطية التونسية المنشودة. ثمة أيضا العناصر ذات الطابع الثقافي لا الإيديولوجي والتي لكل إيديولوجيا فيها نصيب: الأعياد الدينية والمواسم (رمضان، الحج..) والقرآن في الجنائز والصلاة على النبي في خطاب التونسي والقسم بالهو، كل ذلك من جهة إلى جانب اللباس المرفوض في الأصل دينيا من جهة ثانية، بل ما يعد في الدين عراء، فالخمر والزنا والسرقة والرشوة... في حدود معلومة، كل تلك ثقافة التونسي أو الهوية الواحدة التي تحتاجها الديمقراطية.

نفهم من ثمة لم انبرت النهضة ترأب الصدع بينها وبين ثقافة التونسي وبين الثعالبي وبورقيبة، والمعنى، بحسب المفاهيم الآنفة، صياغة الهوية الواحدة أرضية وحيدة للديمقراطية. بعد ذلك فإن النهضة تستكمل هذه الصورة الرومانسية بالفصل بين الدعوي والسياسي لتعلن دخولها العلني إلى مأدبة الديمقراطية (أي الاختلاف داخل الهوية الواحدة)، وقد دخلت فعليا في ذلك من قبل.

ب - ديمقراطية موت الهويات واحتمالات المستقبل

المسار التوافقي إعلان واضح لكون الديمقراطية هي آلية إدارة الحوار والتعايش داخل الهوية الواحدة، فلا طاقة لها على إدارة التعايش بين هويتين مختلفتين. غير أن الهوية الواحدة التي أخصبت في الغرب لكونها هوية فعلية جامعة، تنكشف لدينا كهوية عاطلة لكونها اصطناع للوحدة حيث الاختلاف الحاد للهويات. فالمسعى الذي ألقى بالتيارات الإيديولوجية في قلب رحى واحدة (يمينها ويسارها)، انتهى بموت الديمقراطية. لقد حقق الشرط الأساس لها: الهوية الواحدة "المدنية" الثقافية والخدمية، لكنه هنالك بالضبط كتم أنفاس الفرق نهائيا (الديمقراطية ليست فقط الهوية الواحدة بل الفرق داخل الهوية الواحدة). إن المسار التونسي قد قفز بشكل يحطم العظام من الفرق الفعلي لهويتين إسلامية ومعلمنة (نتيجته صراع مرير) إلى اغتيال واضح للفرق. تفتقر لذلك الحياة الديمقراطية التونسية إلى الفرق. فما العمل؟

المسارات من الناحية المنطقية المحضة واضحة، أما من الناحية الواقعية فلكل أن يختار: فإما أن تؤهل القوى الديمقراطية الاجتماعية نفسها لمهمة القطب المرجح في البلاد، وخطها يسمح لها نسبيا بتكوين قطب حقيقي، لكن أن قاعدتها الشعبية موضوع استفهام والتحشيد الشعبي يعوزها. وإما أن ترتب النهضة نفسها لهذه المهمة (وشعبيتها تسمح لها بذلك لكن خطها السياسي وأساسا الإيديولوجي يظل شوكة في حلقها). ولأن النهضة حتى وإن خرجت من جلدها وانصاعت للشروط الديمقراطية كاملة (الاشتغال كهوية ثقافية وحزب خدمي)، ظلت تهمة "الإسلام السياسي" قابلة في كل مرة للانفجار عليها، فإن المرجح بقاؤها عنصرا سلبيا في الحياة السياسية التونسية بما لا يفيد في بناء ديمقراطية فعلية.

كل ذلك يعني في المدى المنظور أن ليس ثمة شروط حقيقية للديمقراطية في تونس، لأن الاختلاف الحق من جهة لا تحتمله الديمقراطية (الاختلاف بين تيار إسلامي وتيار غير إسلامي)، وأن ما تحتمله من اختلاف لا يقدر على بناء أقطاب فعلية مرجحة، العنصر الأشد أهمية في الديمقراطية. فإما ذاك، وإما التفكير الشجاع في الاعتراف المتبادل الإسلامي العلماني.

خاتمة

الديمقراطية لا تتسع لهويتين بل فقط هي آلية إدارة التعايش داخل الهوية الواحدة تنقسم لوجهين ممكنين. لذلك فالوضع الديمقراطي في تونس يمكن تعليله بهوية مصطنعة تنازل فيها الطرفان الأساسيان الإسلامي والمعلمن عن خصوصيتهما لصالح "الهوية التونسية". والسؤال هاهنا هو عن مدى صلابة هذه القاعدة للديمقراطية: فالهوية المعلمنة خاصة لا تنفك صباح مساء تبحث عن الهيمنة، ولا تطمئن لتعايش مع هوية-ضدية. وإذا علمنا أن البناء على قواعد غير مصطنعة هو الأفضل على الإطلاق، فإن السؤال القادم لا محالة هو المتعلق بكيفية القبول المتبادل بهويتين مختلفين جذريا في تونس إسلامية ومعلمنة، وهو ما بدأت بوادره تظهر في المطالبة بموقع للرؤية المعلمنة للحريات والمساواة وكل لواحقها المربكة للثقافة التونسية.

 

د. بلغيث عون

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك